¸.•´♥ غريب الدار ¸.•´♥ الحلقة الخامسة¸.•´♥ذروة الصدام.•´♥
::
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
ومرت شهور
في الثلث الأخير من الليل كان جمال يتوجه إلى الصالة، يصلي ويقرأ قصة إبراهيم عليه السلام مع أبيه، من سورة مريم، ينادي من أعماق قلبه كما كان إبراهيم عليه السلام ينادي " يا أبت"، وكان يبكي بألم عند النداء، يناديه كل ليلة لا يكل ولا يمل، يخرج النداء من أعماق قلبه، يقرأ " يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر" فيرد عقله كيف تناديه، وهو الذي لا يسمع ولا يبصر، تنادي أعماق قلبه :" يا أبت لا تعبد الشيطان" وعقله يقول: قف عن مناداته فالشيطان أرأف بك منه، كان من أعماقه يبكي، ينادي يا أبت, عقله يقول, كيف تنادي من تبرأ منك،ألا تعقل! أعماقه تنادي يأبت، أنا محتاج إليك يا أبت ..
فيرد محمود, حين يفتح الباب على مصراعيه، يبسط ذراعيه ويقول: بني...حان آذان الفجر هل تأتي معي إلى المسجد؟
وفي كل مرة تراوده نفسه بأن يرمي جسده بين ذراعي محمود، فيخشى أن يفعل، ويمضي معه صامتاً.
*******
وفي هذه الأيام والشهور وصاحبنا "الذي لا إرادة له" تفوّق في مدرسته بل وشهد له معلموه بالعبقرية، لكنه انطوى على نفسه، ولا رفيق له إلا الكتب والمراجع ،بعض الطلبة ينظر إليه بعين الشفقة، بسبب وحدته، والبعض الآخر ينظر إليه بعين الغضب فهو من فرض الوحدة على نفسه فلا يألف أحدا، ولا يألفه أحد إلا كتابه الذي يمسكه، وحينما يمل، ينظر إلى الطلبة وهم يتشاكسون، يتأمل تصرفاتهم وحركاتهم،فإن انتبهوا بأنه يراقبهم،اعتدل في جلسته وخبّأ رأسه بين صفحات كتابه.
أول من آذاه ضياء رائد، الذي كان الأول في فصله قبل وجود جمال، والآن لا يقدر منافسة الفتى العبقري أو الموسوعة"جمال"، فيغضب ويحل مسائل الرياضيات بطريقة تميزه عن جمال،فما يكون من الأستاذ إلا الأخذ برأي جمال، فيشعر ضياء بالغبن والحقد على جمال، وإذا عاند جمال و أراد إيذائه قابله بحلم وقال كلمة لا يفهمها ضياء:أقسمت عليك أن لا تعاديني ..فإنك الوحيد هنا الذي لا أطيق عداوته!
ومنهم عبادة سالم، الذي يستفزه ويجادله ويصدر ضده أحكاماً قاسية، ومنهم عدنان الذي ينظم الشعر ليهجو جمال فيعصره الألم، وحين يلتقي أمه في ساعات الليل المتأخرة يبكي ألمه، وإذا بها تضحك من شعر عدنان، وتنقده بصورة أدبية، أو تثني على حلول ضياء، أو تعلّق على أحكام عبادة.
عندما كان يراه المدير ا"لجديد" في حصة الرياضة وحيداً ينظر دون أن يشارك، يشفق عليه، فيدخله مكتبه ليساعده في وضع البيانات المدرسية للطلبة، فيعمل بصمت، وإذا خرج المدير من الغرفة يكمل جمال عمله وهو يقرأ القرآن بصوت ندي، أو يدعوا الله بلحن شجي أو يدندن بنشيد حزين فتخرج الآهة من أعماق صدره، ينشد أناشيد الألم و الغربة، عن فلسطين و لام المسجد الأقصى، فيقف المدير خلف الباب يستمع ولا يدخل.
إلا أن جاء هذا اليوم الذي حول حياة جمال...
*****
كان جمال يجلس على درجات المسجد.. وينظر إلى السماء..فاقترب منه الشيخ عبد السلام وسأل: ما بك يا بني؟
قال بعد أن و قف وقفة تواضع أمام شيخه: ما أعجب الموقف! ساعدت أعمى قبل قليل، حتى يرتدي حذائه وينزل عن السلم، فدعا لي قائلا نّور الله بصيرتك، وكأن الرجل قد اطلع على قلبي فعرف أن بصيرتي منطفئة.
عبد السلام: ليست كذلك.. ولكنك يا بني قمت ببناء حائط زائف بين بصيرتك وبين نورها ..فدمر هذا الحائط ولا تتردد.
******
عندما رجع إلى منزله، ودخل إلى غرفة أمه، كانت سمية تمشط شعرها الذهبي وتتجمّل، كانت تبتسم وتشعر بالسعادة، تنتظر زوجها الحبيب بلهفة المشتاق، أما جمال جلس على السرير ونظر إليها صامتاً متوتراً فسألته لما رأت توتره:تبدو قلقاً...ما الحكاية؟
قال بقلق:لقد رأيته يا أمي.
سمية : من؟
::
::
اقترب معتز من المطبخ فسمع جمال يقول بصوت عالٍ, وكأن نبرة صوته امتلأت حقداً:لقد ضللته ..فما عرف عني شيء .. لكني لا أعرف كيف أدافع عن نفسي إن رأيته مرة أخرى وواجهته..ليست لدي قوة.. ليست لدي إرادة( و زفر زفرة قال فيها)آه يا ربي..إلى أين أرحل..فهذا الرجل لن يتركني، وما عدت أقدر على المجاهدة.
فخرجت من صدر سمية آهة جعلت معتز يقتحم الغرفة، يمسك بمجامع قميص جمال و يوقفه ويقول: لم تضلله وحده ..لقد ضللتنا جميعا أيها الجبان..
سمية: كفى يا معتز..أنت لم تفهم القصة..
معتز يمشي وجمال يتراجع وما زال معتز يمسك قميصه: أرجوكِ دعيني فلقد ضقت ذرعاً بتصرفاته، وأنا من سأحكي القصة.. أنك يا فتى تحسب أننا كلنا نحاربك..كلنا نخاصمك..كلنا نتربص بك ..تحسب أن كل صيحة عليك.
جمال بحزم: دعني وشأني.
معتز ساخراً:لن أدعك .. وأنت من عليه أن يدعنا..تتصرف وكأنك سيد المنزل ..كلنا نخطب ودك..فلم تقبلنا ولم تحفل بتبجيلنا ...
وصل جمال بتراجعه إلى الحائط وقال بغضب: قلت كفى..دعني وشأني..
معتز:أتظن أنك صاحب الحزن الوحيد..لقد ماتت أمي وأختي في حادثٍ رهيب أمام ناظري فما فعلت مثلك..ثم ...رزقني الله بأم أخرى هي سمية فتلحُّ على تعذيبها وتعذيبنا بآلامك الكاذبة .
سمية تتوسل إلى معتز أن يتوقف فما رد وأردف: أتعلم من أنت؟ أنا سأخبرك من تكون هذه المرة..أنت فرخ فرعون..تريد أن يحزن الكل من خلالك..و أن يفرح الكل من خلالك ..إن تألمت علينا أن نتألم كلنا.. وإن غضبت نغضب كلنا ..
جمال غاضباً:أنا لست كذلك.
معتز وقد ابتسم ساخراً: بل أنت كذلك..ناكر للجميل مثل أبيك الذي قد بصقك..
لكمه جمال فأسقطه على الأرض، فقال معتز ساخرا:هيا ..اضرب ابن من يكفلك..وإن أكرمت اللئيم تمردا.. إنك لئيم مثل والدك فالعرق دساس..العرق دساس.
ما قدرت سمية أن تفصل بينهما بل إن جمال بدأ يوسع وجه معتز ضرباً و يصرخ :قلت كفى..ألا تفهم؟
******
أحس جمال بقوة تحمله من بطنه وتسحبه بعيداَ عن المعركة،فالتفت خلفه..كان محمود يتفرس غيضاً، ثم نظر حوله، فكانت سمية تبكي، الدم يغطي وجه معتز،فأنفلت من قبضة محمود، وحاول الهرب، لكن محمود قال بصوته الحازم الغاضب:قف مكانك.
فوقف وهو يرتجف من الخوف, معتز بدأ يمسح الدم بأطراف كم القميص، ويرمق جمال بنظرة حقد، فلقد انتصر، أما محمود مشى بخطوات ثابتة غاضبة حتى اقترب من جمال، نظر إليه، فطأطأ الأخير رأسه الذليل حتى كاد يصل إلى الأرض وقال بنبرة غاضبة حازمة:انتظرني في الصالة،فحساب طويل ينتظرك.(ثم التفت إلى معتز وقال)وأنت..إلى غرفتك.
¸.•´♥ غريب الدار ¸.•´♥ الحلقة الخامسة¸.•´♥ذروة الصدام.•´♥
::
السلام عليكم و رحمة الله و...
::
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
ومرت شهور
في الثلث الأخير من الليل كان جمال يتوجه إلى الصالة، يصلي ويقرأ قصة إبراهيم عليه السلام مع أبيه، من سورة مريم، ينادي من أعماق قلبه كما كان إبراهيم عليه السلام ينادي " يا أبت"، وكان يبكي بألم عند النداء، يناديه كل ليلة لا يكل ولا يمل، يخرج النداء من أعماق قلبه، يقرأ " يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر" فيرد عقله كيف تناديه، وهو الذي لا يسمع ولا يبصر، تنادي أعماق قلبه :" يا أبت لا تعبد الشيطان" وعقله يقول: قف عن مناداته فالشيطان أرأف بك منه، كان من أعماقه يبكي، ينادي يا أبت, عقله يقول, كيف تنادي من تبرأ منك،ألا تعقل! أعماقه تنادي يأبت، أنا محتاج إليك يا أبت ..
فيرد محمود, حين يفتح الباب على مصراعيه، يبسط ذراعيه ويقول: بني...حان آذان الفجر هل تأتي معي إلى المسجد؟
وفي كل مرة تراوده نفسه بأن يرمي جسده بين ذراعي محمود، فيخشى أن يفعل، ويمضي معه صامتاً.
*******
وفي هذه الأيام والشهور وصاحبنا "الذي لا إرادة له" تفوّق في مدرسته بل وشهد له معلموه بالعبقرية، لكنه انطوى على نفسه، ولا رفيق له إلا الكتب والمراجع ،بعض الطلبة ينظر إليه بعين الشفقة، بسبب وحدته، والبعض الآخر ينظر إليه بعين الغضب فهو من فرض الوحدة على نفسه فلا يألف أحدا، ولا يألفه أحد إلا كتابه الذي يمسكه، وحينما يمل، ينظر إلى الطلبة وهم يتشاكسون، يتأمل تصرفاتهم وحركاتهم،فإن انتبهوا بأنه يراقبهم،اعتدل في جلسته وخبّأ رأسه بين صفحات كتابه.
أول من آذاه ضياء رائد، الذي كان الأول في فصله قبل وجود جمال، والآن لا يقدر منافسة الفتى العبقري أو الموسوعة"جمال"، فيغضب ويحل مسائل الرياضيات بطريقة تميزه عن جمال،فما يكون من الأستاذ إلا الأخذ برأي جمال، فيشعر ضياء بالغبن والحقد على جمال، وإذا عاند جمال و أراد إيذائه قابله بحلم وقال كلمة لا يفهمها ضياء:أقسمت عليك أن لا تعاديني ..فإنك الوحيد هنا الذي لا أطيق عداوته!
ومنهم عبادة سالم، الذي يستفزه ويجادله ويصدر ضده أحكاماً قاسية، ومنهم عدنان الذي ينظم الشعر ليهجو جمال فيعصره الألم، وحين يلتقي أمه في ساعات الليل المتأخرة يبكي ألمه، وإذا بها تضحك من شعر عدنان، وتنقده بصورة أدبية، أو تثني على حلول ضياء، أو تعلّق على أحكام عبادة.
عندما كان يراه المدير ا"لجديد" في حصة الرياضة وحيداً ينظر دون أن يشارك، يشفق عليه، فيدخله مكتبه ليساعده في وضع البيانات المدرسية للطلبة، فيعمل بصمت، وإذا خرج المدير من الغرفة يكمل جمال عمله وهو يقرأ القرآن بصوت ندي، أو يدعوا الله بلحن شجي أو يدندن بنشيد حزين فتخرج الآهة من أعماق صدره، ينشد أناشيد الألم و الغربة، عن فلسطين و لام المسجد الأقصى، فيقف المدير خلف الباب يستمع ولا يدخل.
إلا أن جاء هذا اليوم الذي حول حياة جمال...
*****
كان جمال يجلس على درجات المسجد.. وينظر إلى السماء..فاقترب منه الشيخ عبد السلام وسأل: ما بك يا بني؟
قال بعد أن و قف وقفة تواضع أمام شيخه: ما أعجب الموقف! ساعدت أعمى قبل قليل، حتى يرتدي حذائه وينزل عن السلم، فدعا لي قائلا نّور الله بصيرتك، وكأن الرجل قد اطلع على قلبي فعرف أن بصيرتي منطفئة.
عبد السلام: ليست كذلك.. ولكنك يا بني قمت ببناء حائط زائف بين بصيرتك وبين نورها ..فدمر هذا الحائط ولا تتردد.
******
عندما رجع إلى منزله، ودخل إلى غرفة أمه، كانت سمية تمشط شعرها الذهبي وتتجمّل، كانت تبتسم وتشعر بالسعادة، تنتظر زوجها الحبيب بلهفة المشتاق، أما جمال جلس على السرير ونظر إليها صامتاً متوتراً فسألته لما رأت توتره:تبدو قلقاً...ما الحكاية؟
قال بقلق:لقد رأيته يا أمي.
سمية : من؟
::
::
اقترب معتز من المطبخ فسمع جمال يقول بصوت عالٍ, وكأن نبرة صوته امتلأت حقداً:لقد ضللته ..فما عرف عني شيء .. لكني لا أعرف كيف أدافع عن نفسي إن رأيته مرة أخرى وواجهته..ليست لدي قوة.. ليست لدي إرادة( و زفر زفرة قال فيها)آه يا ربي..إلى أين أرحل..فهذا الرجل لن يتركني، وما عدت أقدر على المجاهدة.
فخرجت من صدر سمية آهة جعلت معتز يقتحم الغرفة، يمسك بمجامع قميص جمال و يوقفه ويقول: لم تضلله وحده ..لقد ضللتنا جميعا أيها الجبان..
سمية: كفى يا معتز..أنت لم تفهم القصة..
معتز يمشي وجمال يتراجع وما زال معتز يمسك قميصه: أرجوكِ دعيني فلقد ضقت ذرعاً بتصرفاته، وأنا من سأحكي القصة.. أنك يا فتى تحسب أننا كلنا نحاربك..كلنا نخاصمك..كلنا نتربص بك ..تحسب أن كل صيحة عليك.
جمال بحزم: دعني وشأني.
معتز ساخراً:لن أدعك .. وأنت من عليه أن يدعنا..تتصرف وكأنك سيد المنزل ..كلنا نخطب ودك..فلم تقبلنا ولم تحفل بتبجيلنا ...
وصل جمال بتراجعه إلى الحائط وقال بغضب: قلت كفى..دعني وشأني..
معتز:أتظن أنك صاحب الحزن الوحيد..لقد ماتت أمي وأختي في حادثٍ رهيب أمام ناظري فما فعلت مثلك..ثم ...رزقني الله بأم أخرى هي سمية فتلحُّ على تعذيبها وتعذيبنا بآلامك الكاذبة .
سمية تتوسل إلى معتز أن يتوقف فما رد وأردف: أتعلم من أنت؟ أنا سأخبرك من تكون هذه المرة..أنت فرخ فرعون..تريد أن يحزن الكل من خلالك..و أن يفرح الكل من خلالك ..إن تألمت علينا أن نتألم كلنا.. وإن غضبت نغضب كلنا ..
جمال غاضباً:أنا لست كذلك.
معتز وقد ابتسم ساخراً: بل أنت كذلك..ناكر للجميل مثل أبيك الذي قد بصقك..
لكمه جمال فأسقطه على الأرض، فقال معتز ساخرا:هيا ..اضرب ابن من يكفلك..وإن أكرمت اللئيم تمردا.. إنك لئيم مثل والدك فالعرق دساس..العرق دساس.
ما قدرت سمية أن تفصل بينهما بل إن جمال بدأ يوسع وجه معتز ضرباً و يصرخ :قلت كفى..ألا تفهم؟
******
أحس جمال بقوة تحمله من بطنه وتسحبه بعيداَ عن المعركة،فالتفت خلفه..كان محمود يتفرس غيضاً، ثم نظر حوله، فكانت سمية تبكي، الدم يغطي وجه معتز،فأنفلت من قبضة محمود، وحاول الهرب، لكن محمود قال بصوته الحازم الغاضب:قف مكانك.
فوقف وهو يرتجف من الخوف, معتز بدأ يمسح الدم بأطراف كم القميص، ويرمق جمال بنظرة حقد، فلقد انتصر، أما محمود مشى بخطوات ثابتة غاضبة حتى اقترب من جمال، نظر إليه، فطأطأ الأخير رأسه الذليل حتى كاد يصل إلى الأرض وقال بنبرة غاضبة حازمة:انتظرني في الصالة،فحساب طويل ينتظرك.(ثم التفت إلى معتز وقال)وأنت..إلى غرفتك.