فيضٌ وعِطرْ
فيضٌ وعِطرْ
نمضي مع مارية في روايتها والقراءة فيها ممتعة إلى حد بعيد .. يأخذك الوصف
الدقيق للشخوص والأماكن والممارسات اليومية والعادات إلى داخل الأحداث ، وإلقاء الضوء هنا على نتف من الأحداث لاينصف القصة !.
الكفر الذي شهد طفولة وصبا بطلتنا ناءٍ شديد التواضع وأهله كلهم من المسيحيين الأقباط وبعيداًعنه قليلاً توجد البلدة البيضاء كما يسمونها ؛ لأن بيوتها ناصعةالبياض وتقع من طابقين وأهلها أغنياء فالنساء يلبسن الأسورة الذهبية ، والأطفال يرتدون اللباس النظيف وأهلها أيضاً يعتنقون المسيحية ، ولكن الجابي بطرس راعي كنيسة الكفر كان يسميهم كفاراً.
لمارية أخ وحيد يدعى بنيامين يصغرها سناًيعمل مع رجال الكفر في حقول الكرم البعيدة نوعاً من الصباح حتى يأذن المغيب . وأبوها قضى عليه ( السل ) قبل سنوات
وأمها امرأة تحمل في صدرها الهموم وفي يدها دائماً شيء ما تحيكه فهي حائكة ماهرة . هناك بعض الشخوص التي تبرز في هذه الفصول من الرواية حيث تدور الأحداث في الكفر ولكن من بين الأبرز كانت رفيقتها ( دميانة ) التي تزوجت وارتحلت الى بلدة بعيدة وانقطعت أخبارها ومنذ تلك الأيام تغيرت الحياة في عيني
مارية فلمن تبث حديثها الآن ؟ ومن يسر إليها حديثه ؟ وزاد الأمر صعوبة حين حبستها أمها داخل البيت ومنعتها من الخروج لأنها تعدت الخامسة عشر فأقفرت
حياتها .. وكانت كثيراً ماتسترجع أحداث حياتها مع دميانة وتحدثها عن أيامها الموحشة التي تعيشها الآن مستحضرة أياها بخيالها ..حتى يوم جاء الأعراب
يخطبونها من بلد بعيد .. كانت تود أن تكون صديقة الطفولة معها تشاركها أفراحها كما هي شاركتها يوم عرسها ووقفت معها حتى سار بها الركب واختفت راحلتها في غيابة الصحراء وفي عين كل منهما الدموع !!... فهذا الفراق مابعده لقاء ...!
فيضٌ وعِطرْ
فيضٌ وعِطرْ
في دار بطرس الجابي كاهن الكفر تم الإتفاق بين العرب الساكنين بقوص قرب سيناء وبين بطرس القريب لأم بنيامين بحضور الأخير . وبعد المراسم ورؤية العروس
وتناول الطعام وتقديم صرر الهدايا والمهر اجتمع بطرس الجابي مع مارية وأمها
وناول الفتاة خمسة دنانير ذهبية لامعة قال أنها الأربون ، وأضاف بصوت أعلى : سيكون عقد الأملاك ، والتتويج بالإكليل، وبقية مراسم الزيجة بعد أربعة أسابيع .
وأكد الجابي أن هؤلاء العرب قومٌ كرماء وأغنياء وان حياة جديدة تنتظر مارية !!
قالها ببهجة وهو يناول الفتاة دينارين منه هدية العرس !.
ويمر اليومين الأولين بعد خطبتها وفيهما تغيرت صورة الحياة القاتمة الثقيلة المكررة التي عاشتها منذ أن منعت عنها أمها الخروج .. فالإحتفال كان لأجلها في كل أنحاء الكفر .. حتى اذا مر يومي الإحتفال عادت الحياة المملة إلى وتيرتها السابقة .. !!
ولكن الهواجس كانت ترحل بأفكار مريم بعيداً والخوف من المجهول يمتلكها وكانت تتمنى أن تكون دميانة قربها فما أحوجها إليها الآن ..
وكانت هناك مفاجأة تنتظر مارية حين سألت جارتهم ( أم نونا) التي كانت هي من دل العرب على مارية وأشادت بها ، وذلك حين سألتها مارية عن زوج المستقبل وعن دياره !!
ونترك ذلك للمرة القادمة .....!
فيضٌ وعِطرْ
فيضٌ وعِطرْ
مقتطفات من الرواية على لسان مارية :
كلام العرب وكلامنا : نعرف كلام العرب ويعرفون كلامنا ، فهم يأتون إلى ساحة السوق من ألوف السنين يسمونهم البعض التجار ، والبعض يسمونهم أبناء اسماعيل ، وآخرون يسمونهم العرب .
هم بالتالي يسمون كثراً من الأشياء بغير اسمها ، فيقولون :
المهَر بدل الأَرَبون
والذباب بدل الناموس
أما الذباب فهو ذباب
ويسموننا الأقباط ، ويسمون بلدنا مصر مع أنها من ألوف السنين تدعى كيمي .


تتذكر مارية والدها وهوعلى فراش المرض حين كان يردد ترنيمته الحزينة: جناحك مكسور ياعصفور
بين الجابي والكاهن محصور !
وكانت امي تتضايق من ذلك فتنهره ليسكت ... !
فيضٌ وعِطرْ
فيضٌ وعِطرْ
هنا دعونا نرى ( كَفرْ) مارية كما تصفه هي :
هما صفان من البيوت المبنية بالطين المعجون بالتبن ، وبين كل صفين درب مفتوحة عليه البيوت ..وهناك. الكنيسة ... وبيت الجابي ، ومن بعيد تلوح لنا المدينة البيضاء بأسوارها العالية !

ولندخل مع مارية إلى بيتها :
لبيتنا حائط واحد خاص وله باب خشبي رقيق .. أما حوائطه
الثلاثة الباقية فالحائط الأول هو السور الخلفي لقصر الجابي
والحائط المواجه للباب جدار من الفاصل بين الكفر والبرابي
( الآثار ) ، أماالجدار الثالث فهو حائط مشترك مع بيت أبونا شنوتة .
حوش بيتنا مفتوح على ثلاث حجرات : حجرتي وأمي ، وحجرة بنيامين ، وحجرة الحبوب .. وهناك عند الحائط المقابل زير نشرب منه الماء يأتينا به( هيدرا).
وفي منتصف الحوش حبلان من لوف الشجر نعلق عليها الملابس وخلفها نخلةتعطينا الرطب كل عام وهي معوجة لذا نستخدمها كسلم للصعود إلى السطح..
أما عند مدخل البيت. فقد ربطت معزة جميلة أهدانا إياها الجابي .. وفي زاوية من آخر البيت كان هناك بيت الخلاء
ولاستكمال صورة البيت فقد كانت. الدجاجات تمرح. في الحوش ومن ثم تختبيء إحداها لتضع بيضة ناصعة ماكان. يخفى علي مكانها ..
فيضٌ وعِطرْ
فيضٌ وعِطرْ
من الشخصيات البارزة في سير. الأحداث في الكفر ... نونا وأم نونا .. فمن هما ؟
هما أم وابنتها لهما هيئة الأختين فالفارق بين عمريهما خمسة عشر عاماً... نونا تزوجت في الحادية عشر من قريب يسكن الكفر فلم تبتعد عن أمها والأم تزوجت في الخامسة عشر .. وتمتازان بقصر القامة والإمتلاء ..
وتراهما في كل الأوقات تتنافسان في الإنجاب وتتقدم كل واحدة. بطنها المنتفخة ..وحين بلغت نونا العشرين كان لديها خمسة من الأولاد !
أم نونا كانت تشتغل وتطبخ الطعام في المدينة البيضاء وتصادف العرب الآتين ببضاعتهم ، وتتعامل معهم ..
وقد أبرزنا شخصها وابنتها هنا. لأنها. هي التي دلت العرب على مارية وأطنبت في صفاتها ، ولذا فقد منحتها
أم مارية بعضاً من هدايا الأعراب تقديراً لها ..
ونعود إلى مارية وإلى الأخبار التي فاجأتها ... فتابعوا - إن شئتم - معي ..