zahya
•
الحلقة السادسة
لا لن تخبر أحداً بحمل سراب خشية الحسد00فالعيون فارغة لايملؤها إلا حفنة من تراب0
الحرص هنا واجب,وسيكون مسلكها 00لن تخبرأحداً حتى عادل لن تبعث إليه بالبشرى كي لايترك السفينةويعود فيخسر المال الذي سيشتري به البيت الجديد0
تغير المنطق أم هي التي تغيرت ؟ فوضى الفرح00فوضى الأحاسيس المتمرِّدة 00فوضى اللحظة00ترى من تغير؟ هي تعرف فقط أنَّها يجب أن تكون حريصة في المحافظة على هاشم 0
وافقت سراب أمَّ عادل الرأي بشأن إخفاء خبر الحمل0
عجوز قدَّرت وشابة تفهَّمت فكان الإتِّفاق0
إتِّفاق سرِّيٌّ أبرم بين الخريف والربيع فأنجز خيراً 0
إنجازمهم لن يعلم به سوى عائلة سراب وأخت عادل وجيهة وبذلك يبقى الخبر طيَّ الكتمان0
أسرة سراب لاتحب الثرثرة وهي أقرب للتَّدين منها إلى المصالحة الدنيوية0
أب صارم حازم00لايجامل أحداً ولكنَّه يحسن التَّدبير, هاديء الأعصاب غالباً, وهو يشكو من ارتفاعٍ في ضغط الدم,لم يرزق ذكوراً0
عليةأم سراب00سيدة في الخمسين من العمر00عاطفية 00من أصل تركي00أنهت دراستها الإبتدائية في الجزيرة,تزوَّجت في الرابعة عشرة من عمرها وأنجبت خمس بنات أصغرهنَّ سراب0
حدَّثت ْعلية زوجها بشأن إخفاء خبر حمل سراب00اتَّهم الجميع بالهزيان ,وعقم التفكير,وأعلن براءته مما يعملن0
وبعد كثير من المناقشة والمجادلة وافقهنَّ على مضض من أجل عادل وهدفه المادي الذي سافر في البحر من أجله وليس من أجل الحسد0
قال لزوجته: عجيب أمر النساء والله 00كنتنَّ تلهثن وراء الحمل والآن تلهثن من أجل ستره0
سألته علية: أشِرْ علينا بطريقة ستره؟
فقال : حسبي الله ونعم الوكيل من كيد النساء وأفكارهنَّ الغريبة00
فقالت : هذا الأمر لن نختلف فيه أبداً ولكن دلنا على طريقة نجعل الأمر فيها مستتراً0
قال بعد تردُّد: في الأشهر الأولى لاتوجد مشكلة00وماتبقى من أشهر الحمل تبقى سراب في البيت لاتقابل أحداً حتَّى يقضي الله أمراً كان مفعولا0
سألته:ولكن قد تطول مدة احتجابها عن الناس,فماذا سنقول لهم إن هم سألوا عنها؟
أجاب:لن تعدمن حجَّة, إن كيدكن عظيم0
أتمت سراب شهرهاالسابع في عالمها السحري00 مغلقة الأبواب 00مسدلة الستائر المعطَرة برائحة الفرح فوق نوافذها,تغريها حيناً وتزعجها حيناآخر,ولكنَ اقتراب وصول المنتظر كان يهديها صبراً جميلا ,وأمناً وتركيزاً0
وعندما كان يأتيها صوته من إحدى موانيء البحر عبر أسلاك الهاتف تقول: ألو, وغصَّة الشوق تخنق كلماتها, وفي لحظة ضعف مباغتة تكاد تصبح عجلى فتخبره بأنَّها حامل,ولكنَّ أمل الغد كان يكبح جماح عجالتها فتحجم عن البوح 0
بعض الجارات الفضوليات ارتابت نفوسهن بأمر احتجاب سراب المفاجيء,وراحت الشائعات تطلق أهازيجها في ليالي السهر0
إحدى هذه الشائعات تقول إنَّ سراب مصابة بمرض عضال لذا فإنَّ أهلها حجبوها عن عيون الناس لأنَّها في وضع سيء,وأم عادل تبحث عن عروس لابنها ريثما يعود من السفر,وسراب تسمع بالشائعات وتضحك من أصحاب المزامير0
يتبع
بنت البحر
الصفحة الأخيرة
الحلقة الخامسة
ربما كانت السَّاعة الواحدة ليلاً عندما استيقظت العجوز فزعة,تتقاذفهاالأوهام ,هبَّت من فراشها,وأشعلت نور المصباح الكهربائي ,ثمَّ خرجت من غرفتها إلى فسحة الدَّار0
أحست برهبة واقشعر بدنها وهي تسمع صوت الرِّيح كعواء الذِّئاب يزداد حدَّة باشتداد اهتزاز أغصان الأشجارالتي تغطي فناء الدَّار0
تفقَّدت عيناها أرجاء المكان,فرأت نوراً ينبعث من حمَّام البيت في الخارج,وسمعت صوت حركة هناك ,فاقتربت من مصدر النُّور والصَّوت فسمعت أنين سراب فأسرعت بدخول الحمام,وعندما وقفت ببابه فوجئت بسراب تتقيَّأ في المغسلة ,أصابها الخوف ,فسألتها:
هل أنت بخير ياسراب؟
نظرت سراب إليها بتعب وقالت:
أشعر بالغثيان ودواراًمزعجاً ياامرأة عمِّي0
قالت العجوز :عودي إلى غرفتك ,سأستدعي طبيب الجزيرة لمعاينتك00
قالت سراب:لا أريد طبيباً ,إنَّني (وأشارت إلى بطنها)
شهقت أم عادل شهقة كادت تودي بحياتها وسألتها: هل أنت حامل؟
هزَّت سراب برأسها بالإيجاب:منذ مدة قريبة0
فقالت العجوز بعتاب يمتزج بدمع الفرح:لِمَ لمْ تخبريني الا أستحق منك هذه الفرحة؟
أجابتها :بلى والله تستحقِّنها وزيادة, ولكنني كنت أخشى ألا يكون الحمل حقيقيا0
رفعت أم عادل يديها نحو السماء تقدم قربان الشكر دمعاً : الحمد لك يارب00كم أنت كريم0 سأزغرد
استوقفتها سراب ممسكة بيدها وهي تقول:لاتفعلي 00لقد جعلتك الفرحة تنسين أننافي وقت متأخر من الليل0
فقالت أم عادل : وليكن00لم يعد للوقت عندي حساب0
قالت سراب : حسنا فلننتظر حتى تشرق الشمس00أليس الغد لناظره قريبا؟أجابت العجوز هذه المرة بحكمة وهدوء: بلا العمر لحظة0
العمر لحظة ولكن كم تضم هذه اللحظة من حوادث فرح وحزن ومفاجآتٍ يرسمهاالقدر بعيداً عن إرادة البشر0
قضية أم عادل كانت حلماً حاربت من أجله بسلاح المنطق والأخذ بالأسباب فهي تريد حفيداًيحمل اسم زوجهاهاشم فما انتصرت بمنطقها وما تحقَّقت قضيَّتها إلا بإرادة الله فحدثت المعجزة وتهاوى المنطق البشري أمام القدرة الإلهيَّة0
رائع هذا الصباح00أحست أم عادل بفتوة تنمو في جسدهاالمثقل بسنوات التعب00المحني بهموم العيش00المفرغ من بريق الوعد0
العمر لحظة00قطع قطار زمنها خلالها محطات كثيرة 00حاولت أن تنسجم معها بمنطق الحكمة تحَوِّلُ الحزن فيها فرحاً,واليأس أملاً ولكن بقناعة المعدم0
العمرلحظة00خلعت القناع 00ضمها الأمل إلى كتائبه الباسمة الزاهية بالألوان0
ألبسها الربيع ثوباً والشمس إشراقاً والتفاؤل وشاحاً 0
مساحة الأمل لاتحصرها حدود00فسيحة كالأحلام 00شاهقة كالمستحيل00بديعة كالولادة
حملتها فرحتها الوليدة إلى عوالم براقة ساحرة00حنونة 00فوضويَّة الرُّؤى00سمعت فيها صوت هاشم يناديها00رأته يلعب معها00تحضنه 00تطعمه00تقبِّله00ويهرب منها00أحبت البداية وكرهت النهاية00وهنت ركبتاها00شهقت 00أسرعت تمسك به00لاتريده أن يهرب منها أبداً 00أبداَ00خافت عليه في الحلم00نعم ولكنَّها ستخاف عليه في الحقيقة أكثر0
يتبع
بنت البحر