@@@الجوووري@@@
@@@الجوووري@@@
تفسير سورة المطففين

وهي مكية
‏‏ ‏‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ‏}
‏{‏وَيْلٌ‏}‏ كلمة عذاب، ووعيد ‏{‏لِلْمُطَفِّفِينَ‏}‏
وفسر الله المطففين بقوله ‏{‏الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ‏}‏ أي‏:‏ أخذوا منهم وفاء عما ثبت لهم قبلهم ‏{‏يَسْتَوْفُونَ‏}‏ يستوفونه كاملا من غير نقص‏.‏
{‏وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُم‏}‏ أي‏:‏ إذا أعطوا الناس حقهم، الذي للناس عليهم بكيل أو وزن، ‏{‏يُخْسِرُونَ‏}‏ أي‏:‏ ينقصونهم ذلك، إما بمكيال وميزان ناقصين، أو بعدم ملء المكيال والميزان، أو نحو ذلك‏.‏ فهذا سرقة ‏‏ الناس ، وعدم إنصاف ‏‏ منهم‏.‏
وإذا كان هذا الوعيد على الذين يبخسون الناس بالمكيال والميزان، فالذي يأخذ أموالهم قهرًا أو سرقة، أولى بهذا الوعيد من المطففين‏.‏
ودلت الآية الكريمة، على أن الإنسان كما يأخذ من الناس الذي له، يجب عليه أن يعطيهم كل ما لهم من الأموال والمعاملات، بل يدخل في ‏‏ الحجج والمقالات، فإنه كما أن المتناظرين قد جرت العادة أن كل واحد ‏‏ يحرص على ماله من الحجج، فيجب عليه أيضًا أن يبين ما لخصمه من الحجج ‏‏، وأن ينظر في أدلة خصمه كما ينظر في أدلته هو، وفي هذا الموضع يعرف إنصاف الإنسان من تعصبه واعتسافه، وتواضعه من كبره، وعقله من سفهه، نسأل الله التوفيق لكل خير‏.‏
ثم توعد تعالى المطففين، وتعجب من حالهم وإقامتهم على ما هم عليه، فقال‏:‏ ‏{‏أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ فالذي جرأهم على التطفيف عدم إيمانهم باليوم الآخر، وإلا فلو آمنوا به، وعرفوا أنهم يقومون بين يدى الله، يحاسبهم على القليل والكثير، لأقلعوا عن ذلك وتابوا منه‏.‏
‏‏ ‏{‏كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ‏}
يقول تعالى‏:‏ ‏{‏كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ‏}‏ ‏‏ من أنواع الكفرة والمنافقين، والفاسقين ‏{‏لَفِي سِجِّينٍ‏}‏
ثم فسر ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ كِتَابٌ مَرْقُومٌ‏}‏ أي‏:‏ كتاب مذكور فيه أعمالهم الخبيثة، والسجين‏:‏ المحل الضيق الضنك، و ‏{‏سجين‏}‏ ضد ‏{‏عليين‏}‏ الذي هو محل كتاب الأبرار، كما سيأتي‏.‏
وقد قيل‏:‏ إن ‏{‏سجين‏}‏ هو أسفل الأرض السابعة، مأوى الفجار ومستقرهم في معادهم‏.‏
{‏وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏}‏ ثم بين المكذبين بأنهم ‏{‏الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ‏}‏ أي‏:‏ يوم الجزاء، يوم يدين الله فيه الناس بأعمالهم‏.‏
{‏وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ‏}‏ على محارم الله، متعد من الحلال إلى الحرام‏.‏
‏{‏أَثِيمٍ‏}‏ أي كثير الإثم، فهذا الذي يحمله عدوانه على التكذيب، ويحمله ‏‏ كبره رد الحق، ولهذا ‏{‏إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا‏}‏ الدالة على الحق، و‏‏ صدق ما جاءت به رسله، كذبها وعاندها، و ‏{‏قَالَ‏}‏ هذه ‏{‏أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ‏}‏ أي‏:‏ من ترهات المتقدمين، وأخبار الأمم الغابرين، ليس من عند الله تكبرا وعنادا‏.‏
وأما من أنصف، وكان مقصوده الحق المبين، فإنه لا يكذب بيوم الدين، لأن الله قد أقام عليه من الأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة، ما يجعله حق اليقين، وصار لقلوبهم مثل الشمس للأبصار ، بخلاف من ران على قلبه كسبه، وغطته معاصيه، فإنه محجوب عن الحق، ولهذا جوزي على ذلك، بأن حجب عن الله، كما حجب قلبه في الدنيا عن آيات الله، ‏{‏ثُمَّ إِنَّهُم‏}‏ مع هذه العقوبة البليغة ‏{‏لَصَالُوا الْجَحِيمِ‏}‏ ثم يقال لهم توبيخا وتقريعًا‏:‏ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ‏}‏ فذكر لهم ثلاثة أنواع من العذاب‏:‏ عذاب الجحيم، وعذاب التوبيخ، واللوم‏.‏
وعذاب الحجاب من رب العالمين، المتضمن لسخطه وغضبه عليهم، وهو أعظم عليهم من عذاب النار، ودل مفهوم الآية، على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وفي الجنة، ويتلذذون بالنظر إليه أعظم من سائر اللذات، ويبتهجون بخطابه، ويفرحون بقربه، كما ذكر الله ذلك في عدة آيات من القرآن، وتواتر فيه النقل عن رسول الله‏.‏
وفي هذه الآيات، التحذير من الذنوب، فإنها ترين على القلب وتغطيه شيئا فشيئا، حتى ينطمس نوره، وتموت بصيرته، فتنقلب عليه الحقائق، فيرى الباطل حقًا، والحق باطلًا، وهذا من بعض عقوبات الذنوب‏.‏
‏‏ ‏{‏كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ * إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ‏}
لما ذكر أن كتاب الفجار في أسفل الأمكنة وأضيقها، ذكر أن كتاب الأبرار في أعلاها وأوسعها، وأفسحها وأن كتابهم المرقوم ‏{‏يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ‏}‏ من الملائكة الكرام، وأرواح الأنبياء، والصديقين والشهداء، وينوه الله بذكرهم في الملأ الأعلى، و ‏{‏عليون‏}‏ اسم لأعلى الجنة، فلما ذكر كتابهم، ذكر أنهم في نعيم، وهو اسم جامع لنعيم القلب والروح والبدن، ‏{‏عَلَى الْأَرَائِكِ‏}‏ أي‏:‏ ‏‏ السرر المزينة بالفرش الحسان‏.‏
‏{‏يُنْظَرُونَ‏}‏ إلى ما أعد الله لهم من النعيم‏,‏ وينظرون إلى وجه ربهم الكريم، ‏{‏تَعْرِفُ‏}‏ أيها الناظر إليهم ‏{‏فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ‏}‏ أي‏:‏ بهاء النعيم ونضارته ورونقه، فإن توالي اللذة والسرور يكسب الوجه نورًا وحسنًا وبهجة‏.‏
{‏يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ‏}‏ وهو من أطيب ما يكون من الأشربة وألذها، ‏{‏مَخْتُومٍ‏}‏
ذلك الشراب ‏{‏خِتَامُهُ مِسْكٌ‏}‏ يحتمل أن المراد مختوم عن أن يداخله شيء ينقص لذته، أو يفسد طعمه، وذلك الختام، الذي ختم به‏,‏ مسك‏.‏
ويحتمل أن المراد أنه ‏‏ يكون في آخر الإناء، الذي يشربون منه الرحيق حثالة، وهي المسك الأذفر، فهذا الكدر منه، الذي جرت العادة في الدنيا أنه يراق‏,‏ يكون في الجنة بهذه المثابة، ‏{‏وَفِي ذَلِكَ‏}‏ النعيم المقيم، الذي لا يعلم حسنه ومقداره إلا الله، ‏{‏فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ‏}‏ أي‏:‏ يتسابقوا في المبادرة إليه بالأعمال الموصلة إليه، فهذا أولى ما بذلت فيه نفائس الأنفاس، وأحرى ما تزاحمت للوصول إليه فحول الرجال‏.‏
‏‏ ومزاج هذا الشراب من تسنيم، وهي عين ‏{‏يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ‏}‏ صرفا، وهي أعلى أشربة الجنة على الإطلاق، فلذلك كانت خالصة للمقربين، الذين هم أعلى الخلق منزلة، وممزوجة لأصحاب اليمين أي‏:‏ مخلوطة بالرحيق وغيره من الأشربة اللذيذة‏.‏
‏‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ‏}
لما ذكر تعالى جزاء المجرمين وجزاء المؤمنين و‏‏ ما بينهما من التفاوت العظيم، أخبر أن المجرمين كانوا في الدنيا يسخرون بالمؤمنين، ويستهزئون بهم، ويضحكون منهم، ويتغامزون بهم عند مرورهم عليهم، احتقارا لهم وازدراء، ومع هذا تراهم مطمئنين، لا يخطر الخوف على بالهم، ‏{‏وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ‏}‏ صباحًا أو مساء ‏{‏انْقَلَبُوا فَكِهِينَ‏}‏ أي‏:‏ مسرورين مغتبطين ، وهذا من أعظم ما يكون من الاغترار، أنهم جمعوا بين غاية الإساءة والأمن في الدنيا، حتى كأنهم قد جاءهم كتاب من الله وعهد، أنهم من أهل السعادة، وقد حكموا لأنفسهم أنهم أهل الهدى، وأن المؤمنين ضالون، افتراء على الله، وتجرأوا على القول عليه بلا علم‏.‏
قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ‏}‏ أي‏:‏ وما أرسلوا وكلاء على المؤمنين ملزمين بحفظ أعمالهم، حتى يحرصوا على رميهم بالضلال، وما هذا منهم إلا تعنت وعناد وتلاعب، ليس له مستند ولا برهان، ولهذا كان جزاؤهم في الآخرة من جنس عملهم، قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَالْيَوْمَ‏}‏ أي‏:‏ يوم القيامة، ‏{‏الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ‏}‏ حين يرونهم في غمرات العذاب يتقلبون، وقد ذهب عنهم ما كانوا يفترون، والمؤمنون في غاية الراحة والطمأنينة ‏{‏عَلَى الْأَرَائِكِ‏}‏ وهي السرر المزينة، ‏{‏يُنْظَرُونَ‏}‏ إلى ما أعد الله لهم من النعيم، وينظرون إلى وجه ربهم الكريم‏.‏
{‏هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ‏}‏ أي‏:‏ هل جوزوا من جنس عملهم‏؟‏
فكما ضحكوا في الدنيا من المؤمنين ورموهم بالضلال، ضحك المؤمنون منهم في الآخرة، ورأوهم في العذاب والنكال، الذي هو عقوبة الغي والضلال‏.‏ نعم، ثوبوا ما كانوا يفعلون، عدلًا من الله وحكمة، والله عليم حكيم‏.‏
@@@الجوووري@@@
@@@الجوووري@@@
تفسير سورة الانفطار

‏‏ مكية
‏‏ ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏{‏إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَت‏}‏
أي‏:‏ إذا انشقت السماء وانفطرت، وانتثرت نجومها، وزال جمالها، وفجرت البحار فصارت بحرا واحدا، وبعثرت القبور بأن أخرجت ما فيها من الأموات، وحشروا للموقف بين يدي الله للجزاء على الأعمال‏.‏ فحينئذ ينكشف الغطاء، ويزول ما كان خفيا، وتعلم كل نفس ما معها من الأرباح والخسران، هنالك يعض الظالم على يديه إذا رأى أعماله باطلة، وميزانه قد خف، والمظالم قد تداعت إليه، والسيئات قد حضرت لديه، وأيقن بالشقاء الأبدي والعذاب السرمدي ‏.‏
و‏‏ يفوز المتقون المقدمون لصالح الأعمال بالفوز العظيم، والنعيم المقيم والسلامة من عذاب الجحيم‏.‏
‏‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ * كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ‏}
يقول تعالى معاتبا للإنسان المقصر في حق ربه، المتجرئ على مساخطه ‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ‏}‏ أتهاونا منك في حقوقه‏؟‏ أم احتقارا منك لعذابه‏؟‏ أم عدم إيمان منك بجزائه‏؟‏
أليس هو ‏{‏الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ‏}‏ في أحسن تقويم‏؟‏ ‏{‏فَعَدَلَكَ‏}‏ وركبك تركيبا قويما معتدلا، في أحسن الأشكال، وأجمل الهيئات، فهل يليق بك أن تكفر نعمة المنعم، أو تجحد إحسان المحسن‏؟‏
إن هذا إلا من جهلك وظلمك وعنادك وغشمك، فاحمد الله أن لم يجعل صورتك صورة كلب أو حمار، أو نحوهما من الحيوانات؛ فلهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ‏}
‏‏ ‏{‏كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ‏}‏ أي‏:‏ مع هذا الوعظ والتذكير، لا تزالون مستمرين على التكذيب بالجزاء‏.‏
وأنتم لا بد أن تحاسبوا على ما عملتم، وقد أقام الله عليكم ملائكة كراما يكتبون أقوالكم وأفعالكم ويعلمون أفعالكم، ودخل في هذا أفعال القلوب، وأفعال الجوارح، فاللائق بكم أن تكرموهم وتجلوهم وتحترموهم‏.‏
‏‏ ‏{‏إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ‏}
المراد بالأبرار، القائمون بحقوق الله وحقوق عباده، الملازمون للبر، في أعمال القلوب وأعمال الجوارح، فهؤلاء جزاؤهم النعيم في القلب والروح والبدن، في دار الدنيا ‏‏ البرزخ و ‏‏ دار القرار‏.‏
‏{‏وَإِنَّ الْفُجَّارَ‏}‏ الذين قصروا في حقوق الله وحقوق عباده، الذين فجرت قلوبهم ففجرت أعمالهم ‏{‏لَفِي جَحِيمٍ‏}‏ أي‏:‏ عذاب أليم، في دار الدنيا و ‏‏ البرزخ وفي دار القرار‏.‏
‏{‏يَصْلَوْنَهَا‏}‏ ويعذبون ‏‏ أشد العذاب ‏{‏يَوْمِ الدِّينِ‏}‏ أي‏:‏ يوم الجزاء على الأعمال‏.‏
{‏وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ‏}‏ أي‏:‏ بل هم ملازمون لها، لا يخرجون منها‏.‏
{‏وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ‏}‏ ففي هذا تهويل لذلك اليوم الشديد الذي يحير الأذهان‏.‏ {‏يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا‏}‏ ولو كانت لها قريبة ‏‏ مصافية، فكل مشتغل بنفسه لا يطلب الفكاك لغيرها‏.‏ ‏{‏وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ‏}‏ فهو الذي يفصل بين العباد، ويأخذ للمظلوم حقه من ظالمه ‏‏
@@@الجوووري@@@
@@@الجوووري@@@
تفسير سورة التكوير

‏‏ مكية
‏‏ ‏‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَت‏}‏
أي‏:‏ إذا حصلت هذه الأمور الهائلة، تميز الخلق، وعلم كل أحد ما قدمه لآخرته، وما أحضره فيها من خير وشر، وذلك إذا كان يوم القيامة تكور الشمس أي‏:‏ تجمع وتلف، ويخسف القمر، ويلقيان في النار‏.‏
{‏وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَت‏}‏ أي‏:‏ تغيرت، وتساقطت من أفلاكها‏.‏
{‏وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَت‏}‏ أي‏:‏‏:‏ صارت كثيبا مهيلا، ثم صارت كالعهن المنفوش، ثم تغيرت وصارت هباء منبثا، وسيرت عن أماكنها، ‏{‏وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَت‏}‏ أي‏:‏ عطل الناس حينئذ نفائس أموالهم التي كانوا يهتمون لها ويراعونها في جميع الأوقات، فجاءهم ما يذهلهم عنها، فنبه بالعشار، وهي النوق التي تتبعها أولادها، وهي أنفس أموال العرب إذ ذاك عندهم، على ما هو في معناها من كل نفيس‏.‏
{‏وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَت‏}‏ أي‏:‏ جمعت ليوم القيامة، ليقتص الله من بعضها لبعض، ويرى العباد كمال عدله، حتى إنه ليقتص من القرناء للجماء ثم يقول لها‏:‏ كوني ترابا‏.‏
{‏وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَت‏}‏ أي‏:‏ أوقدت فصارت ـ على عظمها ـ نارا تتوقد‏.‏
{‏وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَت‏}‏ أي‏:‏ قرن كل صاحب عمل مع نظيره، فجمع الأبرار مع الأبرار، والفجار مع الفجار، وزوج المؤمنون بالحور العين، والكافرون بالشياطين، وهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا‏}‏ ‏{‏وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا‏}‏ ‏{‏احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُم‏}‏ ‏.‏
{‏وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَت‏}‏ وهو الذي كانت الجاهلية الجهلاء تفعله من دفن البنات وهن أحياء من غير سبب، إلا خشية الفقر، فتسأل‏:‏ ‏{‏بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَت‏}‏ ومن المعلوم أنها ليس لها ذنب، ففي هذا توبيخ وتقريع لقاتليها ‏.‏ ‏{‏وَإِذَا الصُّحُفُ‏}‏ المشتملة على ما عمله العاملون من خير وشر ‏{‏نُشِرَت‏}‏ وفرقت على أهلها، فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله، أو من وراء ظهره‏.‏
{‏وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَت‏}‏ أي‏:‏ أزيلت، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ‏}‏ ‏{‏يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ‏}‏ ‏{‏وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ‏}‏ ‏{‏وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَت‏}‏ أي‏:‏ أوقد عليها فاستعرت، والتهبت التهابا لم يكن لها قبل ذلك، ‏{‏وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَت‏}‏ أي‏:‏ قربت للمتقين، ‏{‏عَلِمَتْ نَفْسٌ‏}‏ أي‏:‏ كل نفس، لإتيانها في سياق الشرط‏.‏
‏{‏مَا أَحْضَرَت‏}‏ أي‏:‏ ما حضر لديها من الأعمال ‏‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا‏}‏ وهذه الأوصاف التي وصف الله بها يوم القيامة، من الأوصاف التي تنزعج لها القلوب، وتشتد من أجلها الكروب، وترتعد الفرائص وتعم المخاوف، وتحث أولي الألباب للاستعداد لذلك اليوم، وتزجرهم عن كل ما يوجب اللوم، ولهذا قال بعض السلف‏:‏ من أراد أن ينظر ليوم القيامة كأنه رأي عين، فليتدبر سورة ‏{‏إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَت‏}
‏‏ ‏{‏فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِي الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ * وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ‏}‏
أقسم تعالى ‏{‏بِالْخُنَّسِ‏}‏ وهي الكواكب التي تخنس أي‏:‏ تتأخر عن سير الكواكب المعتاد إلى جهة المشرق، وهي النجوم السبعة السيارة‏:‏ ‏"‏ الشمس ‏"‏، و ‏"‏القمر‏"‏، و ‏"‏الزهرة‏"‏، و ‏"‏المشترى‏"‏، و ‏"‏المريخ‏"‏، و ‏"‏زحل‏"‏، و ‏"‏عطارد‏"‏، فهذه السبعة لها سيران‏:‏ سير إلى جهة المغرب مع باقي الكواكب والأفلاك ، وسير معاكس لهذا من جهة المشرق تختص به هذه السبعة دون غيرها‏.‏
فأقسم الله بها في حال خنوسها أي‏:‏ تأخرها، وفي حال جريانها، وفي حال كنوسها أي‏:‏ استتارها بالنهار، ويحتمل أن المراد بها جميع النجوم الكواكب السيارة وغيرها‏.‏
{‏وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ‏}‏ أي‏:‏ أدبر وقيل‏:‏ أقبل، ‏{‏وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ‏}‏ أي‏:‏ بانت علائم الصبح، وانشق النور شيئا فشيئا حتى يستكمل وتطلع الشمس، وهذه آيات عظام، أقسم الله بها على علو سند القرآن وجلالته، وحفظه من كل شيطان رجيم فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ‏}‏ وهو‏:‏ جبريل عليه السلام، نزل به من الله تعالى، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ‏}‏ ووصفه الله بالكريم لكرم أخلاقه، وكثره خصاله الحميدة، فإنه أفضل الملائكة، وأعظمهم رتبة عند ربه، ‏{‏ذِي قُوَّةٍ‏}‏ على ما أمره الله به‏.‏ ومن قوته أنه قلب ديار قوم لوط بهم فأهلكهم‏.‏
{‏عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ‏}‏ أي‏:‏ جبريل مقرب عند الله، له منزلة رفيعة، وخصيصة من الله اختصه بها، ‏{‏مَكِينٍ‏}‏ أي‏:‏ له مكانة ومنزلة فوق منازل الملائكة كلهم‏.‏
‏{‏مُطَاعٍ ثَمَّ‏}‏ أي‏:‏ جبريل مطاع في الملأ الأعلى، لديه من الملائكة المقربين جنود، نافذ فيهم أمره، مطاع رأيه، ‏{‏أَمِينٍ‏}‏ أي‏:‏ ذو أمانة وقيام بما أمر به، لا يزيد ولا ينقص، ولا يتعدى ما حد له، وهذا ‏‏ يدل على شرف القرآن عند الله تعالى، فإنه بعث به هذا الملك الكريم، الموصوف بتلك الصفات الكاملة‏.‏ والعادة أن الملوك لا ترسل الكريم عليها إلا في أهم المهمات، وأشرف الرسائل‏.‏
ولما ذكر فضل الرسول الملكي الذي جاء بالقرآن، ذكر فضل الرسول البشري الذي نزل عليه القرآن، ودعا إليه الناس فقال‏:‏ ‏{‏وَمَا صَاحِبُكُم‏}‏ وهو محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏{‏بِمَجْنُونٍ‏}‏ كما يقوله أعداؤه المكذبون برسالته، المتقولون عليه من الأقوال، التي يريدون أن يطفئوا بها ما جاء به ما شاءوا وقدروا عليه، بل هو أكمل الناس عقلا، وأجزلهم رأيا، وأصدقهم لهجة‏.‏
{‏وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ‏}‏ أي‏:‏ رأى محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ جبريل عليه السلام بالأفق البين، الذي هو أعلى ما يلوح للبصر‏.‏
{‏وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ‏}‏ أي‏:‏ وما هو على ما أوحاه الله إليه بمتهم يزيد فيه أو ينقص أو يكتم بعضه، بل هو ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمين أهل السماء وأهل الأرض، الذي بلغ رسالات ربه البلاغ المبين، فلم يشح بشيء منه، عن غني ولا فقير، ولا رئيس ولا مرءوس، ولا ذكر ولا أنثى، ولا حضري ولا بدوي، ولذلك بعثه الله في أمة أمية، جاهلة جهلاء، فلم يمت ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى كانوا علماء ربانيين، وأحبارا متفرسين، إليهم الغاية في العلوم، وإليهم المنتهى في استخراج الدقائق والفهوم، وهم الأساتذة، وغيرهم قصاراه أن يكون من تلاميذهم‏.‏
{‏وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ‏}‏ لما ذكر جلالة كتابه وفضله بذكر الرسولين الكريمين، اللذين وصل إلى الناس على أيديهما، وأثنى الله عليهما بما أثنى، دفع عنه كل آفة ونقص مما يقدح في صدقه، فقال‏:‏ ‏{‏وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ‏}‏ أي‏:‏ في غاية البعد عن الله وعن قربه، ‏{‏فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ‏}‏ أي‏:‏ كيف يخطر هذا ببالكم، وأين عزبت عنكم أذهانكم‏؟‏ حتى جعلتم الحق الذي هو في أعلى درجات الصدق بمنزلة الكذب، الذي هو أنزل ما يكون ‏‏ وأسفل الباطل‏؟‏ هل هذا إلا من انقلاب الحقائق‏.‏ ‏{‏إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ‏}‏ يتذكرون به ربهم، وما له من صفات الكمال، وما ينزه عنه من النقائص والرذائل ‏‏، ويتذكرون به الأوامر والنواهي وحكمها، ويتذكرون به الأحكام القدرية والشرعية والجزائية، وبالجملة، يتذكرون به مصالح الدارين، وينالون بالعمل به السعادتين‏.‏ {‏لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ‏}‏ بعدما تبين الرشد من الغي، والهدى من الضلال‏.‏ ‏{‏وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ‏}‏ أي‏:‏ فمشيئته نافذة، لا يمكن أن تعارض أو تمانع‏.‏ وفي هذه الآية وأمثالها رد على فرقتي القدرية النفاة، والقدرية المجبرة كما تقدم مثلها ‏‏‏.‏
@@@الجوووري@@@
@@@الجوووري@@@
تفسير سورة عبس

وهي مكية
‏‏ ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏{‏عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى‏}‏
وسبب نزول هذه الآيات الكريمات، أنه جاء رجل من المؤمنين أعمى يسأل النبي صلى الله عليه ويتعلم منه‏.‏
وجاءه رجل من الأغنياء، وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ حريصا على هداية الخلق، فمال ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏‏ إلى الغني، وصد عن الأعمى الفقير، رجاء لهداية ذلك الغني، وطمعا في تزكيته، فعاتبه الله بهذا العتاب اللطيف، فقال‏:‏ ‏{‏عَبَسَ‏}‏ ‏‏ في وجهه ‏{‏وَتَوَلَّى‏}‏ في بدنه، لأجل مجيء الأعمى له، ثم ذكر الفائدة في الإقبال عليه، فقال‏:‏ ‏{‏وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ‏}‏ أي‏:‏ الأعمى ‏{‏يَزَّكَّى‏}‏ أي‏:‏ يتطهر عن الأخلاق الرذيلة، ويتصف بالأخلاق الجميلة‏؟‏
{‏أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى‏}‏ أي‏:‏ يتذكر ما ينفعه، فيعمل بتلك الذكرى‏.‏
وهذه فائدة كبيرة، هي المقصودة من بعثة الرسل، ووعظ الوعاظ، وتذكير المذكرين، فإقبالك على من جاء بنفسه مفتقرا لذلك منك ، هو الأليق الواجب، وأما تصديك وتعرضك للغني المستغني الذي لا يسأل ولا يستفتي لعدم رغبته في الخير، مع تركك من هو أهم منه، فإنه لا ينبغي لك، فإنه ليس عليك أن لا يزكى، فلو لم يتزك، فلست بمحاسب على ما عمله من الشر‏.‏
فدل هذا على القاعدة المشهورة، أنه‏:‏ ‏"‏ لا يترك أمر معلوم لأمر موهوم، ولا مصلحة متحققة لمصلحة متوهمة ‏"‏ وأنه ينبغي الإقبال على طالب العلم، المفتقر إليه، الحريص عليه أزيد من غيره‏.‏
‏‏ ‏{‏كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ * قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ * فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُم‏}
يقول تعالى‏:‏ ‏{‏كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ‏}‏ أي‏:‏ حقا إن هذه الموعظة تذكرة من الله، يذكر بها عباده، ويبين لهم في كتابه ما يحتاجون إليه، ويبين الرشد من الغي، فإذا تبين ذلك ‏{‏فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ‏}‏ أي‏:‏ عمل به، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر‏}
ثم ذكر محل هذه التذكرة وعظمها ورفع قدرها، فقال‏:‏ ‏{‏فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ‏}‏ القدر والرتبة ‏{‏مُطَهَّرَةٌ‏}‏ ‏‏ عن أن تنالها أيدي الشياطين أو يسترقوها، بل هي ‏{‏بِأَيْدِي سَفَرَةٍ‏}‏ وهم الملائكة ‏‏ السفراء بين الله وبين عباده، ‏{‏كِرَامٍ‏}‏ أي‏:‏ كثيري الخير والبركة، ‏{‏بَرَرَةٍ‏}‏ قلوبهم وأعمالهم‏.‏
وذلك كله حفظ من الله لكتابه، أن جعل السفراء فيه إلى الرسل الملائكة الكرام الأقوياء الأتقياء، ولم يجعل للشياطين عليه سبيلا، وهذا مما يوجب الإيمان به وتلقيه بالقبول، ولكن مع هذا أبى الإنسان إلا كفورا، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ‏}‏ لنعمة الله وما أشد معاندته للحق بعدما تبين، وهو ما هو‏؟‏ هو من أضعف الأشياء، خلقه الله من ماء مهين، ثم قدر خلقه، وسواه بشرا سويا، وأتقن قواه الظاهرة والباطنة‏.‏
{‏ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ‏}‏ أي‏:‏ يسر له الأسباب الدينية والدنيوية، وهداه السبيل، ‏‏ وامتحنه بالأمر والنهي، ‏{‏ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ‏}‏ أي‏:‏ أكرمه بالدفن، ولم يجعله كسائر الحيوانات التي تكون جيفها على وجه الأرض، ‏{‏ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ‏}‏ أي‏:‏ بعثه بعد موته للجزاء، فالله هو المنفرد بتدبير الإنسان وتصريفه بهذه التصاريف، لم يشاركه فيه مشارك، وهو ـ مع هذا ـ لا يقوم بما أمره الله، ولم يقض ما فرضه عليه، بل لا يزال مقصرا تحت الطلب‏.‏
ثم أرشده تعالى إلى النظر والتفكر في طعامه، وكيف وصل إليه بعدما تكررت عليه طبقات عديدة، ويسره له فقال‏:‏ ‏{‏فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا‏}‏ أي‏:‏ أنزلنا المطر على الأرض بكثرة‏.‏
{‏ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ‏}‏ للنبات ‏{‏شَقًّا فَأَنْبَتْنَا فِيهَا‏}‏ أصنافا مصنفة من أنواع الأطعمة اللذيذة، والأقوات الشهية ‏{‏حبًّا‏}‏ وهذا شامل لسائر الحبوب على اختلاف أصنافها، ‏{‏وَعِنَبًا وَقَضْبًا‏}‏ وهو القت، ‏{‏وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا‏}‏ وخص هذه الأربعة لكثرة فوائدها ومنافعها‏.‏
‏{‏وَحَدَائِقَ غُلْبًا‏}‏ أي‏:‏ بساتين فيها الأشجار الكثيرة الملتفة، ‏{‏وَفَاكِهَةً وَأَبًّا‏}‏ الفاكهة‏:‏ ما يتفكه فيه الإنسان، من تين وعنب وخوخ ورمان، وغير ذلك‏.‏
والأب‏:‏ ما تأكله البهائم والأنعام، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُم‏}‏ التي خلقها الله وسخرها لكم، فمن نظر في هذه النعم أوجب له ذلك شكر ربه، وبذل الجهد في الإنابة إليه، والإقبال على طاعته، والتصديق بأخباره‏.‏
‏‏ ‏{‏فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ‏}
أي‏:‏ إذا جاءت صيحة القيامة، التي تصخ لهولها الأسماع، وتنزعج لها الأفئدة يومئذ، مما يرى الناس من الأهوال وشدة الحاجة لسالف الأعمال‏.‏
‏{‏يَفِرُّ الْمَرْءُ‏}‏ من أعز الناس إليه، وأشفقهم لديه، ‏{‏مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ‏}‏ أي‏:‏ زوجته ‏{‏وَبَنِيهِ‏}‏ وذلك لأنه ‏{‏لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ‏}‏ أي‏:‏ قد شغلته نفسه، واهتم لفكاكها، ولم يكن له التفات إلى غيرها، فحينئذ ينقسم الخلق إلى فريقين‏:‏ سعداء وأشقياء، فأما السعداء، فـوجوههم ‏‏ ‏{‏مُسْفِرَةٌ‏}‏ أي‏:‏ قد ظهر فيها السرور والبهجة، من ما عرفوا من نجاتهم، وفوزهم بالنعيم، ‏{‏ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ‏}‏ الأشقياء ‏{‏يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا‏}‏ أي‏:‏ تغشاها ‏{‏قَتَرَةٌ‏}‏ فهي سوداء مظلمة مدلهمة، قد أيست من كل خير، وعرفت شقاءها وهلاكها‏.‏
‏{‏أُولَئِكَ‏}‏ الذين بهذا الوصف ‏{‏هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ‏}‏ أي‏:‏ الذين كفروا بنعمة الله وكذبوا بآيات الله، وتجرأوا على محارمه‏.‏ نسأل الله العفو والعافية إنه جواد كريم ‏‏‏.‏
@@@الجوووري@@@
@@@الجوووري@@@
تفسير سورة النازعات

وهي مكية
‏‏ ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏{وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا * يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ * يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ * أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً * قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ * فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ‏}‏
هذه الإقسامات بالملائكة الكرام، وأفعالهم الدالة على كمال انقيادهم لأمر الله، وإسراعهم في تنفيذ أمره، يحتمل أن المقسم عليه، الجزاء والبعث، بدليل الإتيان بأحوال القيامة بعد ذلك، ويحتمل أن المقسم عليه والمقسم به متحدان، وأنه أقسم على الملائكة، لأن الإيمان بهم أحد أركان الإيمان الستة، ولأن في ذكر أفعالهم هنا ما يتضمن الجزاء الذي تتولاه الملائكة عند الموت وقبله وبعده، فقال‏:‏ ‏{‏وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا‏}‏ وهم الملائكة التي تنزع الأرواح بقوة، وتغرق في نزعها حتى تخرج الروح، فتجازى بعملها‏.‏
‏{‏وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا‏}‏ وهم الملائكة أيضا، تجتذب الأرواح بقوة ونشاط، أو أن النزع يكون لأرواح المؤمنين، والنشط لأرواح الكفار‏.‏
‏{‏وَالسَّابِحَاتِ‏}‏ أي‏:‏ المترددات في الهواء صعودا ونزولا ‏{‏سَبْحًا‏}‏
‏{‏فَالسَّابِقَاتِ‏}‏ لغيرها ‏{‏سَبْقًا‏}‏ فتبادر لأمر الله، وتسبق الشياطين في إيصال الوحي إلى رسل الله حتى لا تسترقه ‏.‏
‏{‏فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا‏}‏ الملائكة، الذين وكلهم الله أن يدبروا كثيرا من أمور العالم العلوي والسفلي، من الأمطار، والنبات، والأشجار، والرياح، والبحار، والأجنة، والحيوانات، والجنة، والنار ‏‏‏.‏
{‏يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ‏}‏ وهي قيام الساعة، ‏{‏تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ‏}‏ أي‏:‏ الرجفة الأخرى التي تردفها وتأتي تلوها، ‏{‏قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ‏}‏ أي‏:‏ موجفة ومنزعجة من شدة ما ترى وتسمع‏.‏
‏{‏أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ‏}‏ أي‏:‏ ذليلة حقيرة، قد ملك قلوبهم الخوف، وأذهل أفئدتهم الفزع، وغلب عليهم التأسف ‏‏ الحسرة‏.‏
يقولون أي‏:‏ الكفار في الدنيا، على وجه التكذيب‏:‏ ‏{‏أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً‏}‏ أي‏:‏ بالية فتاتا‏.‏
{‏قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ‏}‏ أي‏:‏ استبعدوا أن يبعثهم الله ويعيدهم بعدما كانوا عظاما نخرة، جهلا ‏‏ بقدرة الله، وتجرؤا عليه‏.‏
قال الله في بيان سهولة هذا الأمر عليه‏:‏ ‏{‏فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ‏}‏ ينفخ فيها في الصور‏.‏
فإذا الخلائق كلهم ‏{‏بِالسَّاهِرَةِ‏}‏ أي‏:‏ على وجه الأرض، قيام ينظرون، فيجمعهم الله ويقضي بينهم بحكمه العدل ويجازيهم‏.‏
‏‏ ‏{‏هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى * فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى * فَكَذَّبَ وَعَصَى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى‏}‏
يقول ‏‏ تعالى لنبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏{‏هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى‏}‏ وهذا الاستفهام عن أمر عظيم متحقق وقوعه‏.‏
أي‏:‏ هل أتاك حديثه ‏{‏إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى‏}‏ وهو المحل الذي كلمه الله فيه، وامتن عليه بالرسالة، واختصه بالوحي والاجتباء فقال له ‏{‏اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى‏}‏ أي‏:‏ فانهه عن طغيانه وشركه وعصيانه، بقول لين، وخطاب لطيف، لعله ‏{‏يتذكر أو يخشى‏}
‏{‏فَقُل‏}‏ له‏:‏ ‏{‏هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى‏}‏ أي‏:‏ هل لك في خصلة حميدة، ومحمدة جميلة، يتنافس فيها أولو الألباب، وهي أن تزكي نفسك وتطهرها من دنس الكفر والطغيان، إلى الإيمان والعمل الصالح‏؟‏
{‏وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ‏}‏ أي‏:‏ أدلك عليه، وأبين لك مواقع رضاه، من مواقع سخطه‏.‏ ‏{‏فَتَخْشَى‏}‏ الله إذا علمت الصراط المستقيم، فامتنع فرعون مما دعاه إليه موسى‏.‏
{‏فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى‏}‏ أي‏:‏ جنس الآية الكبرى، فلا ينافي تعددها ‏{‏فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ‏}
‏{‏فَكَذَّبَ‏}‏ بالحق ‏{‏وَعَصَى‏}‏ الأمر، ‏{‏ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى‏}‏ أي‏:‏ يجتهد في مبارزة الحق ومحاربته، ‏{‏فَحَشَرَ‏}‏ جنوده أي‏:‏ جمعهم ‏{‏فَنَادَى فَقَالَ‏}‏ لهم‏:‏ ‏{‏أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى‏}‏ فأذعنوا له وأقروا بباطله حين استخفهم، ‏{‏فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى‏}‏ أي‏:‏ صارت عقوبته دليلا وزاجرا، ومبينة لعقوبة الدنيا والآخرة، ‏{‏إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى‏}‏ فإن من يخشى الله هو الذي ينتفع بالآيات والعبر، فإذا رأى عقوبة فرعون، عرف أن كل من تكبر وعصى، وبارز الملك الأعلى، عاقبه في الدنيا والآخرة، وأما من ترحلت خشية الله من قلبه، فلو جاءته كل آية لم يؤمن ‏‏‏.‏
‏‏ ‏{‏أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُم‏}
يقول تعالى مبينا دليلا واضحا لمنكري البعث ومستبعدي إعادة الله للأجساد‏:‏ ‏{‏أَأَنْتُم‏}‏ أيها البشر ‏{‏أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ‏}‏ ذات الجرم العظيم، والخلق القوي، والارتفاع الباهر ‏{‏بَنَاهَا‏}‏ الله‏.‏
‏{‏رَفَعَ سَمْكَهَا‏}‏ أي‏:‏ جرمها وصورتها، ‏{‏فَسَوَّاهَا‏}‏ بإحكام وإتقان يحير العقول، ويذهل الألباب، ‏{‏وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا‏}‏ أي‏:‏ أظلمه، فعمت الظلمة ‏‏ أرجاء السماء، فأظلم وجه الأرض، ‏{‏وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا‏}‏ أي‏:‏ أظهر فيه النور العظيم، حين أتى بالشمس، فامتد الناس في مصالح دينهم ودنياهم‏.‏
{‏وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ‏}‏ أي‏:‏ بعد خلق السماء ‏{‏دَحَاهَا‏}‏ أي‏:‏ أودع فيها منافعها‏.‏
وفسر ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا‏}‏ أي‏:‏ ثبتها في الأرض‏.‏ فدحى الأرض بعد خلق السماء، كما هو نص هذه الآيات ‏‏‏.‏ وأما خلق نفس الأرض، فمتقدم على خلق السماء كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ‏}‏ إلى أن قال‏:‏ ‏{‏ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين‏}‏ فالذي خلق السماوات العظام وما فيها من الأنوار والأجرام، والأرض الكثيفة الغبراء، وما فيها من ضروريات الخلق ومنافعهم، لا بد أن يبعث الخلق المكلفين، فيجازيهم على أعمالهم، فمن أحسن فله الحسنى ومن أساء فلا يلومن إلا نفسه، ولهذا ذكر بعد هذا القيام الجزاء ، فقال‏:‏
‏‏ ‏{‏فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى * فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى‏}
أي‏:‏ إذا جاءت القيامة الكبرى، والشدة العظمى، التي يهون عندها كل شدة، فحينئذ يذهل الوالد عن ولده، والصاحب عن صاحبه ‏‏‏.‏ و ‏{‏يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى‏}‏ في الدنيا، من خير وشر، فيتمنى زيادة مثقال ذرة في حسناته، ويغمه ويحزن لزيادة مثقال ذرة في سيئاته‏.‏
ويعلم إذ ذاك أن مادة ربحه وخسرانه ما سعاه في الدنيا، وينقطع كل سبب ووصلة كانت في الدنيا سوى الأعمال‏.‏
{‏وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى‏}‏ أي‏:‏ جعلت في البراز، ظاهرة لكل أحد، قد برزت لأهلها، واستعدت لأخذهم، منتظرة لأمر ربها‏.‏
{‏فَأَمَّا مَنْ طَغَى‏}‏ أي‏:‏ جاوز الحد، بأن تجرأ على المعاصي الكبار، ولم يقتصر على ما حده الله‏.‏
{‏وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا‏}‏ على الآخرة فصار سعيه لها، ووقته مستغرقا في حظوظها وشهواتها، ونسي الآخرة وترك العمل لها‏.‏ ‏{‏فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى‏}‏ ‏‏ أي‏:‏ المقر والمسكن لمن هذه حاله، ‏{‏وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ‏}‏ أي‏:‏ خاف القيام عليه ومجازاته بالعدل، فأثر هذا الخوف في قلبه فنهى نفسه عن هواها الذي يقيدها عن طاعة الله، وصار هواه تبعا لما جاء به الرسول، وجاهد الهوى والشهوة الصادين عن الخير، ‏{‏فَإِنَّ الْجَنَّةَ‏}‏ ‏‏ ‏{‏هِيَ الْمَأْوَى‏}‏ لمن هذا وصفه‏.‏
‏‏ ‏{‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا‏}أي‏:‏ يسألك المتعنتون المكذبون بالبعث ‏{‏عَنِ السَّاعَةِ‏}‏ متى وقوعها و ‏{‏أَيَّانَ مُرْسَاهَا‏}‏ فأجابهم الله بقوله‏:‏ ‏{‏فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا‏}‏ أي‏:‏ ما الفائدة لك ولهم في ذكرها ومعرفة وقت مجيئها‏؟‏ فليس تحت ذلك نتيجة، ولهذا لما كان علم العباد للساعة ليس لهم فيه مصلحة دينية ولا دنيوية، بل المصلحة في خفائه عليهم، طوى علم ذلك عن جميع الخلق، واستأثر بعلمه فقال‏:‏ ‏{‏إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا‏}‏ أي‏:‏ إليه ينتهي علمها، كما قال في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغته يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏}‏ ‏.‏ ‏{‏إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا‏}‏ أي‏:‏ إنما نذارتك ‏‏ لمن يخشى مجيء الساعة، ويخاف الوقوف بين يديه، فهم الذين لا يهمهم سوى الاستعداد لها والعمل لأجلها‏.‏ وأما من لا يؤمن بها، فلا يبالي به ولا بتعنته، لأنه تعنت مبني على العناد والتكذيب، وإذا وصل إلى هذه الحال، كان الإجابة عنه عبثا، ينزه الحكيم عنه ‏‏ والحمد لله رب العالمين‏.‏