fatima
fatima
وكأنه ينظر إليّ .. يئن بصوت بالكاد يسمع .. يريدني أن أقترب .. فإذا بي أقترب ..
أقترب أكثر ..
اعذرني إني أسمع أنينك .. ولكن ليس باستطاعتي الاقتراب أكثر .. هنا تنتهي حدود واقعي .. وهنا تبدأ حدودك الهلامية ..
يرفع من تحت لثامه عينين يطفر منها الألم .. ثمة رغبة مكبوتة في داخله لا أعرف كنهها .. لكني أعرف أنها تلتقي مع الألم في شيء .. أو ربما هي الألم نفسه ..
تزمجر فرسه .. تضطرب .. تريد التراجع .. يشد عنانها .. يحاول تهدئتها .. وأنا متسمرة أمامهما لا أفقه شيئاً مما يحدث ..
تهدأ ..
يعود لينظر إليّ ..
تلفتُّ يمنة ويسرة .. كلهم مشغولون بتأمل اللوحات المعروضة .. تأكدت أن لا أحد يراني ..
واقتربت من اللوحة أكثر ..
وأكثر ..
لم يعد يفصل بيننا سوى ذلك النقع الذي أثارته فرسك عند رؤيتها لي وأنا أقترب ..
كنت أريد أن أسمع بوضوح ذاك الأنين الذي يند من تحت لثامك ..
أن ألمسك .. فأنت لست شخص من ألوان زيتيه كما يقال عنك .. لا لست كذلك .. وإلا كيف تفسر انجذابي الشديد إليك ؟؟ وكيف تفسر رغبتي المحمومة في اختراق هذا الإطار والتشبث بك ؟؟
... انظر ما أجمل هذه اللوحة .. أمعن النظر بالله عليك في عينيه .. تأمل هذه النظرات المتعلقة بالحياة .. إنه يتألم لأنه مقبل على حرب .. وهو لا يعلم إن كان سيحيى بعدها أم لا ......
... (مقبلٌ على حرب .. أأنت كذلك فعلاً .. لكن لماذا ؟؟ لا .. لا
هرعت لأبحث عن الرسام صاحب اللوحة .. فوجدته وقد أحاط به بعض الزوار .. انتظرت قليلاً .. وما أن انفضوا من حوله حتى اقتربت منه .. وقلت له دون أن تغيب عن عيني نظرات الدهشة التي قابلني بها ..
( أرجوك احجز لي هذه اللوحة .. أريدها .. بأي ثمن أريدها )
ضحك ملء شدقيه .. وهو يعيد النظر إليَّ مستصغراً سني ..
( حقاً لكن سعر هذه اللوحة لا يقل عن خمسة آلاف درهم )
لا يهم .. ولكن أرجوك أريدها .. إنها لي .. احجزها لي حتى أتمكن من توفير المبلغ .. أرجوك ..
هزّ رأسه .. وكأنه يحاول مجاراتي ومسايرتي في الكلام ..
حسناً .. لا بأس ..
لا يجب أن أكتفي بذلك .. نظراته تقول أنه سيخدعني وسيبيعها لغيري .. عليّ أن أوضح له عميق تأثري باللوحة .. وشدة انجذابي إليها ..
تعال معي .. انظر بالله عليك إلي عينيه .. إنهما تحملان كماً هائلاً من الألم .. وانظر هنا .. أنعم النظر .. إنه إنسان .. وروحه غالية عليه .. ألا ترى في عينيه رغبة في الحياة .. ولكنه مجبر على الحرب .. هناك ظروف ما بالتأكيد .. وهو لا يعلم إن كان سيعود أم لا .. وانظر كذلك هنا .. لا تجرده من فرسه .. انظر لهما كجزء واحد .. هما مكملان لبعضهما .. كلاهما يشعر بالآخر .. كلاهما يشعر بأنه ميت لا محالة .. كلاهما يرفض التقدم .. ألا ترى هذا الغبار المتطاير من تحت أخفافها .. أما تساءلت لماذا ؟؟ أنا سأجيبك .. إنها هاجت ورفضت الاستسلام لقائدها .. لأنه ذاهب بها إلى الموت .. وهي تريد الحياة .. ولا تقل عنه رغبة بها ..
انظر وتمعن .. الحزن الطافر من عينيه كافٍ ليحطم أعتى القلوب .. فما بالك لو أمطت اللثام عن وجهه ؟! آه .. بالتأكيد سترى ما يهز مشاعرك هزاً .. ولكني أعرف أنك رأفت بنا فاكتفيت بعينيه ..
بترت عبارتي حتى أنظر إلى معالم وجهه بعد هذا الذي قلت .. كان في عالم آخر .. شعرت أن روحه كانت ترفرف بعيداً .. فتابعت :
( ألم تتساءل لماذا اختارت ريشتك اللون البني والرمادي لتلون بهما السماء ؟؟ أنا سأجيبك .. لأن زرقة السماء لا معنى لها هنا .. يجب أن تكون السماء غاضبة ومتجهمة .. لأنها ستفقد عزيزاً .. ولأنها حانقة على الحرب التي ستودي بشباب هذا الفتى .. فإذا هي مربدة الموجه .. إنها غاضبة .. غاضبة جداً وهذا لون غضبها ..
انظر إلى بقية الألوان .. كلها خافتة الأضواء .. كلها غامقة .. وكأنك تحاول أن ترسم صورة للموت المحدق بهما .. حتى ثيابه .. وكذلك سيفه المغمد .. انظر وتمعن ..
ولا تتساءل بعد هذا عن سر تمسكي باللوحة .. بعها لي بأي ثمن أردت .. ولكن عدني أنها لي .. لا أعلم من أين سآتي بالمال .. ولكن أرجوك ..
وكأنه لم يسمع حرفاً واحداً مما تفوهت به .. كان واجماً .. معلقاً نظره بعيني الفارس الذي ما خفتت نظرات الألم من عينيه ...
هه ماذا قلت ؟؟
أخرج ورقة لاصقة من جيبه .. واستل قلمه .. فتنفست الصعداء وصمت ..
أخيراً أقنعته ..
التفت عنه حتى لا أشعره بفضولي .. وبالفرحة العارمة التي تملكتني ..
لولا الحياء لصحت بأعلى صوتي في هذه القاعة ليعلم الجميع مدى سعادتي .. أخيراً سأمتلكك أيها الرائع .. ستكون ملكي أنا فقط .. سأعلقك بجانب سريري لأراك كل يوم .. وأول ما تراه عيناي في الصباح هو أنت .. وأخر ما أغلقهما عليه هو أنت .. سأجعل لك اسماً .. ولفرسك أيضاً ..
لم استطع كتم هذه الفرحة في داخلي فندت عني ابتسامة شعرت بأن الجميع لمحها ..
اقتربت من اللوحة هذه المرة أكثر .. إنكِ ملكي منذ هذه اللحظة ..
تناسيت جميع الوجوه المتطلعة ..
والتصقت بها أكثر وأكثر ..
كان الرسام في هذه اللحظة قد انتهى من كتابته .. واقترب من اللوحة ليلصق الورقة عليها .. وعندما انتهى قال لي دون أن يرفع عينيه إليّ :
( شكراً لكِ )
لم أفهم شيئاً .. فأومأت له برأسي شاكرة بينما التفت هو ليغيب فجأة وسط الزوار .. فاستدرت إلى اللوحة .. وعدَّلت من وضعية نظاراتي .. لكن ..
لكن ..
حدَّقت في الورقة بدهشة ..
وتحسستها بيدي لأتأكد من وجودها ..
التفت أبحث عنه .. لكن .. لا أرى أحداً ..
هالة من التراب والغبار غشيت عيناي .. غبار له نفس الرائحة .. وله نفس اللون .. اللون البني يخترق ناظريّ .. اللون الرمادي يحيط بي .. لا مكان للون الأزرق .. لا مكان للوجوه .. لا مكان سوى لنظرة الحزن المشعة من عينيه بكل انكسارها .. لا مكان سوى لألوان اللوحة التي ليست للبيع !!
دمعة شوق
دمعة شوق
رائعه من روائعك المدهشه يا فاطمه بالفعل رائعه...وينك طولت الغيبه عزيزتي بس كيف الدراسه معك ان شاء الله تمام..
reema
reema
هلا وغلا فاطمة..

ما شاء الله ابداع والله..وينك من زمان..

اسلوب رائع في الكتابة..بانتظار المزيد
أفكر فيك
أفكر فيك
قصة ..جميلة .بل في غاية الجمال ...

يعجبني من يدمج الواقع بالخيال ....ويدع القارىء يحتار أهي حقيقة أم خيال .. جعلتيني أتخيل ..ماهي هذه اللوحة ..أتمنى أن أراها ..كيف شكلها ..كيف شكل الفارس ..

ولدي ملاحظة ..بسيطة ..

أنتي جعلتي الرسام وكأنه لا يفقه بالفن شيئاً..هذاما تبادر إلى ذهني
وجعلتي شخصية شخصية بائع فقط وليس فنان ..حتى أنه لا يدري مالذي رسمته يداه ..
فالفنان ..في قصتك ما هو إلا أحد العامة ..
وفي الحقيقة أرى أنك سلبتيه حقه بهذا الوصف ..

هذه وجهت نظر فقط ..تحتمل الصواب والخطاء ..ولكِ التحية



------------------
<FONT COLOR="Red">___________________لاتقترب من الخط الأحمر ..فتلهبك عواطفي</FONT c>
<IMG SRC="http://www.geocities.com/b7r2000/b7r.jpg" border=0>
fatima
fatima
أخي الفاضل ..
اشكرك على تفضلك بقراءة قصتي .. وأتقبل ملاحظتك بصدر رحب .. ولقد قرأت هذه القصة في أمسية قصصية وقد وجهت لي ملاحظتك ودار حولها الكثير من الآراء والنقاشات .. وأرد عليك بالإجابة التي أجبت بها في الأمسية ..
وهي :-
بطلة القصة هي التي نظرت إلى اللوحة بتلك النظرة لا كاتبتها .. نظرت لها من تلك الزاوية تبعاً لحالتها النفسية التي جذبت إليها هذه اللوحة .. وفجرت فيها كل تلك المشاعر .. ونظرة كل شخص إلى أي عمل كان سواء تختلف باختلاف الحالة النفسية وباختلاف العمر والفكر والبيئة و.....الخ ..
وصاحبتنا في هذه القصة لم تهمش دور رسام اللوحة ولكنها مضت تشرح وتفتق عن عواطفها وتفسر سر انجذابها لها بأسلوبها ..
وهذا لا ينفي أن الرسام لم يكن يعرف عن سر جمال لوحته .. ولم يشعر بالمشاعر المتفجرة من خلالها .. ولكن ربما كان احساسه هو يختلف ..
ثم لم لا يكون الرسام فعلاً لم يشعر بهذه المشاعر .. ألا يحدث أن يكون غرض بعض الرسامين في بعض الأحيان غرض تجاري فقط ..
هذا ما أراه وأهلاً وسهلاً بك ناقداً وقارئاً ..