رووووعه
انتظر الباااقي
بنوتة العسل :
رووووعه انتظر الباااقيرووووعه انتظر الباااقي
هلا أختي بنوتة عسولة
أنت الأروع وما يصير خاطرك إلا طيب
:26:
أنت الأروع وما يصير خاطرك إلا طيب
:26:
@@ماء الكافور@@ :
هلا أختي بنوتة عسولة أنت الأروع وما يصير خاطرك إلا طيب :26:هلا أختي بنوتة عسولة أنت الأروع وما يصير خاطرك إلا طيب :26:
6
انتظمت عائشة في دراستها في كلية الطب . البيت كله صار يؤيدها ويساندها . أمها الرافضة الخائفة ، خصصت لها غرفة خاصة في البيت . الوالد المتردد ، صار يطوف على المكتبات ، يوفر لها الكتب والمراجع . أما شقيقها أحمد ، الذي كان كل ما تفعله وتحلم به أخته ، محل استهزاء وسخرية منه .. فقد أصبح مصدراً رئيساً ، لدعم لم تكن تتوقعه .
أحمد صار متابعاً منتظماً لمنتديات الإنترنت . لا يمر يوم أو يومان ، إلا ويزود عائشة بأوراق ، طبعها من بعض منتديات الانترنت ، بعضها يتكلم عن أهمية دعم عمل المرأة في القطاع الصحي ، لتخدم بنات جنسها ، وأخرى عن وجوب توفير بيئة مناسبة للطالبات في الكلـيات الطبية ، والعاملات في القطاع الصحي .. تمنع التحرشات والمضايقات ، التي قد تقع عليهن . أكثر ما لفت نظرها ، كتابات لصاحب معرّف ، في أحد منتديات الانترنت الشهيرة ، رمز لنفسه باسم " شهاب الإسلام " . كانت كتابات شهاب الإسلام ، تفيض حَمَيّة وحماساً ، في الدفاع عن حق المرأة ، بأن يتولى علاجها وتطبيبها ، امرأة مثلها ، وضرورة وجــود بيئة عمل ( نظيفة ) في المستشفيات ، تؤدي المرأة العاملة فيها ، وظيفتها ورسالتها .
في سنتها الأولى في الكلية ، مثلت لها هذه الكتابات ، بالإضافة إلى ما تلقاه من دعم أهلها .. سنداً معنوياً غير عادي . خاصة .. وأن والديها تعرضا لانتقادات كثيرة من أقارب ومعارف ، لسماحهم لابنتهم بالدراسة في كلية ( موبوءة ) بالاختلاط ، كما يقولون . أو بتعبير إحدى قريباتهم : " ريحتها فايحة " ..!
جارتهم .. وهي امرأة متعلمة ، كثيراً ما تفخر بأن زوجها رجل الأعمال ، يملك مركزاً طبياً ، كل العاملات فيه من النساء . قالت لوالدتها مرّة ، على مسمع جمع من نساء ، كن مجتمعات عندها .. في إحدى المناسبات ، إن آخـر شيء كانت تتوقعه ، هو أن ( تفرط ) أم أحمد بأخلاق ابنتها عائشة ، وتسمح لها بدخول كلية الطب . كاد كلام المرأة يصيبها بيأس . هل هذا رأيها ، أم موقف سببه الغيرة ، لأنها قبلت في كلية الطب ، ولم تقبل ابنتها . كانت تتوقع .. بحكم نشاط زوجها التجاري .. الذي له علاقة بطبيعة دراسة الطب ، أن تكون أكثر إدراكاً من غيرها ، لحاجة المرأة ، لامرأة مثلها ، تتولى علاجها . " قليل من الناس من يتخلى عن هواه وحظ نفسه ، ويتجرد لذات المبدأ " .. همست لنفسها .
نجاح عائشة المميز ، في عاميها الأوّلين في الكلية ، رغم الصعوبات ، وتحقيقها نتائج ممتازة في سنتها الـثالثة .. عزز من موقفها ، وزاد ثقتها بنفسها . صارت الكلية ، خياراً لا رجعة عنه ، وحملات التثبيط ، وموجات الإحباط .. أصبحت تاريخاً ، تتأمله بكثير من السخرية . ليس هذا فحسب ، بل غدت جزءاً مهماً ، من نشاط تجمع طالبي ، يقوده عدد من الطالبات ، يسعى لدعم استقلالية المرأة ، ضد سياسات تهدف لاستغلالها ، وتوظيفها في ( أجندات ) خاصة .. كما ذكرت مرّة ، في نقاش لها مع والدها .
لم تعد الكلية ، يوماً دراسياً طويلاً .. مملاً ومضنياً . على مائدة الأكل .. في نهاية الأسبوع ، صار مألوفاً ، أن تتوقف عائشة عن تناول طعامها ، وترد على اتصال هاتفي من زميلة ، وتكرر عبارات من نوع : نكافح ، نناضل ، ننتزع حقوقنا . لم تفهم والدتها ، ماذا تعني بالضبط ، حين سمعتها ذات مرّة تقول ، في واحد من حواراتها على الهاتف ، مع صديقة لها من الكلية : " أرأيت كيف بدا زميلنا التافه اليوم ، حينما تصرفنا معه بأسلوب ، أدرك من خلاله أن المرأة .. وطالبة الطب خصوصاً ، ليست ( لحماً معروضاً ) .. يتذوقه بعينه أو بكلامه ..! " . كلامها كان مثيراً للاستفهام .. فاستفسرت منها . أخبرتها ، أن زميلاً لهن " استخف دمه " ، على حد تعبيرها .. فأوقفناه عند حدّه . كانت واثقة أن ابنتها تسير في الطريق الصحيح . همست في سرها : " أنا فرّطت بأخلاق بنتي ..؟ يا حبي لك والله .. يا عيوش " .
اليوم شهدت الكلية موقفاً غير مألوف . عائشة وبعض زميلات دفعتها ، رفضن الكشف السريري على مرضى ذكور . كان الكشف يتطلب التعرض المباشر لبعض الأعضاء الحساسة . أستاذ المادة ، استهجن تصرفهن ، ونعتهن بأوصاف ، تعبّر عن تشدد وضيق أفق .. وعدم ( تقدير ) العلم . بعد أن هدّدهن بحرمانهن ، من دخول امتحان المادة ، وتطبيق ( النظام ) عليهن ، على حد قوله .. قال :
- الكلية ليست حكومة طالبان .. ونحن ندرس الطب ، وليس نواقض الوضوء ..!
عبارته الاستفزازية ، لم تدفعهن لأي ردة فعل ، وتعاملن معها بصمت ، ولا مبالاة .
لكنه .. عاد وأكد بشكل قاطع ، أنه جاد في تطبيق النظام ، ومعاقبة أي طالبة لا تنفذ ما هو مطلوب منها . التهديد أثر في بعض الطالبات ، فتراجعن عن رفضهن الامتثال لطلبه . عائشة وعدد من زميلاتها بقين على موقفهن :
- دكتور .. نرجو أن تتفهم موقفنا ، ووجهة نظرنا . هذا الجزء من الدرس ، سنكتفي بالجانب النظري منه ..!
- كـــلامي واضح .. ونهائي . لن تجتاز طالبة المادة ، إلا بأداء القسم العملي منها ..
ردّت عائشة بثقة :
- أعتقد أن في الجامعة نظاماً للامتحان ، يحدد الكيفية ، التي تجتاز فيها الطالبة المادة ..
- من أنت ..؟
- عائشة الصالح ..
حــدق فيها ، بنظرة حادة ، وقال بلهجة لا تخلو من غضب ، وعبارة ملأها مقتاً وإزدراء :
- آه .. عرفتك ، أنت التي يسمونك الزملاء " الملا عمر " ..!
لم تمر الحـــادثة بهدوء . أصبحت حديث مجتمع الجامعة ، وتداولتها بعض البيوت . بعد أيام وصلت القصة .. واسم عائشة ، إلى زميل قديم لوالدها .. جار لهم . صلى معه العصر ، وبعد الصلاة همس له :
- لعله بلغك خبر الذي حصل في كلية الطب ..!
- نعم .. ابنتي حدثتنا ، بما صار ، بين بعض الطالبات والدكتور .. وقد ذكرت أنها وزميلاتها ، قدمن شكوى لعميد الكلية ضد الدكتور ، الذي هددهن بالحرمان ..
- لا .. يا أبا أحمد .. الأمر ليس بهذه البساطة . الطالبات اتهمن الدكتور بالخروج على تعاليم الإسلام ، وقلن إن نظام الكلية كافر . نصيحتي لك أن تنتبه لابنتك .
عاد أبو أحمد إلى البيت ، وروى لعائشة وأمها ، الذي دار بينه وبين صاحبه . كان واضحاً أنّ ثمة هماً ، بدأ يتسلل إلى قلبه ، ولم تفلح التلقائية التي حاول أن يتصنعها في حديثه ، في إخفاء ذلك . عائشة أرادت أن تهوّن الأمر ، ولم تخف سخريتها من الشائعات ، التي ضخمت الحادثة ، فأوصلتها إلى هذا الحد . الطبيعة القلقة لوالدتها ، جعلتها تنظر للموضوع من زاوية مختلفة :
- أنا قلبي يوجعني يا عائشة ، الموضوع يكبر ، والناس ما لهم إلا الظاهر . المثل يقول : " ابعد عن الشر وغني له " ..!
صمت الأب ، فيما بقيت عائشة ، تجادل عن موقفها . أكدت أن الأمر لم يتعد النقـاش الذي روته بتفاصيله ، بين الدكتور والطالبات .. وأن أي شيء خلاف ذلك ، هو من الإشاعات والأراجيف ، التي يروجها بعض الناس . أرادت أن تضع تفسيراً علمياً لتضخم الشائعة ، فعزت ذلك إلى طبائع بعض الأشخاص النفسية ، الذين يعيدون صياغة الأحداث ، بما يتفق مع رؤاهم ، ويوافق طبائعهم . ذكّرت والدها بما كان يقوله عن صاحبه هذا ، من أنه ميّال لأن يتبني الرأي الذي يبرر سلوكه الانسحابي ، ويقوم على تضخيم المواقف ، بدافع الخوف ، لتبرير التنصل منها :
- ألم تقل يا أبـي أن صاحبك هذا جبان ، وأنكم أيـام الدراسة ، كــنتم تسمونه ( الدجاجة ) .. لشدة خوفه ..؟
أخذت تشرح كيف أن طبيعة الرجل ، تفسر سلوكه . فالقصة وصلته مع بعض الإضافات . بيّنت .. أن كونه يعرفهم ، دفعه لأن يصنع له دوراً في الحدث ، يتناسب مع طبيعة شخصيته .. الجبانة ، التي لا تستطيع أن ترى نفسها في موقف ( ضد ) أي مؤسسة رسمية . في نظره .. كلية الطب مؤسسة حكومية ، والحكومة ( دائماً ) على حق .. ولا يمكن أن يصدر منها ما يخـالف الدين ، أو يصادم الأعراف والتقاليد . أضافت .. أنه ثمة أمرٌ آخر . كل التجاذبات والصراعات ، التي يمر بها البلد ، تدور حول العلاقة بين التكفير والإرهاب . أفضل ( سلاح ) يمكن استخدامه الآن ، لإدانة الرأي الآخر .. المعترض على بعض السياسات الرسمية ، هو دمغه بالتشدد والتكفير ، ثم إدانته بالإرهاب :
- هذا كل ما في الأمر يا أبي .. ويا أمي ، وستسمعون كلاماً أكثر غرابة وشذوذاً من هذا .. من نوع أننا قلنا : يا ليت طالبان تحكمنا .. مثلاً ..! هل تصدقون ..؟ أنا لم أقل لكم هذا الجزء ، مما دار بيننا وبين الدكتور . لقد وصفني الدكتور بــ ( الملا عمر ) ..! ماذا يحصل لو أني قلت للدكتور : أنت مثل نوال السعداوي ، أو شبهته بأحد العلمانيين المتطرفين ..؟
بدا التفسير مقنعاً ومنطقياً لوالد عائشة ، ولكن والدتها ظلت قلقة . انصبت نصائحها لعائشة ، بوجوب إيثار السلامة ، والاهتمام بدراستها فقط :
- يا بنيّتي .. خليك في دراستك ، " لست وكيلة آدم على ذريته " . فيه خراب وفساد في البـلد ، كـل الناس تعرف ذلك ..! لكن .. " الموت مع الجماعة رحمة " ..!
يتبع
انتظمت عائشة في دراستها في كلية الطب . البيت كله صار يؤيدها ويساندها . أمها الرافضة الخائفة ، خصصت لها غرفة خاصة في البيت . الوالد المتردد ، صار يطوف على المكتبات ، يوفر لها الكتب والمراجع . أما شقيقها أحمد ، الذي كان كل ما تفعله وتحلم به أخته ، محل استهزاء وسخرية منه .. فقد أصبح مصدراً رئيساً ، لدعم لم تكن تتوقعه .
أحمد صار متابعاً منتظماً لمنتديات الإنترنت . لا يمر يوم أو يومان ، إلا ويزود عائشة بأوراق ، طبعها من بعض منتديات الانترنت ، بعضها يتكلم عن أهمية دعم عمل المرأة في القطاع الصحي ، لتخدم بنات جنسها ، وأخرى عن وجوب توفير بيئة مناسبة للطالبات في الكلـيات الطبية ، والعاملات في القطاع الصحي .. تمنع التحرشات والمضايقات ، التي قد تقع عليهن . أكثر ما لفت نظرها ، كتابات لصاحب معرّف ، في أحد منتديات الانترنت الشهيرة ، رمز لنفسه باسم " شهاب الإسلام " . كانت كتابات شهاب الإسلام ، تفيض حَمَيّة وحماساً ، في الدفاع عن حق المرأة ، بأن يتولى علاجها وتطبيبها ، امرأة مثلها ، وضرورة وجــود بيئة عمل ( نظيفة ) في المستشفيات ، تؤدي المرأة العاملة فيها ، وظيفتها ورسالتها .
في سنتها الأولى في الكلية ، مثلت لها هذه الكتابات ، بالإضافة إلى ما تلقاه من دعم أهلها .. سنداً معنوياً غير عادي . خاصة .. وأن والديها تعرضا لانتقادات كثيرة من أقارب ومعارف ، لسماحهم لابنتهم بالدراسة في كلية ( موبوءة ) بالاختلاط ، كما يقولون . أو بتعبير إحدى قريباتهم : " ريحتها فايحة " ..!
جارتهم .. وهي امرأة متعلمة ، كثيراً ما تفخر بأن زوجها رجل الأعمال ، يملك مركزاً طبياً ، كل العاملات فيه من النساء . قالت لوالدتها مرّة ، على مسمع جمع من نساء ، كن مجتمعات عندها .. في إحدى المناسبات ، إن آخـر شيء كانت تتوقعه ، هو أن ( تفرط ) أم أحمد بأخلاق ابنتها عائشة ، وتسمح لها بدخول كلية الطب . كاد كلام المرأة يصيبها بيأس . هل هذا رأيها ، أم موقف سببه الغيرة ، لأنها قبلت في كلية الطب ، ولم تقبل ابنتها . كانت تتوقع .. بحكم نشاط زوجها التجاري .. الذي له علاقة بطبيعة دراسة الطب ، أن تكون أكثر إدراكاً من غيرها ، لحاجة المرأة ، لامرأة مثلها ، تتولى علاجها . " قليل من الناس من يتخلى عن هواه وحظ نفسه ، ويتجرد لذات المبدأ " .. همست لنفسها .
نجاح عائشة المميز ، في عاميها الأوّلين في الكلية ، رغم الصعوبات ، وتحقيقها نتائج ممتازة في سنتها الـثالثة .. عزز من موقفها ، وزاد ثقتها بنفسها . صارت الكلية ، خياراً لا رجعة عنه ، وحملات التثبيط ، وموجات الإحباط .. أصبحت تاريخاً ، تتأمله بكثير من السخرية . ليس هذا فحسب ، بل غدت جزءاً مهماً ، من نشاط تجمع طالبي ، يقوده عدد من الطالبات ، يسعى لدعم استقلالية المرأة ، ضد سياسات تهدف لاستغلالها ، وتوظيفها في ( أجندات ) خاصة .. كما ذكرت مرّة ، في نقاش لها مع والدها .
لم تعد الكلية ، يوماً دراسياً طويلاً .. مملاً ومضنياً . على مائدة الأكل .. في نهاية الأسبوع ، صار مألوفاً ، أن تتوقف عائشة عن تناول طعامها ، وترد على اتصال هاتفي من زميلة ، وتكرر عبارات من نوع : نكافح ، نناضل ، ننتزع حقوقنا . لم تفهم والدتها ، ماذا تعني بالضبط ، حين سمعتها ذات مرّة تقول ، في واحد من حواراتها على الهاتف ، مع صديقة لها من الكلية : " أرأيت كيف بدا زميلنا التافه اليوم ، حينما تصرفنا معه بأسلوب ، أدرك من خلاله أن المرأة .. وطالبة الطب خصوصاً ، ليست ( لحماً معروضاً ) .. يتذوقه بعينه أو بكلامه ..! " . كلامها كان مثيراً للاستفهام .. فاستفسرت منها . أخبرتها ، أن زميلاً لهن " استخف دمه " ، على حد تعبيرها .. فأوقفناه عند حدّه . كانت واثقة أن ابنتها تسير في الطريق الصحيح . همست في سرها : " أنا فرّطت بأخلاق بنتي ..؟ يا حبي لك والله .. يا عيوش " .
اليوم شهدت الكلية موقفاً غير مألوف . عائشة وبعض زميلات دفعتها ، رفضن الكشف السريري على مرضى ذكور . كان الكشف يتطلب التعرض المباشر لبعض الأعضاء الحساسة . أستاذ المادة ، استهجن تصرفهن ، ونعتهن بأوصاف ، تعبّر عن تشدد وضيق أفق .. وعدم ( تقدير ) العلم . بعد أن هدّدهن بحرمانهن ، من دخول امتحان المادة ، وتطبيق ( النظام ) عليهن ، على حد قوله .. قال :
- الكلية ليست حكومة طالبان .. ونحن ندرس الطب ، وليس نواقض الوضوء ..!
عبارته الاستفزازية ، لم تدفعهن لأي ردة فعل ، وتعاملن معها بصمت ، ولا مبالاة .
لكنه .. عاد وأكد بشكل قاطع ، أنه جاد في تطبيق النظام ، ومعاقبة أي طالبة لا تنفذ ما هو مطلوب منها . التهديد أثر في بعض الطالبات ، فتراجعن عن رفضهن الامتثال لطلبه . عائشة وعدد من زميلاتها بقين على موقفهن :
- دكتور .. نرجو أن تتفهم موقفنا ، ووجهة نظرنا . هذا الجزء من الدرس ، سنكتفي بالجانب النظري منه ..!
- كـــلامي واضح .. ونهائي . لن تجتاز طالبة المادة ، إلا بأداء القسم العملي منها ..
ردّت عائشة بثقة :
- أعتقد أن في الجامعة نظاماً للامتحان ، يحدد الكيفية ، التي تجتاز فيها الطالبة المادة ..
- من أنت ..؟
- عائشة الصالح ..
حــدق فيها ، بنظرة حادة ، وقال بلهجة لا تخلو من غضب ، وعبارة ملأها مقتاً وإزدراء :
- آه .. عرفتك ، أنت التي يسمونك الزملاء " الملا عمر " ..!
لم تمر الحـــادثة بهدوء . أصبحت حديث مجتمع الجامعة ، وتداولتها بعض البيوت . بعد أيام وصلت القصة .. واسم عائشة ، إلى زميل قديم لوالدها .. جار لهم . صلى معه العصر ، وبعد الصلاة همس له :
- لعله بلغك خبر الذي حصل في كلية الطب ..!
- نعم .. ابنتي حدثتنا ، بما صار ، بين بعض الطالبات والدكتور .. وقد ذكرت أنها وزميلاتها ، قدمن شكوى لعميد الكلية ضد الدكتور ، الذي هددهن بالحرمان ..
- لا .. يا أبا أحمد .. الأمر ليس بهذه البساطة . الطالبات اتهمن الدكتور بالخروج على تعاليم الإسلام ، وقلن إن نظام الكلية كافر . نصيحتي لك أن تنتبه لابنتك .
عاد أبو أحمد إلى البيت ، وروى لعائشة وأمها ، الذي دار بينه وبين صاحبه . كان واضحاً أنّ ثمة هماً ، بدأ يتسلل إلى قلبه ، ولم تفلح التلقائية التي حاول أن يتصنعها في حديثه ، في إخفاء ذلك . عائشة أرادت أن تهوّن الأمر ، ولم تخف سخريتها من الشائعات ، التي ضخمت الحادثة ، فأوصلتها إلى هذا الحد . الطبيعة القلقة لوالدتها ، جعلتها تنظر للموضوع من زاوية مختلفة :
- أنا قلبي يوجعني يا عائشة ، الموضوع يكبر ، والناس ما لهم إلا الظاهر . المثل يقول : " ابعد عن الشر وغني له " ..!
صمت الأب ، فيما بقيت عائشة ، تجادل عن موقفها . أكدت أن الأمر لم يتعد النقـاش الذي روته بتفاصيله ، بين الدكتور والطالبات .. وأن أي شيء خلاف ذلك ، هو من الإشاعات والأراجيف ، التي يروجها بعض الناس . أرادت أن تضع تفسيراً علمياً لتضخم الشائعة ، فعزت ذلك إلى طبائع بعض الأشخاص النفسية ، الذين يعيدون صياغة الأحداث ، بما يتفق مع رؤاهم ، ويوافق طبائعهم . ذكّرت والدها بما كان يقوله عن صاحبه هذا ، من أنه ميّال لأن يتبني الرأي الذي يبرر سلوكه الانسحابي ، ويقوم على تضخيم المواقف ، بدافع الخوف ، لتبرير التنصل منها :
- ألم تقل يا أبـي أن صاحبك هذا جبان ، وأنكم أيـام الدراسة ، كــنتم تسمونه ( الدجاجة ) .. لشدة خوفه ..؟
أخذت تشرح كيف أن طبيعة الرجل ، تفسر سلوكه . فالقصة وصلته مع بعض الإضافات . بيّنت .. أن كونه يعرفهم ، دفعه لأن يصنع له دوراً في الحدث ، يتناسب مع طبيعة شخصيته .. الجبانة ، التي لا تستطيع أن ترى نفسها في موقف ( ضد ) أي مؤسسة رسمية . في نظره .. كلية الطب مؤسسة حكومية ، والحكومة ( دائماً ) على حق .. ولا يمكن أن يصدر منها ما يخـالف الدين ، أو يصادم الأعراف والتقاليد . أضافت .. أنه ثمة أمرٌ آخر . كل التجاذبات والصراعات ، التي يمر بها البلد ، تدور حول العلاقة بين التكفير والإرهاب . أفضل ( سلاح ) يمكن استخدامه الآن ، لإدانة الرأي الآخر .. المعترض على بعض السياسات الرسمية ، هو دمغه بالتشدد والتكفير ، ثم إدانته بالإرهاب :
- هذا كل ما في الأمر يا أبي .. ويا أمي ، وستسمعون كلاماً أكثر غرابة وشذوذاً من هذا .. من نوع أننا قلنا : يا ليت طالبان تحكمنا .. مثلاً ..! هل تصدقون ..؟ أنا لم أقل لكم هذا الجزء ، مما دار بيننا وبين الدكتور . لقد وصفني الدكتور بــ ( الملا عمر ) ..! ماذا يحصل لو أني قلت للدكتور : أنت مثل نوال السعداوي ، أو شبهته بأحد العلمانيين المتطرفين ..؟
بدا التفسير مقنعاً ومنطقياً لوالد عائشة ، ولكن والدتها ظلت قلقة . انصبت نصائحها لعائشة ، بوجوب إيثار السلامة ، والاهتمام بدراستها فقط :
- يا بنيّتي .. خليك في دراستك ، " لست وكيلة آدم على ذريته " . فيه خراب وفساد في البـلد ، كـل الناس تعرف ذلك ..! لكن .. " الموت مع الجماعة رحمة " ..!
يتبع
الصفحة الأخيرة
في الغرفة .. التفوا حول سرير الوالدة ، وكان التوأم في حاضنة إلى جانبها . الدعوات بالسلامة ، والتغزل بحلاوة البنتين وجمالهما .. والتعبير عن الدهشة بقدوم التوأم ، اختلط بأصوات أخــرى ، داخل الغرفة . كانوا أول الواصلين إلى قسـم الولادة .. الأطباء والطبيبات لم ينهوا بعد ، جولتهم الاعتيادية على مرضاهم . عائشة كانت الأكثر انفعالاً بالحدث . أخذت تحاول أن تخرج إحدى البنتين ، لتحملها بين يديها ، ووالدتها تصرخ عليها .. لتمنعها ، وتؤكد أن التعليمات تمنع إخراجهما من الحاضنة . في هذه اللحظة انزاحت الستارة ، التي تفصل بين أسِرّة المريضات ، ودخلت الطبيبة . ألقت السلام ، وقالت :
- الحمد لله .. العملية كانت سهلة يا أم أحمد ، والبنات حالتهن ممتازة .. ومثل الأقمار ، ما شاء الله .. تبارك الله .
ردّت أم أحمد .. ووهج ابتسامة يكسو وجهها :
- جزاك الله خيراً يا دكتورة ميمونة .. جهدك ودورك ما ينكر .
- أبداً .. لم أقم إلا بالواجب . بالمناسبة .. هل سمّيتوا الحلوات ..؟
تبادلوا النظرات .. ثم قالت أم أحمد ، وقد برقت عيناها :
- واحدة منهن .. خلاص ، اتفقنا نسميها ميمونة ..
قالتها .. والتفتت إلى الجانب الآخر من ا لسرير ، حيث يصطف زوجها وأولادها .. وغمزت لهم بعينها . لمعت عينا الطبيبة بالسرور من خلف نقابها .. وقالت بامتنان :
- والله .. ؟ هذا شرف كبير لي ..!
عائشة التقطت طرف الحديث ، وقالت :
- اسمك محل اتفاق يا دكتورة .. لكن الوالدة ، تريد أن تسمي البنت الثانية على الممرضة روز ، لكنها محرجة ، لأن الاسـم غير عربي .. وغريب . وأتذكر إني لما سـألت الممرضة عنـه ، قـالت إنـه " كريستيان نيم " .. ولم أفهم قصدها ..!
- أووه .. قصدك الممرضة روز ماري . صحيح اسمها مسيحي .
نظرت أم أحمد إلى زوجها ، الذي كان قد رفع حاجبيه بتعجب .. كأنما يريد أن يوصل لها رسالة . فهمت حركة وجهه : الاسم ليس أجنبيا فقط ، بل له دلالات غير إسلامية .. كذلك . بدت على وجهها آثار الخيبة ، ولم تعلق . عائشة بادرت ، لكي تنقذ الموقف .. فسألت الطبيبة ، إن كانت تقترح اسماً آخر . الطبيبة .. التي رأت الإحباط في وجه الأم ، وأدركت رغبتها في التعبير عن امتنانها للممرضة . إضافة إلى إحساسها العميق هي شخصياً ، بالعرفان لها ، بتسميتها إحدى بناتها عليها .. أرادت أن تتخذ موقفاً مسانداً لرغبتها .. فقالت :
- هناك حل وسط ، تتحقق من خلاله رغبة أم أحمد . نأخذ نصف اسم الممرضة روزمـاري ، وتسمون البنت مارية ، تيمناً باسم زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم ، مارية القبطية .
وقع الاقتراح في نفوسهم جميعا ، موقعاً حسناً ، ظهر على أسارير وجوههم ، التي انفرجت ، وعبّرت أم أحمد عن ذلك ، بشعور تلقائي :
- والله إنك يا دكتورة وجه خير .. وميمونة على اسمك ..
خرجت الدكتورة ، بعد أن أملت عليها عدداً من التعليمات ، بخصوص حالتها الصحية . أكدت على وجوب الالتزام ببرنامج دوائي ، لعلاج التهاب بكتيري ، أظهر الفحص المخبري وجوده ، في عنق الرحم .. ثم قالت في ختام حديثها :
- الالتزام بأخذ الدواء ، كما هو محدد .. مهم . الإهمال قد يؤثر في قدرتك على الإنجاب .. وبالمناسبة ، ممنوع الحمل ، قبل 3 سنوات .. على الأقل ، لأن ولادتك قيصرية .
بعد أن أنهت حديثها ، مالت عليها عائشة ، وهمست في أذنها . فتناولت القلم من جيب معطفها ، وانتزعت ورقة من دفتر الوصفات الدوائية ، وكتبت فيها ، ثم أعطتها إياها . عندما خرجت ، وأغلقت الستارة خلفها ، التفتت عائشة إلى والدتها مبتسمة ، دون أن تفصح عن الذي دار بينها وبين الطبيبة .. وقالت :
- ولا يهمك .. إذا حملتِ بعد 3 سنوات ، أكون قرّبت أتخرج من كلية الطب . وقتها .. أنا سأشرف على الولادة .
ابتسم أبو أحمد وأم أحمد . أما أحمد ، الذي اعتاد على مناكفة أخته ، فقد عبر عن سخريته ، بطريقته الخاصة ، حين أخرج لسانه ، وقال : " بالمشمش " . لم يعجب أم أحمد تعليق أحمد على كلام شقيقته .. فقالت :
- إذا كانت تريد أن تكون مثل الدكتورة ميمونة .. أنعم وأكرم .
انطلقت بعدها أم أحمد ، تثني على الدكتورة ميمونة ، وعلى التزامها وأخلاقها . وصفت بكثير من الإعجاب ، كيف أن الفريق الذي كان معها في غرفة العمليات ، كله من النساء ، بما في ذلك طبيبة التخدير . حديث أم أحمد عن الدكتورة ميمونة ، والفريق النسائي العـامل معها ، يمثل تحولاً كبيراً في موقفها . بقدر ما كان يعذبها ، اضطرارها إلى اللّجوء إلى أطباء رجال للفحص أو العلاج ، كانت تنفر كثيراً من فكرة شائعة ، عمّا يـدور في المستشفيات من اختلاط ، بين الرجال والنساء ، من أفراد الطاقم الطبي .. يتجاوز حدود الحاجة ، إلى ما تسميه إحدى صديقاتها : " قلة الحياء " .
لم تكن عائشة تحتاج أكثر من ثناء أمها على الدكتورة ميمونة ، لتزداد إعجاباً بها ، ويزيد تعلقها بشخصيتها . كلام أمها ، حمل أيضاً ، موافقة ضمنية على دور للمرأة ، كانت ترفضه ، وتتوجس منه ، بل وتعده كذلك معيباً .. وتدعو الله أن يحفظها منه . لا تذكر كم من المرّات ، قالت أمها : " بسم الله عليك " ، حينما تفصح عن أمنيتها بأن تكون طبيبة . جاء كلام أمها عن الــدكتورة ميمونة ، ليعزز الحلم الأمنية ، ويمنحه دافعاً و شرعية .
عام مضى . البنتان التوأم كبرتا ، وأصبحتا قمرين حقيقيين . ليس جمالهما ورقتهما ، هو ما يجعلهما موضوعاً لحديث أهل البيت المستمر .. بـــل اسماهما أيضاً . اسم مارية ، ما يفتأ يذكّر الأم ، بمعاناتها مع الأطباء الرجال ، وبتلك الليلة بالذات ، وذلك القدر الجميل ، الذي ساق الممرضة روزماري لتتدخل ، وتضع نهاية سعيدة ، لليلة امتلأت بالعناء . أبو أحمد ، يتأمل طفلتيه ، ويتذكر بمرارة الدكتور فيصل ، وخيبته في طبيب سعودي ، توقع أن يـــكون أكـــــثر تفهماً من غيره . ما زال غير مدرك ، لماذا يقف بعض الناس ضد أهلهم ومجتمعهم ..؟ أمّا عائشة فلها شأن آخر . لقد نجحت هذا العام من الثانوية العامة بتقدير ممتاز ، وبمعدل فوق 95% . اسم أختها ميمونة .. التوأم الأخرى ، أقرب إلى قلبها ، ولا يكاد يغادر ذهنها . ليس لسبب معين خاص بها ، لكنها تستذكر بكثير من الأمـــل ، من خلال اسم أختها ، الدكتورة ميمونة .. لتعزز حلمها وأمنيتها ، بأن تكون طبيبة . خاصة أن أمها تحمل للطبيبة شعوراً ايجابياً ، وذكريات طيبة . قالت مداعبة والدتها ، بشيء من المكر :
- يعني يا ماما ، أنـــــت ما تذكرك أختي مارية ، إلا بالممرضة روز ..؟ طيب ميمونة .. ما تذكرك بالدكتورة ميمونة .. أو مالها فضل ..؟
- يا حبي لها الدكتورة ميمونة .. الله يكثر من أمثالها ..
- أنت جادة يا ماما .. ودّك إن الله يكثر من أمثالها ..؟
نظرت الأم إلى ابنتها ، نظرة تعجب ، وشعرت أنها تخفي شيئاً ، وتهدف من استثارتها بهذه الطريقة ، إلى الوصول إلى أمرٍ ما . وقفتها الغريبة زادت من حيرتها . عائشة .. كانت تضع يدها خلف ظهرها ، ثم فاجأت أمها بإبراز ما كانت تخفيه ، وقالت :
- حبيبتي ماما .. هذا إشعار نجاحي من الثانوية . نسبتي تؤهلني لدخول كلية الطب . ما تبغيني أكون مثل الدكتورة ميمونة .. أحل مشكلتك ، ومشاكل كثير من الأمهات أمثالك ..؟
لم تجد الأم ما ترد به على ابنتها ، سوى أن تقول لها ، أن الأمر بيد والدها . ردّت عائــشة ، على اعتذار والدتها ، وربطه بقرار والدها وموافقته ، بأنها هي ، وليس غيرها ، من يستطيع أن يقنعه ، إن كانت هي موافقة .. ومقتنعة بالهدف ، الذي تسعى من أجله ، لتكون طبيبة . ردت والدتها :
- ما عندي مانع أكلم الوالد . صحيح أنا بعد التجربة الأخيرة .. وموقف الدكتورة ميمونة ، صرت أقدر الحاجة ، لأهمية وجود طبيبة لعلاج النساء ، خصوصاً من هم مثلي . لكني .. أيضاً تهمني مصلحتك ومستقبلك ، وخائفة عليك ..!
انشق ثغر عائشة عن ابتسامة عريضة ، فقذفت بإشعار النجاح من يدها ، وقفزت في الهواء .. وهي تردد صيحات فرح .. ثم اتجهت إلى أمها وضمتها :
- يا عمري ، يا أحلى ماما . إن شاء الله إني أكون عند حسن ظنكم . أنا قلت لها ، إنك لن تخذليني ..! لم تفهم والدتها قصدها ، لكن عائشة نظرت إلى ساعتها ، ثم سارعت وأخرجت من جيبها ، ورقة وصفة دوائية ، مدون عليها رقم . أخذت تتصل به .. وهي تقول بصوت مسموع : " إن شاء الله الوقت مناسب " :
- السلام عليكم .. دكتورة ميمونة ، كيف حالك ؟ أنا عائشة ، أخت التوأم ميمونة ومارية .. عرفتيني ..؟
- وعليكم والسلام ، أهلاً .. أهلاً ، أكيد عرفتك ..
- أبشرك .. نجحت من الثانوية بمجموع مرتفع ، الحمد لله . الماما تســـلم عليك ، وتراها وافقت على تسجيلي في كلية الطب .
مدّت عائشة الجوّال لوالدتها ، التي أخذتها المفاجأة . الآن فقط .. فهمت قصة الحديث الهامس بين ابنتها والدكتورة ميمونة ، والكتابة على ورقة الوصفة الدوائية .. قبل عام ، حين مرت عليها الدكتورة بعد الولادة ، في غرفتها في المستشفى .. للاطمئنان عليها ، وإعطائها التعليمات . تحدثت مع الدكتورة ميمونة ، وكررت شكرها وامتنانها العميق لما قامت به تجاهها . اعتذرت عن ارتباكها ، لأن عائشة فاجأتها بهذا الاتصال ، الذي يبدو أنها كانت تخطط له منذ زمن .. وأختارت له ، لحظة حاسمة مثل هذه . تحدثت كذلك ، عن توأمها الجميل .. وكيف أن اسميهما زاداهما حلاوة ، ملمحة إلى اسم الدكتورة .
الدكتورة ميمونة شكرتها على تأييدها لرغبة ابنتها عائشة ، في دراسة الطب ، ووعدت أن تقف معها وتساندها ، أثناء دراستها في الكلية . تمنت أيضاً ، أن تزورها في المستشفى ، ومعها توأمها مارية وميمونة .. لتراهما :
- لقد شوّقتني لرؤية سَميِّتي ميمونة ، وتوأمها الأخرى .. الأَمّورة مارية . أنا متأكدة أن روزماري ستفرح بهما كثيراً . بالمناسبة ، فهي ممتنة جداً ، لتسميتك مارية عليها ، وقد ترك ذلك انطباعاً جيداً لديها.
يتبع