دلع بودي
دلع بودي
نحن بالانتظار شوقتيني ..اموت بالقصص اللي فيها سفر..وحمستييييييني ابي اعرف وش سوت بنت البلاد..
نحن بالانتظار شوقتيني ..اموت بالقصص اللي فيها سفر..وحمستييييييني ابي اعرف وش سوت بنت البلاد..
الصبح الأول


لم يكن ليلهم طويل..و لم يدع لهم ترقبهم للنهار مجالاً للصبر...فقد فاقت قبل أن تشرق الشمس....و عيناها تتقلبان في كوخها الصغير.....و كانت نافذة الغرفة هي المكان الذي يمكن أن تطل منه ببصرها بلا حدود إلى بداية الأمل الجديد...فوقفت تنظر كيف يشرق نور الصباح في نيروبي....و كيف يبزغ أشعاعها من مشرقها...يعم الكون سكون عجيب ...هدوء يخيم على الأفق...ماعدا بعض نفحات النسيم التي تتحين الفرصة لتدخل إلى الغرفة عبر نوافذها....و لتمنح الجميع بالراحة و تخبرهم بقرب صبحها....يشق السكون صوت غراب من بعيد....ليبعثر بصوته أوراق هدوء الصباح......فكأنه فتح الباب لمزيد من لضجيج...و لكنه ضجيج جميل....فهو يعني بداية الحياة من جديد...وبداية نهار كانت ترقبه من بعيد...بداية لصفحة جديدة من صفحات الحياة...يوم يحمل بين طياته ...أمل ... و خوف ... .و حب.....و ترقب ....و وجل......أشياء ينتظرونها منذ زمن....وهي تحمل أشياء متناقضة تجعلهم يخافون من خوض غمارها أو القدوم عليها أو مباشرتها ....أرسلت أشعة الشمس أشعتها عبر النافذة على أجسام أطفالها....فبانت بقع حمراء متفرقة على الأجسام.....هي لسعات البعوض التي شاركتهم ليلتهم الأولى....فبدأ هاجس الخوف يتسرب إلى قلب الأم..... بل تعود بها الذاكرة إلى النتائج السيئة للسعات البعوض....





نادت زوجها فطمئنها بأن الوضع لا يحتمل القلق..... أو ينذر بخوف من هذا العارض... ولكن كيف لا تخاف و شبح مرض الملاريا يقف دائماً أمام زائري القارة السوداء....و هو مرض يبدأ بأعراض بسيطة و لكن إن أهمل فنهايته وخيمة....ولعل اسم هذا المرض يعيد ذاكرتي إلى الوراء....إلي قصة شاب زار تلك البقاع أعرفه وقد جالسته من قبل.....و لعل قصته مناسبة لهذا الموضوع....فهو شاب في مقتبل العمر....رسم له في هذا الحياة طريقا للنجاح ....طريقاً للتجارة و منافسة أرباب الأموال...مبتداه الطموح و منتهاه الوصول للأحلام.....سار في طريقة و أعطاه الله أكثر مما يتوقع...بدأ حياته في عالم التجارة مبكراً ....و وصل في بضع سنوات في سلالم التجارة و التجار فصار ممن يشار إليهم بالبنان....كان واقعه الذي أعطاه الله أكثر من أحلامه....كانت أبواب الرزق قد فتحت عليه....بل إنه أصبح يقلب الدنيا في يوم وليله بين يديه....أعجب به من حوله بذكائه بفطنته بسرعته لوصوله إلى أهدافه....لقد احتار في نفسه فلم يطرق باب إلى و قد جاءته الدنيا من عدة أبواب...فقد أذعنت إليه راغمة و جاءته منقادة .....و لم يستغرب ذلك فهي إن أتته فهي بتوفيق الله و ثم بره بوالديه..... فقد كان تحت أمرهم و المتلمس لطلباتهم و الساهر على راحتهم....عيناه لا تفارقان وجهيهما ....يداه لا تقفان عن تلمس حاجاتهما....لذا فقد كتب الله الدنيا أن تكون بيده....جلس ذات يوم يفكر بتجارته...... فوجد أن تجارته لن تكتمل مالم يتاجر في السلع الموصلة للجنان...و مالم يزيد من رصيده في بنك الإيمان..... مالم يطبع أثراً لأقدامه في طريق النبوة....جالت في ذهنه تلك الأفكار ذات مساء وهو جالس بين أبنائه .....فتذكر الآية الكريمة قال تعالى : (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ) ....فعرف أن زينة الدنيا و إن اكتملت فإن الباقيات الصالحات هي الأكمل....فلماذا لا يركب ذلك البحر و يسير في ذلك الطريق...كانت الإجازة الصيفية على الأبواب ....فحزم الناس أمتعتهم للسفر....فتحزم هو كذلك....





في صالة المطار الناس يتوافدون على المطار للسفر للترويح عن أنفسهم و بذل أموالهم لسعادتهم....هو في طريق آخر و في اتجاه آخر...... يريد أن يسعد نفسه بسعادة الآخرين....يريد أن يسعد نفسه بسعادة الدارين....يريد أن يرفع له منارة في وسط مجاهل أفريقيا الغارقة بالظلال و الظلام ......لقد قرر أن يسافر إلى هناك...فكانت أول العقبات ....الحجوزات ممتلئة وغير متوفرة لتلك الدول .....بحث و استنجد و طلب المساعدة من كل من يعرفهم ....و لم يهدأ له بال حتى تم له الحجز ......وفي صالة المطار عشرات النداءات لعشرات الخطوط الدولية المسافرة إلى كل الوجهات السياحية في العالم ....الكل تبدو على محياه الابتسامة ...لكن هو كانت ابتسامته أصفى و كانت سعادته أكمل....فهو على بعد خطوات من تحقيق أمل بتكميل حلم....ركب الطائرة وركب الشوق معه في تلك الرحلة....و وصل إلى أرض الدعوة ......و خط لنفسه طريقاً بجانب طريق النبوة...و وضع لقدمه أثراً بجانب آثار أقدم الرسل و الصالحين و الدعاة....تجول.... و بذل ....و نصح.... و وجه ...و أرشد ....فكان معطاءً بالليل و النهار ....في كل سبيل و في كل اتجاه....و لما حانت ساعة الوداع ...نظر نظرة مودع إلى هذه البقعة الطيبة على قلبه....و التي نسي في ثناياها كل هموم دنياه......و طلق في رحابها كل تجارته مع من حوله ...إلا تجارة رب العالمين.....أحس براحة عجيبة تملأ عليه قلبه ....و لم يحس بها من حين .....رغم أن الدنيا كانت تتقلب بين عينيه....قرر العودة و الرجعة إلى بلده....فرجع أكثر إشراقاً و أكثر حماساً....بحث عن نور عينيه ....عن حبيبيه عن أمه و أبيه و عن زوجته و أولادة فعلم أنهم يقطنون مكة هذه الأيام لأداء العمرة........طار إليهم من هناك.....





و القلب يسعد بختم تلك الرحلة بأن تكون عمرة و نظرة إلى أهله....سافر من أفريقيا إلى تلك البقعة المباركة و لسانه يلهج بالدعاء و الثناء لله على تسهيله تلك المهمة ....وصل في وقت متأخر إلى مكة.....فاستقبله أبوه و أمه و زوجته.....يال السعادة أن تلقى الأحباب بجانب بيت الله الحرام.....الوجوه مستبشرة و القلوب تكاد أن تتطاير من الفرح....العيون سعيدة و تحمل بداخلها دموع حبيسة.....كانت رأفت الوالدين أكبر من الأشواق.....فقالا له لعلك تستريح....و في الصبيحة يكون اللقاء.....و كان التعب قد أخذ منه كل مأخذ ....فصار إلى فراشه طريحاً.....و من حوله أطفاله عليه يتقافزون و يلعبون.....هي لحظات حتى غط في سبات عميق...... و في الصبيحة ذلك اليوم ....و عندما أشرقت شمس مكة من خلف جبالها.....ناشرة أشعتها اللاهبة....و متسللة إلى أطراف غرفته...





و أراد أن يخرج إلى الحرم ....أحس بثقل بجسمه....و وهن في أطرافه....و تعب في رأسه....حاول و لم تجدي المحاولات...فعلم أنه عارض بفعل تغير الأجواء....زادت الحمى عليه ...حتى لم يهدا لهيبها ساعة...و اشتد ألمها حتى لم ينفع معها علاج أو دواء....و صار يتقلب على أشد من الجمر...فاستخدم المضادات و الأدوية التي تخفف من ذلك....و كل ما من شأنه أن يفك عنه ذاك الضيق....و لم يعلم أن الزائر الأفريقي الشهير الملاريا قد رافقه في رحلته.....و أنه إنتقل في أجزاء جسمه....فتغلغل و تمكن منه....فأصيب بصداع شديد...و من بعده بإغماء نقل على أثرها إلى المستشفى.....فعملوا كل الفحوصات...فعلموا أن الملاريا قد تسللت إلى رأسه ...و بدأت تأخذ من خلايا المخ....فقرروا عزله بغرفة مستقلة......داوم الأب و الأم و الزوجة ولأطفال على زيارته.....من خلف الزجاج العازل.....أب ينتظر أن ترمش له عين ....و بجانبه أم تتابع أن يثور له نفس.... و زوج تتابع أن تنبعث منه حركه .....و أطفال يتساءلون لماذا أبي نائم؟.... لماذا يمنعوننا أن ندخل عليه ؟ فقد اشتقنا إليه....لماذا لا يجعلوننا نحتضنه و نلعب معه؟ .....وكل يوم على هذه الحالة و لا يتقدم به الحال ....يدخلون مع أول الناس في وقت الزيارة ويخرجون مع آخرهم.....كانت الأيام تمر عليهم بطيئة .....و حزينة .....و تعيسه......من الشقة إلى المستشفى إلى الحرم......





فيناجون الله في السحر ....أب طوت الأيام أكثر عمره.... و يفقد أنيسه و أنسه....فيدعو الله من تحت أستار الكعبة أن يشفي قرة عينه..... و أن يعيد الصحة لأبنه..... و أن يمتعه بعضده......و أم تناجي ربها بقلب حزين .....تناجيه أن يمد بعمر زهرة السنين ....تناجيه أن يخرجهم من هذا الكرب العظيم .......وزوج تناجي و تبكي في ساحة الحرم..... فتدمع عينها و تتقطع نياط قلبها و تسأل الله أن يحفظه لها و لصغارها .....و في اليوم الرابع ......أتوا في الموعد المحدد إلى المستشفى....يأتون و الأمل يسبقهم .....و الحلم يعشمهم بأنه قد يكون خرج من غرفة العزل....و أن بإمكانهم أن يسمعوا نبض قلبه ....و أن يلامسوا أطراف جسده.....أو أن يجلسوا بجنبه حتى ينزل الله فرجه..........يمشون في ممرات المستشفى بخطوات مثقله....يجرها كهل أثقلته السنين و أم حملتها الأيام مالا تطيق و صوتها بح من الأنين....و زوج تمسك بيديها أطفالها و تدعي ربها أن يشفي زوجها ويحفظ حبيب قلبها.....وصلوا إلى غرفة العزل......نظروا فلم يجدوه.... استبشروا أن يكون قد خرج من العزل....علامات الفرح ترتسم على تجاعيد وجه الأب....ظن أن الحياة قد ابتسمت في وجوههم و أن أبنهم قد خرج من حالة الخطر.....هي لحظات حتى ظهر الدكتور من بعيد....فنطقها الأب من أعماق قلبه ....بشرني عن أبني.....أسعدني أسعدك الله بالحياة.....هل نقلتموه إلى غرف المرضى.....أسئلة تتدفق كالسيل......نظر الدكتور إلى الأب.....خفض رأسه......خيم صمت رهيب على المكان.....نظرات الأب صامته .....و لسان الدكتور قد عقد.....و يقلب يديه فكأنه فقد النطق.....قال الدكتور : بعدما أخذ الأب لوحده......عظم الله أجركم و غفر الله لميتمكم و جبر الله مصيبتكم.......وقعت تلك الكلمات وقع الصاعقة على الأب...فتلونت الدنيا بالسواد.....هي كلمات ما أكثر ما قلناها و لم نتوقع أنها اليوم تبحث عنا لتطرق أسماعنا.....دارت بالكون تساؤلات.....أحقاً مات ....أحقاً رحل......أحقاً غاب بعدما حضر.....






أحقاً اختفى القمر خلف ستار السحاب....وسيلبس الأكفان بعد الثياب......و يوارى جسمه تحت التراب........هل بعد أن كنا ننتظر أن تشرق الدنيا علينا بوجهه النظر.....نجدها تخلع قناعها لترينا وجهها الأسود.....ليتها ترحم أطفالاً رضع...... و زوجة أن تفجع ....بل ليتها لم تمتد يدها لتنزع قلب أبن من بين أضلع أبيه و أمه.... وأنفاس زوج من صدر زوجته .... و سعادة أب هو كل أحلام صغاره.....أحقاً مات و أسقتنا الحياة كأسها المر بعد أن أسقتنا قطرة من الأمل....هل حقاً مات ........سند الأب.....وقرة عين الأم......و قلب الزوجة......و حب الأطفال....

في ظلمة القبر لا أم هناك ولا *** أب شفيـق ولا أخ يؤنسنـي

هو في قبره الصغير وفي وحشته في لحده أنيسه عمله الصالح.....و أب و أم و زوجة و أطفال ....في قبرهم الكبير في لحد الدنيا الضيق....في حفرة الهمم و الفقدان و الأحزان....تحثو عليهم الدنيا من كدرها و تدفنهم في ضيقها و تلبسهم تعاستها.....إن ضاقت النفس فلا تسعها الحياة كلها من مشرقها إلى مغربها
هل حقاً مات .....و ألبست الأيام الأب و الأم لباس الحزن و الهم......و اكتست الزوجة بثوب الحداد......و صار الأطفال بعداد الأيتام ......بل لقد مات و في أحشاء الأم طفل كتب عليه اليتم منذ أن كان نطفة....... ....هل صدق ما حدث.... هل من استقبلناه بالأمس بالأحضان نودعه اليوم بالأكفان...





هل من كان عنا بالأمس غائب يعود اليوم غائب و بلا رجعة....هل سيختفي القمر للأبد .....هل ستطفئ شمعة الحياة....هل ستذبل زهرة السنين و يغيب معها رحيقها .....فإنا لله و إنا إليه راجعون....قضاء الله وقدره فلا راد له ....نعم حقاً مات...نعم مات وسكن أول منازل الآخرة.......نعم لقد مات بين أبنائه و هم في بداية رحلتهم للعمرة....لقد فقدوه و لم يأنسوا به من بعد رحلته إلى أفريقيا...لم تكتمل فرحتهم بعودته حتى غاب غيبة كلية في هذه الحياة الدنيا....

نؤمل آمالاً ونرجوا نتاجها *** وباب الردى مما نؤمل أقرب

زوج مصابة و أطفال يبكون....منظر يبعث في النفس الأحزان .....حقيبته التي لم تفتح.....ثيابه التي لم تلبس....عطره الذي لم ينفث.....بقايا من أغراضه....آهات و حسرات و مصاب جلل...تركت في نفوس محبيه جرح عميق....لا تمحوه السنين....ولكن له من الأعمال ما تسلي القلب الحزين....فهنيئاً لرجل ختم حياته بالصالحات.... ختم حياته بطريق النبوة....ختم حياته بجانب الحرم.....ختم حياته و عين أبيه و أمه عليه تدمع و قلبهما له يدعوان من بره بهما......فأسأل الله أن يتغمده برحمته...فقد عرفته و له ابتسامه...فاللهم أبعثه ملبياً و احشره مع زمرة النبيين و الصديقين و الشهداء و أجمعنا به يارب العالمين في جناتك جنات النعيم.....و لعلكم لا تعلمون أن زوجة هذا الشاب هي صديقة العمر لأختي.....فهذا الذي يجعلها تخشى من البعوض بشكل يكدر عليها سفرتها....و ينغص عليها أوقاتها......و استودعكم الله إلى لقاء قادم ....و أتمنى أن لا تنسوا ذلك الشاب من دعواتكم....و أعتذر أن أطلت عليكم....أو خرجت عن سياق الموضوع......و لكن حسبي أن طريق الدعوة واحد .....و أن قلوبهم تحمل ذات الهم و إن أختلفت أجسامهم....فاللهم إجعلنا ممن يحمل هم الدعوة إليك و ممن توفقه و تستخدمه في طاعتك .


و في ختام هذه الورقة

أسأل الله لنا و لكم حسن الختام...
كان عثمان بن عفان إذا وقف على القبر بكى ، حتى يُبل لحيته ، فقيل له : تذكر الجنة والنار فلا تبكي وتبكي من هذا ؟ فقال :
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { القبر أول منازل الآخرة فإن نجا منه فما بعده أيسر منه وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه }
قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
{ ما رأيت منظراً قط إلا والقبر أفظع منه }
وقال الشاعر

هو الموت ما منه ملاذ ومهرب *** متى حٌُُط ذا عن نعشه ذاك يركب



و للحديث بقية
um sa3oodi
um sa3oodi
قصة جدا مؤثرة

الله يرزقنا حسن الخاتمة
الرحيق الجاري
أكملي بارك الله فيكِ
أم التوفي
أم التوفي
مشكورة حبيبتي على البقية..بروح اقراها الحين
دلع بودي
دلع بودي
نحن بالانتظار شوقتيني ..اموت بالقصص اللي فيها سفر..وحمستييييييني ابي اعرف وش سوت بنت البلاد..
نحن بالانتظار شوقتيني ..اموت بالقصص اللي فيها سفر..وحمستييييييني ابي اعرف وش سوت بنت البلاد..
مركز المهتديات الجدد....همم تلامس القمم


في الصبح الأول....استيقظن البُنيات...فبدأنا الصغيرات يجملن أنفسهن بأدواتهن البسيطة....و يتهامسن بينهن ...أن سيبدأ اليوم طريق الدعوة....ركبوا في سيارتهم ....عبر طرق المدينة....ومن خلال شوارعها الضيقة...و وسط أركام من السيارات المتزاحمة....ينبعث من خلالها ضجيج المنبهات....و يتطاير من عوادمها دخان كثيف فتخمدها بعض القطرات الساقطة من السماء...فهل يا ترى تزيل قطرات الدعاة ما علق في قلوب من البدع ؟....أو تجلي ما ترسب بها بفعل السنين ؟ ...... أو تنفض عنها غبار التغريب و التغيير؟.....كل تلك التساؤلات تدور في ذهن أختي....كل البدايات صعبة و لكن أي بداية تلبس ثوب الدعوة فهي ميسرة و مستضيأة بنور الهداية...هي في اتجاه مركز المهتديات الجدد....توجهت حيث اللقاء الأول....وقفت السيارة أمام مبنى بسيط و متواضع....يقف على أعتابه فتيات صغيرات...نزلت أختي و بنياتها....وضعت قدميها على أول سلم المبنى....هي عدة درجات وكل درجة هي بعمر سنوات...خطوات أولى في حياة جديدة...من خلفها بنياتها وقد لبسن العباءة....و تسفعنا بها....حتى حافظنا على أطرافهن الجوارب و بالخمار....أما الصغيرة فقد كانت صغيرة على لبس العباءة....و لكن هي بذرة لمشروع داعية ناشئة...فلابد أن تكون بداياتها قوية....عباءتها على رأسها....و خمارها يلف وجهها البريء ...فتطأ عباءتها بأقدامها تارة...و يسقط خمارها من على وجهها تارة أخرى...فيظهر وجه كالقمر في منتصف الشهر....يشع نوراً في وسط ليل دامس...و يحمل ابتسامة هي كالسحر...الأم تتقدم...فيستقبلنها بعض الإداريات و يسلمنا عليها ....و يقدمنها إلى زاوية عليها كرسي متهالك.... و طاولة بالية هو مقر الإدارة....يقدمن الكرسي بعدما يمسحنه مما علق به من الغبار...و يقدمن الكراسي للصغيرات...فقد قدمنا الصغيرات على أنفسهن على الكراسي...الإداريات يتناظرن بينهم لهؤلاء القادمين الجدد....يرحبون بهم بشكل يفوق التصور....فنظرهم هؤلاء المنقذون لهم من براثن التنصير....هؤلاء هم حملة شعلة الدعوة....أحفاد الصحابة....بدأت مديرة احد المعاهد تسرد قصتها وعن تقصيرها في الدعوة و تقول : أقوم لصلاة الليل منذ الساعة الثانية ليلاً حتى السادسة ...حيث يبدأ تدريس الطالبات في المعهد حتى الساعة الواحدة .....ثم بعدها أقوم بتدريس طلاب المدارس حتى الساعة الرابعة..... وبعدها إلى المغرب أدرس الأمهات .....و بعد المغرب حتى العشاء مخصص لتدريس القريبات وهكذا هي حياتي ....و ذلك غير مسؤوليات البيت و أطفالها السبعة...و تقول إن الذي يقلقنا هو ناقوس الخطر الذي يدق كل حين ...فحينما يدوي أنين المجاعات في أفريقيا.... تدوي في العالم النصراني أجراس الكنائس أن حملات التنصير قد بدأت ....تحت غطاء الإغاثة....و إنقاذ الضعفاء.....فيستغلون هذا الظرف لمد يد المعونة....و مد الانجيل باليد الأخرى....فمن ينحني للجوع يجب أن ينحني للصليب.....و تحت هذه الظروف القاسية و المجاعات المهلكة في أفريقيا ..... يضطر الكثير من البسطاء الذين لا يجدون قوت يومهم....بل لا يجدون وجبة واحدة... للتخلي عن دينهم ......و ذلك عندما يرون أن يد النصارى أكثر عطفاً عليهم..... و أكثر تلمساً لحاجاتهم..... بينما أخوتهم في حياتهم غافلون و في دنياهم يتقلبون....فتحدهم مناظر أبنائهم و هم بين الحياة و الموت.... أن يطلبوا الحياة على حساب دينهم و هم كارهون......و لعلنا نكون لو بعض عطف هذا المصور الذي التقط هذه الصورة لمجاعة سابقة في السودان....و بعدما ألتقطها بنصف ساعة مات الطفل و انقض عليه النسر ....غارساً منقاره الجارح في جسم طفل......في جسم أمة متخلية عن أبنها ....في كبد الإنسانية كلها......و لقد نال عليها المصور جائزة عالمية.....فبعد أسبوع وجد المصور.....منتحر.... من هول الصدمة....ومن مهولة ذاك الحدث فلم يطق صبراً.....لقد فت كبده المنظر.....وقلوب بعضنا لم تتحرك.....لقد أهلكه الهم....و هموم بعضنا لم تتغير......فاختار الموت على أن يتجرع كأس ذلك الموقف الرهيب كل يوم.....









ليل غشى بظلامه فجراً أغر *** وكهولة برزت على عهـد الصغـر
وطفولة سيمت عناءً في الصبا *** وهلال يـوم ذاق خسفـاً كالقمـر
وربيع عمر في بدايته انتهى *** وشعـاع نجـم فـي مجرتـه طفـر
ونهايـة عنـد البدايـة أقبلـت *** وبدايـة دون النهايـة تحتضـر
ليل تلبد بالمآسي وانتضى *** بقسـاوة تطـوي البـوادي والحضـر
مأساة طفل في حداثة سنـه *** رسمـت معالمهـا الليالـي والغيـر
صور تشيب لها الرؤوس تأسّفاً *** ويذوب وجداً عند رؤيتها الحجـر
موت يحوم حول طفل يانع *** مـن كـل ناحيـة تداعـى وانهمـر
من خلفه نذر الحروب تتابعت *** وأمامـه دقـت نواقيـس الخطـر
طفل صغير لم يجاوز أربعاً *** من عمره أًنّى يعـي معنـى الحـذر
هو مسلم الأبوين لاشك اعتلى *** مجدافـه مـوج المآسـي فانكسـر
هو مسلم زرع الأعادي حوله *** سبل الهلاك وأشعلـوا جـواً وبـر
هو مسلم لاشك قد عصفت به *** تلك الحروب ولم يجد منهـا مفـر
فقد الأقارب كلهم وجثى هنا *** يستقبل المـوت المحقـق إذ حضـر
أطرافه توحي ببؤس مزمن *** أوهـى قـواه وهَـدّه فجثـى وخـر
فقراته برزت لتحكي للورى *** قصصاً من الإرهاب في أجلى الصور
أضلاعه تنبـي بوضـع مؤلـم *** وجثـوه ينبـي بأشيـاء أخـر
والنسر يقبع خلفـه متربصـاً *** متشوقـاً يرنـوا لوعـد منتظـر
يبدو رحيماً رغم قسوة طبعه *** مترفّقـاً رغـم الشراسـة بالفطـر
لم يقترب من جسمه مسترهباً *** لم يشقـه حيـاً كمـا فعـل البشـر
أعطى الأمان لروحه مستعظماً *** إزهاقهـا حتـى يوافيهـا القـدر
هو ميّت والموت صار لمثله *** أولى وأرحم من حيـاة فـي سقـر
إن لم يمت بالجوع مات بغيره *** ليل المنايا حـول مرقـده انتشـر
إن لم يمت فلسوف يحيى ميتاً *** في قبضة التنصير في حلـو أمـر
سيباع في سوق الرقيق ويشترى *** ليعود مسموم المبـادئ والفكـر
هو ميت في الحالتين وفقده *** روحاً أعز مـن الحيـاة بـلا وطـر
ماذا جنى ؟ ما جرمه حتى دنى ؟ *** منه الشقاء المستطير من الصغر
فيما العناء وعمره لم يرتكب *** جرماً ولا حتى علـى قلـبٍ خطـر
لم ينتهك عرضاً ولم يسفك دماً *** لم يفتعل حرباً ولـم يوقـد شـرر
لم يقترف إثماً ولم يسلك غوى *** لم يقتلع نبتاً ولـم يقطـف زهـر
ببراءة الأطفال عاش ولم يزل *** يمضـي إلـى ميعـاده زاكٍ أبـر
ما ذنبه ؟ ما إثمه ؟ ما جرمه ؟ *** لج السؤال ولـم يوافيـه الخبـر
الذنب ذنب القائمين بأمـره *** العاكفيـن علـى التسالـي والسهـر
الجاعلين من الكراسي غاية *** أسمى وأغـلا مـن تعاليـم السـور
ألقوا به وبغيـره فـي غابـة *** مملـوءة رعبـاً وشـراً مستطـر
هذه المآسي بعض بعض ذنوبهم *** وذنوبهـم شتـى فأنّـى تغتفـر
أين العدالة ؟ أين من شدقوا بها *** أيـن النظـام العالمـي المبتكـر
أوليس ما يلقاه هذا الطفل في *** قاموسهم ظلماً بمختلـف الصـور ؟
أوليس ما يجري انتهاكاً صارخاً *** لحقوق إنسان وشيئـاً لا يقـر ؟
أوليس ما يجري يعد جريمة *** في حق عالمنـا بشكـل مختصـر ؟
أم أن حق المسلمين وأرضهم *** ودماءهم في حكـم شرعتـه هـدر
أمن العدالة أن تـدان ضحيـة *** ويكـرم الجانـي بدعـم مستمـر
أمـن العدالـة أن تشـرّد أمـة *** ويقـال للمحتـل قـولاً معتبـر
الحق أن العدل في منظوره *** أمن اليهود وما سـواه فـلا ضـرر
هـذا النظـام العالمـي وإنـه *** ثـديٌ إذا لمستـه إسرائـيـل در
هذا النظام العالمي ومن رأى *** فيه الخلاص من العناء فقـد قصـر
أين الذين به تغنوا واحتفوا *** من قومنـا وسعـوا إليـه بـلا حـذر
أين الذين دعوا إليه ومَجّدوا *** وبه أشـادوا دون وعـي أو بصـر
هل يا ترى هذي المشاهد كلها *** تكفـي لتجعلهـم يعيـدون النظـر
هل يا ترى هذي المشاهد كلها *** تكفي لتصبح في مسيرتهـم عبـر
هل يا ترى هذه المآسي كلها *** يبقى لهـا فـي قلبهـم أدنـى أثـر
قست القلوب ولم يعد في لينها *** أمل ولو كانـت حديـداً لانصهـر

( فتحـي عبـد الرحمـن محـمـد – الحـديـدة) مجـلـة مـسـاء




إنهم في كل يوم يفتنون ....و يتمسكون حتى يبقى بينهم و بين الموت ساعة .... و بينهم و بين القبر خطوة.....و بينهم و بين أن يفقدوا أبنائهم أو حياتهم لحظات......و بينهم وبين افتراس الموت أنفاس......فتدمع عيونهم دمعة وداع لدين أبائهم و أجدادهم و ينحنون راغمين تحت الصليب المزعوم......فتسقط دمعة على أرض المجاعة و تبتسم راية الصليب ابتسامة....... أن وصلوا لمرادهم.... نعم لقد هربوا من فريسة الموت بعدما تخلى عنهم أبناء جلدتهم فوقعوا في فريسة الصليب ..... .....فتضيق الصدور أن يد الصليب قد مدت يدها و أن أبناء النصارى قد تكفلوا بكامل قوتهم .....بل رحبوا بهم أن يضموهم في رحاب كنائسهم....إنهم يتركون دينهم تحت ضغوطات الموت القادم إليهم بقوة.....فأين نحن من إخواننا قبل أن نفقدهم من بين أيدينا....و أين نحن من سؤال ربنا ماذا عملتم لإخوانكم...بل أين نحن عنهم عندما نشاهد قوافل الخير التي تسير كل حين بأيدي المخلصين و لا نمدهم بزادهم....والذي هو زادنا في طريقنا إلى الجنة....أين نحن من أخوة بذلوا أنفسهم في طريق الدعوة فكانوا مشاعل نور و مصابيح هداية....و معالم يستدل بها لنشر الخير بين أخوتنا....فعندما ركنا عملوا...و عندما لهينا .... انشغلوا...و تقلبنا في سعادتنا و تقلبوا في سعادة أخوتهم....كم رسموا من طريق خير عندما نحن توقفنا ....كم طرقوا من باب خير عندما نحن تخلينا....كم أوصدوا من أبواب الخطر عندما نحن نمنا و أمنا في أوطاننا ....كم تركوا من أموال و بنين بينما نحن جلسنا نتقلب نحن بنعيمهما....فلله درهم و على الله حسابهم ....لقد اختاروا الآخرة على الحياة الدنيا....اختاروا الباقية على الفانية....اختاروا طريق النبوة على طريق الدنيا ...فكانت نتائج عملهم تفوق التصور.....و ما مراكز المهتدين و المهتديات ....و حلق تعليم الدين .... المساجد المنتشرة في كل مكان.....و الدعاة الذين يتجولون في أطراف الأرض ....و القوافل الدعوية والإغاثية ....إلا بفضل الله ثم بفضل جهودهم.....فهي ثمرة من ثمار بذرهم.....فانظروا إلى احد المهتديات الجدد.....من دار المهتديات.....وقد جاءت تمشي إلى أختي على استحياء...فقالت : أختاه أريد أن أسألك سؤال....فقالت أختي تفضلي .....أنا قد منَ الله علي بالهداية ...و أنعم علي أن تلقفتني يد الخير إلى هذا الطريق...و شربت من نهر هذا الدين الجاري....و نهلت من نبعه الصافي...ولكن بالقلب رهبة و في الحلق غصة و في الصدر خوف...و في نفسي يسكن ألف سؤال...و تظهر مخاوفي في ليلي و نهاري...فقالت أختي و من ماذا تخافين أو توجلين...فقالت : أخاف أن أكون مقصرة بحق رب العالمين....فبعد أن اختارني لحوزة هذا الدين.... أخاف أن أكون لم أعبده حق عبادته....ثم اتبعت فقالت : يال تفريطي فأنا لا أصوم من الدهر إلا الاثنين و الخميس....و لا أقوم من الليل إلا من الساعة الثانية حتى الساعة السادسة ....و اختم القرآن بالأسبوع مرة واحدة....فأنا للأسف مقصرة و عن ربي معرضة ...فكيف بي أن وقفت بين يدي ربي .....و سألني عن بقية أيامي أين صيامها..... و عن بقية الليالي أين قيامها..... و عن بقية أوقاتي أين حظها من القرآن....فتقول : أختي لم أجد لها جواباً أجيبها به....و حار فكري و عقلي....كيف أن هذه المهتدية الجديدة و التي لم يلامس نور الإيمان قلبها إلا منذ أشهر.....تكون بهذه الهمة....و هذا الطلب الرفيع....و أين نحن يامن ولدنا و نشأنا بهذا الدين .....فكم منا من غافل عن أوقاته ...و لا يحاسب نفسه رغم تقصيرها.....و رغم أن البعض منا لم يصل لمستوى هذه المهتدية الجديدة....فيا الله كم نزهد بأعمالنا عندما نشاهد ممن لم يلحقوا بالركب إلا متأخرين ثم تراهم يتقدمون علينا.... و كم نتعجب كيف أن هذا الدين يفجر بالنفس الهمم و يسوقها إلى القمم ...و كيف أن خشية الله إذا حلت في الصدور لم تقنع النفس إلا أن تصل إلى أعلى المراتب....تقول أختي احترت و لم أجد لها جواباَ ...وقلت لها أنتي و بإذن الله على خير...فاستمري و استزيدي و أخلص لله بالعمل ....فبارك الله فيها و جعلها بذرة مباركة في تلك القارة...و أنبتها نباتاً حسناً ....و زادها من حب ربها .....و رفعها حب ربها في كل نفس.....و للحديث بقية مع مشاهد المهتديات الجدد