فيضٌ وعِطرْ
فيضٌ وعِطرْ
حين دخلت مارية يوم خطبتها على الأعراب في دار بطرس الجابي لتقدم الشراب كما هي عادتهم هناك كانت مرتبكة فلم تتمكن من معرفة خطيبها بين الجمع بل لمحت بطرف عينها فتى عربياً مكحلاً ودت لو أنه يكون المقصود. ولذا قررت بعد أن مرت أيام الإحتفالات بها وعادت الحياة إلى ركودها أن تستدعي أم نونا إلى بيتهم
لتخبرها عن مواصفات من ستربط حياتها به . إنها حتى لاتعرف اسمه. ..
ثم عرفت. وياليتها لم تعرف أنه في الثلاثين من العمر ... وأنه طويل القامة جميل. على حد قول أم نونا
إلا أن في عينيه. حول !
أصيبت مارية بخيبة ألم مريرة وقالت تحدث نفسها تلك الليلة في فراشها :
لقد كنت أتمنى زوجاً فتياً يقارب. عمري. ..
آه. ! أليس الكتكوت أحلى من الديك والدجاجة ؟
والشموع ! أليست أجمل من الشعلات؟
وعيناه !! كيف أكلمه ولا أنظر في عينيه كما تقول أمي ؟!
هل أخّر الزمان زواجي ليهبني زوجاً أحول في النهاية؟!!
وسحّت دموعها ساخنة وبكت بصمت كما كانت. تبكي أمها من قبل !!
نسيت أن أذكر لكم أنه كان يدعى ... سلامة !!
فيضٌ وعِطرْ
فيضٌ وعِطرْ
تصور الرواية بطلة قصتنا في عالمين : عالمها الأول في أحضان الكفر حتى يوم رحيلها مع زوجها ..
وعالمها الثاني...في رحاب الصحراء القريبة من سيناء وتسميها ( حياتي الثانية ) وشتان مابين العالمين ....!!
كانت رحلتها إلى حيث ديار زوجها صدمة ومعاناة استمرت شهوراً قطعتها على ظهر بغلة عجفاء وحوادث الرحلة هنا كثيرة
مدهشة .. لايروي ذكرها ظمأ ولا ينصفها إيجاز وعليك قارئتي العزيزة أن ترتشفي الحوادث من الكتاب على لتحصلي على متعة وفائدة القراءة . !
الكاتب بين حين وآخر يقطع سياق القصة ليغوص في وجدان
مارية ويصور أحلامها بكلمات رائعة
هنا أحببت أن أنقل لكن صورة من صور أحلامها حين أعطاها النبطي - وهو أخو زوجها - عشباً معطراً لتضعه في الماء وتغتسل به فيرد لها الراحة في عسرة رحلتها ويعيد لنفسها
المرهقة الروح . ..
لمن تمر على هذه الرواية ، وتلقي نظرة عابرة أو فاحصة .. أدعها مع حديث وحلم مارية ..في الصفحة الثانية ..لعل ذلك الحلم يشدها بعض الشيء ... إلى المتابعة
فيضٌ وعِطرْ
فيضٌ وعِطرْ
" رششت مابقي من الماء المعطر على فرشتي ، واستلقيت على ظهري ، والمرآة بيدي
هذه أنا المنسيّة ، جميلة إذ تكسو وجهي هذه الحمرة الرائقة، وقد صار شعري أنعم ملمساً،
عيناي تنظران إلى عيني، فأرى أفقاً . وروحي تلامس روحي، فأحس توحدي مع السماء..
أضاء صدري لهيب الخفقان.نمت نوماً لايشبه أي نوم ، ورأيت أحلاماً غير كل الأحلام ...
.. رأيتني شمعة تتوهج، كلها
نورها فضيٌ براق ، فيه زرقةٌ هادئة..
الضوء يدور من حولي ، يحملني إليَّ.
أنا الشمعة وضوءها الدوّار
.. ورأيتني عصفوراً يطير، ويرفّ
بأجنحة لها لون الدنانير
ويحط برفق فوق عشه القشّي ،
المشوب بأطياف الفرح .
.. ورأيتني سحابة في السماء تمر
فتحرك حولنا الحب والهواء ، تمر
فتسقي المشتاقين وتؤنس الغرباء، تمر
فتسقط على قلبي الحار نقطة ماء
.. ورأيت وجهاً أعرفه يكلمني بلغة لاأعرفها
ويقول الكثير
ورأيت فراشات تطير
وعشباً أزرق يكسو الرمال،
وبحراً لاسفينة فيه، ولا تحوطه من الجانبين جبال.
ورأيت أسماكاً تحلّق في خيال ،
وطيوراً تعوم ، وملائكة تعيش بين أشجارٍ
تحوطها أزهار البرتقال
تحوطها رقاق العصافير، وحمامات تطير
تحوطها أقمار
وبين رفيف الألوان يتموج ابتداء الليل ، وانتهاء النهار
فتسكن الملائكة تحت الأشجار
وهناك تطوي تحتها أجنحتها
وتنام كالصغار .
فيضٌ وعِطرْ
فيضٌ وعِطرْ
* في الفصل الثاني من رواية ( ماوية ) - وهو الإسم الذي أطلقته عليها أم زوجها - تعيش بطلة القصة حياة في الصحراء الواسعة مختلفة تماماًعن حياتها السابقة .

* هنا تتزاحم الأحداث .. وتكثر الشخوص .. وتتعاقب السنوات ...!

* بين الكاتب بموضوعية الديانات التي كانت سائدة .. والعادات والطقوس ومراسيم العبادة فيها
خاصة النصرانية والشرك في معتقداتها . والجاهلية والآلهة المزعومة التي كانوا يعبدها العرب ويقيمون لها الأنصاب .

* تصور القصة أحداثاً تاريخية كثيرة حيث كان الفرس الذين كانوا يدعون على لسان أهل الكفر بالبابليين ، ومن ثم انهزامهم وانسحابهم وسيطرة الروم ...

* و تصور القصة في هذا الفصل أحداثاً من التاريخ الإسلامي امتد من زمن نشر الدعوة الإسلامية
إلى وفاة الرسول الكريم و. تولي الخليفة الراشد ابو بكر الصديق الخلافة ومن ثم الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وأخبار هزيمة الروم والفرس وإجلاء اليهود في عهد الرسول من المدينة المنورة

* هنالك مأخذ على صاحب الرواية في مشهد سافر مذموم في سياق الرواية بين فيه بعض العادات التي
نراها ممقوتة منبوذة .. بينما كانت هناك أحداثاً أخرى مغلفة فلم تظهر بهذه الصورة البشعة

* يتضح أن الشخصية التي كانت في أمنية ماوية هي شخصية ( النبطي ) الأخ الأصغر لزوجها فهو من عاش
في خيالها وتمنته زوجاً لها .. وهذا يتضح أخيراً في حديث نفسها وهي راحلة مع ركب أهل زوجها
إلى مصر .. حيث الأمان من تعاقب الأحداث والأخطار .. وإصرار النبطي على البقاء. .. واختفاء صورته أمام أنظار القافلة شيئاً فشيئاً ..فلم يعد على مدى مرمى البصر سوى الأحجار والرمال ...تغيبهازوبعة غبار القافلة ...!

وتبقى مارية أو ماوية في تساؤلاتها التي لاتنتهي من بداية القصة. حتى ختامها بهذا الحديث :
كان النبطي مبتغاي من المبتدأ ، وحلمي الذي لم يكتمل إلى المنتهى..

وتنتهي القصة عند هذا السطر : هل أغافلهم ، وهم أصلاً غافلون - تقصد الركب - فأعود إليه .. لأبقى معه، ومعاً
نموت ، ثم نولد من جديد ... هدهدين .

هل القصة انتهت .؟؟ .. لكي تفهميها وتستوعبي أبعادها ... عليك أن تقرأيها .. وهي ليست كلها سائغ شرابها بل فيها مياه عكرة .. ولكنها ككل فيها إبداع من فكر وقلم الكاتب الذي ترجمت رواياته للغات العالمية .
وأعتقد - وهذا ظن وليس يقينا - أن هذا الكاتب تعود جذوره للكاتب المؤرخ الذي كان قد اشتهر بإصدار رواياته
التاريخية في مجموعة الهلال المصرية الكلاسيكية والتي لاتزال المطابع المصرية تصدر منها الطبعات التي أغنتنا في التعرف على هذه االروائع ..
تحياتي لك..! ونصيحتي
أحسني اختيار كتابك !
واثري به !
وشكراً
درة 14
درة 14
صمت الحب : قمتي بنا للقراء ثم تركتِ لنا حرية الاختيار فجزاك الله خير الجزاء
فيض وعطر : شوقتيني لقراة القصه ان شاء الله اقراها وربي يسعدك ع المقتطفات الرائعه كروعتكِ