ننتظرك
و لله درك
:(
كلمة سر
•
دونا
•
الحلقة السابعة و الأخيرة (لحظات)
أسرع وليد ينزل الدرج.. و هو يحمل كراسته و فرشاة ألوانه...و هم بالمغادرة لولا أن استوقفته لمى قائلة:إلى أين يا وليد؟
ابتسم وليد و هو يفتح الباب و أجاب: لزيارة صديق عزيز..
قالت لمى له باستنكار:أي صديق هذا..
تنهد وليد قائلاً:عندما أعود سأخبرك عنه..هل تدعيني أذهب الآن..من فضلك؟
رمقته لمى بتعجب و عقبت:اعتني بنفسك يا أخي... و لا تتأخر..
أجابها وليد وهو يغادر قائلاً:لا تقلقي يا عزيزتي..لن أتأخر..
و مع صوت ارتطام الباب..تمتمت لمى قائلة:ليته يخلع سترة الغموض التي يرتديها...
و انطلقت إلى المطبخ..حيث كانت تنتظرها لين...و هي تكمل في خفوت: إلى الأبد..
**********************
مضى وليد يجوب الطرقات حتى وصل إلى البحر..فابتسم قائلاً:اشتقت إليك يا صديقي..
جلس وليد في مكانه المحبب على الصخور..و بدأ يقص على البحر ما مر عليه من أحداث..و من ثم فتح كراسته و قد استهواه منظر الغروب..فبدأ يخط خطوطاً رائعة بأقلامه..و يكسبها حياةً بألوانه...و ما أن سحبت الشمس خصلات شعرها من صفحة السماء..حتى تنبه وليد إلى تأخر الوقت..فجمع حاجياته في عجل..و مضى مسرعاً و هو يتمتم:لا بد أن لمى ستلقي علي محاضرة في احترام الوعود..علي أن أسرع..
و مع آخر حروفه لمح وليد أضواء تقترب بشكل عجيب..و ما أن استوعب الأمر حتى وجد تلك السيارة تتجه نحوه..و بمنتهى السرعة..
و ما أن هم محاولاً الفرار حتى اصطدمت به السيارة..فسقط أرضاً..و تناثرت ألوانه هنا وهناك..
و تطايرت رسوما ته في الهواء وقد اكتست باللون الأحمر القاني...
لون الدم...
*********************************
(أنا آسف..لكن كل ما بقي له من دنيانا هذه لحظات..)
مع تلك الحروف التي نطقها الطبيب..شهقت لمى..و قد وضعت كفها على فمها ذعراً...أما لين فشعرت برأسها يدور في دوامة كبيرة..لوهلة ظنت أنها ستقع أرضاً..
حاولت لمى أن تتمالك نفسها و هي تسأل الطبيب بلهجة لم تخلو من ترانيم البكاء:و هل لنا أن نراه..؟
أومئ الطبيب برأسه إيجاباًً...فانطلقت الفتاتان إلى غرفة أخيهما في عجل...و قلب كلتاهما يخفق بشدة..و بقسوة...
و ما أن وصلتا حتى دلفتا بسرعة فوقفت لين تنظر إلى أخيها في حزن شديد..وهي تسترجع ذكريات عدة..فلمعت أمام عينيها العديد من المشاهد و الصور...مما شتتها حتى لم تعد تعلم إن كانت تعيش الماضي أم تسكن الحاضر...فانسكبت الدموع من عينيها...بينما جلست لمى على سرير أخيها..و بدأت تراقب أغلى أزهارها تذبل...و بسرعة..فتلمست شعره المبلل بأطراف أصابعها...و هي تهمس وسط دموعها:وليد..
فتح وليد عياناه ببطء..و رسم ابتسامة شاحبة على شفتيه المشققتين و تمتم قائلاً:لمى..
أوقفته لمى عن الحديث بوضعها أطراف أصابعها أمام فمه و هي تهمس:لا تتعب نفسك..
حاول وليد جاهداً بعدما خارت قواه أن يعتدل في جلسته لكن دون جدوى..فالتفت إلى لمى قائلاً:إن لم أتحدث الآن متى سأتحدث...أنا أموت يا لمى ..إنها نهاية كل إنسان..و ها قد حانت نهايتي..
احتضنت لمى كفه و قد ازدادت دموعها...فرمقها بنظرة حانية و هو يقول في إنهاك:لمى..أردت أن أعتذر لك..
قاطعته لمى في حنان قائلة:كلا وليد..
لكنه أشار لها أن تصمت و هو يقول: أرجوك..لا تقاطعيني..فلم يبقى لي الكثير..
أنا أعتذر لك لمى فلطالما سببت لك المتاعب..أريدك أن تعرفي ..أنني أحبك..فأنت أفضل شيء ظهر في حياتي..و تمنيت أن يستمر فيها إلى الأبد..عديني لمى أنك ستعتنين بكوثر..و بلين..عديني أنك لن تجعلي رياح الحياة القوية تهزمك..بل كوني صلدة قوية صامدة..كالجبل...لقد كنت أرى فيك طيفاً من أحلامي...لقد كنت أحلى نسيم داعب حياتي..و أخترقها...حتى بات فيها حاكماً..
عندما يأتي طفلك..حدثيه عني..و أخبريه أنني كنت في شوق لحمله..و تقبيله..
لم تعد لمى تقوى على الاحتمال فوضعت رأسها على صدر أخيها..و بدأت تبكي بحرقة..
فوجه وليد ببصره نحو لين..و قال في ضعف شديد: لا تبكي يا لين فدموعك لن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء.. يبدو أن ربيعك يغادر يا لين..
تطلعت لين إليه و قد أحست بالوقت يتسرب من بين أناملها..فقالت:لكنه ترك أثراً في الصدر..لا يمحوه الدهر..أثرأً كتب بحبر الدم..و حفر على نياط القلب..
ابتسم وليد في تهالك و عقب: لين أنا أحبك..و أحب كوثر..أخبري كوثر كم كنت أحبها..و كم تمنيت أن أزفها إلى عريسها..
أومأت لين برأسها و هي تعقب قائلة:و سأخبرها كم كنت أخاً عظيماً يشار له بالبنان..
أطلق وليد أناة حادة انتزعت لمى من دموعها...و توجهت الأبصار نحوه..و بدا أن الفتاتان تعيشان أقسى الثواني و أصعبها...التفت وليد نحو لمى و قال لها في صعوبة:شهديني يا لمى..
لكن لمى أجابته قائلة و قد غلبها الحزن:ليتني أقدر يا وليد..
لكنه عاد يطلب منها ذلك..فأجابت عنها لين :قل أشهد أن لا إله إلا الله..
فأجابها:أشهد أن لا إله إلا الله..
و عقبت لمى بدورها قائلة:و أشهد أن محمداً رسول الله..
فالتفت لها و عقب قائلاً:و أشهد أن محمدا رسول الله..
ثم رفع يده محاولاً مسح دموعها الساخنة لكن يده وقفت على وجنتها..و سقطت بقوة..لتغادر الروح الجسد..
أطلقت لمى صرخة مكتومة..و أسرعت تغادر الغرفة..و هي تشعر بانفجارت شتى تجتاح قلبها الغض..
بينما تسمرت لين أمام جثة أخيها القابعة أمامها..و أغلقت عينيه بأطراف أصابعها..و هي تشعر بغصة تخنقها..وظل بصرها معلقاً بوجه الذي بات جامد الملامح..بينما تساقطت دموعها ساخنة على يدي أخيها الباردتين...و تمتمت قائلة:رحمك الله يا أخي.. رحمك الله...كان بودي أن احتوي نفسي بين ذراعي اليوم..لكني لو فعلت لظللت أحتوي نفسي إلى الأبد..
عندها عادت لمى إلى الغرفة ثانية و هي تجر أختها إلى الخارج..و إذا بها تشعر بجسد لين الغض يرتمي في حضنها...
فما كان منها إلا أن احتضنتها بقوة..
و هي تلقي نظرة خاطفة على وليد..
و للمرة الأخيرة..
***************************************
دلفت لين إلى غرفة أختها بهدوء.. حتى اقتربت منها و ربتت على كتفها و هي تهمس:هناك من يريد تعزيتك..
نهضت لمى في حركة آلية بعد مسحت دموعها..و نزلت الدرج في بطء شديد و كأنها تسترجع ذكريات كل مكان يقابلها..و ما أن وصلت إلى غرفة الجلوس..حتى تغيرت ملامحها بغتة..و من ثم أشاحت ببصرها بعيداً..
اقترب منها هشام و هو يقول:عظم الله أجرك يا لمى..
لكن لمى لم تجبه..و لم تلتفت إليه..
فتنهد بعمق و اقترب منها أكثر:لمى..أنا آسف..أعترف بخطأي..لمى..لا أعرف ماذا أقول..لا أعرف كيف أبرر موقفي..بحثت في أعماقي..و استجوبت نفسي..شعرت أنني الأسوأ في هذا العالم..فكيف لي أن أنعت أبرياء بالسوء..لمى ليتني كنت أجد أعذاراً تعيدني إلى قلبك..لمى لا حياة لي من دونك..فأنت ابنة عمي..و زوجتي..و حبي..
لكن لمى ظلت تحتفظ بصمتها..فهم هشام مغادراً..لولا أن استوقفته..و اقتربت منه..مما جعله يجيبها: أمريني..
لكنها هوت تبكي في حجره..فاحتواها بين ذراعي..و مرر كفه على شعرها...و هو يتمتم:يكفي يا لمى..يكفي يا حبيبتي..
******************************
جلست لمى على عتبة أمام الفناء الخارجي لمنزلهما..فأقبلت لين و جلست بجوارها..عندها تدفق النسيم..و داعب خصلات شعريهما..
رسمت لين ابتسامة هادئة على شفتيها و سألت لمى:في ماذا تفكرين؟
ابتسمت لمى بدورها و هي تنظر إلى الحقائب المتراصة أمام الباب..ثم أجابت:أفكر في منزلنا هذا الذي سنتركه..في ماضينا..و في هذه الحياة العجيبة..
عقبت لين قائلة:و لكننا سنحمل ذكرياتنا معنا..
تنهدت لين ثم أكملت بعد أن وضعت كفاً فوق كف: اعتني بكوثر يا لمى..و لا تجعلي هشاماً..أو طفلك الجديد ينسيك إياها..
ضحكت لمى و أجابتها:لن ينسيني كائن من كان كوثر..كما أن وليد أوصاني بالاعتناء بها فلا تقلقي.. و سافري و أنت مطمئنة..
تطلعت لمى نحو الباب الخارجي..و تتالت الذكريات في مخيلتها..و رمت نظرة متفحصة على لين ثم عقبت في خفوت:لين..أنا آسفة..لم أستطع أن أحقق شيئاً مما عاهدتك عليه..بل على العكس..فقد تسببت لكم في مشاكل لا حصر لها..لقد عرفت معنى المستحيل..ما زلت أذكر أنني دخلت من هذا الباب و أنا يغزوني الأمل..و ها أنا أغادره مكللة بالفشل..
ابتسمت لين وهمست: لا وجود لكلمة المستحيل في قاموس الحياة..و من قال أنك فشلت..لقد حولت بقايا الحطام إلى عائلة فعلاً..و لقد زرعت في هذه العائلة الحب..و الأمل..لقد غيرت ملامح حياتنا..و رسمت لها طعماً و لوناً..
و صيرت لنا أحلاماً كنا نعدها من المستحيل.. ما تسمينه واقع صرنا نسميه حاضراً لابد من مواجهته مراً كان أو حلواً..و ما تسمينه حلم..بتنا نسميه مستقبلاً...نترقبه بالجهد والعمل..
ابتسمت لمى بدورها و رمقت لين بنظرات الفخر فعقبت تلك الأخيرة في ابتسام وهي تسترجع جملة من الماضي..
من يدري فعجلة الأيام لن تتوقف..
**********************************
تمت بحمد الله
و دمتن سالمات..
الآن أنا من هي تنتظر..
فلا تتأخرن علي..
أسرع وليد ينزل الدرج.. و هو يحمل كراسته و فرشاة ألوانه...و هم بالمغادرة لولا أن استوقفته لمى قائلة:إلى أين يا وليد؟
ابتسم وليد و هو يفتح الباب و أجاب: لزيارة صديق عزيز..
قالت لمى له باستنكار:أي صديق هذا..
تنهد وليد قائلاً:عندما أعود سأخبرك عنه..هل تدعيني أذهب الآن..من فضلك؟
رمقته لمى بتعجب و عقبت:اعتني بنفسك يا أخي... و لا تتأخر..
أجابها وليد وهو يغادر قائلاً:لا تقلقي يا عزيزتي..لن أتأخر..
و مع صوت ارتطام الباب..تمتمت لمى قائلة:ليته يخلع سترة الغموض التي يرتديها...
و انطلقت إلى المطبخ..حيث كانت تنتظرها لين...و هي تكمل في خفوت: إلى الأبد..
**********************
مضى وليد يجوب الطرقات حتى وصل إلى البحر..فابتسم قائلاً:اشتقت إليك يا صديقي..
جلس وليد في مكانه المحبب على الصخور..و بدأ يقص على البحر ما مر عليه من أحداث..و من ثم فتح كراسته و قد استهواه منظر الغروب..فبدأ يخط خطوطاً رائعة بأقلامه..و يكسبها حياةً بألوانه...و ما أن سحبت الشمس خصلات شعرها من صفحة السماء..حتى تنبه وليد إلى تأخر الوقت..فجمع حاجياته في عجل..و مضى مسرعاً و هو يتمتم:لا بد أن لمى ستلقي علي محاضرة في احترام الوعود..علي أن أسرع..
و مع آخر حروفه لمح وليد أضواء تقترب بشكل عجيب..و ما أن استوعب الأمر حتى وجد تلك السيارة تتجه نحوه..و بمنتهى السرعة..
و ما أن هم محاولاً الفرار حتى اصطدمت به السيارة..فسقط أرضاً..و تناثرت ألوانه هنا وهناك..
و تطايرت رسوما ته في الهواء وقد اكتست باللون الأحمر القاني...
لون الدم...
*********************************
(أنا آسف..لكن كل ما بقي له من دنيانا هذه لحظات..)
مع تلك الحروف التي نطقها الطبيب..شهقت لمى..و قد وضعت كفها على فمها ذعراً...أما لين فشعرت برأسها يدور في دوامة كبيرة..لوهلة ظنت أنها ستقع أرضاً..
حاولت لمى أن تتمالك نفسها و هي تسأل الطبيب بلهجة لم تخلو من ترانيم البكاء:و هل لنا أن نراه..؟
أومئ الطبيب برأسه إيجاباًً...فانطلقت الفتاتان إلى غرفة أخيهما في عجل...و قلب كلتاهما يخفق بشدة..و بقسوة...
و ما أن وصلتا حتى دلفتا بسرعة فوقفت لين تنظر إلى أخيها في حزن شديد..وهي تسترجع ذكريات عدة..فلمعت أمام عينيها العديد من المشاهد و الصور...مما شتتها حتى لم تعد تعلم إن كانت تعيش الماضي أم تسكن الحاضر...فانسكبت الدموع من عينيها...بينما جلست لمى على سرير أخيها..و بدأت تراقب أغلى أزهارها تذبل...و بسرعة..فتلمست شعره المبلل بأطراف أصابعها...و هي تهمس وسط دموعها:وليد..
فتح وليد عياناه ببطء..و رسم ابتسامة شاحبة على شفتيه المشققتين و تمتم قائلاً:لمى..
أوقفته لمى عن الحديث بوضعها أطراف أصابعها أمام فمه و هي تهمس:لا تتعب نفسك..
حاول وليد جاهداً بعدما خارت قواه أن يعتدل في جلسته لكن دون جدوى..فالتفت إلى لمى قائلاً:إن لم أتحدث الآن متى سأتحدث...أنا أموت يا لمى ..إنها نهاية كل إنسان..و ها قد حانت نهايتي..
احتضنت لمى كفه و قد ازدادت دموعها...فرمقها بنظرة حانية و هو يقول في إنهاك:لمى..أردت أن أعتذر لك..
قاطعته لمى في حنان قائلة:كلا وليد..
لكنه أشار لها أن تصمت و هو يقول: أرجوك..لا تقاطعيني..فلم يبقى لي الكثير..
أنا أعتذر لك لمى فلطالما سببت لك المتاعب..أريدك أن تعرفي ..أنني أحبك..فأنت أفضل شيء ظهر في حياتي..و تمنيت أن يستمر فيها إلى الأبد..عديني لمى أنك ستعتنين بكوثر..و بلين..عديني أنك لن تجعلي رياح الحياة القوية تهزمك..بل كوني صلدة قوية صامدة..كالجبل...لقد كنت أرى فيك طيفاً من أحلامي...لقد كنت أحلى نسيم داعب حياتي..و أخترقها...حتى بات فيها حاكماً..
عندما يأتي طفلك..حدثيه عني..و أخبريه أنني كنت في شوق لحمله..و تقبيله..
لم تعد لمى تقوى على الاحتمال فوضعت رأسها على صدر أخيها..و بدأت تبكي بحرقة..
فوجه وليد ببصره نحو لين..و قال في ضعف شديد: لا تبكي يا لين فدموعك لن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء.. يبدو أن ربيعك يغادر يا لين..
تطلعت لين إليه و قد أحست بالوقت يتسرب من بين أناملها..فقالت:لكنه ترك أثراً في الصدر..لا يمحوه الدهر..أثرأً كتب بحبر الدم..و حفر على نياط القلب..
ابتسم وليد في تهالك و عقب: لين أنا أحبك..و أحب كوثر..أخبري كوثر كم كنت أحبها..و كم تمنيت أن أزفها إلى عريسها..
أومأت لين برأسها و هي تعقب قائلة:و سأخبرها كم كنت أخاً عظيماً يشار له بالبنان..
أطلق وليد أناة حادة انتزعت لمى من دموعها...و توجهت الأبصار نحوه..و بدا أن الفتاتان تعيشان أقسى الثواني و أصعبها...التفت وليد نحو لمى و قال لها في صعوبة:شهديني يا لمى..
لكن لمى أجابته قائلة و قد غلبها الحزن:ليتني أقدر يا وليد..
لكنه عاد يطلب منها ذلك..فأجابت عنها لين :قل أشهد أن لا إله إلا الله..
فأجابها:أشهد أن لا إله إلا الله..
و عقبت لمى بدورها قائلة:و أشهد أن محمداً رسول الله..
فالتفت لها و عقب قائلاً:و أشهد أن محمدا رسول الله..
ثم رفع يده محاولاً مسح دموعها الساخنة لكن يده وقفت على وجنتها..و سقطت بقوة..لتغادر الروح الجسد..
أطلقت لمى صرخة مكتومة..و أسرعت تغادر الغرفة..و هي تشعر بانفجارت شتى تجتاح قلبها الغض..
بينما تسمرت لين أمام جثة أخيها القابعة أمامها..و أغلقت عينيه بأطراف أصابعها..و هي تشعر بغصة تخنقها..وظل بصرها معلقاً بوجه الذي بات جامد الملامح..بينما تساقطت دموعها ساخنة على يدي أخيها الباردتين...و تمتمت قائلة:رحمك الله يا أخي.. رحمك الله...كان بودي أن احتوي نفسي بين ذراعي اليوم..لكني لو فعلت لظللت أحتوي نفسي إلى الأبد..
عندها عادت لمى إلى الغرفة ثانية و هي تجر أختها إلى الخارج..و إذا بها تشعر بجسد لين الغض يرتمي في حضنها...
فما كان منها إلا أن احتضنتها بقوة..
و هي تلقي نظرة خاطفة على وليد..
و للمرة الأخيرة..
***************************************
دلفت لين إلى غرفة أختها بهدوء.. حتى اقتربت منها و ربتت على كتفها و هي تهمس:هناك من يريد تعزيتك..
نهضت لمى في حركة آلية بعد مسحت دموعها..و نزلت الدرج في بطء شديد و كأنها تسترجع ذكريات كل مكان يقابلها..و ما أن وصلت إلى غرفة الجلوس..حتى تغيرت ملامحها بغتة..و من ثم أشاحت ببصرها بعيداً..
اقترب منها هشام و هو يقول:عظم الله أجرك يا لمى..
لكن لمى لم تجبه..و لم تلتفت إليه..
فتنهد بعمق و اقترب منها أكثر:لمى..أنا آسف..أعترف بخطأي..لمى..لا أعرف ماذا أقول..لا أعرف كيف أبرر موقفي..بحثت في أعماقي..و استجوبت نفسي..شعرت أنني الأسوأ في هذا العالم..فكيف لي أن أنعت أبرياء بالسوء..لمى ليتني كنت أجد أعذاراً تعيدني إلى قلبك..لمى لا حياة لي من دونك..فأنت ابنة عمي..و زوجتي..و حبي..
لكن لمى ظلت تحتفظ بصمتها..فهم هشام مغادراً..لولا أن استوقفته..و اقتربت منه..مما جعله يجيبها: أمريني..
لكنها هوت تبكي في حجره..فاحتواها بين ذراعي..و مرر كفه على شعرها...و هو يتمتم:يكفي يا لمى..يكفي يا حبيبتي..
******************************
جلست لمى على عتبة أمام الفناء الخارجي لمنزلهما..فأقبلت لين و جلست بجوارها..عندها تدفق النسيم..و داعب خصلات شعريهما..
رسمت لين ابتسامة هادئة على شفتيها و سألت لمى:في ماذا تفكرين؟
ابتسمت لمى بدورها و هي تنظر إلى الحقائب المتراصة أمام الباب..ثم أجابت:أفكر في منزلنا هذا الذي سنتركه..في ماضينا..و في هذه الحياة العجيبة..
عقبت لين قائلة:و لكننا سنحمل ذكرياتنا معنا..
تنهدت لين ثم أكملت بعد أن وضعت كفاً فوق كف: اعتني بكوثر يا لمى..و لا تجعلي هشاماً..أو طفلك الجديد ينسيك إياها..
ضحكت لمى و أجابتها:لن ينسيني كائن من كان كوثر..كما أن وليد أوصاني بالاعتناء بها فلا تقلقي.. و سافري و أنت مطمئنة..
تطلعت لمى نحو الباب الخارجي..و تتالت الذكريات في مخيلتها..و رمت نظرة متفحصة على لين ثم عقبت في خفوت:لين..أنا آسفة..لم أستطع أن أحقق شيئاً مما عاهدتك عليه..بل على العكس..فقد تسببت لكم في مشاكل لا حصر لها..لقد عرفت معنى المستحيل..ما زلت أذكر أنني دخلت من هذا الباب و أنا يغزوني الأمل..و ها أنا أغادره مكللة بالفشل..
ابتسمت لين وهمست: لا وجود لكلمة المستحيل في قاموس الحياة..و من قال أنك فشلت..لقد حولت بقايا الحطام إلى عائلة فعلاً..و لقد زرعت في هذه العائلة الحب..و الأمل..لقد غيرت ملامح حياتنا..و رسمت لها طعماً و لوناً..
و صيرت لنا أحلاماً كنا نعدها من المستحيل.. ما تسمينه واقع صرنا نسميه حاضراً لابد من مواجهته مراً كان أو حلواً..و ما تسمينه حلم..بتنا نسميه مستقبلاً...نترقبه بالجهد والعمل..
ابتسمت لمى بدورها و رمقت لين بنظرات الفخر فعقبت تلك الأخيرة في ابتسام وهي تسترجع جملة من الماضي..
من يدري فعجلة الأيام لن تتوقف..
**********************************
تمت بحمد الله
و دمتن سالمات..
الآن أنا من هي تنتظر..
فلا تتأخرن علي..
عزيزتي / دونا
أمام هذا الإبداع الذي جسد الشخصيات
على الشاشة ..
أمام الروعة والجمال لاأحد بإمكانه أن
يتأخر ..
لقد عشت لهفة الشوق بين كل حلقة وبين كل سطر..
سأنسحب لأني لأعجز عن إيفاء مادونتي
حقه ..
كم كنت رائعة..
ودمت لأحبتك ..
أمام هذا الإبداع الذي جسد الشخصيات
على الشاشة ..
أمام الروعة والجمال لاأحد بإمكانه أن
يتأخر ..
لقد عشت لهفة الشوق بين كل حلقة وبين كل سطر..
سأنسحب لأني لأعجز عن إيفاء مادونتي
حقه ..
كم كنت رائعة..
ودمت لأحبتك ..
دونا
•
عزيزتي الحالمة...
إن حروفي لتقف خجلاً أمام ما سطرت من كلمات..
فما زلت في بداية الطريق..
و الطريق طويلة...
أنا العاجزة عن إيفائك حقك..فكلماتك شجعتني...
و حضورك أسرني فرحاً...
دمت سالمة..حالمة...
إن حروفي لتقف خجلاً أمام ما سطرت من كلمات..
فما زلت في بداية الطريق..
و الطريق طويلة...
أنا العاجزة عن إيفائك حقك..فكلماتك شجعتني...
و حضورك أسرني فرحاً...
دمت سالمة..حالمة...
الصفحة الأخيرة
تاهت النظرات في الحجرة..و خلا المكان من الأصوات ما عدا صوت الريح الذي كان قوياً....
لكن وليد قطع هذا الصمت قائلاً في تعجب واضح:هل تعين ما قلت يا لمى؟
أومأت لمى برأسها إيجاباً..و لم تستطع حينها أن تنطق بكلمة..فأشاحت ببصرها نحو الأرض..حتى باتت لا ترى سوى موضع قدميها..
فأكمل وليد وقد على صوته حدة:جننت دون شك..كيف لك أن تفكري بأمر كهذا؟
فعقبت بدورها وصوتها يعلو شيئاً فشيئاً:و هل هناك حل آخر؟!
فركت لين يديها في توتر واضح و قالت بدورها:كيف لعقلك أن يفكر في ذلك..كيف أستطاع لسانك أن يقول ذلك ؟؟..هل أنت أختنا حقاً..لا أصدق..
حركت لمى يديها وهي تجيب في عصبية قائلة:حاولا أن تفهماني..و تقدران موقفي.
و بنفس العصبية أجاب وليد:ماذا تريدينا أن نفهم؟!..أننا مضطرين و بسبب حالتنا المادية إلى بيع كوثر لإحدى الأسر الغنية...أن كوثر أصبحت سلعة تباع و تشترى...أنك كنت تمثلين علينا دور الأخت كل هذه الفترة..
نظرت لمى إلى وليد وقد زادت عصبيتها و قالت و هي تشير بسبابتها:لا يحق لك أن تقول ذلك..أنا أختكم..و اللبن الذي شربت ما زال يجمع بيننا شئت أم أبيت..
تدخلت عندها لين قائلة: كوثر أختنا..و قرارك مرفوض يا لمى..
أجابت لمى وقد وجهت بصرها نحو لين:فكري بعقلك..و ليس بقلبك..
عقب وليد عندها قائلاً في جفاف:القلب ينبض بأفكار العقل..و العقل يفكر بنبض القلب..و كلاهما يقول لا..
ثارت لمى و هي تردد: لماذا تظنان أنني مسرورة جداً بهذا القرار..؟
قاطعتها لين وقد حمل صوتها نبرة حادة و هي تقول:لأنك كما يبدو بشر بلا دماء..و جسد بلا مشاعر..
لم تتمالك لمى نفسها..وثارت أكثر من قبل..و هي تعقب:أنا بشر بلا دماء!..بلا مشاعر!..
تنهدت لمى في محاولة يائسة للتخفيف من عصبيتها..و أكملت :عندما اتخذت هذا القرار فكرت بك يا وليد ..بمرضك..و حالتك الصحية المتدهورة..
عندما اتخذت هذا القرار..فكرت بك لين عروس المستقبل..و بسمة الحاضر..لم أشأ أن أحطم أحلاماً قد راودتك بشأن الفستان الأبيض..و المجوهرات..
عندما اتخذت هذا القرار فكرت بكوثر..ما ذنبها حتى تعيش في الحرمان؟!..أو كنت سأحتمل أثار الحزن و الانكسار التي قد تلمع في عينيها؟!.....كنت أعلم أن بقراري سأفقد قطعة من قلبي..و عندها قد أفقد نبضي..
وأكملت وقد احترقت دموعها على وجنتيها:كوثر ابنتي التي لم ألدها...لكني لن أجعل مشاعري تحطم عالمها..و تحوله إلى ظلام..
تاهت المعالم من الوجوه..و عم الصمت أرجاء المكان..كل بدأ يفكر.لقد أصبح من الصعب التميز بين الصواب والخطأ..هل علينا أن نعيش الحاضر أم نفكر في المستقبل..تساؤلات وتساؤلات..قيدت الجميع..و طمست على أدوات الكلام..
لكن شخصاً لم يسمح لتلك الأفكار بأن تقيده..و تحرمه حريته..فانطلق يجر ثوب لمى ببطء..ليتلاشى الصمت مع حروف تنطلق لأول مرة..قائلة:ماما..
التفتت الجميع إلى مصدر الصوت بغتة..و فوجئوا بكوثر الصغيرة التي لم تعرف شيئاً مما كان يدور حولها..كل ما كان يربطها بالواقع كلمة..ماما..تسارعت أنفاس لمى...و حملت كوثر في حنان جارف..و أخذت تقبلها..على جبينها و شعرها..حتى يديها ووجنتيها..
عندها سألت لين:لقد فكرت في كل شيء يا لمى..ما عدا مشاعر كوثر..أتظنينها ستعيش سعيدة عندما تفقد كلمة ماما إلى الأبد..أو عندما تفقد حناناً وحباً كحبك إلى الأبد..؟!
التفتت لمى نحو لين و أجابت في خفوت:و ماذا بيدي أن فعل؟..أنا لا أريد فراقها..و لكن ماذا بيدي أن أفعل..؟
أجاب وليد قائلاً في جدية عارمة:إن كنت لا تستطيعين فنحن نستطيع..
و هكذا تمتمت لين بعبارات أخيها..و انطلق الاثنان في عجل..
من أجل كوثر..
و من أجل عائلتهما..
***********************
عاد هشام من عمله..و دخل غرفته...ثم ألقى بمعطفه على سريره و هو يرمق جهاز الهاتف بنظرات..
تنهد هشام و هو يتمتم:يا إلهي..كم أحبها..يا لي من غبي..
و هز رأسه في أسى..و ما لبثت أصابع يده أن أمسكت بسماعة الهاتف..و طلبت رقماً ما..
و ما أن رفع الطرف الثاني سماعة الهاتف..حتى قال في لهفة:لمى؟..
أتاه صوت لين قائلاً:هشام؟!..
تنبه هشام إلى أن من يحدثه شخص آخر..فأكمل في اقتضاب:عذراً..هل لي أن أكلم لمى؟..
أتاه صوت لين ثانية و قد اكتسى بعصبية عجيبة قائلاً:ماذا تريد منها ؟..ألا يكفي ما حدث...لطالما حاولت أن تدمرها..و تشككها فينا..أي نوع من الرجال أنت..؟..كيف لك أن تتركها تحت المطر!..كيف لك أن لا تسأل عنها طيلة هذا الوقت!..لقد دخلت لمى المستشفى..و كادت تفقد جنينها..لقد كدت تحيلها إلى شخص بلا مشاعر ولا أحاسيس.إن كنت تظننا مجرمين فأي مجرم أنت؟..عاقب نفسك وحاسبها ...و تركنا و شأننا..
و مع حروف كلماتها الأخيرة أغلقت السماعة بقوة تاركة هشام في وضع لا يحسد عليه...
******************
تطلعت لمى إلى النقود القابعة أمامها فوق المنضدة و سألت في استنكار:ما كل هذا؟
أجابها وليد قائلاً:نقود..
و استدركت لين قائلة :و سيصلك غيرها هذا المساء..
سألت لمى باستنكار:و من أين لكما بالنقود..؟
مط وليد شفتيه و أجاب:بعت منحوتات خشبية قمت بنحتها..و كنت أن أنوي أن أشارك بها في مسابقة مدرسية..
عقبت لمى و هي تشعر بغصة في حلقها قائلة:و ماذا عن النقود التي تتحدثين عنها يا لين ؟؟
أجابت لين بدورها:لقد طلبت من فلك أن تستعجل مهري..
توجهت الأنظار نحو لين معاتبة..فأشاحت تلك الأخيرة بوجهها بعيداً و أكملت: لم يكن أمامي خيار آخر..كما أن فلك أكثر من صديقة..و هي خير من يعلم عن أوضاعنا المادية..و مدى سؤها...
عندها تمتمت لمى في خفوت: رغم أننا إخوة..إلا أن كلاً منا كان له طريقته في حل المشكلة..
و رسمت ابتسامة على وجهها وهي تعقب:لم أكن أتمنى أن أجبركما على أشياء لم ترغبا بفعلها..أنا فخورة بكما..
ابتسمت لين بدورها وعقبت:لقد وعدتك بالمساعدة.. وعاهدتني بأننا سنحيل الحطام بناء..و سأفعل أي شيء في سبيل تحقيق هذا العهد...
و عقب وليد بدوره:إن لم نجدف جميعنا فلن تمشي سفينتنا في بحر الحياة العاصف أبداً..
هنا دارت لمى ببصرها بين أخويها..و هي تشعر بالفخر..و الندم..معاً.ف....معاً ...
و يا له من شعور قاسي..
في هذه الأثناء همت لين بإخبار لمى عن مكالمة هشام..لكن شيئاً ما منعها...
و جعلها تؤثر الصمت...
*******************************
جابت لمى الغرفة ذهاباً و إياباً و هي تحمل كوثر النائمة بين ذراعيها..و تطلعت إلى ساعتها للمرة العاشرة و هي تتمتم:يا إلهي لقد تأخروا..
عندها تنهدت لمى في حنق وحملت كوثر إلى مكان هادئ و هي تعقب:كان علي أن أذهب معهم..
و ما أن وضعتها على سريرها حتى سمعت باب المنزل يفتح..فانطلقت بسرعة نحوه..و قلبها يخفق بشدة..و ما أن وقع بصرها على لين و وليد حتى سألت بلهفة:كيف كان الأمر في المحكمة؟
ابتسم وليد و قال:لقد تم عقد قران لين..بيسر و بساطة..
بينما اكتفت لين برسم زهرة متفتحة وسط وجهها المتورد خجلاً..
أطلقت لمى ضحكة هادئة و انطلقت تقبل لين و هي تهمس:يــاه لقد تم كل شيء في لمح البصر..
عقب وليد قائلاً:معك حق..لوهلة خطبت..و هاهي اليوم..
و بتر عبارته بغتة و هو يدس يده في جيبه مبتلعاً شيئاً من ريقه..و من ثم اقترب من لين و خاطبها قائلاً:يــاه يا لين..كم سنفتقدك عندما تغادرين هذا البيت .. بعد الغد ستقلع طائرتك نحو عالم جديد..مبروك يا عزيزتي..
عندها ابتسمت لمى في حنان و اقتربت بدورها..و هنا أخرج وليد من جيبه خاتماً خشبياً و قدمه إلى لين..التي فوجئت بدورها..و هتفت قائلة:وليد..
لكنه قاطعها قائلاً:كان بودي أن أقدم لك الدنيا كلها معطرة بالورد و الياسمين..كان بودي أن أهديك الربيع بألوانه...كان بودي أن أجعل منك سندر لا الحكايات..لكني لا أملك سوى قلباً يحبك..و يتمنى لك التوفيق..
لقد نحت لك هذا الخاتم منذ زمن..و ترددت كثيراً في تقديمه لك..لكنني لم أستطع أن أنحت عليه سوى حرفين...
فلم أجد أغلى..و أعز من حرف الام و الكاف..لعل لمعاناً يغشى هذا الخاتم..أو لعله ينطق بكلمات عجزت عن قولها أو كتابتها...
أميرتي..كنت أتمنى أن ألبسك تاجاً من ذهب..
فقاطعته لين في حنان قائلة:و ما أغلى التاج الذي ألبستني إياه يا أخي...كونك أخي هو هديتي الحقيقية..فأنت عالمي بأسره..
تطلعت لمي إليهما في حنان جارف و لم تشعر إلا وهي تقطع خصلة من شعرها..و تجدلها..ثم تلبسها لين كإسورة في معصمها..
عندها التفتت لين إليها..و لم تقوى إحداهما على الكلام.وتبخرت الحروف على طرف اللسان...و استحالت لأنفاس متلاحقة..فاحتضنت كلتاهما الأخرى..
وقد سمحتا لدموعهما بالهطول..
*************************
ترقبوا الحلقة الأخيرة و انتظروني
يتبع