وللعمل الخيري في شهر رمضان طعم آخر .. فمع كونه أعظم أجراً ، فللنّفوس في رمضان إقبال على الخير ، لا يكون في غيره في العادة ، ومن لم يوفق للعمل فيه فله نصيب من الحرمان _والعياذ بالله_ .. فهنيئا لمن تزود فيه من العمل الصالح ما يقربه إلى الله _سبحانه وتعالى_ ويكسبه مرضاته في ليله أو نهاره . فقد جاء عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أنَّه كان يقول للصحابة _رضوان الله عليهم_ في أول رمضان: " أتاكم شهر رمضان ، شهر مبارك ، كتب الله عليكم صيامه ، تُفْتح فيه أبواب الجنة ، وتُغْلَق أبواب الجحيم ، وتُغَلّ مردة الشياطين ، فيه ليلة هي خير من ألف شهر ، من حرم خيرها فقد حرم " رواه أحمد والنسائي وغيرهما وصححه الألباني _رحمه الله_ . وفي الحديث الآخر : " رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له " رواه مسلم
و قد ورد عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أنَّه قال : " إذا كانت أول ليلة من رمضان صُفِّدَتِ الشياطين ومردة الجن وَغُلِّقَتْ أبواب النار فلم يفتح منها باب وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب ونادى مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أَقْصِرْ ولله عتقاء من النار وذلك في كل ليلة " رواه الترمذي وابن ماجه وصححه الألباني _رحمه الله_ .
ويكفي باغي الخير أن يتذكر أن له في رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ أسوة حسنة ؛ فقد كان _صلوات ربي وسلامه عليه_ يقود العمل الخيري بفعله قبل قوله ، فقد (( كان رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن ، فلرسول الله _صلى الله عليه وسلم_ أجود بالخير من الريح المرسلة )) رواه الشيخان .
.
الصفحة الأخيرة
ومن أهم صور العمل الخيري وأشهرها : النفقة في الخير ، قال الله _تعالى_ : "يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ "(البقرة215) ، وبيّن الله _عز وجل_ فضل ذلك بعامة، في مثل قوله _سبحانه_ : "مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ "(البقرة261).
وبين _سبحانه_ بعض آداب النفقة والإحسان في مثل قوله : "لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ "آل عمران92
أنه قال: " ما نقص مال من صدقة" وفي الحديث الصحيح عن رسول الله "وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه " رواه مسلم ، : ( ما نقصت صدقة من مال ) وجهين ، "وذكر النووي -رحمه الله- في معنى قوله أحدهما : معناه أنه يبارك فيه ويدفع عنه المضرات ، فينجبر نقص الصورة بالبركة الخفية ، وهذا مدرك بالحس والعادة . والثاني : أنّه وإن نقصت صورته كان في الثواب المرتب عليه جبر لنقصه ، وزيادة إلى أضعاف كثيرة " (شرح النووي لصحيح مسلم :16/141) .
أيضاً أنه قال: (ما من يوم يصبح فيه الناس إلا وينزل فيه ملكان يقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، والثاني يقول: اللهم أعط ممسكا تلفا" رواه الشيخان ؛ قال النووي _رحمه الله_ في معنى الحديث : " قال العلماء : هذا في الإنفاق في الطاعات ومكارم الأخلاق وعلى العيال والضيفان والصدقات ، ونحو ذلك ، بحيث لا يُذم ولا يسمى سرفا ، والإمساك المذموم هو الإمساك عن هذا " (شرح النووي لصحيح مسلم :7/95) .
والآيات والأحاديث في فضل النفقة في وجوه الخير والصدقة على ذوي الحاجة كثيرة جدا .
و ثواب العمل الخيري يعظم ، وترتفع درجات أهله في بعض الأحوال والظروف والأوقات والأزمان أكثر منه في سواها .. فهو في أوقات الأزمات وفي ظل التضييق على العمل الخيري مع شدّة الحاجة إليه ، وقلّة من يقوم به وقلّة النصير لأهله - أعظم أجراً ، قال الله _عز وجل_ : "وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ "(الحديد10)