المشهد الرابع
لغتنا ولكن!!
كلمات متفرقة وحروف متكسرة, تحتك بآذاننا كل يوم وتصبغها بألوان مختلفة وتضفي عليها حركات جديدة لتنتج لنا حروفا أخرى غريبة لا نلبث إلا أن نألفها, و كأنها جزء من أجسادنا, و ننطقها و نستخدمها ثم ندرجها في قواميس أذهاننا لا إراديا و نشوه بها قيما تعلمناها و حروفا درسناها ثم نضحي عاجزين عن تذكرها وصياغتها كما اعتدنا, وقد يبدو بعضهم كمن أصابه الشلل الرباعي عندما يهم بصياغة جملة مفيدة. انه لأمر مضحك مبكي!
* * *
لم تشعر نبيلة بالفخر, طوال حياتها, كما شعرت في هذه اللحظة وهي تستمع إلى هذه الطالبة الموهوبة وهي تقرأ مقالها. فكلما هبّت هذه الطالبة للإجابة على أسئلتها تشعر نبيلة وكأنها تولد من جديد.
تحس نبيلة أحياناً بأن ميّلها لطالبتها المجدة أمرٌ مبالغ فيه ولكن براعة هذه الطالبة في مواد اللغة العربية لا توصف. فلكل سؤال لديها جواب ولكل كلمه لديها جملة ولكل موضوع لديها مقال. و لكم تمنت نبيلة, طوال الخمس عشرة سنة الماضية, أن تحظى بطالبة كهذه في احد صفوفها. وفي الواقع, لا يمكنها أن تنكر بأنها قد قابلت طالبات مجدات من قبل و لكن هذه الفتاة معجزة...
- أحسنتِ يا شهد..
نظرت شهد الى صديقتها ريما التي منحتها ابتسامة تشجيع.
تابعت نبيلة:
- مقالكِ مميز وتعبيركِ رائع.. تفضلي بارك الله فيكِ و في قلمك..
ابتسمت شهد باستحياء وجلست مكانها. بينما أخذت عينا نبيلة تحومان حول الصف بحثا عن طالبة أخرى لتقرأ مقالها.
كان في الفصل عدد لا بأس به من الفتيات البارعات ويمكنها أن تسميهن, ولكن البقية لا يسعهن صياغة جملة مفيدة كاملة.
أحيانا تشتمل مقالات بعضهن على أفكار وعناصر مميزة ولكن أسلوبهن في صياغة الموضوع تفسد معناه و تسلسل أفكاره.
تعتمد نبيلة في تقييم مقالات طالباتها على الدقة المتناهية و الصرامة, و تناقش الطالبة في كل التفاصيل التي يحتويها المقال, و تعتم كثيراً للغة التي كُتب فيها المقال اكثر من اهتمامها بعناصره و الافكار التي اعتمدت عليها الطالبة في كتابته.
و في الواقع, تواجه نبيلة انتقادات كثيرة سواء من المعلمات أو اولياء امور الطالبات بسبب اهتمامها الشديد بأدق التفاصيل اللغوية في كتابة المقالات, و ذلك ان صرامتها تلك تسبب في هبوط مستوى الدرجات التي تحصل عليها طالباتها في مادة "التعبير". و لكن نبيلة لا تعبأ بتلك الانتقادات ما دامت ترى في اسلوبها هذا فائدة في تطور الطالبة وتقدمها في فن الكتابة.
و في الواقع, تتعب نبيلة كثيراً في تقديم افضل الطرق الممكنة, و شرح ابسط الوسائل التي يمكن للطالبة اتباعها ليرقى اسلوبها في الكتابة فيصبح مقالها جميلا, حتى لو كانت عناصره بسيطة؛ و لكنها نادراً ما تجد النتيجة المرضية لكل ما تتكبده من عناء في سبيل ذلك. وحقيقة, لا يسع نبيلة أن تلوم أي واحدة من هؤلاء الطالبات, فالواقع الذي يعشنه والبيئة التي تربين فيها تفرض سيطرتها على لسان كل واحدة منهن فضلا عن تطورات الحرب الفكرية الفضائية التي يتابعنها يومياً والتي حولت الوعي لديهن إلى غي.
- دعينا نستمع إلى إبداعاتكِ يا غادة..
وقفت غادة بتردد ثم تنحنحت وشرعت تقرا السطور الأولى ثم توقفت فجأة..
- ما بالكِ يا غادة ؟ الم تتمي كتابة الموضوع ؟
- بلى.
كانت وجنتاها متوردتان وهي تقول محرجة:
- أريد أن أؤجل قراءة المقال إلى نهاية الدرس.
- لماذا؟
- لا أحب أن اقرأ مقالي بعد شهد.. مقالي سيبدو سخيفا بالمقارنة مع مقالها.
تعالت الهمسات والضحكات المكبوتة هنا وهناك مما أثار غضب نبيلة..
- ألزمن الهدوء من فضلكن !
تساءلت نبيلة بدهشة عن السبب الذي يدفع الطالبات الى الضحك على اتفه الامور و المواقف.
ترى هل هي محاولة منهن لتشتيت انتباة المعلمة و بالتالي فقدانها السيطرة على هدوء الصف؟ ام محاولة بريئة لتجديد الجو و اشاعة المرح؟ او مجرد تفريغ لضغوطات نفسية تحاول الطالبات التخلص منها لدى كل فرصة او مناسبة مهما كانت تفاهتها؟
توقفت الحركة قليلا بينما حثت نبيلة طالبتها غادة على القراءة قائلة بلطف:
- تابعي القراءة يا بنيتي ولن يبدو مقالك سخيفا. ما سمعته منك حتى الآن يبدو رائعا. أما تميّز شهد وإبداعها لا يعني الإقلال من شأن أيّ منكن فأنتن في مكان للتعلم و لستن في مكان للاختبار.. و زميلتك شهد نموذج مبسط للإبداع الناشئ ومجرد إدراكك لتميزها يعني أنه يمكنك أن تتعرفي على فن الكتابة الراقية..
احمرت وجنتا غادة وهي تخبر معلمتها أنها تحاول جاهده على تطوير طريقة كتابتها لكن بدون فائدة.
أشفقت عليها الأستاذة نبيلة وقالت لها بلهجة مطمئنة:
- لازلت صغيرة يا ابنتي وأمامك الكثير لتتعلميه وما عليك إلا أن تثابري وتستمري بالمحاولة وسوف تحققي أحلامك بإذن الله تعالى.
ابتسمت غادة و تابعت القراءة بينما احست نبيلة بالفخر, لانها منحت طالبتها الثقة الكافية لتجعلها قادرة على قراءة مقالها و بكل تلك الشجاعة.
لقد ادركت نبيلة اخيرا ان تشجيع الطالبات يمنح المعلمة و الطالبة نشاطاً و حماساً للتقدم في الدرس و الاستفادة منه. و لم يكن ذلك اسلوب نبيلة سابقاً و لكن خبرتها الطويلة في مجال التعليم والتربية جعلتها تدرك جيداً أن تشجيع الطالبة وملؤها بالثقة من أهم الوسائل التي تساعدها في مسيرتها العلمية وبناءِ شخصيتها للوصول إلى تحقيق أهدافها لاسيما إذا كانت الفتاة تتميز بنضج فكري ووعي تام لما يدور حولها, و إدراك عميق لقدراتها و لما يريده المجتمع منها. فغالبا ما تنجح الفتاة و تتقدم إذا توافرت لها كل هذه العناصر إضافة إلى التربية السليمة والمساندة الدائمة من ذويها.
المشهد الخامس
كاتبة موهوبة
في كل زمان و مكان, الإنسان والقلم متلازمان, فمتى توفر الوقت والمزاج المناسبين التحم الاثنان في مهمة واحدة وأنتجا أجمل عمل يمكن أن يتعاون عليه اثنين. و بطبيعة الحال, فان القلم هو وسيلة الإنسان الأولى, بعد اللسان, للتعبير عن ذاته و حاله, والتنفيس عن كرباته, و بث مشاعره وإيصالها إلى الآخرين خصوصا في حالات يكون فيها الطرف الآخر في منطقة مختلفة. كما أن القلم هو الوسيلة التي تعمل بها جميع الشركات والمؤسسات باختلاف نشاطاتها واهتماماتها. و لا غرو أن يكون القلم صديق الإنسان فبواسطته يوثق ذكرياته, و مذكراته, و مهامه, و معلوماته. وحتى مع وجود البديل, كالحاسوب و الآلة الكاتبة, فالقلم لا يزال مهما لأنه الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تنقل مشاعر الإنسان و أفكاره بكل شفافية و صدق.
* * *
عندما انتهت الأستاذة سارة من الدرس خرجت من الفصل وتوجهت إلى غرفة المعلمات فدرسها التالي سيبدأ في حوالي الساعة العاشرة. حيّت المعلمات المتواجدات في الغرفة وجلست في مكتبها. لم يكن لديها أوراق اختبارات أو دفاتر واجبات لذا لم تجد سوى ورقة فارغة وضعتها على مكتبها وشرعت تكتب ما يجول في خاطرها من أفكار ومشاعر تكاد تتفجر غضباً على هذا المجتمع.
سارة تحب أن تكتب وكانت ماهرة بكتابة المقالات والقصص القصيرة ولطالما أدهش أسلوبها جميع من يقرا كتاباتها.
لم يكن يجول في خاطرها مؤخرا سوى مشاكل التعليم ومشاكل الطالبات حتى أنها تكاد تنسى أن لها زوجا يستحق منها الاهتمام. وعلى الرغم من ذلك, كانت سارة مرتاحة, لأن وظيفة زوجها كمعلم تجعله يتفهم مشاكلها وتسمح له بان يشاركها همومها.
تنهدت وهي تفكر بوليد..
سارة و زوجها يعملان في منطقتين مختلفتين وهي لا تراه الا عندما يزورها كل اسبوعين او ثلاثة في اجازة نهاية الاسبوع. كانت سارة تنوي اللحاق به الى مقر عمله و لكن والدتها و اخوها شجعاها على البقاء معهم في المنزل و الانتظار لعل معجزة تحدث فينتقل الى ذات المنطقة التي تعيش فيها كل من اهله و زوجته لكن ذلك لم يحدث فالتحقت سارة بمدرسة خاصة لتزاول مهنة التعليم و تمضي وقتاً مفيدا في غيابه.
- سارة!
التفتت سارة مفزوعة فرأت أسماء تقف أمام مكتبها.
- ما الأمر؟
ثم أردفت بقلق:
- كنت تفكرين بشكل عميق..ماذا دهاك اليوم يا سارة ؟
- لا شيء..
جلست أسماء إلى جانبها ونظرت إلى الورقة التي كانت في يدها.
- ماذا تكتبين ؟
- خاطرة..
ابتسمت سارة وهي تنظر إلى الورقة ثم أردفت:
- عن التعليم..
ضحكت أسماء وهي تقول:
- هل يمكنني أن اقرأ ما كتبته..
قدمت سارة الورقة اليها فقرأت أسماء المقال بهدوء, و بدا الإعجاب ظاهراً على وجهها وهي تقول:
- رائع.. يمكنك أن تقرئي المقال في الإذاعة الصباحية..
احمرت وجنتا سارة وهي تقول:
- لا داعي لذلك.. على كلٍ سوف أمزق هذه الورقة قبل نهاية هذا النهار فليس الأمر بهذا الحجم من الأهمية..
- بل هو مهم جداً.. يمكننا أن نذيعه في الإذاعة..
ضحكت سارة وهي تهز برأسها ولكن أسماء أصرت على سارة بقولها:
- دعي المقال في يدي الآن وسوف اهتم بأمره..
تنهدت سارة وسلمت الورقة لزميلتها مستسلمة. اما أسماء فقد لاحظت التعب على وجه سارة فسألتها:
- ما بالكِ يا سارة ؟ تبدين متعبة..
- مجرد إرهاق بسيط.. فأنا لم أتمكن من النوم ليلة البارحة. كان لدي عمل كثير.. وعندما أويت إلى الفراش اتصل بي زوجي فطار النعاس من عيني..
اخذت سارة نفساً عميقا وهي تتابع:
- لقد امضيت الليل في التفكير بترك المدرسة..فلا شيء هنا يستحق البقاء و التضحية بأجمل أيام العمر..
ضحكت أسماء وقالت:
- ولا حتى أنا؟
قالت سارة:
- تدركين ما أعني يا أسماء..فصداقتك أروع ما حصلت عليه في هذا المكان ولكن...
- يبدو انك سئمتِ من العمل الذي لا يستحق أن تضحي براحتك و راحة زوجك من أجله..أليس كذلك؟
- بل الامر اكبر من ذلك..
- لا ادري كيف جازفت و زاولت مهنة التعليم ما دمت لا تحبينها؟
كان في عيني أسماء مزيج من الدهشة والأسى ففكرت سارة بجدية قبل أن تجيب:
- أنا لا اكره مهنة التعليم, لكنني معلمة فاشلة.
- أنتِ لستِ فاشلة.. جميع الطالبات يحببنك..
- ربما وصلت إلى قلوبهن يا أسماء ولكن لا أظن أني وصلت إلى عقولهن.. ولن أتمكن من ذلك أبدا..
- لماذا كل هذا التشاؤم؟
- لست متشائمة, ولكن على المعلمة أن تكون قادرة على التواصل ومتمكنة من العمل الذي تقوم به.
- وما الذي يجعلك تعتقدين أن كل معلمة هنا متمكنة؟؟ المعلمة تتعلم وتكتسب الخبرة لتصبح معلمة..
تنهدت سارة وأطرقت برأسها, فأردفت أسماء قائلة:
- مشاعركِ هذه ناتجة عن الخوف و التوتر ولكن حالما تعتادين على عملك ستحبينه, وسوف تكوني معلمة ناجحة باذن الله كما كنت تتمنين وكما كان يتمنى زوجك, وهذه فرصتك لتثبتي له انكِ معلمة ناجحة..
نظرت سارة الى أسماء باحثة عن قليل من الدعم النفسي, فربتت أسماء على كتف سارة ومنحتها ابتسامة تشجيع.
- مشكلتي انني اريد ان اثبت له انني اكبر من ذلك..
حدقت اسماء في وجه زميلتها باستغراب:
- اتمنى لو استطيع ان افهمك اكثر يا سارة..
لاحت شبة ابتسامة على شفتي سارة و هي ترمي الورقة على مكتب أسماء وتنهض:
- لا اظنك ستفهميني ابداً..هيا لقد حان موعد درسي..استودعك الله..
عادت سارة الى غرفة المعلمات بعد انتهاء درسها, فوجدت الاستاذة منى بالقرب من الباب تهم بمغادرة الغرفة.
- ما الامر يا منى؟ اين بقية المعلمات؟
- لقد ذهب الجميع الى المصلى..الاستاذة فاطمة تريد ان تلقي محاظرة مهمة على المعلمات قبل بدء "فسحة الصلاة"..
- اه فمهت.. انتظريني اذن سارافقك..
دخلت سارة المصلى و استمعت الى المحاظرة و اثناء ذلك تعالى صوت اذان الظهر في اروقة المدرسة فأنهت الاستاذة فاطمة محاظرتها على عجل و حثت المعلمات على أداء الصلاة. وخلال بضع دقائق, دخل عدد من الطالبات الى مصلى المدرسة و خلعن احذيتهن بالقرب من الباب و ارتدين العباءات استعدادا للصلاة.
اتخذن صفوفا متراصة مرتبة. و بعضهن ساهمن في ترتيب هذه الصفوف و تنسيقها, و البعض الاخر جلسن لقراءة القرآن الكريم قبل الصلاة.
اطلت سارة على الفناء الخارجي و شاهدت بعض الطالبات يتحدثن مع بعضهن البعض و لا يبدو على كثير منهن انهن يرغبن في تأدية الصلاة في المصلى مع بقية زميلاتهن.
و فكرت سارة بينها و بين نفسها عن سبب لهذا. هل السبب هو التهاون؟ ام الجهل؟
في نهاية الدوام الدراسي, كانت سارة تلملم أوراقها عندما دخلت أسماء وهي تحمل لوحتها البيضاء القابلة للمسح وكتابي اللغة الانجليزية المألوفين. وضعتهما على مكتبها الذي تشاركها فيه أريج وجلست لترتب حقيبتها ثم تنهدت بصوت مسموع وألقت بحقيبتها على الأرض.
سألتها سارة وهي تضحك:
- ما بالكِ؟
- لقد بذلت جهدا لم أتخيله اليوم..لدي ستة حصص وبالكاد انتهيت منها..
حملت أسماء حقيبتها على كتفها وحملت عباءتها على يدها وقالت:
- الم تعد أريج بعد؟
- بلى..لقد انتهى درسها مبكرا فجاءت لترتب حقيبتها وتخرج إلى الساحة الخارجية..لديها مناوبة متأخرة اليوم..
- أمم..حسنا سأودعها عندما أقابلها خارجا..
وحالما غادرت أسماء الغرفة عادت اليها مجددا وقالت:
- لقد خطرت في بالي فكرة هذا الصباح عندما قرأت مقالكِ.
رفعت سارة رأسها لتنظر الى أسماء التي اردفت بحماس:
- كنت افكر بالاستفادة من موهبتك في نشر كتاب للمدرسة. كنت أفكر بهذا الأمر منذ زمن ولكن اشتد عندي الحماس هذا الصباح..
- وكيف ذلك؟
- سأتصل بك في البيت ونتناقش بالتفاصيل..
عندما خرجت أسماء تبعتها سارة بعد عدة دقائق وذهبت إلى المنزل.
كاتبة موهوبة
في كل زمان و مكان, الإنسان والقلم متلازمان, فمتى توفر الوقت والمزاج المناسبين التحم الاثنان في مهمة واحدة وأنتجا أجمل عمل يمكن أن يتعاون عليه اثنين. و بطبيعة الحال, فان القلم هو وسيلة الإنسان الأولى, بعد اللسان, للتعبير عن ذاته و حاله, والتنفيس عن كرباته, و بث مشاعره وإيصالها إلى الآخرين خصوصا في حالات يكون فيها الطرف الآخر في منطقة مختلفة. كما أن القلم هو الوسيلة التي تعمل بها جميع الشركات والمؤسسات باختلاف نشاطاتها واهتماماتها. و لا غرو أن يكون القلم صديق الإنسان فبواسطته يوثق ذكرياته, و مذكراته, و مهامه, و معلوماته. وحتى مع وجود البديل, كالحاسوب و الآلة الكاتبة, فالقلم لا يزال مهما لأنه الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تنقل مشاعر الإنسان و أفكاره بكل شفافية و صدق.
* * *
عندما انتهت الأستاذة سارة من الدرس خرجت من الفصل وتوجهت إلى غرفة المعلمات فدرسها التالي سيبدأ في حوالي الساعة العاشرة. حيّت المعلمات المتواجدات في الغرفة وجلست في مكتبها. لم يكن لديها أوراق اختبارات أو دفاتر واجبات لذا لم تجد سوى ورقة فارغة وضعتها على مكتبها وشرعت تكتب ما يجول في خاطرها من أفكار ومشاعر تكاد تتفجر غضباً على هذا المجتمع.
سارة تحب أن تكتب وكانت ماهرة بكتابة المقالات والقصص القصيرة ولطالما أدهش أسلوبها جميع من يقرا كتاباتها.
لم يكن يجول في خاطرها مؤخرا سوى مشاكل التعليم ومشاكل الطالبات حتى أنها تكاد تنسى أن لها زوجا يستحق منها الاهتمام. وعلى الرغم من ذلك, كانت سارة مرتاحة, لأن وظيفة زوجها كمعلم تجعله يتفهم مشاكلها وتسمح له بان يشاركها همومها.
تنهدت وهي تفكر بوليد..
سارة و زوجها يعملان في منطقتين مختلفتين وهي لا تراه الا عندما يزورها كل اسبوعين او ثلاثة في اجازة نهاية الاسبوع. كانت سارة تنوي اللحاق به الى مقر عمله و لكن والدتها و اخوها شجعاها على البقاء معهم في المنزل و الانتظار لعل معجزة تحدث فينتقل الى ذات المنطقة التي تعيش فيها كل من اهله و زوجته لكن ذلك لم يحدث فالتحقت سارة بمدرسة خاصة لتزاول مهنة التعليم و تمضي وقتاً مفيدا في غيابه.
- سارة!
التفتت سارة مفزوعة فرأت أسماء تقف أمام مكتبها.
- ما الأمر؟
ثم أردفت بقلق:
- كنت تفكرين بشكل عميق..ماذا دهاك اليوم يا سارة ؟
- لا شيء..
جلست أسماء إلى جانبها ونظرت إلى الورقة التي كانت في يدها.
- ماذا تكتبين ؟
- خاطرة..
ابتسمت سارة وهي تنظر إلى الورقة ثم أردفت:
- عن التعليم..
ضحكت أسماء وهي تقول:
- هل يمكنني أن اقرأ ما كتبته..
قدمت سارة الورقة اليها فقرأت أسماء المقال بهدوء, و بدا الإعجاب ظاهراً على وجهها وهي تقول:
- رائع.. يمكنك أن تقرئي المقال في الإذاعة الصباحية..
احمرت وجنتا سارة وهي تقول:
- لا داعي لذلك.. على كلٍ سوف أمزق هذه الورقة قبل نهاية هذا النهار فليس الأمر بهذا الحجم من الأهمية..
- بل هو مهم جداً.. يمكننا أن نذيعه في الإذاعة..
ضحكت سارة وهي تهز برأسها ولكن أسماء أصرت على سارة بقولها:
- دعي المقال في يدي الآن وسوف اهتم بأمره..
تنهدت سارة وسلمت الورقة لزميلتها مستسلمة. اما أسماء فقد لاحظت التعب على وجه سارة فسألتها:
- ما بالكِ يا سارة ؟ تبدين متعبة..
- مجرد إرهاق بسيط.. فأنا لم أتمكن من النوم ليلة البارحة. كان لدي عمل كثير.. وعندما أويت إلى الفراش اتصل بي زوجي فطار النعاس من عيني..
اخذت سارة نفساً عميقا وهي تتابع:
- لقد امضيت الليل في التفكير بترك المدرسة..فلا شيء هنا يستحق البقاء و التضحية بأجمل أيام العمر..
ضحكت أسماء وقالت:
- ولا حتى أنا؟
قالت سارة:
- تدركين ما أعني يا أسماء..فصداقتك أروع ما حصلت عليه في هذا المكان ولكن...
- يبدو انك سئمتِ من العمل الذي لا يستحق أن تضحي براحتك و راحة زوجك من أجله..أليس كذلك؟
- بل الامر اكبر من ذلك..
- لا ادري كيف جازفت و زاولت مهنة التعليم ما دمت لا تحبينها؟
كان في عيني أسماء مزيج من الدهشة والأسى ففكرت سارة بجدية قبل أن تجيب:
- أنا لا اكره مهنة التعليم, لكنني معلمة فاشلة.
- أنتِ لستِ فاشلة.. جميع الطالبات يحببنك..
- ربما وصلت إلى قلوبهن يا أسماء ولكن لا أظن أني وصلت إلى عقولهن.. ولن أتمكن من ذلك أبدا..
- لماذا كل هذا التشاؤم؟
- لست متشائمة, ولكن على المعلمة أن تكون قادرة على التواصل ومتمكنة من العمل الذي تقوم به.
- وما الذي يجعلك تعتقدين أن كل معلمة هنا متمكنة؟؟ المعلمة تتعلم وتكتسب الخبرة لتصبح معلمة..
تنهدت سارة وأطرقت برأسها, فأردفت أسماء قائلة:
- مشاعركِ هذه ناتجة عن الخوف و التوتر ولكن حالما تعتادين على عملك ستحبينه, وسوف تكوني معلمة ناجحة باذن الله كما كنت تتمنين وكما كان يتمنى زوجك, وهذه فرصتك لتثبتي له انكِ معلمة ناجحة..
نظرت سارة الى أسماء باحثة عن قليل من الدعم النفسي, فربتت أسماء على كتف سارة ومنحتها ابتسامة تشجيع.
- مشكلتي انني اريد ان اثبت له انني اكبر من ذلك..
حدقت اسماء في وجه زميلتها باستغراب:
- اتمنى لو استطيع ان افهمك اكثر يا سارة..
لاحت شبة ابتسامة على شفتي سارة و هي ترمي الورقة على مكتب أسماء وتنهض:
- لا اظنك ستفهميني ابداً..هيا لقد حان موعد درسي..استودعك الله..
عادت سارة الى غرفة المعلمات بعد انتهاء درسها, فوجدت الاستاذة منى بالقرب من الباب تهم بمغادرة الغرفة.
- ما الامر يا منى؟ اين بقية المعلمات؟
- لقد ذهب الجميع الى المصلى..الاستاذة فاطمة تريد ان تلقي محاظرة مهمة على المعلمات قبل بدء "فسحة الصلاة"..
- اه فمهت.. انتظريني اذن سارافقك..
دخلت سارة المصلى و استمعت الى المحاظرة و اثناء ذلك تعالى صوت اذان الظهر في اروقة المدرسة فأنهت الاستاذة فاطمة محاظرتها على عجل و حثت المعلمات على أداء الصلاة. وخلال بضع دقائق, دخل عدد من الطالبات الى مصلى المدرسة و خلعن احذيتهن بالقرب من الباب و ارتدين العباءات استعدادا للصلاة.
اتخذن صفوفا متراصة مرتبة. و بعضهن ساهمن في ترتيب هذه الصفوف و تنسيقها, و البعض الاخر جلسن لقراءة القرآن الكريم قبل الصلاة.
اطلت سارة على الفناء الخارجي و شاهدت بعض الطالبات يتحدثن مع بعضهن البعض و لا يبدو على كثير منهن انهن يرغبن في تأدية الصلاة في المصلى مع بقية زميلاتهن.
و فكرت سارة بينها و بين نفسها عن سبب لهذا. هل السبب هو التهاون؟ ام الجهل؟
في نهاية الدوام الدراسي, كانت سارة تلملم أوراقها عندما دخلت أسماء وهي تحمل لوحتها البيضاء القابلة للمسح وكتابي اللغة الانجليزية المألوفين. وضعتهما على مكتبها الذي تشاركها فيه أريج وجلست لترتب حقيبتها ثم تنهدت بصوت مسموع وألقت بحقيبتها على الأرض.
سألتها سارة وهي تضحك:
- ما بالكِ؟
- لقد بذلت جهدا لم أتخيله اليوم..لدي ستة حصص وبالكاد انتهيت منها..
حملت أسماء حقيبتها على كتفها وحملت عباءتها على يدها وقالت:
- الم تعد أريج بعد؟
- بلى..لقد انتهى درسها مبكرا فجاءت لترتب حقيبتها وتخرج إلى الساحة الخارجية..لديها مناوبة متأخرة اليوم..
- أمم..حسنا سأودعها عندما أقابلها خارجا..
وحالما غادرت أسماء الغرفة عادت اليها مجددا وقالت:
- لقد خطرت في بالي فكرة هذا الصباح عندما قرأت مقالكِ.
رفعت سارة رأسها لتنظر الى أسماء التي اردفت بحماس:
- كنت افكر بالاستفادة من موهبتك في نشر كتاب للمدرسة. كنت أفكر بهذا الأمر منذ زمن ولكن اشتد عندي الحماس هذا الصباح..
- وكيف ذلك؟
- سأتصل بك في البيت ونتناقش بالتفاصيل..
عندما خرجت أسماء تبعتها سارة بعد عدة دقائق وذهبت إلى المنزل.
كان في الفصل عدد لا بأس به من الفتيات البارعات ويمكنها أن تسميهن, ولكن البقية لا يسعهن صياغة جملة مفيدة كاملة.
وش قصدك بالجمله.يمكنهاان تسميهن؟
يعني تعرفهم والا تسميهم بارعات..
و تعتم كثيراً للغة التي كُتب فيها المقال اكثر من اهتمامها بعناصره و الافكار التي اعتمدت عليها الطالبة في كتابته.
تهتم..خطأ مطبعي>>>ياشين اللي يتحمس وهو يقرأ
وش قصدك بالجمله.يمكنهاان تسميهن؟
يعني تعرفهم والا تسميهم بارعات..
و تعتم كثيراً للغة التي كُتب فيها المقال اكثر من اهتمامها بعناصره و الافكار التي اعتمدت عليها الطالبة في كتابته.
تهتم..خطأ مطبعي>>>ياشين اللي يتحمس وهو يقرأ
ياللا كملي..
في انتظار ابداااااااااااااعك >>دخلت جو
بس حطي مدرسة حاسب قاعدة ادور شخصيتي بينهم ههههههههه
يسلم فكرك.وقلمك.
في انتظار ابداااااااااااااعك >>دخلت جو
بس حطي مدرسة حاسب قاعدة ادور شخصيتي بينهم ههههههههه
يسلم فكرك.وقلمك.
الصفحة الأخيرة
وجهات نظر!!
تشعر المعلمة بالسعادة عندما تقود صفها من الفناء المدرسي و توجهه إلى الصف لتعلن لجميع تلميذاتها أن الدرس قد ابتدأ و أن وقت الجد قد حان. إلا أنها حالما تدخل الصف تواجه كما هائلا من المتاعب, لا يعلم مدى صعوبتها إلا الله, فيجب أن تنتظر جلوس الطالبات واستقرارهن في مقاعدهن, ثم تنتظر استخراج الكراريس والكتب, ثم تشرع بمقدمة صباحية تجهزها و تجهز طالباتها نفسيا للبدء بالدرس الفعلي. وكل هذا حقيقة, يتطلب جهدا بالغا و عزيمة صلبة, و خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن المعلمة لم تستسلم للنوم الليلة الماضية إلا بعد الاطمئنان على كل شيء يتعلق بعائلتها و منزلها.
* * *
دخلت الطالبات الصف أخيرا..
خُيّل إلى سارة وكأن فترة وصولهن إلى الصف استغرقت مدة طويلة. وضعت سارة أوراقها على سطح المكتب وحيّت الطالبات بهدوء:
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ردت الطالبات التحية معاً ولكن النعاس والتعب قد بدا واضحاً في أصواتهن. نظرت سارة إلى المكاتب وتساءلت:
- أين كتب اللغة العربية يا طالبات؟
أسرعت الفتيات بوضع الكتب على المكاتب وأخذن يتهامسن كعادتهن كل صباح. بعض ما يصلها من تلك الهمسات, يوضح لها, بأنهن يتساءلن إن كن ملزمات بفرض منزلي أم لا, وبعضهن يتساءلن إن كانت المعلمة ستقوم بتوزيع أوراق الاختبار المفاجئ, وغيرها من الأسئلة التي لا تتغير و لا تنتهي.
خلال لحظات, هدأت الطالبات لبعض الوقت ثم اخذ بعضهن يتثاءب و فكرت سارة بأن مجرد النظر إليهن يفعلن ذلك يدفعها للتثاؤب أيضا.
ولمَ لا ؟؟ ألا تشعر هي بالنعاس أيضا ؟
أليس لديها ما يكفيها من الهموم والمشاغل, الأمر الذي يجعلها تتأخر عن موعد نومها ؟!!
وحالما استدارت سارة باتجاه اللوح الأخضر, نادت عليها أحد الطالبات من خلفها:
- أستاذة سارة ؟ لقد انتهيت من كتابة الدروس الناقصة من كراستي؟
- أحسنتِ ! ضعيها على مكتبي حالما ننتهي من الدرس.
نهضت الطالبة على الفور من مقعدها فالتفتت سارة نحوها و زجرتها:
- الم اطلب منك ان تنتظري حتى ننتهي من الدرس؟
ولسبب ما, أحست سارة بالذنب لقسوتها ولكن هل لديها خيار آخر؟
يعتقد البعض بأن المعلمة إنسان مخلوق من الحجر, و أن حدود أمانيها وأحلامها لا تخرج ولا تتعدى جدران الصف الذي تلقي الدروس فيه. ولكن المعلمة شخص مثل أي طالبة في الصف, تشعر بما تشعر به الطالبة و تعيش في بيئة مشابهة لبيئتها.
و قد لا يخطر في بال الطالبة أن المعلمة تتأفف أثناء الدرس من شدة التعب الذي تشعر به, ولكن الطالبة تفسر تلك الحركة كتعبير لفرض سيطرتها على الصف! أو لقلة صبرها على التعليم. وفي الواقع, إن المعلمة تمر بالظروف الصحية والفسيولوجية ذاتها التي تمر بها الطالبة و ربما تتحمل المعلمة أعباء أكثر وخصوصاً إذا كانت زوجة وأماً.
عندما انتهى الدرس, تركت سارةُ للطالبات فسحة من الوقت لكتابة الدرس من على اللوح وخرجت إلى الممر لتنظر عبر السياج إلى الفِناء الخارجي. تنهدت وهي تستنشق عبق الصباح الجميل. كان من الممكن أن يصبح هذا الجو أكثر متعة لو كان مصحوباً بابتسامة بشوشة من أحد الطالبات أو بحماس يبثه الصف الذي تدخله كل صباح, على الأقل لكانت تماثله حماساً.
وفي الواقع, تجهل الكثير من الطالبات والمعلمات أن القبول المتبادل من الطرفين يضمن عطاء أفضل سواءً من طرف المعلمة أو من طرف الطالبة. ولكن سارة لا تعلم أن كانت نظرتها تلك مقتصرة عليها لوحدها أم أن بإمكانها أن تجد من يؤيدها يوما ما. لان كل ما تراه من المعلمات هذه الأيام هو ميلهن إلى القسوة والصرامة لان (الحديد يلين الحديد) كما تقول بعضهن, أما ما تعلمته من زميلاتها, عندما كانت طالبة في ما مضى, بان المعلمة لا تحترم الطالبة إلا إذا أثبتت الطالبة قوتها وقوة صوت والدتها. وعلى كل حال, لكل من الطرفين نظرة مختلفة وكلاهما, من وجهة نظر سارة, وجهة نظر خاطئة.