نعمة الصحة والعافية
.. نعمة الصحة والعافية.. هذا هو موضوع الحديث اليوم.. وقد يبدو الحديث عن هذا الموضوع غريباً بعض الشيء، لأن الصحة والعافية أمر صرنا نعده من المسلمات، وصرنا لا نلتفت إليه فلا نذكر هذه النعمة إلا عند المرض، ولذلك نبهنا النبي -عليه الصلاة والسلام- إلى ذلك في حديث صحيح أخرجه البخاري، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) يقول عليه الصلاة والسلام: (مغبون فيهما كثير من الناس) معنى الغبن: عدم معرفة القيمة، بلغة التجارة: عندك بضاعة بألف بعتها بمائة، غُبِنْتَ، لا تعرف قدر ما عندك، لا تعرف قيمة ما تملك، فأخذ منك بسعر رخيص. (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) أي: لا يعرف كثير من الناس قدر كل واحدة من هتين النعمتين فهو يُغبن، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (الصحة) هذه الأولى، والثانية: (الفراغ) لأننا لا نعرف قدر الصحة، ونظن أن الإنسان ولد هكذا ويبقى هكذا إلى أن يموت هكذا كما هو، قوي شديد صحيح بريء من الأسقام والعلل!.
الإحصائيات تقول: هناك سبعة وعشرون ألف مرض!، وقواميس الأمراض ما تزال تزيد وتضم أعداداً من الأمراض تكتشف كل سنة، هي إما أمراض لم تكن معروفة من قبل فعرفت الآن، أو أمراض لم تكن موجودة من قبل فأُحدِثت الآن بما يُحدِث الناس من الذنوب.
فكيف نعرف قدر هذه النعمة؟.. ربما نعرف قدر ليلة القدر، وقد نزل فيها القرآن الكريم، ((إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر)) هذه الليلة ربما تكون فرصة الإنسان في عمره، يقبل فيها على ربه فيدعو بدعوة فتستجاب، ما هي هذه الدعوة؟.. لو أعطي إنسان المجال لمقابلة ملك أو وزير أو رئيس، وقال له: اطلب ما تريد وسل ما تشاء أعطيه لك، ربما يقول: أريد سيارة، أو يقول أريد مالاً، ربما آخر يقول أريد الصحبة والمجالسة، وآخر يقول أريد كذا وكذا.. عندك فرصة في ليلة القدر تريد أن تسأل الله تعالى والدعاء مستجاب، السيدة عائشة رضي الله عنها تنبهت لهذا الأمر، فسألت النبي عليه الصلاة والسلام وقالت: (يا رسول الله، إذا رأيت ليلة القدر ماذا أقول؟ قال: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) خلاصة الكلام كلمة واحدة: (اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) هذا ليس طلباً للعفو والمغفرة من الذنوب والمعاصي فحسب، لكن هذا يعني أنك مقصر في حق الله تعالى، ولم تقم بحقوق العبودية لله عز وجل، ولم تقم بحقوق الشكر لله عز وجل على ما أنعم به عليك وعلى ما وهبك وأعطاك.
الواحد منا يعرف نعمة الصحة بعد المرض، يعرف نعمة الغنى بعد الفقر، فيشكر الله تبارك وتعالى على العافية بعد المرض، يشكر الله تعالى على نعمة السعة في الرزق ووفاء الدين لكن بعد الضيق والعسر والفقر والفاقة، يشكر الله تبارك وتعالى على نعمة الحرية بعد تقييد الحرية، يشكر الله تبارك وتعالى على نعمة القوة بعد الضعف، هذا خطأ، (تعرّف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة) ينبغي أن تشكر الله تبارك وتعالى على النعمة وهي معك قبل أن تبتلى بالفقد، قبل أن تعرف الضد، صحيح أن معرفة الأضداد تفيد وتميز، لكن صاحب البصيرة يعرف قدر ما عنده قبل أن يمتحن، صاحب الذهب الذي يعرف قيمة الذهب واللؤلؤ والجوهر والياقوت والزبرجد يعلم قيمة ما عنده ولا يحتاج لمقارنته بالحجر والتراب والجص وغير ذلك، يقول: أنا أعرفه، فلا يضع أمامه الجص ويقول: الحمد لله الذي عندي ذهب وليس جصاً، لا يضع الحجر ويقول: الحمد لله الذي عندي زبرجد وألماس وياقوت وليس حجراً، اعرف قيمة ما وهبك الله تبارك وتعالى من نعمة الصحة والعافية
NUR
•
و ان الذين يشكرون الله و هم مؤمنون.. لا يعذبهم الله تعالى
بسم الله الرحمن الرحيم
مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِراً عَلِيماً
و ان الذي يشكر الله سبحانه ... يزيده
بسم الله الرحمن الرحيم
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ
و للاسف فان اكثر الناس لا يشكرون
بسم الله الرحمن الرحيم
وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ
ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ
قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ
بسم الله الرحمن الرحيم
.... وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ
بسم الله الرحمن الرحيم
مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِراً عَلِيماً
و ان الذي يشكر الله سبحانه ... يزيده
بسم الله الرحمن الرحيم
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ
و للاسف فان اكثر الناس لا يشكرون
بسم الله الرحمن الرحيم
وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ
ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ
قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ
بسم الله الرحمن الرحيم
.... وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ
الله سبحانه وتعالى أنعم علينا بنعم كثيرة، ولا نعمة بعد نعمة الإسلام والإيمان ومعرفة الله تبارك وتعالى ومعرفة النبي عليه الصلاة والسلام أعظم من نعمة العافية، وقد جاء هذا في حديث عنه عليه الصلاة والسلام، يقول عليه الصلاة والسلام: (لا بأس بالغنى لمن اتقى، والصحة خير من الغنى لمن اتقى) هذا في معرفة مراتب النعم، (والصحة خير من الغنى لمن اتقى)، أيهما خير لك المال أو الصحة؟ لا شك أن الصحة خير من المال، بعض الناس يغفل عن ذلك، فيطلب التجارات والأموال، ولا يبالي أكان صحيحاً أم سقيماً، لكن النبي عليه الصلاة والسلام يبين لنا في هذا الحديث أن الصحة خير من المال، ولو وضع مال الدنيا كله بجنب ألم أو وجع أو مرض لكانت الصحة والعافية والسلامة من ذلك المرض والبرء من ذلك الوجع خير من مال الدنيا أجمعه، لكن الإنسان لا يعرف قدر النعمة نسأل الله تعالى أن يحفظ علينا وعليكم نعمة العافية، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام حثنا على أن نسأل الله تبارك وتعالى العافية، وكان عليه الصلاة والسلام يقول: (اللهم إني أسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة).
وفي الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه البخاري والترمذي وغيرهما: (من بات آمناً في سربه معافاً في بدنه عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها) (من بات آمناً في سربه) أي: في بلده وفي وطنه في بيته، هي نعمة الأمن، وأصل الأمن الإيمان بالله تبارك وتعالى ((أولئك لهم الأمن))، فالأمن يبتدئ من الإيمان، الأمن يبتدئ من العبادة لله عز وجل والإقرار له بالعبودية، يبتدئ من الإسلام والأحكام، الذي يظن أن الأمن هو الأمن من العدو الذي يدهم والأمن من سلب المال، إنما يقصر الأمن على الأشياء الحسية، الأمن مصدره في المجتمعات قلب الإنسان، والقلب لا يمكن أن يكون آمناً ما لم يحل فيه الإيمان، ولذلك فإن الأمن والإيمان مشتقان من جذر واحد: (أَمِنَ)، ومنه: (آمن). (من بات آمناً في سربه معافاً في بدنه): إذا رزقك الله تبارك وتعالى الأمن والعافية ماذا تريد بعد ذلك؟ ثم قال: (عنده قوت يومه) عندك طعام يوم وليلة، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها) أي: كأنما ملك الدنيا بأجمعها، من هو الملك؟ الملك هو الذي يبيت آمناً مطمئناً في فراشه متكلاً على الله تبارك وتعالى واثقاً بوعده مقبلاً عليه سبحانه
وفي الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه البخاري والترمذي وغيرهما: (من بات آمناً في سربه معافاً في بدنه عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها) (من بات آمناً في سربه) أي: في بلده وفي وطنه في بيته، هي نعمة الأمن، وأصل الأمن الإيمان بالله تبارك وتعالى ((أولئك لهم الأمن))، فالأمن يبتدئ من الإيمان، الأمن يبتدئ من العبادة لله عز وجل والإقرار له بالعبودية، يبتدئ من الإسلام والأحكام، الذي يظن أن الأمن هو الأمن من العدو الذي يدهم والأمن من سلب المال، إنما يقصر الأمن على الأشياء الحسية، الأمن مصدره في المجتمعات قلب الإنسان، والقلب لا يمكن أن يكون آمناً ما لم يحل فيه الإيمان، ولذلك فإن الأمن والإيمان مشتقان من جذر واحد: (أَمِنَ)، ومنه: (آمن). (من بات آمناً في سربه معافاً في بدنه): إذا رزقك الله تبارك وتعالى الأمن والعافية ماذا تريد بعد ذلك؟ ثم قال: (عنده قوت يومه) عندك طعام يوم وليلة، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها) أي: كأنما ملك الدنيا بأجمعها، من هو الملك؟ الملك هو الذي يبيت آمناً مطمئناً في فراشه متكلاً على الله تبارك وتعالى واثقاً بوعده مقبلاً عليه سبحانه
الصفحة الأخيرة
الحمد لله
أولاً:
الشكر هو : المجازاة على الإحسان ، والثناء الجميل على من يقدم الخير والإحسان ، وأجل من يستحق الشكر والثناء على العباد هو الله جل جلاله ؛ لما له من عظيم النعَم والمنن على عباده في الدِّين والدنيا ، وقد أمرنا الله تعالى بشكره على تلك النعم ، وعدم جحودها ، فقال : ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ ) البقرة/ 152 .
ثانياً:
أعظم من قام بهذا الأمر ، فشكر ربَّه ، حتى استحق وصف " الشاكر " و " الشكور " هم الأنبياء والمرسلون عليهم السلام :
قال تعالى : ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . شَاكِراً لَأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) النحل/ 120 ، 121 .
وقال تعالى : ( ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً ) الإسراء:/ 3 .
ثالثاً:
ذكر الله تعالى بعض نعمه على عباده ، وأمرهم بشكرها ، وأخبرنا تعالى أن القليل من عباده من قام بشكره عز وجل .
1. قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) البقرة/ 172 .
2. وقال تعالى : ( وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ ) الأعراف/ 10 .
3. وقال تعالى : ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) الروم/ 46 .
4. ومن النعم الدينية : قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) المائدة/ 6 .
وغير ذلك كثير ، وإنما ذكرنا هنا بعض تلك النِّعَم ، وأما حصرها : فيستحيل ، كما قال الله تعالى : ( وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) إبراهيم/ 34 ، ثم منَّ الله علينا فغفر لنا تقصيرها في شكر تلك النعم ، فقال : ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) النحل/ 18 .
والمسلم دائم الطلب من ربِّه تعالى أن يعينه على شكره تعالى ؛ إذ لولا توفيق الله لعبده ، وإعانته : لما حصل الشكر ، ولذا شرع في السنَّة الصحيحة طلب الإعانة من الله على شكره تعالى .
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ : ( يَا مُعَاذُ ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ ، فَقَالَ : أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ : اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ ، وَشُكْرِكَ ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ ) .
رواه أبو داود ( 1522 ) والنسائي ( 1303 ) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود " .
وكان الشكر على النِّعَم سبباً في زيادتها ، كما قال تعالى : ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) إبراهيم/ 7 .
رابعاً:
كيف يكون شكر العبد ربَّه على نعمه الجليلة ؟ يكون الشكر بتحقيق أركانه ، وهي شكر القلب ، وشكر اللسان ، وشكر الجوارح .
قال ابن القيم - رحمه الله - :
الشكر يكون : بالقلب : خضوعاً واستكانةً ، وباللسان : ثناءً واعترافاً ، وبالجوارح : طاعةً وانقياداً .
" مدارج السالكين " ( 2 / 246 ) .
وتفصيل ذلك :
1. أما شكر القلب : فمعناه : أن يستشعر القلب قيمة النعم التي أنعمها الله على عبده ، وأن ينعقد على الاعتراف بأن المنعم بهذه النعَم الجليلة هو الله وحده لا شريك له ، قال تعالى : ( وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ) النحل/ 53 .
وليس هذا الاعتراف من باب الاستحباب ، بل هو واجب ، ومن نسب هذه النعم لغيره تعالى : كفر .
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله - :
الواجب على الخلق إضافة النعم إلى الله قولاً ، واعترافاً ، وبذلك يتم التوحيد ، فمن أنكر نعَم الله بقلبه ، ولسانه : فذلك كافر ، ليس معه من الدين شيء.
ومَن أقر بقلبه أن النعَم كلها من الله وحده ، وهو بلسانه تارة يضيفها إلى الله ، وتارة يضيفها إلى نفسه ، وعمله ، وإلى سعي غيره - كما هو جارٍ على ألسنة كثير من الناس - : فهذا يجب على العبد أن يتوب منه ، وأن لا يضيف النعم إلا إلى موليها ، وأن يجاهد نفسه على ذلك ، ولا يتحقق الإيمان ، والتوحيد إلا بإضافة النعَم إلى الله ، قولاً ، واعترافاً .
فإن الشكر الذي هو رأس الإيمان مبني على ثلاثة أركان : اعتراف القلب بنعَم الله كلها عليه ، وعلى غيره ، والتحدث بها ، والثناء على الله بها ، والاستعانة بها على طاعة المنعم ، وعبادته .
" القول السديد في مقاصد التوحيد " ( ص 140 ) .
وقال تعالى مبيناً حال من يجحد نسبة النعم لله تعالى : ( يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ ) النحل/ 83 .
قال ابن كثير - رحمه الله - :
أي : يعرفون أن الله تعالى هو المسدي إليهم ذلك ، وهو المتفضل به عليهم ، ومع هذا ينكرون ذلك ، ويعبدون معه غيره ، ويسندون النصر والرزق إلى غيره .
" تفسير ابن كثير " ( 4 / 592 ) .
2. وأما شكر اللسان : فهو الاعتراف لفظاً – بعد عقد القلب اعتقاداً – بأن المنعَم على الحقيقة هو الله تعالى ، واشتغال اللسان بالثناء على الله عز وجل .
قال تعالى في سياق بيان نعمه على عبد محمد صلى الله عليه وسلم : ( وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى ) الضحى/ 8 ، ثم أمره في مقابل ذلك بقوله : ( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) الضحى/ 11 .
قال ابن كثير – رحمه الله - :
أي : وكما كنت عائلا فقيراً فأغناك الله : فحدِّث بنعمة الله عليك .
" تفسير ابن كثير " ( 8 / 427 ) .
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنْ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا ، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا ) .
رواه مسلم ( 2734 ) .
قال أبو العباس القرطبي – رحمه الله - :
والحمد هنا بمعنى الشكر ، وقد قدمنا : أن الحمد يوضع موضع الشكر ، ولا يوضع الشكر موضع الحمد ، وفيه دلالة على أن شكر النعمة - وإن قلَّت - : سببُ نيل رضا الله تعالى ، الذي هو أشرف أحوال أهل الجنة ، وسيأتي قول الله عز وجل لأهل الجنة حين يقولون : " أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك ، فيقول : ( ألا أعطيكم أفضل من ذلك ؟ ) فيقولون : ما هو ؟ ألم تبيض وجوهنا ، وتدخلنا الجنة ، وتزحزحنا عن النار ؟ ، فيقول : ( أحلُّ عليكم رضواني ، فلا أسخط عليكم بعده أبداً ) .
وإنما كان الشكر سبباً لذلك الإكرام العظيم لأنَّه يتضمَّن معرفة المنْعِم ، وانفراده بخلق تلك النعمة ، وبإيصالها إلى المنعَم عليه ، تفضلاًّ من المنعِم ، وكرماً ، ومنَّة ، وأن المنعَم عليه فقيرٌ ، محتاجٌ إلى تلك النعَم ، ولا غنى به عنها ، فقد تضمَّن ذلك معرفة حق الله وفضله ، وحقّ العبد وفاقته ، وفقره ، فجعل الله تعالى جزاء تلك المعرفة : تلك الكرامة الشريفة .
" المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم " ( 7 / 60 ، 61 ) .
ومن هنا قال بعض السلف : " مَن كتم النعمة : فقد كفَرها ، ومن أظهرها ونشرها : فقد شكرها " .
قال ابن القيم – تعليقاً على هذا - :
وهذا مأخوذ من قوله : ( إن الله إذا أنعم على عبد بنعمة : أحب أن يَرى أثر نعمته على عبده ) .
" مدارج السالكين " ( 2 / 246 ) .
ويروى عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله قوله : تذاكروا النِّعَم ، فإنَّ ذِكرها شكرٌ .
3. وأما شكر الجوارح : فهو أن يسخِّر جوارحه في طاعة الله ، ويجنبها ارتكاب ما نهى الله عنه من المعاصي والآثام .
وقد قال الله تعالى : ( اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً ) سـبأ/ من الآية 13 .
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى قَامَ حَتَّى تَفَطَّرَ رِجْلَاهُ قَالَتْ عَائِشَةُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَصْنَعُ هَذَا وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ؟ فَقَالَ : ( يَا عَائِشَةُ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا ) .
رواه البخاري ( 4557 ) ومسلم ( 2820 ) .
قال ابن بطَّال – رحمه الله - :
قال الطبري : والصّواب في ذلك : أن شكر العبد هو : إقراره بأن ذلك من الله دون غيره ، وإقرار الحقيقة : الفعل ، ويصدقه العمل ، فأما الإقرار الذي يكذبه العمل ، فإن صاحبه لا يستحق اسم الشاكر بالإطلاق ، ولكنه يقال شكر باللسان ، والدليل على صحة ذلك : قوله تعالى : ( اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ) سبأ/ 13 ، ومعلوم أنه لم يأمرهم ، إذ قال لهم ذلك ، بالإقرار بنعمه ؛ لأنهم كانوا لا يجحدون أن يكون ذلك تفضلاًّ منه عليهم ، وإنما أمرهم بالشكر على نعمه بالطاعة له بالعمل ، وكذلك قال صلى الله عليه وسلم حين تفطرت قدماه في قيام الليل : ( أفلا أكون عبدًا شكوراً ) .
" شرح صحيح البخارى " ( 10 / 183 ، 184 ) .
وقال أبو هارون : دخلتُ على أبي حازم ، فقلت له : يرحمك الله ، ما شكرُ العينين ؟ قال : إذا رأيتَ بهما خيراً : ذكرته ، وإذا رأيتَ بهما شرّاً : سترته ، قلت : فما شكر الأذنين ؟ قال : إذا سمعتَ بهما خيراً : حفظته ، وإذا سمعتَ بهما شرّاً : نسيتَه .
قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله - :
الشكر على درجتين : إحداهما واجب ، وهو أن يأتي بالواجبات ، ويتجنب المحرمات ، فهذا لا بد منه ، ويكفي في شكر هذه النعم ، ... .
ومن هنا قال بعض السلف :
" الشكر : ترك المعاصي " .
وقال بعضهم : " الشكر أن لا يُستعان بشيءٍ من النعَم على معصيته " .
وذكر أبو حازم الزاهد شكرَ الجوارح كلها : " أن تكف عن المعاصي ، وتستعمل في الطاعات " ، ثم قال : " وأما مَن شكر بلسانه ولم يشكر بجميع أعضائه : فمثَلُه كمثل رجل له كساء فأخذ بطرفه ، فلم يلبسه ، فلم ينفعه ذلك من البرد ، والحر ، والثلج ، والمطر " .
الدرجة الثانية من الشكر : الشكر المستحب ، وهو أن يعمل العبد بعد أداء الفرائض ، واجتناب المحارم : بنوافل الطاعات ، وهذه درجة السابقين المقربين ... .
" جامع العلوم والحكم " ( ص 245 ، 246 ) .
والخلاصة :
أنه حتى تكون شاكراً لربك تعالى على ما أنعم عليك : فإنه يجب عليك الاعتراف بقلبك أن واهب هذه النعم ، ومسديها هو الله تعالى ، فتعظمه ، وتنسبها إليه ، وأن تعترف بذلك بلسانك ، فتشكره بعد الاستيقاظ من النوم أن وهب لك الحياة ، وبعد الطعام والشراب أن رزقك إياهما وتفضل بهما عليك ، وهكذا في كل نعمة تراها على نفسك .
وتشكره بجوارك بأن لا تجعلها ترى ، ولا تسمع ، معصية ، أو منكراً ، كغناء ، أو غيبة ، ولا تمش برجليك إلى أماكن محرَّمة ، ولا تستعمل يديك في منكر ، ككتابة محرمة في علاقة مع نساء أجنبيات ، أو كتابة عقود محرمة ، أو القيام بصنعة أو عمل محرَّم ،
ومن شكر النعم بالجوارح : تسخيرها في طاعة الله تعالى ، بقراءة القرآن ، وكتب العلم ، وسماع النافع والمفيد ، وهكذا باقي الجوارح تسخرها في الطاعات المختلفة .
واعلم أن شكر النعَم نعمة تحتاج لشكر ، وهكذا يبقى العبد متقلباً في نعَم ربِّه ، وهو يشكر ربه على تلك النعم ، ويحمده أن وفقه إلى أن يكون من الشاكرين .
نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياك لما يحب ويرضى .
والله أعلم