الأمل الأخير
الأمل الأخير
ذات يوم كان واقفا يتحدث إليها بينما هي جالسة على فرع شجرة, طار غطاء رأسها من مكانه ركض الأثنين تجاهه وتمكن سيف من إلتقاطه, وحين أستدار تجاه مريم يريد أن يعطيها الغطاء توقف مذهولاً أمام منظرها الرائع بشعرها المتطاير, نظرت إليه وتقدم هو وعينيه تتأملا وجهها وشعرها, وبدل أن يضع الغطاء على رأسها مد يده يلامس شعرها الحريري, وأقترب منها يدفن وجه في شعرها يستنشق رائحة زهرة الفل الذي تحب النساء في هذه البلاد أن تضعه في ضفائرها, وقال لها:
- أحبك.
أقتربت منه وقالت:
- أحبك كثيراً.
ضمها إليه قائلاً:
- كوني لي.
أبتعدت عنه ونظرت إليه..
- هل ستخطبني؟
فوجئ بردها فقد توقعت منه الزواج أم هو فلا يدري مالذي كان يتوقعه, ولكن الزواج لم يكن بينهم.
حين رأت نظراته أنهمرت الدموع من عينيها ودفعته بعيداً وأستدارت عائدة إلى القرية. ركض خلفها وحاول إمساكها لكنها صرخت باكية:
- دعني وشاني.. كنت تتسلى معي فقط لم تكن جاداً أبداً.
أنكر قائلاً:
- كلا .. أنا أحبك.
صرخت بألم:
- ومالذي أريده بحبك إن لم يكن معه رغبتك في حمايتي وحماية شرفي.
- صدقيني لم أقصد ما تفكرين فيه لكني لست مستعداً للزواج الأن.
شهقت بالبكاء ودفعته عنها وراحت تركض. ركض خلفها وأمسك ذراعها حاولت مقاومته ولكنه ظل ماسكاً بها حتى هدأت قليلاً..
- أسمعيني .. أحبك بجنون ولن أفعل شيء يؤذيك ..
توقفت تنظر إليه والدموع تنساب من عينيها..
- لا أستطيع أن أطلب يدك الأن لأن لدي واجباً تجاه والدي.
تحولت نظراتها للفجع..
- مالذي تقصده.
- علي واجب الإنتقام لأبي.
هزت رأسها بعناد:
- كلا كلا ستموت إذا رحلت.
قال راخياً يديه عنها:
- ولهذا لا أريد أن أربطك بي قد أعود وقد لا أعود.
ألتصقت به قائلة:
- لا أرجوك لا تتركني إذا أردت الإنتقام خذني معك.
قال بحنان:
- هذا لا يجوز.. ولكني أعدك بأني سأحاول أن أعود.
بكت قائلة:
- لا أريدك أن ترحل.
أبتسم لها بحنان..
- سأعود وأطلب يدك من والدك وسنتزوج, فقط عليكي أن تدعي لي.
أستمرت بالبكاء مسح دموعها بأنامله وقال لها:
- أنتظريني سأعود وسنتزوج.
الأمل الأخير
الأمل الأخير
عاد سيف إلى المنزل أستقبله نور فرحاً ولكن سيف تجاهله ودخل غرفته, دخل نور الغرفة وقال مباشرةً:
- سأقوم بعمل فصل دراسي للأطفال.
نظر إليه سيف ورد بإستفسار بارد:
- وأبي ؟؟
أرخى نور رأسه وقال:
- لا يمكن عمل شيء . لسنا وحدنا من حصل معه ذلك. كثيراً من العائلات الحاكمة أضطر من بقي منهم إلى عيش الحياة العادية مع القرويين.
صرخ سيف:
- في المنفى ؟؟
أستنكر نور:
- ليس منفى لقد رحب الأهالي بنا ويمكننا بعد فترة شراء قطعة أرض خاصة بنا ونعمل فيها و..
صرخ سيف مقاطعاً:
- كفى.
وتقدم تجاه شقيقه يمسكه من ملابسه..
- أهذه هي طموحاتك وهذه هي أحلامك أن تكون مزارعاً.
أفلت نور نفسه من قبضة شقيقه..
- ومالذي تريده أنت, لقد خسرنا إمارتنا وللأبد. لن تستطيع أنتزاعها من الإنجليز ولا جدوى من مقاتلتهم, أنهم الأن دولة عظمة لا تغيب الشمس عن أراضيهم. هل تريد بمفردك أن تحارب دولة؟!
صمت سيف قليلاً ثم رفع وجه بتعالي:
- سأنتقم ممن تسبب بمقتل والدي وساقتل الخائن الذي غدر بنا بيدي.
صرخ نور هذه المرة:
- وكيف ستعرفه.
نظر سيف إليه وقال بحزم:
- سأعرفه.
وأشتد صوته بسبب شدة غضبه:
- وسأتفرغ بعد ذلك للإنجليز, قد لا أستطيع هزيمتهم فهزيمتهم وإخراجهم من البلاد تحتاج إرادة شعب, بينما الهنود المسلمين وغير المسلمين ..
ثم أكمل بسخرية مرة:
- بدل من وضع أيديهم معاً وتحرير بلادهم من المغتصبين, قرروا التفرغ أم للحروب مع بعض أو للتجارة والزراعة.
هدأ قليلاً ثم أكمل بحزن:
- ليس هذا هو وقت التحرير لكني أعدك أني لن أجعل حياة الإنجليز في هذه البلاد مريحة أبداً.
وقفت مريم خارج الغرفة تستمع لحديثهم ودموعها على خدها, وتسألت مالذي جنته على نفسها. لقد وهبت قلبها لرجل لديه واجبات أكبر من الحياة نفسها.
الأمل الأخير
الأمل الأخير
الفصل الرابع

تلك الليلة في عتمة السقيفة وضعت شمعة واحدة على الأرض, جلس سيف متربعاً بجوار الشمعة وبين يديه وعاء كبير من النحاس مليء بالماء, وضع سيف الوعاء في الأرض أمامه ثم بدأ يتلو كلمات غريبة بلغة غريبة مع تكرار بعض الكلمات عدة مرات بصيغة الأمر.
كان تأثير تلك الكلمات على الماء أكثر غرابة, حيث بدأت المياه تفور وتموج داخل الوعاء, وأستمر سيف في القراءة ,وبدأت تتكون في وسط المياه زوبعة قوية.
أنتهى سيف من التعويذة وأمر الماء أن يُظهر وجه الخائن الذي قام بتسهيل دخول الإنجليز للمدينة وللقصر, ثم نفخ في الماء لتبدأ تلك الزوبعة في الماء تهدأ إلى أن أختفت تماماً , صفا الماء وبدأ ظهور وجه على صفحة الماء.
ركز سيف في الوجه الذي بدأ يتضح شيءً فشيء إلى أن أصبح كأنه إنعكاس صورة صاحبه في المرآة شعر سيف بصدمة قوية وكأن شخص ما صعقه بالكهرباء, ووقف مرعوباً وهو ينظر إلى ذلك الوجه الذي يعرفه جيدا وصرخ:
- لا. لا. لا.
ركع عند الوعاء مجدداً وهزه بقوة, وكأنه يريد محي تلك الصورة ولكن الصورة عادت فظهرت من جديد, صاح بصوت كالعويل:
- لا, لا يمكن.
وحمل الوعاء وقذفه إلى أحد الأشجار التي تحمل السقيفة ليصطدم الوعاء بالشجرة ويتناثر الماء على الأرض بينما سقط الوعاء مصدراً صوت مزعج, تحول صراخ سيف المرعوب إلى صراخ هستيري.
ركض سيف خارجاً من السقيفة بحالة من الجنون والصراخ الذي كان يخرج من أعماق قلبه دون إرادة منه, من هول المفاجأة. وأخذ يركض حتى وصل لأعلى الربوة في الغابة التي تطل من تلك الجهة على الأرض الصحراوية الفارغة.
صرخ سيف مرةً أخرى بألم من دمرته الحقيقة المرة. لم يكن يرى أمامه غير صورة ذاك الطفل بنظرات الرعب التي كانت في عينيه قبل ذبحه.
وصرخ من جديد أملاً في أن يمحو تلك الصورة من ذاكرته ويمحو معها تلك الأحداث التي دمرت حياته, ولكن الصورة لم تزول بل أصبحت أقوى وأقوى, حتى باتت قدميه لا تستطيع حمل جسده فسقط على ركبتيه وأخذ بالصراخ دون إرادة منه. ثم وضع رأسه في الأرض وهو يبكي بحرقة ومرارة, بينما أخذت الحقيقة تتضح أمام عينيه, كل شيء يدل على أنه هو. لكنه كان أعمى البصيرة, غضبه وغيرته من شقيقه أعمت عينيه, رفع رأسه من التراب وتناثرت حبات التراب التى علقت بشعره على وجه وظهرت نظرة غضب ممزوجة بألم وحزن رهيبين في عينيه, ثم قام راكضاً تجاه البيت. دخل الغرفة ووقف على رأس شقيقه الذي كان يشخر ونظر إليه بألم, ثم أخرج من حاجياته قلم وورقة وكتب فيها رسالة توديع لشقيقه مع تحميله رسالة إعتذار لأصحاب الدار بسبب رحيله دون توديعهم.
جمع أشياءه بهدوء ووقف مجدداً عند رأس شقيقه . قال بهمس:
- أستودعك الله.
خرج بهدوء ومر أمام باب الغرفة التي تنام فيها مريم مع أشقاءها ووضع على مقبض الباب فرع صغير من الشجر الجاف كان مرمياً بجوار الحطب وخرج بهدوء من المنزل .
ذهب لحظيرة الحيوانات التي تقع في الجانب الأيسر من المنزل وأخرج أحد الأحصنة التي تخص إسماعيل والد مريم وخرج من الدار بصمت قبل أن يمتطي الجواد وأنطلق يسابق الريح
ومع بزوغ الفجر كان الغضب في داخله يكاد يفجر قلبه وكانت الذكريات تهجم عليه محملة بكل الأدلة والحقائق التي تجاهلها كيف كان أعمى البصيرة لهذه الدرجة وعند الظهيرة توقف ليرتاح قليلاً عند واحة صغيرة تقع بقربها إحدى القرى.
وتناول قليلاً من الخبز الذي كان قد أخذه معه ثم أنطلق وكان قد تجاوز أخر قرية بمسافة أميال حين غابت الشمس وهبط الليل, مشى قليلاً في الظلام قبل أن يلمح من بعيد نوراً, وكان قد تعب من ركوب الخيل ومن الجوع والعطش الذي أنتابه, فتقدم من النور وكم كانت فرحته كبيرة حين لاحظ أنه نُزل.
أوقف جواده أمام المدخل وربطه بالسور الخشبي الصغير الذي يحيط بالنُزل ثم دخل وكانت هناك ردهة يجلس فيها مجموعة من الناس, بينما على يساره كانت هناك مجموعة من طاولات الطعام الصغيرة التي يجلس الناس حولها في الأرض ويتناولون طعام تتصاعد رائحته اللذيذ لتزيد من عذاب معدة سيف.
تقدم من الطاولة التي ظن أنها الإستقبال ورحب به الموظف الواقف خلفها. طلب غرفة للمبات وأيضا طعام.
قال الموظف بحرج:
- نستطيع أن نقدم لك الطعام, فلدينا مطعماً مفتوحاً على مدار الليل والنهار, ولكن للأسف الغرف جميعها شاغرة.
تذمر سيف:
- لا بد من وجود غرفة.
إنه متعب ويريد أن يرتاح في مكان مريح نسبياً ولكن الموظف أعتذر فغضب سيف وتصاعد صوته والتفت الناس إليه فأرخى صوته من جديد وقال:
- من فضلك أبحث لي عن مكان أنام فيه وسأعطيك المال الذي تطلب.
أستأذن الموظف للبحث له ريثما يتناول سيف طعامه..
جلس سيف حول إحدى الموائد وقُدم له بعض من اللحم مع المرقة الحارة وأيضا البطاطا المهروسة مع الفلفل, وبينما أخبره أحد العاملين أنه أدخل الجواد للإسطبل شكره سيف وعاد لإكمال طعامه.
وقبل أن ينتهي حضر موظف الإستقبال محرجاً:
- سيدي لم نجد غرفة, ولكن..
تكلم سيف بغضب مكبوت:
- لكن ؟؟
- هناك سيد عرض علينا أن تشاركه غرفته وفيها سريرين وهو سيغادر غداً وبإمكانك بعد ذلك أخذ غرفته.
قال سيف بنفاذ صب:
- وأنا أيضاً سأغادر صباحاً .. لكن حسناً أنا موافق
الأمل الأخير
الأمل الأخير
بعد قليل رافقه الموظف للغرفة في الدور العلوي. طرق الباب ففتح لهم شاب في الثلاثين من عمره جميل الشكل لم يكن طويلاً مثل سيف لكنه كان أعرض ورحب به مبتسماً وكانت له غمازتان ملفتتان وقال:
- أقدم لك نفسي أنا ثروت إبراهيم.
قال سيف:
- سيف الدين جمالي.
قال ثروت متسائلاً بعد أن وضع سيف حقيبته الصغيرة على السرير الأخر:
- أي فرع من عائلة جمالي أنت.
نظر سيف إليه ثم أجاب:
- أنا سلاراني.
قال ثروت بسرور:
- آه . السلارانين من أفضل القبائل. لكنكم عنيفين بعض الشيء فيما يتعلق بالثأر.
تذكر سيف شقيقه نور ورغبته بالزراعة وتعليم الأطفال, وقال بسخرية:
- ليس الجميع.
أستمر ثروت بالثرثرة معرفاً سيف إليه ومعطيه نبذة عن عائلته وأبناءه, لقد تزوج ثروت من إبنة خاله و لديه سبعة أبناء أكبرهم في الثانية عشر من عمره وأصغرهم ما زال مولود وزوجته الأن حامل ويبدو هذه المرة أنها ستنجب له تؤماً ولهذا أصبحت عاجزة عن العمل, وهكذا قرر الزواج من أخرى ولكن أحداً لم يقبل تزويجه لأن ليس لديه شقيقة يدفعها بالمقابل بينما رفضت زوجته أن تعطيه إبنته التي تبلغ الثالثة من عمرها لكي يتزوج بالمقابل منها, ورغم علم سيف بهذه العادة المنتشرة في البلاد لكنه كان يشمئز منها ومع ذلك لم يعلق بشيء متمنياً أن ينتهي ثروت من ثرثرته ويجعله يخلد للنوم.
أنتقل ثروت بالحديث إلى القرية التي في شمال البلاد قريباً من حدود أفغانستان حيث سمع أن لديهم فتيات كثيرة لدرجة أنهم يقومون بإعطاء بناتهم دون مقابل.
وكان سيف قد زار تلك القرية في أحد تنقلاته باليخت وكان يعلم أن تلك القرية من القرى المتحضرة في البلاد التابعة للبنجابيين وكان يعلم أن ظن ثروت سيخيب حين يذهب هناك, فهم لا يرمون بناتهم هكذا ولكنه لم يعلق.
وتابع ثروت ثرثرته وسيف يدعو الله في سره أن يصمت, وإلا أضطر أن ينام في الإسطبل مع الجواد. ورغم ذلك حين عرض عليه ثروت مرافقته في الطريق نظر إليه سيف بصمت مفكراً ثم أبتسم موافقاً .وهكذا بدأ ثروت يهدأ إلى أن غلبهم النعاس.
في الصباح أستيقظ سيف مع الشعور بأن رأسه قنبلة ستنفجر في أي لحظة لكن بعد كوب من الشاي الكرك (شاي بالحليب يغلى كثيراً على النار حتى يصبح لونه غامقاً وطعمه مركزاً) ذهب الصداع وأستعاد قوته. تناول الطعام مع ثروت السعيد جداً والذي لم يكف عن الثرثرة رغم ملاحظته عدم رد سيف عليه.
وأنطلقا بعد قليل يقصدان الغرب الشمالي وبدأت المناظر الجميلة تظهر فقد ظهر النهر وكذلك أخضرت الأرض وأنتشرت الأشجار . وصلا إلى غابة كثيفة كانت في طريقهم.على مسافة نصف يوم من مدينة سلارستان سيراً على القدمين . ولم يستمرو بالسير كثيراً حتى هبط الليل فقررا المبات في الغابة وأتفقا أن يجمع ثروت الحطب ويشعل النار بينما يعد سيف المكان للمبيت ويطهو الطعام.
ربط سيف الخيل في مكان بعيد قليلاً عن المكان الذي قرر إعداد المخيم فيه ثم أعد مكانين للنوم بينما أحضر ثروت الحطب وجلس محاولاً إشعال النار. أخذ سيف حبلاً من حقيبته وأتجه نحو إحدى الأشجار القريبة وربطه هناك بينما ثروت مستمر بالثرثرة وهو يحاول إشعال النار حتى أنه كان يتحدث مع النار معاتباً لأنها تأبى الإشتعال.
ربط سيف الحبل حول شجرة أخرى وأخرى ليقوم بعمل دائرة حول معسكرهم.
لم ينتبه له ثروت إلا حين أوشك على الانتهاء فسأله:
- مالذي تفعله ؟؟
وأخيراً أشتعلت النار فوضع ثروت قليلاً من العشب الأخضر على النار لتزيد إشتعالاً قبل أن يضع الأغصان الأكبر حجماً . قال سيف يوضح الأمر:
- أحاول وضع نوعاً من الأجراس حولنا حتى نتنبه لرنينها إذا ما أقترب حيواناً منا.
نظر ثروت إلى الحبل حوله ثم قال ساخراً:
- لقد ربطت الحبل قريباً جداً منا فقبل أن ننتبه لصوت الأجراس تكون الحيوانات قد نزعت لحمنا عن عظامنا.
لم يرد سيف وتقدم تجاه أول شجرة ربط فيها الحبل.ربط الطرف الذي في يده حولها منهياً بذلك دائرة كاملة حول معسكرهم ثم وقف خارج الدائرة بينما ثروت في وسط المعسكر.
قال سيف ساخراً:
- الا إذا قمت بحمايتي.
ظهرت نظرة غريبة في عين ثروت ما لبثت أن أختفت ورجعت نظرات المرح مع بعض القلق في عينيه:
- لا أفهمك ؟؟
قال سيف بسخرية:
- الأمر بسيط جداً. بعد اليوم ستكون خادمي المطيع وتقوم بتنفيذ كل ما أمرك به..وأيضاً تقوم بحمايتي.
وقف ثروت وتحرك مقترباً من سيف وهو يبتسم في دعة ولكنه توقف على بعد خطوة من الحبل بينما تراجع سيف خطوة إلى الوراء لا شعورياً ولكنه حين لاحظ توقف ثروت شعر بالإنتصار, فأبتسم بسخرية للغضب الذي ظهر في عيني ثروت وتقدم ليقف ملاصقاً للحبل ويقول بسخرية :
- لم توقفت ثروت خان ؟؟
فضحك ثروت بتردد ولكن الغضب كان يشتعل في عينيه:
- أنزع الحبل من مكانه سيف الدين وتعالى لتتناول بعض الطعام.
فقال سيف مستمتعاً:
- أنزعه أنت يا أخي.. لم لا تنزعه بنفسك ؟؟
عندها صرخ ثروت بغضب عارم جعل ملامحه تبدو بشعة:
- أنزع الحبل.
الأمل الأخير
الأمل الأخير
وهنا ظهرت نظرة جادة قاسية على عيني سيف وتراجع للخلف ليتلو ببعض الكلمات الغريبة, وأشتد صوته مع تكرار بعض الحروف والكلمات بينما بدأ ثروت يصرخ صراخاً مرعباً جداً وكأنه حيوان جريح في قفص يتم تعذيبه.
توقف سيف لينظر إلى ثروت الذي توقف أيضاً وهو يلهث من التعب والألم ليقول بصوت ثخين مختلف تماماً عن صوته السابق:
- سوف أقتلك.. دعني أذهب.
- سوف تقتلني إن تركتك ولكنك ستكون خادمي المطيع أو تحترق إلى أن تختفي تماما
زأر ثروت قائلاً:
- دعني.
عندها عاد سيف من جديد لتعويذته يتلوها بقسوة بينما أخذ ثروت يلتوى من الألم ويصرخ صراخاً يبعث الرعب في القلوب حتى قلوب الحيوانات المفترسة التي ولا بد قد هربت من الأماكن المجاورة لهما تبتغي لنفسها ملجأ من هذا العويل المرعب, بينما كان صهيل الخيل المرعوبة عالياً جداً وشعر سيف دون أن ينظر تجاهها أنها أستطاعت التحرر والهرب فشعر بإستياء بالغ و رغم ذلك لم يرمش له جفن وهو يكمل تعويذته وأخيراً بدأ يردد كلمات بحد ذاتها وكأنه يوجه سؤال لثروت الذي ظل يصرخ رافضاً, فعاد سيف ليتلو التعويذة من جديد ويكررها لفترة وبعدها عاد للسؤال مجدداً ورفض ثروت مجدداً, وتكررت العملية أكثر من مرة . وبدأ جسد ثروت المتعب يتغير ويصبح شفافاً وملامحه تتغير وبدأت أصابع قدميه ورجليه تذوبان وشكله يعود لهيئته الحقيقية.
وأخيراً بعد فترة طويلة أنهكت سيف أيضاً جلس ثروت على ركبتيه من شدة الألم يقسم بالولاء والعهد بالطاعة لسيف.
وعاد الهدوء من جديد . فتح سيف رباط الحبل ليتحرر ثروت الذي أختفى على الفور ولكنه ما لبث أن عاد في لحظات. وقال لسيف بحزن:
- لماذا ؟؟
لم يرد سيف بل جلس بجوار النار يشوي اللحم الذي معه أستمر ثروت قائلاً:
- أنت تعلم أن لي أولاد وعائلة أعتني بها . لم قيدتني وأستعبدتني ؟؟
أستمر سيف في عمله ثم أخذ يأكل بهدوء وكأنه لا يسمع فجلس ثروت أمامه ذليلاً حزيناً, وقال وكأنه يكلم نفسه:
- لم يحب الأنس أن يستعبدونا. لم لا يتركوننا بمفردنا.
فرفع سيف نظره إليه وسأل:
- ولماذا تقومون بإيذاء الأنس وتحتلون أجسادهم.
فنظر ثروت إلى الأرض بخجل وقال:
- نحن نمرح فقط.
قال سيف بغضب:
- أنه مرح أسود.. إنكم تدمرونهم.
فقال ثروت بهدوء:
- الدخول يكون سهلاً أم الخروج من الجسد فهو صعب إنه يدمرنا تقريبا غير أنه شيء رائع أن تمتلك جسداً حقيقياً.
فقال سيف:
- إذاً نحن متشابهون نمرح ببعض ونؤذي بعض.
فضحك ثروت بحزن:
- أجل, نحن رغم تكويننا المختلف متشابهون ومخلوقين لنفس الغاية.
تناول سيف قطعة من اللحم المشوي وقال:
- ولكننا أكثر ذكاءً.
فقال ثروت بغضب:
- إنكم متكبرون متباهون ولهذا يسهل علينا خداعكم.
ثم صمت قليلا وعندما لم يرد سيف أكمل سائلاً:
- كيف عرفتني ؟
رد سيف بغرور:
- بل قل كيف عرفتكم.
أحمر وجه ثروت الذي عاد لشكل البشر:
- كيف عر.. كيف .. لا أفهم.
ضحك سيف بسخرية:
- والأن من المتكبر.
قام من مكانه بينما ثروت ينظر إليه بحقد وتمدد في فراشه وقال:
- أرجوك على من تضحكون مكان نأي في وسط الخلاء لا تتعدى غرفه أثني عشرة غرفة صغيرة ومع ذلك يعج بهذا الكم الهائل من الناس الذين من الواضح أنهم ليسو مسافرين أين ينامون هؤلاء الأشخاص ومن أين تحضرون كل ذلك الطعام.
وأستمر في الضحك قليلاً بينما تقدم منه ثروت غاضباً:
- ولهذا سمحت لي بالقدوم معك لإستعبادي.
نظر سيف إلى ثروت الواقف فوق رأسه بهدوء:
- أجل .. أم أعتقدت أني أحببت ثرثرتك المزعجة ؟
ثم أستدار على جنبه وقال أمراً:
- أحرسني.
أربد ثروت وسب ولعن ولكنه في النهاية هدأ وجلس بجوار سيف حانياً رأسه بألم.