@@@الجوووري@@@
@@@الجوووري@@@
تفسير سورة عم

وهي مكية
‏‏ ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏{عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ‏}‏
أي‏:‏ عن أي شيء يتساءل المكذبون بآيات الله‏؟‏ ثم بين ما يتساءلون عنه فقال‏:‏ ‏{‏عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ‏}‏ أي‏:‏ عن الخبر العظيم الذي طال فيه نزاعهم، وانتشر فيه خلافهم على وجه التكذيب والاستبعاد، وهو النبأ الذي لا يقبل الشك ولا يدخله الريب، ولكن المكذبون بلقاء ربهم لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم‏.‏
ولهذا قال‏:‏ ‏{‏كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ‏}‏ أي‏:‏ سيعلمون إذا نزل بهم العذاب ما كانوا به يكذبون، حين يدعون إلى نار جهنم دعا، ويقال لهم‏:‏ ‏{‏هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ‏}
ثم بين تعالى النعم والأدلة الدالة على صدق ما أخبرت به الرسل فقال‏:‏
‏‏ ‏{‏أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا * وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا * وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا‏}
أي‏:‏ أما أنعمنا عليكم بنعم جليلة، فجعلنا لكم ‏{‏الْأَرْضَ مِهَادًا‏}‏ أي‏:‏ ممهدة مهيأة لكم ولمصالحكم، من الحروث والمساكن والسبل‏.‏
‏{‏وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا‏}‏ تمسك الأرض لئلا تضطرب بكم وتميد‏.‏
‏{‏وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا‏}‏ أي‏:‏ ذكورا وإناثا من جنس واحد، ليسكن كل منهما إلى الآخر، فتكون المودة والرحمة، وتنشأ عنهما الذرية، وفي ضمن هذا الامتنان، بلذة المنكح‏.‏
{‏وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا‏}‏ أي‏:‏ راحة لكم، وقطعا لأشغالكم، التي متى تمادت بكم أضرت بأبدانكم، فجعل الله الليل والنوم يغشى الناس لتنقطع حركاتهم الضارة، وتحصل راحتهم النافعة‏.‏
{‏وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا‏}‏ أي‏:‏ سبع سموات، في غاية القوة، والصلابة والشدة، وقد أمسكها الله بقدرته، وجعلها سقفا للأرض، فيها عدة منافع لهم، ولهذا ذكر من منافعها الشمس فقال‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا‏}‏ نبه بالسراج على النعمة بنورها، الذي صار كالضرورة للخلق، وبالوهاج الذي فيه الحرارة على حرارتها وما فيها من المصالح
{‏وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ‏}‏ أي‏:‏ السحاب ‏{‏مَاءً ثَجَّاجًا‏}‏ أي‏:‏ كثيرا جدا‏.‏
{‏لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا‏}‏ من بر وشعير وذرة وأرز، وغير ذلك مما يأكله الآدميون‏.‏
‏{‏وَنَبَاتًا‏}‏ يشمل سائر النبات، الذي جعله الله قوتا لمواشيهم‏.‏
‏{‏وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا‏}‏ أي‏:‏ بساتين ملتفة، فيها من جميع أصناف الفواكه اللذيذة‏.‏
فالذي أنعم عليكم بهذه النعم العظيمة ، التي لا يقدر قدرها، ولا يحصى عددها، كيف ‏‏ تكذبون ما أخبركم به من البعث والنشور‏؟‏‏!‏ أم كيف تستعينون بنعمه على معاصيه وتجحدونها‏؟‏‏"‏
‏‏ ‏{‏إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا * يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا * وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا * وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا * إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلطَّاغِينَ مَآبًا * لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا * لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا * جَزَاءً وِفَاقًا * إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا * وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا * وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا * فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا‏}
ذكر تعالى ما يكون في يوم القيامة الذي يتساءل عنه المكذبون، ويجحده المعاندون، أنه يوم عظيم، وأن الله جعله ‏{‏مِيقَاتًا‏}‏ للخلق‏.‏
{‏يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا‏}‏ ويجري فيه من الزعازع والقلاقل ما يشيب له الوليد، وتنزعج له القلوب، فتسير الجبال، حتى تكون كالهباء المبثوث، وتشقق السماء حتى تكون أبوابا، ويفصل الله بين الخلائق بحمكه الذي لا يجور، وتوقد نار جهنم التي أرصدها الله وأعدها للطاغين، وجعلها مثوى لهم ومآبا، وأنهم يلبثون فيها أحقابا كثيرة و ‏{‏الحقب‏}‏ على ما قاله كثير من المفسرين‏:‏ ثمانون سنة‏.‏
وهم إذا وردوها ‏{‏لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا‏}‏ أي‏:‏ لا ما يبرد جلودهم، ولا ما يدفع ظمأهم‏.‏
‏{‏إِلَّا حَمِيمًا‏}‏ أي‏:‏ ماء حارا، يشوي وجوههم، ويقطع أمعاءهم، ‏{‏وَغَسَّاقًا‏}‏ وهو‏:‏ صديد أهل النار، الذي هو في غاية النتن، وكراهة المذاق، وإنما استحقوا هذه العقوبات الفظيعة جزاء لهم ووفاقا على ما عملوا من الأعمال الموصلة إليها، لم يظلمهم الله، ولكن ظلموا أنفسهم، ولهذا ذكر أعمالهم، التي استحقوا بها هذا الجزاء، فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا‏}‏ أي‏:‏ لا يؤمنون بالبعث، ولا أن الله يجازي الخلق بالخير والشر، فلذلك أهملوا العمل للآخرة‏.‏
{‏وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا‏}‏ أي‏:‏ كذبوا بها تكذيبا واضحا صريحا وجاءتهم البينات فعاندوها‏.‏
‏{‏وَكُلُّ شَيْءٍ‏}‏ من قليل وكثير، وخير وشر ‏{‏أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا‏}‏ أي‏:‏ كتبناه في اللوح المحفوظ، فلا يخشى المجرمون أنا عذبناهم بذنوب لم يعملوها، ولا يحسبوا أنه يضيع من أعمالهم شيء، أو ينسى منها مثقال ذرة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا‏}‏
‏{‏فَذُوقُوا‏}‏ أيها المكذبون هذا العذاب الأليم والخزي الدائم ‏{‏فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا‏}‏ وكل وقت وحين يزداد عذابهم ‏‏‏.‏
‏‏ ‏{‏إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا * وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا * وَكَأْسًا دِهَاقًا * لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا * جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا‏}
لما ذكر حال المجرمين ذكر مآل المتقين فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا‏}‏ أي‏:‏ الذين اتقوا سخط ربهم، بالتمسك بطاعته، والانكفاف عما يكرهه فلهم مفاز ومنجي، وبعد عن النار‏.‏ وفي ذلك المفاز لهم ‏{‏حَدَائِقَ‏}‏ وهي البساتين الجامعة لأصناف الأشجار الزاهية، في الثمار التي تتفجر بين خلالها الأنهار، وخص الأعناب لشرفها وكثرتها في تلك الحدائق‏.‏
ولهم فيها زوجات على مطالب النفوس ‏{‏كَوَاعِبَ‏}‏ وهي‏:‏ النواهد اللاتي لم تتكسر ثديهن من شبابهن، وقوتهن ونضارتهن ‏.‏
‏{‏والأَتْرَاب‏}‏ اللاتي على سن واحد متقارب، ومن عادة الأتراب أن يكن متآلفات متعاشرات، وذلك السن الذي هن فيه ثلاث وثلاثون سنة، في أعدل سن الشباب ‏.‏
‏{‏وَكَأْسًا دِهَاقًا‏}‏ أي‏:‏ مملوءة من رحيق، لذة للشاربين، ‏{‏لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا‏}‏ أي‏:‏ كلاما لا فائدة فيه ‏{‏وَلَا كِذَّابًا‏}‏ أي‏:‏ إثما‏.‏
كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا‏}
وإنما أعطاهم الله هذا الثواب الجزيل ‏‏‏.‏ ‏{‏جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ‏}‏ لهم ‏{‏عَطَاءً حِسَابًا‏}‏ أي‏:‏ بسبب أعمالهم التي وفقهم الله لها، وجعلها ثمنا لجنته ونعيمها ‏.‏
‏‏ ‏{‏رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا * يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا * ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا * إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا‏}
أي‏:‏ الذي أعطاهم هذه العطايا هو ربهم ‏{‏رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ‏}‏ الذي خلقها ودبرها ‏{‏الرَّحْمَنِ‏}‏ الذي رحمته وسعت كل شيء، فرباهم ورحمهم، ولطف بهم، حتى أدركوا ما أدركوا‏.‏
ثم ذكر عظمته وملكه العظيم يوم القيامة، وأن جميع الخلق كلهم ذلك اليوم ساكتون لا يتكلمون و ‏{‏لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا‏}‏ إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا، فلا يتكلم أحد إلا بهذين الشرطين‏:‏ أن يأذن الله له في الكلام، وأن يكون ما تكلم به صوابا، لأن ‏{‏ذَلِكَ الْيَوْمُ‏}‏ هو ‏{‏الْحَقُّ‏}‏ الذي لا يروج فيه الباطل، ولا ينفع فيه الكذب، وفي ذلك اليوم ‏{‏يَقُومُ الرُّوحُ‏}‏ وهو جبريل عليه السلام، الذي هو أشرف الملائكة ‏{‏وَالْمَلَائِكَةِ‏}‏ ‏‏ ‏{‏صَفًّا‏}‏ خاضعين لله ‏{‏لَا يَتَكَلَّمُونَ‏}‏ إلا بما أذن لهم الله به ‏.‏
فلما رغب ورهب، وبشر وأنذر، قال‏:‏ ‏{‏فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا‏}‏ أي‏:‏ عملا، وقدم صدق يرجع إليه يوم القيامة‏.‏
‏{‏إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا‏}‏ لأنه قد أزف مقبلا، وكل ما هو آت فهو قريب‏.‏
{‏يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ‏}‏ أي‏:‏ هذا الذي يهمه ويفزع إليه، فلينظر في هذه الدنيا إليه ، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ‏}‏ الآيات‏.‏
فإن وجد خيرا فليحمد الله، وإن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، ولهذا كان الكفار يتمنون الموت من شدة الحسرة والندم‏.‏
نسأل الله أن يعافينا من الكفر والشر كله، إنه جواد كريم‏.‏ تم تفسير سورة عم، والحمد لله رب العالمين‏.‏
@@@الجوووري@@@
@@@الجوووري@@@
تفسير سورة المرسلات

وهي مكية
‏‏ ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏{وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا * فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا * عُذْرًا أَوْ نُذْرًا * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ * فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ * وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ * لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ * لِيَوْمِ الْفَصْلِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏}‏
أقسم تعالى على البعث والجزاء بالأعمال ، بالمرسلات عرفا، وهي الملائكة التي يرسلها الله تعالى بشئونه القدرية وتدبير العالم، وبشئونه الشرعية ووحيه إلى رسله‏.‏
و‏{‏عُرْفًا‏}‏ حال من المرسلات أي‏:‏ أرسلت بالعرف والحكمة والمصلحة، لا بالنكر والعبث‏.‏
‏{‏فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا‏}‏ وهي ‏‏ الملائكة التي يرسلها الله تعالى وصفها بالمبادرة لأمره، وسرعة تنفيذ أوامره، كالريح العاصف، أو‏:‏ أن العاصفات، الرياح الشديدة، التي يسرع هبوبها‏.‏
‏{‏وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا‏}‏ يحتمل أنها الملائكة ، تنشر ما دبرت على نشره، أو أنها السحاب التي ينشر بها الله الأرض، فيحييها بعد موتها‏.‏
‏{‏فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا‏}‏ هي الملائكه تلقي أشرف الأوامر، وهو الذكر الذي يرحم الله به عباده، ويذكرهم فيه منافعهم ومصالحهم، تلقيه إلى الرسل‏.‏
{‏عُذْرًا أَوْ نُذْرًا‏}‏ أي‏:‏ إعذارا وإنذارا للناس، تنذر الناس ما أمامهم من المخاوف وتقطع معذرتهم ، فلا يكون لهم حجة على الله‏.‏
‏{‏إِنَّمَا تُوعَدُونَ‏}‏ من البعث والجزاء على الأعمال ‏{‏لَوَاقِعٌ‏}‏ أي‏:‏ متحتم وقوعه، من غير شك ولا ارتياب‏.‏
فإذا وقع حصل من التغير للعالم والأهوال الشديدة ما يزعج القلوب، وتشتد له الكروب، فتنطمس النجوم أي‏:‏ تتناثر وتزول عن أماكنها وتنسف الجبال، فتكون كالهباء المنثور، وتكون هي والأرض قاعا صفصفا، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، وذلك اليوم هو اليوم الذي أقتت فيه الرسل، وأجلت للحكم بينها وبين أممها، ولهذا قال‏:‏
{‏لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَت‏}‏ استفهام للتعظيم والتفخيم والتهويل‏.‏
ثم أجاب بقوله‏:‏ ‏{‏لِيَوْمِ الْفَصْلِ‏}‏ ‏‏ بين الخلائق، بعضهم لبعض، وحساب كل منهم منفردا، ثم توعد المكذب بهذا اليوم فقال‏:‏ ‏{‏وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏}‏ أي‏:‏ يا حسرتهم، وشدة عذابهم، وسوء منقلبهم، أخبرهم الله، وأقسم لهم، فلم يصدقوه، فاستحقوا العقوبة البليغة‏.‏
‏‏ ‏{‏أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ * ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ * كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏}
أي‏:‏ أما أهلكنا المكذبين السابقين، ثم نتبعهم بإهلاك من كذب من الآخرين، وهذه سنته السابقة واللاحقة في كل مجرم لا بد من عذابه ، فلم لا تعتبرون بما ترون وتسمعون‏؟‏
{‏وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏}‏ بعدما شاهدوا من الآيات البينات، والعقوبات والمثلات‏.‏
‏‏ ‏{‏أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏}
أي‏:‏ أما خلقناكم أيها الآدميون ‏{‏مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ‏}‏ أي‏:‏ في غاية الحقارة، خرج من بين الصلب والترائب، حتى جعله الله ‏{‏فِي قَرَارٍ مَكِينٍ‏}‏ وهو الرحم، به يستقر وينمو‏.‏
{‏إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ‏}‏ ووقت مقدر‏.‏
‏{‏فَقَدَرْنَا‏}‏ أي‏:‏ قدرنا ودبرنا ذلك الجنين، في تلك الظلمات، ونقلناه من النطفة إلى العلقة، إلى المضغة، إلى أن جعله الله جسدا، ثم نفخ فيه الروح، ومنهم من يموت قبل ذلك‏.‏
‏{‏فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ‏}‏ ‏‏ حيث كان قدرا تابعا للحكمة، موافق للحمد ‏.‏
{‏وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏}‏ بعدما بين الله لهم الآيات، وأراهم العبر والبينات‏.‏
‏‏ ‏{‏أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً ‎وَأَمْوَاتًا * وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏}
أي‏:‏ أما امتننا عليكم وأنعمنا، بتسخير الأرض لمصالحكم، فجعلناها ‏{‏كِفَاتًا‏}‏ لكم‏.‏
‏{‏أَحْيَاءً‏}‏ في الدور، ‏{‏وَأَمْوَاتًا‏}‏ في القبور، فكما أن الدور والقصور من نعم الله على عباده ومنته، فكذلك القبور، رحمة في حقهم، وسترا لهم، عن كون أجسادهم بادية للسباع وغيرها‏.‏
{‏وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ‏}‏ أي‏:‏ جبالا ترسي الأرض، لئلا تميد بأهلها، فثبتها الله بالجبال الراسيات الشامخات أي‏:‏ الطوال العراض، ‏{‏وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا‏}‏ أي‏:‏ عذبا زلالا، قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ‏}
{‏وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏}‏ مع ما أراهم الله من النعم التي انفرد الله بها، واختصهم بها، فقابلوها بالتكذيب‏.‏
‏‏ ‏{‏انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ * لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ * إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏}‏
هذا من الويل الذي أعد ‏‏ للمكذبين، أن يقال لهم يوم القيامة‏:‏ ‏{‏انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ‏}‏ ثم فسر ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ‏}‏ أي‏:‏ إلى ظل نار جهنم، التي تتمايز في خلاله ثلاث شعب أي‏:‏ قطع من النار أي‏:‏ تتعاوره وتتناوبه وتجتمع به‏.‏
‏{‏لَا ظَلِيلٍ‏}‏ ذلك الظل أي‏:‏ لا راحة فيه ولا طمأنينة، ‏{‏وَلَا يُغْنِي‏}‏ من مكث فيه ‏{‏مِنَ اللَّهَبِ‏}‏ بل اللهب قد أحاط به، يمنة ويسرة ومن كل جانب، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ‏}
{‏لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين‏}
ثم ذكر عظم شرر النار، الدال على عظمها وفظاعتها وسوء منظرها، فقال‏:‏
‏{‏إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ‏}‏ وهي السود التي تضرب إلى لون فيه صفرة، وهذا يدل على أن النار مظلمة، لهبها وجمرها وشررها، وأنها سوداء، كريهة المرأى ، شديدة الحرارة، نسأل الله العافية منها ‏‏‏.‏
{‏وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏}
‏‏ ‏{‏هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ * وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ * فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏}
أي‏:‏ هذا اليوم العظيم الشديد على المكذبين، لا ينطقون فيه من الخوف والوجل الشديد، ‏{‏وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ‏}‏ أي‏:‏ لا تقبل معذرتهم، ولو اعتذروا‏:‏ ‏{‏فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ‏}
{‏هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ‏}‏ لنفصل بينكم، ونحكم بين الخلائق، ‏{‏فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ‏}‏ تقدرون على الخروج من ملكي وتنجون به من عذابي، ‏{‏فَكِيدُونِ‏}‏ أي‏:‏ ليس لكم قدرة ولا سلطان، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ‏}
ففي ذلك اليوم، تبطل حيل الظالمين، ويضمحل مكرهم وكيدهم، ويستسلمون لعذاب الله، ويبين لهم كذبهم في تكذيبهم ‏{‏وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏}
‏‏ ‏{‏إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ * وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏}
لما ذكر عقوبة المكذبين، ذكر ثواب المحسنين، فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ الْمُتَّقِينَ‏}‏ ‏‏ للتكذيب، المتصفين بالتصديق في أقوالهم وأفعالهم وأعمالهم، ولا يكونون كذلك إلا بأدائهم الواجبات، وتركهم المحرمات‏.‏
‏{‏فِي ظِلَالٍ‏}‏ من كثرة الأشجار المتنوعة، الزاهية البهية‏.‏ ‏{‏وَعُيُونٍ‏}‏ جارية من السلسبيل، والرحيق وغيرهما، ‏{‏وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ‏}‏ أي‏:‏ من خيار الفواكه وطيبها، ويقال لهم‏:‏ ‏{‏كُلُوا وَاشْرَبُوا‏}‏ من المآكل الشهية، والأشربة اللذيذة ‏{‏هَنِيئًا‏}‏ أي‏:‏ من غير منغص ولا مكدر، ولا يتم هناؤه حتى يسلم الطعام والشراب من كل آفة ونقص، وحتى يجزموا أنه غير منقطع ولا زائل، ‏{‏بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏ فأعمالكم هي السبب الموصل لكم إلى هذا النعيم المقيم، وهكذا كل من أحسن في عبادة الله وأحسن إلى عباد الله، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏}‏ ولو لم يكن لهم من هذا الويل إلا فوات هذا النعيم، لكفى به حرمانا وخسرانا ‏.‏
‏‏ ‏{‏كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ‏}
هذا تهديد ووعيد للمكذبين، أنهم وإن أكلوا في الدنيا وشربوا وتمتعوا باللذات، وغفلوا عن القربات، فإنهم مجرمون، يستحقون ما يستحقه المجرمون، فستنقطع عنهم اللذات، وتبقى عليهم التبعات، ومن إجرامهم أنهم إذا أمروا بالصلاة التي هي أشرف العبادات، وقيل لهم‏:‏ ‏{‏ارْكَعُوا‏}‏ امتنعوا من ذلك‏.‏
فأي إجرام فوق هذا‏؟‏ وأي تكذيب يزيد على هذا‏؟‏‏"‏
{‏وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏}‏ ومن الويل عليهم أنهم تنسد عليهم أبواب التوفيق، ويحرمون كل خير، فإنهم إذا كذبوا هذا القرآن الكريم، الذي هو أعلى مراتب الصدق واليقين على الإطلاق‏.‏
{‏فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ‏}‏ أبالباطل الذي هو كاسمه، لا يقوم عليه شبهة فضلا عن الدليل‏؟‏ أم بكلام كل مشرك كذاب أفاك مبين‏؟‏‏.‏
فليس بعد النور المبين إلا دياجى الظلمات، ولا بعد الصدق الذي قامت الأدلة والبراهين على صدقه إلا الكذب الصراح والإفك المبين ، الذي لا يليق إلا بمن يناسبه‏.‏
فتبا لهم ما أعماهم‏!‏ وويحا لهم ما أخسرهم وأشقاهم‏!‏ نسأل الله العفو والعافية ‏‏‏.‏
@@@الجوووري@@@
@@@الجوووري@@@
تفسير سورة هل أتى على الإنسان

وهي مكية
‏‏ ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏{‏هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا‏}‏
ذكر الله في هذه السورة الكريمة أول حالة الإنسان ومبتدأها ومتوسطها ومنتهاها‏.‏
فذكر أنه مر عليه دهر طويل وهو الذي قبل وجوده، وهو معدوم بل ليس مذكورا‏.‏
ثم لما أراد الله تعالى خلقه، خلق ‏‏ آدم من طين، ثم جعل نسله متسلسلا ‏{‏مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ‏}‏ أي‏:‏ ماء مهين مستقذر ‏{‏نَبْتَلِيهِ‏}‏ بذلك لنعلم هل يرى حاله الأولى ويتفطن لها أم ينساها وتغره نفسه‏؟‏
فأنشأه الله، وخلق له القوى الباطنة والظاهرة، كالسمع والبصر، وسائر الأعضاء، فأتمها له وجعلها سالمة يتمكن بها من تحصيل مقاصده‏.‏
ثم أرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وهداه الطريق الموصلة إلى الله ، ورغبه فيها، وأخبره بما له عند الوصول إلى الله‏.‏
ثم أخبره بالطريق الموصلة إلى الهلاك، ورهبه منها، وأخبره بما له إذا سلكها، وابتلاه بذلك، فانقسم الناس إلى شاكر لنعمة الله عليه، قائم بما حمله الله من حقوقه، وإلى كفور لنعمة الله عليه، أنعم الله عليه بالنعم الدينية والدنيوية، فردها، وكفر بربه، وسلك الطريق الموصلة إلى الهلاك‏.‏
ثم ذكر تعالى حال الفريقين عند الجزاء فقال‏:‏
‏‏ ‏{‏إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا * إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا‏}‏
إلى آخر الثواب أي‏:‏ إنا هيأنا وأرصدنا لمن كفر بالله، وكذب رسله، وتجرأ على المعاصي ‏{‏سَلَاسِلَ‏}‏ في نار جهنم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ‏}‏ ‏.‏
‏{‏وَأَغْلَالًا‏}‏ تغل بها أيديهم إلى أعناقهم ويوثقون بها‏.‏
‏{‏وَسَعِيرًا‏}‏ أي‏:‏ نارا تستعر بها أجسامهم وتحرق بها أبدانهم، ‏{‏كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ‏}‏ وهذا العذاب دائم لهم أبدا، مخلدون فيه سرمدا‏.‏
وأما ‏{‏الْأَبْرَارِ‏}‏ وهم الذين برت قلوبهم بما فيها من محبة الله ومعرفته، والأخلاق الجميلة، فبرت جوارحهم ، واستعملوها بأعمال البر أخبر أنهم ‏{‏يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ‏}‏ أي‏:‏ شراب لذيذ من خمر قد مزج بكافور أي‏:‏ خلط به ليبرده ويكسر حدته، وهذا الكافور ‏‏ قد سلم من كل مكدر ومنغص، موجود في كافور الدنيا، فإن الآفة الموجودة في الأسماء التي ذكر الله أنها في الجنة وهي في الدنيا تعدم في الآخرة ‏.‏
كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ‏}‏ ‏{‏وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ‏}‏ ‏{‏لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِم‏}‏ ‏{‏وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ‏}‏ ‏.‏
{‏عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ ذلك الكأس اللذيذ الذي يشربون به، لا يخافون نفاده، بل له مادة لا تنقطع، وهي عين دائمة الفيضان والجريان، يفجرها عباد الله تفجيرا، أنى شاءوا، وكيف أرادوا، فإن شاءوا صرفوها إلى البساتين الزاهرات، أو إلى الرياض الناضرات، أو بين جوانب القصور والمساكن المزخرفات، أو إلى أي‏:‏ جهة يرونها من الجهات المونقات‏.‏
وقد ذكر جملة من أعمالهم في أول هذه السورة، فقال‏:‏ ‏{‏يُوفُونَ بِالنَّذْرِ‏}‏ أي‏:‏ بما ألزموا به أنفسهم لله من النذور والمعاهدات، وإذا كانوا يوفون بالنذر، وهو لم يجب عليهم، إلا بإيجابهم على أنفسهم، كان فعلهم وقيامهم بالفروض الأصلية، من باب أولى وأحرى، ‏{‏وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا‏}‏ أي‏:‏ منتشرا فاشيا، فخافوا أن ينالهم شره، فتركوا كل سبب موجب لذلك، ‏{‏وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ‏}‏ أي‏:‏ وهم في حال يحبون فيها المال والطعام، لكنهم قدموا محبة الله على محبة نفوسهم، ويتحرون في إطعامهم أولى الناس وأحوجهم ‏{‏مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا‏}‏ ‏.‏
ويقصدون بإنفاقهم وإطعامهم وجه الله تعالى، ويقولون بلسان الحال‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا‏}‏ أي‏:‏ لا جزاء ماليا ولا ثناء قوليا‏.‏
‏{‏إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا‏}‏ أي‏:‏ شديد الجهمة والشر ‏{‏قَمْطَرِيرًا‏}‏ أي‏:‏ ضنكا ضيقا، ‏{‏فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ‏}‏ فلا يحزنهم الفزع الأكبر، وتتلقاهم الملائكة ‏‏‏.‏
‏{‏وَلَقَّاهُم‏}‏ أي‏:‏ أكرمهم وأعطاهم ‏{‏نَضْرَةً‏}‏ في وجوههم ‏{‏وَسُرُورًا‏}‏ في قلوبهم، فجمع لهم بين نعيم الظاهر والباطن ‏{‏وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا‏}‏ على طاعة الله، فعملوا ما أمكنهم منها، وعن معاصي الله، فتركوها، وعلى أقدار الله المؤلمة، فلم يتسخطوها، ‏{‏جَنَّةً‏}‏ جامعة لكل نعيم، سالمة من كل مكدر ومنغص، ‏{‏وَحَرِيرًا‏}‏ كما قال ‏‏ ‏{‏وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ‏}‏ ولعل الله إنما خص الحرير، لأنه لباسهم الظاهر، الدال على حال صاحبه‏.‏
{‏مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ‏}‏ الاتكاء‏:‏ التمكن من الجلوس، في حال الرفاهية والطمأنينة ‏‏، والأرائك هي السرر التي عليها اللباس المزين، ‏{‏لَا يَرَوْنَ فِيهَا‏}‏ أي‏:‏ في الجنة ‏{‏شَمْسًا‏}‏ يضرهم حرها ‏{‏وَلَا زَمْهَرِيرًا‏}‏ أي‏:‏ بردا شديدا، بل جميع أوقاتهم في ظل ظليل، لا حر ولا برد، بحيث تلتذ به الأجساد، ولا تتألم من حر ولا برد‏.‏
{‏وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا‏}‏ أي‏:‏ قربت ثمراتها من مريدها تقريبا ينالها، وهو قائم، أو قاعد، أو مضطجع‏.‏
ويطاف على أهل الجنة أي‏:‏ يدور ‏‏ الخدم والولدان ‏{‏بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا‏}‏ ‏{‏قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ‏}‏ أي‏:‏ مادتها من فضة، ‏‏ على صفاء القوارير، وهذا من أعجب الأشياء، أن تكون الفضة الكثيفة من صفاء جوهرها وطيب معدنها على صفاء القوارير‏.‏
‏{‏قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا‏}‏ أي‏:‏ قدروا الأواني المذكورة على قدر ريهم، لا تزيد ولا تنقص، لأنها لو زادت نقصت لذتها، ولو نقصت لم تف بريهم ‏.‏ ويحتمل أن المراد‏:‏ قدرها أهل الجنة بنفوسهم بمقدار يوافق لذاتهم، فأتتهم على ما قدروا في خواطرهم‏.‏
‏{‏وَيُسْقَوْنَ فِيهَا‏}‏ أي‏:‏ في الجنة من كأس، وهو الإناء المملوء من خمر ورحيق، ‏{‏كَانَ مِزَاجُهَا‏}‏ أي‏:‏ خلطها ‏{‏زَنْجَبِيلًا‏}‏ ليطيب طعمه وريحه‏.‏
‏{‏عَيْنًا فِيهَا‏}‏ أي‏:‏ في الجنة، ‏{‏تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا‏}‏ سميت بذلك لسلاستها ولذتها وحسنها‏.‏
‏{‏وَيَطُوفُ‏}‏ على أهل الجنة، في طعامهم وشرابهم وخدمتهم‏.‏
‏{‏وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ‏}‏ أي‏:‏ خلقوا من الجنة للبقاء، لا يتغيرون ولا يكبرون، وهم في غاية الحسن، ‏{‏إِذَا رَأَيْتَهُم‏}‏ منتشرين في خدمتهم ‏{‏حَسِبْتَهُم‏}‏ من حسنهم ‏{‏لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا‏}‏ وهذا من تمام لذة أهل الجنة، أن يكون خدامهم الولدان المخلدون، الذين تسر رؤيتهم، ويدخلون على مساكنهم، آمنين من تبعتهم، ويأتونهم بما يدعون وتطلبه نفوسهم، ‏{‏وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ‏}‏ أي‏:‏ هناك في الجنة، ورمقت ما هم فيه من النعيم ‏{‏رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا‏}‏ فتجد الواحد منهم، عنده من القصور والمساكن والغرف المزينة المزخرفة، ما لا يدركه الوصف، ولديه من البساتين الزاهرة، والثمار الدانية، والفواكه اللذيذة، والأنهار الجارية، والرياض المعجبة، والطيور المطربة ‏‏ ما يأخذ بالقلوب، ويفرح النفوس‏.‏
وعنده من الزوجات‏.‏ اللاتي هن في غاية الحسن والإحسان، الجامعات لجمال الظاهر والباطن، الخيرات الحسان، ما يملأ القلب سرورا، ولذة وحبورا، وحوله من الولدان المخلدين، والخدم المؤبدين، ما به تحصل الراحة والطمأنينة، وتتم لذة العيش، وتكمل الغبطة‏.‏
ثم علاوة ذلك وأعظمه الفوز برؤية الرب الرحيم، وسماع خطابه، ولذة قربه، والابتهاج برضاه، والخلود الدائم، وتزايد ما هم فيه من النعيم كل وقت وحين، فسبحان الملك المالك، الحق المبين، الذي لا تنفد خزائنه، ولا يقل خيره، فكما لا نهاية لأوصافه فلا نهاية لبره وإحسانه‏.‏
{‏عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ‏}‏ أي‏:‏ قد جللتهم ثياب السندس والإستبرق الأخضران، اللذان هما أجل أنواع الحرير، فالسندس‏:‏ ما غلظ من الديباج والإستبرق‏:‏ ما رق منه‏.‏ ‏{‏وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ‏}‏ أي‏:‏ حلوا في أيديهم أساور الفضة، ذكورهم وإناثهم، وهذا وعد وعدهم الله، وكان وعده مفعولا، لأنه لا أصدق منه قيلا ولا حديثا‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا‏}‏ أي‏:‏ لا كدر فيه بوجه من الوجوه، مطهرا لما في بطونهم من كل أذى وقذى‏.‏
‏{‏إِنَّ هَذَا‏}‏ الجزاء الجزيل والعطاء الجميل ‏{‏كَانَ لَكُمْ جَزَاءً‏}‏ على ما أسلفتموه من الأعمال، ‏{‏وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا‏}‏ أي‏:‏ القليل منه، يجعل الله لكم به من النعيم المقيم ما لا يمكن حصره‏.‏
وقوله تعالى لما ذكر نعيم الجنة ‏{‏إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا‏}‏ فيه الوعد والوعيد وبيان كل ما يحتاجه العباد، وفيه الأمر بالقيام بأوامره وشرائعه أتم القيام، والسعي في تنفيذها، والصبر على ذلك‏.‏ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا‏}‏ أي‏:‏ اصبر لحكمه القدري، فلا تسخطه، ولحكمه الديني، فامض عليه، ولا يعوقك عنه عائق‏.‏ ‏{‏وَلَا تُطِع‏}‏ من المعاندين، الذين يريدون أن يصدوك ‏{‏آثِمًا‏}‏ أي‏:‏ فاعلا إثما ومعصية ولا ‏{‏كَفُورًا‏}‏ فإن طاعة الكفار والفجار والفساق، لا بد أن تكون في المعاصي، فلا يأمرون إلا بما تهواه أنفسهم‏.‏ ولما كان الصبر يساعده القيام بعبادة الله ، والإكثار من ذكره أمره الله بذلك فقال‏:‏ ‏{‏وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا‏}‏ أي‏:‏ أول النهار وآخره، فدخل في ذلك، الصلوات المكتوبات وما يتبعها من النوافل، والذكر، والتسبيح، والتهليل، والتكبير في هذه الأوقات‏.‏
{‏وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ‏}‏ أي‏:‏ أكثر ‏‏ من السجود، ولا يكون ذلك إلا بالإكثار من الصلاة ‏.‏ ‏{‏وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا‏}‏ وقد تقدم تقييد هذا المطلق بقوله‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا‏}‏ الآية ‏‏ ‏{‏إِنَّ هَؤُلَاءِ‏}‏ أي‏:‏ المكذبين لك أيها الرسول بعد ما بينت لهم الآيات، ورغبوا ورهبوا، ومع ذلك، لم يفد فيهم ذلك شيئا، بل لا يزالون يؤثرون، ‏{‏الْعَاجِلَةَ‏}‏ ويطمئنون إليها، ‏{‏وَيَذَرُونَ‏}‏ أي‏:‏ يتركون العمل ويهملون ‏{‏وَرَاءَهُم‏}‏ أي‏:‏ أمامهم ‏{‏يَوْمًا ثَقِيلًا‏}‏ وهو يوم القيامة، الذي مقداره خمسون ألف سنة مما تعدون، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ‏}‏ فكأنهم ما خلقوا إلا للدنيا والإقامة فيها‏.‏ ‏‏ ثم استدل عليهم وعلى بعثهم بدليل عقلي، وهو دليل الابتداء، فقال‏:‏ ‏{‏نَحْنُ خَلَقْنَاهُم‏}‏ أي‏:‏ أوجدناهم من العدم، ‏{‏وَشَدَدْنَا أَسْرَهُم‏}‏ أي‏:‏ أحكمنا خلقتهم بالأعصاب، والعروق، والأوتار، والقوى الظاهرة والباطنة، حتى تم الجسم واستكمل، وتمكن من كل ما يريده، فالذي أوجدهم على هذه الحالة، قادر على أن يعيدهم بعد موتهم لجزائهم، والذي نقلهم في هذه الدار إلى هذه الأطوار، لا يليق به أن يتركهم سدى، لا يؤمرون، ولا ينهون، ولا يثابون، ولا يعاقبون، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا‏}‏ أي‏:‏ أنشأناكم للبعث نشأة أخرى، وأعدناكم بأعيانكم، وهم بأنفسهم أمثالهم‏.‏ ‏{‏إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ‏}‏ أي‏:‏ يتذكر بها المؤمن، فينتفع بما فيها من التخويف والترغيب‏.‏ ‏{‏فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا‏}‏ أي‏:‏ طريقا موصلا إليه، فالله يبين الحق والهدى، ثم يخير الناس بين الاهتداء بها أو النفور عنها، مع قيام الحجة عليهم ، ‏{‏وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ‏}‏ فإن مشيئة الله نافذة، ‏{‏إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا‏}‏ فله الحكمة في هداية المهتدي، وإضلال الضال‏.‏ ‏{‏يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ‏}‏ فيختصه بعنايته، ويوفقه لأسباب السعادة ويهديه لطرقها‏.‏ ‏{‏وَالظَّالِمِينَ‏}‏ الذين اختاروا الشقاء على الهدى ‏{‏أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا‏}‏ ‏‏‏.‏ تم تفسير سورة الإنسان ـ ولله الحمد والمنة
@@@الجوووري@@@
@@@الجوووري@@@
تفسير سورة القيامة

‏‏ مكية
‏‏ ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏{لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ * أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ * بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ‏}‏
ليست ‏{‏لا‏}‏ ‏‏ هنا نافية، ‏‏ وإنما أتي بها للاستفتاح والاهتمام بما بعدها، ولكثرة الإتيان بها مع اليمين، لا يستغرب الاستفتاح بها، وإن لم تكن في الأصل موضوعة للاستفتاح‏.‏
فالمقسم به في هذا الموضع، هو المقسم عليه، وهو البعث بعد الموت، وقيام الناس من قبورهم، ثم وقوفهم ينتظرون ما يحكم به الرب عليهم‏.‏
{‏وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ‏}‏ وهي جميع النفوس الخيرة والفاجرة، سميت ‏{‏لوامة‏}‏ لكثرة ترددها وتلومها وعدم ثبوتها على حالة من أحوالها، ولأنها عند الموت تلوم صاحبها على ما عملت ، بل نفس المؤمن تلوم صاحبها في الدنيا على ما حصل منه، من تفريط أو تقصير في حق من الحقوق، أو غفلة، فجمع بين الإقسام بالجزاء، وعلى الجزاء، وبين مستحق الجزاء‏.‏
ثم أخبر مع هذا، أن بعض المعاندين يكذب بيوم القيامة، فقال‏:‏ ‏{‏أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أن لَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ‏}‏ بعد الموت، كما قال في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ‏}‏ ‏؟‏ فاستبعد من جهله وعدوانه قدرة الله على خلق عظامه التي هي عماد البدن، فرد عليه بقوله‏:‏ ‏{‏بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ‏}‏ أي‏:‏ أطراف أصابعه وعظامه، المستلزم ذلك لخلق جميع أجزاء البدن، لأنها إذا وجدت الأنامل والبنان، فقد تمت خلقة الجسد، وليس إنكاره لقدرة الله تعالى قصورا بالدليل الدال على ذلك، وإنما ‏‏ ذلك منه أن قصده وإرادته أن يكذب بما أمامه من البعث‏.‏ والفجور‏:‏ الكذب مع التعمد‏.‏
ثم ذكر أحوال القيامة فقال‏:‏
‏‏ ‏{‏فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلَّا لَا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ * يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ * بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ‏}
أي‏:‏ إذا كانت القيامة برقت الأبصار من الهول العظيم، وشخصت فلا تطرف كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ‏}‏
‏{‏وَخَسَفَ الْقَمَرُ‏}‏ أي‏:‏ ذهب نوره وسلطانه، ‏{‏وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ‏}‏ وهما لم يجتمعا منذ خلقهما الله تعالى، فيجمع الله بينهما يوم القيامة، ويخسف القمر، وتكور الشمس، ثم يقذفان في النار، ليرى العباد أنهما عبدان مسخران، وليرى من عبدهما أنهم كانوا كاذبين‏.‏
‏{‏يَقُولُ الْإِنْسَانُ‏}‏ حين يرى تلك القلاقل المزعجات‏:‏ ‏{‏أَيْنَ الْمَفَرُّ‏}‏ أي‏:‏ أين الخلاص والفكاك مما طرقنا وأصابنا ?
{‏كَلَّا لَا وَزَرَ‏}‏ أي‏:‏ لا ملجأ لأحد دون الله، ‏{‏إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ‏}‏ لسائر العباد فليس في إمكان أحد أن يستتر أو يهرب عن ذلك الموضع، بل لا بد من إيقافه ليجزى بعمله، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ‏}‏ أي‏:‏ بجميع عمله الحسن والسيء، في أول وقته وآخره، وينبأ بخبر لا ينكره‏.‏
{‏بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ‏}‏ أي‏:‏ شاهد ومحاسب، ‏{‏وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ‏}‏ فإنها معاذير لا تقبل، ولا تقابل ما يقرر به العبد ، فيقر به، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا‏}‏ ‏.‏
فالعبد وإن أنكر، أو اعتذر عما عمله، فإنكاره واعتذاره لا يفيدانه شيئا، لأنه يشهد عليه سمعه وبصره، وجميع جوارحه بما كان يعمل، ولأن استعتابه قد ذهب وقته وزال نفعه‏:‏ ‏{‏فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ‏}
‏‏ ‏{‏لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ‏}
كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا جاءه جبريل بالوحي، وشرع في تلاوته عليه، بادره النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الحرص قبل أن يفرغ، وتلاه مع تلاوة جبريل إياه، فنهاه الله عن هذا، وقال‏:‏ ‏{‏وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ‏}
وقال هنا‏:‏ ‏{‏لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ‏}‏ ثم ضمن له تعالى أنه لا بد أن يحفظه ويقرأه، ويجمعه الله في صدره، فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ‏}‏ فالحرص الذي في خاطرك، إنما الداعي له حذر الفوات والنسيان، فإذا ضمنه الله لك فلا موجب لذلك‏.‏
{‏فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ‏}‏ أي‏:‏ إذا كمل جبريل قراءة ما أوحى الله إليك، فحينئذ اتبع ما قرأه وأقرأه‏.‏
{‏ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ‏}‏ أي‏:‏ بيان معانيه، فوعده بحفظ لفظه وحفظ معانيه، وهذا أعلى ما يكون، فامتثل ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأدب ربه، فكان إذا تلا عليه جبريل القرآن بعد هذا، أنصت له، فإذا فرغ قرأه‏.‏
وفي هذه الآية أدب لأخذ العلم، أن لا يبادر المتعلم المعلم قبل أن يفرغ من المسألة التي شرع فيها، فإذا فرغ منها سأله عما أشكل عليه، وكذلك إذا كان في أول الكلام ما يوجب الرد أو الاستحسان، أن لا يبادر برده أو قبوله، حتى يفرغ من ذلك الكلام، ليتبين ما فيه من حق أو باطل، وليفهمه فهما يتمكن به من الكلام عليه، وفيها‏:‏ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما بين للأمة ألفاظ الوحي، فإنه قد بين لهم معانيه‏.‏
‏‏ ‏{‏كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ‏}
أي‏:‏ هذا الذي أوجب لكم الغفلة والإعراض عن وعظ الله وتذكيره أنكم ‏{‏تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ‏}‏ وتسعون فيما يحصلها، وفي لذاتها وشهواتها، وتؤثرونها على الآخرة، فتذرون العمل لها، لأن الدنيا نعيمها ولذاتها عاجلة، والإنسان مولع بحب العاجل، والآخرة متأخر ما فيها من النعيم المقيم، فلذلك غفلتم عنها وتركتموها، كأنكم لم تخلقوا لها، وكأن هذه الدار هي دار القرار، التي تبذل فيها نفائس الأعمار، ويسعى لها آناء الليل والنهار، وبهذا انقلبت عليكم الحقيقة، وحصل من الخسار ما حصل‏.‏ فلو آثرتم الآخرة على الدنيا، ونظرتم للعواقب نظر البصير العاقل لأنجحتم، وربحتم ربحا لا خسار معه، وفزتم فوزا لا شقاء يصحبه‏.‏
ثم ذكر ما يدعو إلى إيثار الآخرة، ببيان حال أهلها وتفاوتهم فيها، فقال في جزاء المؤثرين للآخرة على الدنيا‏:‏ ‏{‏وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ‏}‏ أي‏:‏ حسنة بهية، لها رونق ونور، مما هم فيه من نعيم القلوب، وبهجة النفوس، ولذة الأرواح، ‏{‏إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ‏}‏ أي‏:‏ تنظر إلى ربها على حسب مراتبهم‏:‏ منهم من ينظره كل يوم بكرة وعشيا، ومنهم من ينظره كل جمعة مرة واحدة، فيتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم، وجماله الباهر، الذي ليس كمثله شيء، فإذا رأوه نسوا ما هم فيه من النعيم وحصل لهم من اللذة والسرور ما لا يمكن التعبير عنه، ونضرت وجوههم فازدادوا جمالا إلى جمالهم، فنسأل الله الكريم أن يجعلنا معهم‏.‏
وقال في المؤثرين العاجلة على الآجلة‏:‏ ‏{‏وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ‏}‏ أي‏:‏ معبسة ومكدرة ، خاشعة ذليلة‏.‏ ‏{‏تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ‏}‏ أي‏:‏ عقوبة شديدة، وعذاب أليم، فلذلك تغيرت وجوههم وعبست‏.‏
‏‏ ‏{‏كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ * فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى * أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى‏}
يعظ تعالى عباده بذكر حال المحتضر عند السياق، وأنه إذا بلغت روحه التراقي، وهي العظام المكتنفة لثغرة النحر، فحينئذ يشتد الكرب، ويطلب كل وسيلة وسبب، يظن أن يحصل به الشفاء والراحة، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ‏}‏ أي‏:‏ من يرقيه من الرقية لأنهم انقطعت آمالهم من الأسباب العادية، فلم يبق إلا الأسباب الإلهية ‏.‏ ولكن القضاء والقدر، إذا حتم وجاء فلا مرد له، ‏{‏وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ‏}‏ للدنيا‏.‏ ‏{‏وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ‏}‏ أي‏:‏ اجتمعت الشدائد والتفت، وعظم الأمر وصعب الكرب، وأريد أن تخرج الروح التي ألفت البدن ولم تزل معه، فتساق إلى الله تعالى، حتى يجازيها بأعمالها، ويقررها بفعالها‏.‏
فهذا الزجر، ‏‏ يسوق القلوب إلى ما فيه نجاتها، ويزجرها عما فيه هلاكها‏.‏ ولكن المعاند الذي لا تنفع فيه الآيات، لا يزال مستمرا على بغيه وكفره وعناده‏.‏
‏{‏فَلَا صَدَّقَ‏}‏ أي‏:‏ لا آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره ‏{‏وَلَا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ‏}‏ بالحق في مقابلة التصديق، ‏{‏وَتَوَلَّى‏}‏ عن الأمر والنهي، هذا وهو مطمئن قلبه، غير خائف من ربه، بل يذهب ‏{‏إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى‏}‏ أي‏:‏ ليس على باله شيء، توعده بقوله‏:‏ ‏{‏أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى‏}‏ وهذه كلمات وعيد، كررها لتكرير وعيده، ثم ذكر الإنسان بخلقه الأول، فقال‏:‏ ‏{‏أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى‏}‏ أي‏:‏ معطلا ، لا يؤمر ولا ينهى، ولا يثاب ولا يعاقب‏؟‏ هذا حسبان باطل وظن بالله بغير ما يليق بحكمته‏.‏ {‏أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ‏}‏ بعد المني ‏{‏عَلَقَةً‏}‏ أي‏:‏ دما، ‏{‏فَخَلَقَ‏}‏ الله منها الحيوان وسواه أي‏:‏ أتقنه وأحكمه، ‏{‏فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ‏}‏ الذي خلق الإنسان ‏‏ هذه الأطوار المختلفة ‏{‏بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى‏}‏ بلى إنه على كل شيء قدير‏.‏ تم تفسير سورة القيامة، ولله الحمد والمنة،
@@@الجوووري@@@
@@@الجوووري@@@
تفسير سورة المدثر

‏‏ مكية
‏‏ ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏{‏يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِر‏}‏
تقدم أن المزمل والمدثر بمعنى واحد، وأن الله أمر رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالاجتهاد في عبادة الله القاصرة والمتعدية، فتقدم هناك الأمر له بالعبادات الفاضلة القاصرة، والصبر على أذى قومه، وأمره هنا بإعلان الدعوة ، والصدع بالإنذار، فقال‏:‏ ‏{‏قُمِ‏}‏ ‏‏ بجد ونشاط ‏{‏فَأَنْذِر‏}‏ الناس بالأقوال والأفعال، التي يحصل بها المقصود، وبيان حال المنذر عنه، ليكون ذلك أدعى لتركه، ‏{‏وَرَبَّكَ فَكَبِّر‏}‏ أي‏:‏ عظمه بالتوحيد، واجعل قصدك في إنذارك وجه الله، وأن يعظمه العباد ويقوموا بعبادته‏.‏
‏{‏وَثِيَابَكَ فَطَهِّر‏}‏ يحتمل أن المراد بثيابه، أعماله كلها، وبتطهيرها تخليصها والنصح بها، وإيقاعها على أكمل الوجوه، وتنقيتها عن المبطلات والمفسدات، والمنقصات من شر ورياء، ‏‏، وعجب، وتكبر، وغفلة، وغير ذلك، مما يؤمر العبد باجتنابه في عباداته‏.‏
ويدخل في ذلك تطهير الثياب من النجاسة، فإن ذلك من تمام التطهير للأعمال خصوصا في الصلاة، التي قال كثير من العلماء‏:‏ إن إزالة النجاسة عنها شرط من شروط الصلاة‏.‏
ويحتمل أن المراد بثيابه، الثياب المعروفة، وأنه مأمور بتطهيرها عن ‏‏ النجاسات، في جميع الأوقات، خصوصا في الدخول في الصلوات، وإذا كان مأمورا بتطهير الظاهر، فإن طهارة الظاهر من تمام طهارة الباطن‏.‏
‏{‏وَالرُّجْزَ فَاهْجُر‏}‏ يحتمل أن المراد بالرجز الأصنام والأوثان، التي عبدت مع الله، فأمره بتركها، والبراءة منها ومما نسب إليها من قول أو عمل‏.‏ ويحتمل أن المراد بالرجز أعمال الشر كلها وأقواله، فيكون أمرا له بترك الذنوب، صغيرها وكبيرها ، ظاهرها وباطنها، فيدخل في ذلك الشرك وما دونه‏.‏
{‏وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ‏}‏ أي‏:‏ لا تمنن على الناس بما أسديت إليهم من النعم الدينية والدنيوية، فتتكثر بتلك المنة، وترى لك ‏‏ عليهم بإحسانك المنة، بل أحسن إلى الناس مهما أمكنك، وانس ‏‏ إحسانك، ولا تطلب أجره إلا من الله تعالى واجعل من أحسنت إليه وغيره على حد سواء‏.‏
وقد قيل‏:‏ إن معنى هذا، لا تعط أحدا شيئا، وأنت تريد أن يكافئك عليه بأكثر منه، فيكون هذا خاصا بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏
‏{‏وَلِرَبِّكَ فَاصْبِر‏}‏ أي‏:‏ احتسب بصبرك، واقصد به وجه الله تعالى، فامتثل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأمر ربه، وبادر إليه، فأنذر الناس، وأوضح لهم بالآيات البينات جميع المطالب الإلهية، وعظم الله تعالى، ودعا الخلق إلى تعظيمه، وطهر أعماله الظاهرة والباطنة من كل سوء، وهجر كل ما يبعد عن الله من الأصنام وأهلها، والشر وأهله، وله المنة على الناس ـ بعد منة الله ـ من غير أن يطلب منهم على ذلك جزاء ولا شكورا، وصبر لله أكمل صبر، فصبر على طاعة الله، وعن معاصي الله، وعلى أقدار الله المؤلمة ، حتى فاق أولي العزم من المرسلين، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين‏.‏
‏ ‏{‏فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ‏}
أي‏:‏ فإذا نفخ في الصور للقيام من القبور، وجمع الخلق للبعث والنشور‏.‏
{‏فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ‏}‏ لكثرة أهواله وشدائده‏.‏
{‏عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ‏}‏ لأنهم قد أيسوا من كل خير، وأيقنوا بالهلاك والبوار‏.‏ ومفهوم ذلك أنه على المؤمنين يسير، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ‏}‏ ‏.‏
‏‏ ‏{‏ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ * وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ‏}
هذه الآيات، نزلت في الوليد بن المغيرة، معاند الحق، والمبارز لله ولرسوله بالمحاربة والمشاقة، فذمه الله ذما لم يذمه غيره، وهذا جزاء كل من عاند الحق ونابذه، أن له الخزي في الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى، فقال‏:‏ ‏{‏ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا‏}‏ أي‏:‏ خلقته منفردا، بلا مال ولا أهل، ولا غيره، فلم أزل أنميه وأربيه ، ‏{‏وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا‏}‏ أي‏:‏ كثيرا ‏{‏و‏}‏ جعلت له ‏{‏بنين‏}‏ أي‏:‏ ذكورا ‏{‏شُهُودًا‏}‏ أي‏:‏ دائما حاضرين عنده، ‏‏ يتمتع بهم، ويقضي بهم حوائجه، ويستنصر بهم‏.‏
{‏وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا‏}‏ أي‏:‏ مكنته من الدنيا وأسبابها، حتى انقادت له مطالبه، وحصل على ما يشتهي ويريد، ‏{‏ثُمَّ‏}‏ مع هذه النعم والإمدادات ‏{‏يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ‏}‏ أي‏:‏ يطمع أن ينال نعيم الآخرة كما نال نعيم الدنيا‏.‏
‏{‏كَلَّا‏}‏ أي‏:‏ ليس الأمر كما طمع، بل هو بخلاف مقصوده ومطلوبه، وذلك لأنه ‏{‏كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا‏}‏ أي‏:‏ معاندا، عرفها ثم أنكرها، ودعته إلى الحق فلم ينقد لها ولم يكفه أنه أعرض وتولى عنها، بل جعل يحاربها ويسعى في إبطالها، ولهذا قال عنه‏:‏
‏{‏إِنَّهُ فَكَّرَ‏}‏ ‏‏ في نفسه ‏{‏وَقَدَّرَ‏}‏ ما فكر فيه، ليقول قولا يبطل به القرآن‏.‏
{‏فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ‏}‏ لأنه قدر أمرا ليس في طوره، وتسور على ما لا يناله هو و ‏‏ أمثاله، ‏{‏ثُمَّ نَظَرَ‏}‏ ما يقول، ‏{‏ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ‏}‏ في وجهه، وظاهره نفرة عن الحق وبغضا له، ‏{‏ثُمَّ أَدْبَرَ‏}‏ أي‏:‏ تولى ‏{‏وَاسْتَكْبَرَ‏}‏ نتيجة سعيه الفكري والعملي والقولي أن قال‏:‏
{‏إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ‏}‏ أي‏:‏ ما هذا كلام الله، بل كلام البشر، وليس أيضا كلام البشر الأخيار، بل كلام الفجار منهم والأشرار، من كل كاذب سحار‏.‏
فتبا له، ما أبعده من الصواب، وأحراه بالخسارة والتباب‏!‏‏!‏
كيف يدور في الأذهان، أو يتصوره ضمير كل إنسان، أن يكون أعلى الكلام وأعظمه، كلام الرب العظيم، الماجد الكريم، يشبه كلام المخلوقين الفقراء الناقصين‏؟‏‏!‏
أم كيف يتجرأ هذا الكاذب العنيد، على وصفه كلام المبدئ المعيد‏.‏
فما حقه إلا العذاب الشديد والنكال، ولهذا قال تعالى‏:‏
{‏سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ‏}‏ أي‏:‏ لا تبقي من الشدة، ولا على المعذب شيئا إلا وبلغته‏.‏
‏{‏لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ‏}‏ أي‏:‏ تلوحهم ‏‏ في عذابها، وتقلقهم بشدة حرها وقرها‏.‏
{‏عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ‏}‏ من الملائكة، خزنة لها، غلاظ شداد، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون‏.‏
{‏وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً‏}‏ وذلك لشدتهم وقوتهم‏.‏ ‏{‏وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا‏}‏ يحتمل أن المراد‏:‏ إلا لعذابهم وعقابهم في الآخرة، ولزيادة نكالهم فيها، والعذاب يسمى فتنة، ‏{‏يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ‏}‏ ‏]‏ ويحتمل أن المراد‏:‏ أنا ما أخبرناكم بعدتهم، إلا لنعلم من يصدق ومن يكذب، ويدل على هذا ما ذكر بعده في قوله‏:‏ ‏{‏لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا‏}‏ فإن أهل الكتاب، إذا وافق ما عندهم وطابقه، ازداد يقينهم بالحق، والمؤمنون كلما أنزل الله آية، فآمنوا بها وصدقوا، ازداد إيمانهم، ‏{‏وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ‏}‏ أي‏:‏ ليزول عنهم الريب والشك، وهذه مقاصد جليلة، يعتني بها أولو الألباب، وهي السعي في اليقين، وزيادة الإيمان في كل وقت، وكل مسألة من مسائل الدين، ودفع الشكوك والأوهام التي تعرض في مقابلة الحق، فجعل ما أنزله الله على رسوله محصلا لهذه الفوائد الجليلة، ومميزا للكاذبين من الصادقين، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ‏}‏ أي‏:‏ شك وشبهة ونفاق‏.‏ ‏{‏وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا‏}‏ وهذا على وجه الحيرة والشك، والكفر منهم بآيات الله، وهذا وذاك من هداية الله لمن يهديه، وإضلاله لمن يضل ولهذا قال‏:‏
{‏كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ‏}‏ فمن هداه الله، جعل ما أنزله الله على رسوله رحمة في حقه، وزيادة في إيمانه ودينه، ومن أضله، جعل ما أنزله على رسوله زيادة شقاء عليه وحيرة، وظلمة في حقه، والواجب أن يتلقى ما أخبر الله به ورسوله بالتسليم، فإنه لا يعلم جنود ربك من الملائكة وغيرهم ‏{‏إلَّا هُوَ‏}‏ فإذا كنتم جاهلين بجنوده، وأخبركم بها العليم الخبير، فعليكم أن تصدقوا خبره، من غير شك ولا ارتياب، ‏{‏وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ‏}‏ أي‏:‏ وما هذه الموعظة والتذكار مقصودا به العبث واللعب، وإنما المقصود به أن يتذكر ‏‏ البشر ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرهم فيتركونه‏.‏
‏‏ ‏{‏كَلَّا وَالْقَمَرِ * وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ * إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ * نَذِيرًا لِلْبَشَرِ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ * كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ * فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ * بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً * كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ * كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ‏}
‏{‏كَلَّا‏}‏ هنا بمعنى‏:‏ حقا، أو بمعنى ‏{‏ألا‏}‏ الاستفتاحية، فأقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقت إدباره، والنهار وقت إسفاره، لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة، الدالة على كمال قدرة الله وحكمته، وسعة سطانه، وعموم رحمته، وإحاطة علمه، والمقسم عليه قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّهَا‏}‏ أي النار ‏{‏لَإِحْدَى الْكُبَرِ‏}‏ أي‏:‏ لإحدى العظائم الطامة والأمور الهامة، فإذا أعلمناكم بها، وكنتم على بصيرة من أمرها، فمن شاء منكم أن يتقدم، فيعمل بما يقربه من ربه، ويدنيه من رضاه، ويزلفه من دار كرامته، أو يتأخر ‏‏ عما يحبه الله ‏‏، فيعمل بالمعاصي، ويتقرب إلى نار جهنم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر‏}‏ الآية‏.‏
{‏كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَت‏}‏ من أعمال السوء وأفعال الشر ‏{‏رَهِينَةٌ‏}‏ بها موثقة بسعيها، قد ألزم عنقها، وغل في رقبتها، واستوجبت به العذاب، ‏{‏إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ‏}‏ فإنهم لم يرتهنوا، بل أطلقوا وفرحوا ‏{‏فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ‏}
أي‏:‏ في جنات قد حصل لهم بها جميع مطلوباتهم، وتمت لهم الراحة والطمأنينة، حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضت بهم المحادثة، أن سألوا عن المجرمين، أي‏:‏ حال وصلوا إليها، وهل وجدوا ما وعدهم الله تعالى‏؟‏ فقال بعضهم لبعض‏:‏ فاطلعوا عليهم في وسط الجحيم يعذبون، فقالوا لهم‏:‏ ‏{‏مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ‏}‏ أي‏:‏ أي شيء أدخلكم فيها‏؟‏ وبأي‏:‏ ذنب استحققتموها‏؟‏ فـ ‏{‏قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ‏}‏ فلا إخلاص للمعبود، ‏‏ ولا نفع للخلق المحتاجين‏.‏
{‏وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ‏}‏ أي‏:‏ نخوض بالباطل، ونجادل به الحق، ‏{‏وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ‏}‏ هذا آثار الخوض بالباطل، ‏‏ التكذيب بالحق، ومن أحق الحق، يوم الدين، الذي هو محل الجزاء على الأعمال، وظهور ملك الله وحكمه العدل لسائر الخلق‏.‏
فاستمرينا على هذا المذهب الفاسد ‏{‏حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ‏}‏ أي‏:‏ الموت، فلما ماتوا على الكفر تعذرت حينئذ عليهم الحيل، وانسد في وجوههم باب الأمل، ‏{‏فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ‏}‏ لأنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى، وهؤلاء لا يرضى الله أعمالهم ‏.‏ فلما بين الله مآل المخالفين، ورهب مما يفعل بهم، عطف على الموجودين بالعتاب واللوم، فقال‏:‏ ‏{‏فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ‏}‏ أي‏:‏ صادين غافلين عنها‏.‏ ‏{‏كَأَنَّهُم‏}‏ في نفرتهم الشديدة منها ‏{‏حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ‏}‏ أي‏:‏ كأنهم حمر وحش نفرت فنفر بعضها بعضا، فزاد عدوها، ‏{‏فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ‏}‏ أي‏:‏ من صائد ورام يريدها، أو من أسد ونحوه، وهذا من أعظم ما يكون من النفور عن الحق، ومع هذا الإعراض وهذا النفور، يدعون الدعاوى الكبار‏.‏
فـ ‏{‏يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً‏}‏ نازلة عليه من السماء، يزعم أنه لا ينقاد للحق إلا بذلك، وقد كذبوا، فإنهم لو جاءتهم كل آية لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، فإنهم جاءتهم الآيات البينات التي تبين الحق وتوضحه، فلو كان فيهم خير لآمنوا، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏كَلَّا‏}‏ أن نعطيهم ما طلبوا، وهم ما قصدوا بذلك إلا التعجيز، ‏{‏بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ‏}‏ فلو كانوا يخافونها لما جرى منهم ما جرى‏.‏
{‏كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ‏}‏ الضمير إما أن يعود على هذه السورة، أو على ما اشتملت عليه ‏‏ هذه الموعظة، ‏{‏فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ‏}‏ لأنه قد بين له السبيل، ووضح له الدليل‏.‏ {‏وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ‏}‏ فإن مشيئته نافذة عامة، لا يخرج عنها حادث قليل ولا كثير، ففيها رد على القدرية، الذين لا يدخلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، والجبرية الذين يزعمون أنه ليس للعبد مشيئة، ولا فعل حقيقة، وإنما هو مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئة حقيقة وفعلا، وجعل ذلك تابعا لمشيئته، ‏{‏هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ‏}‏ أي‏:‏ هو أهل أن يتقى ويعبد، لأنه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلا له، وأهل أن يغفر لمن اتقاه واتبع رضاه‏.‏ تم تفسير سورة المدثر ولله الحمد