النسخ في القرآن الكريم :~
يرد النسخ في اللغة لمعنيين ..
أحدهما : التحويل والنقل ، ومنه نسخ الكتاب وهو أن يحول من كتاب إلى كتاب . والثاني: الرفع ، يقال نسخت الشمس الظل أي ذهبت به وأبطلته .
والنسخ في الاصطلاح : هو إزالة ما استقر من الحكم الشرعي بخطاب ..
لولاه لكان السابق ثابتاً.
والنسخ في القرآن على وجوه ،
أحدهما : أن يثبت الخط وينسخ الحكم مثل آية الوصية للأقارب ،
وآية عدة الوفاة بالحول ، وآية التخفيف في القتال .
ومنها أن ترفع تلاوتها أصلاً عن المصحف وعن القلوب ،
كما روي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف:
أن قوماً من الصحابة رضي الله عنهم قاموا ليلة ليقرؤوا سورة فلم يذكروا منها إلا بسم الله الرحمن الرحيم فغدوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه
فقال صلى الله عليه وسلم : "تلك سورة رفعت تلاوتها وأحكامها" .
والنسخ لا يدخل إلا الأحكام ،
فلا يدخل النسخ على الأخبار وهو مذهب جمهور أهل العلم ،
قال تعالى: ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها )106 / البقرة
وقوله تعالى: ( وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر )
النحل 101 .
فهاتان الآيتان صريحتان في وجود النسخ في القرآن ،
وقد أجمع السلف على وجود النسخ ، وهذا الإجماع لا يضره ما ورد بعده من خلاف ممن لا يعتد بمخالفتهم.
وللنسخ فوائد منها إظهار امتثال العباد أوامر الرب جل وعلا ،
ومنها التخفيف على العباد وهذا الغالب ،
ومنها كذلك التدرج في الأحكام كنسخ الأحكام التي أباحت بعض الأمور التي كان عليها المسلمون إلى الحرمة .
وقد ينسخ الأثقل إلى الأخف والأخف إلى الأثقل كنسخ صيام يوم عاشوراء والأيام المعدودة برمضان ،
وينسخ المثل بمثله نقلاً وخفة كالقبلة ،
وينسخ الشيء لا إلى بدل كصدقة النجوى ،
وينسخ القرآن بالقرآن والسنة ،
وهذا كله في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، أما بعد موته واستقرار الشريعة فأجمعت الأمة أنه لا نسخ ،
ولهذا كان الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به إذ انعقاده بعد انقطاع الوحي ،
فإذا وجدنا إجماعاً يخالف نصاً فيعلم أن الإجماع استند إلى نص ناسخ
لا نعلمه نحن وأن ذلك النص المخالف متروك العمل به .
وإنما اختلف العلماء في مسألة من المؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بينها للأسباب التي اختلف بها كثير من الأئمة في مسائل الأحكام ،
منها عدم بلوغ النسخ لهم ، ومنها اختلافهم في الحكم على الخبر الناسخ ، هل هو صحيح أم ضعيف ، ولاختلافهم في معرفة طرق النسخ وغير ذلك. والله أعلم .
أمثال القلوب حين ينزل عليها الوحي~
{وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} الأعراف 58
تذكر الآيات تفاوت الأراضي، التي ينزل عليها المطر،
فمنها ماهو طيب التربة والمادة، إذا نزل عليه مطر
{ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ } الذي هو مستعد له { بِإِذْنِ رَبِّهِ } بإرادة اللّه ومشيئته،
فليست الأسباب مستقلة بوجود الأشياء، حتى يأذن اللّه بذلك.
{ وَالَّذِي خَبُثَ } من الأراضي { لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا }
أي إلا نباتا خاسًا لا نفع فيه ولا بركة.
{ كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ }
ننوع الآيات ونبينها ونضرب فيها الأمثال ونسوقها لقوم يشكرون اللّه
بالاعتراف بنعمه، والإقرار بها، وصرفها في مرضاة اللّه،
فهم الذين ينتفعون بما فصل اللّه في كتابه من الأحكام والمطالب الإلهية،
لأنهم يرونها من أكبر النعم الواصلة إليهم من ربهم،
فيتلقونها مفتقرين إليها فرحين بها، فيتدبرونها ويتأملونها،
فيبين لهم من معانيها بحسب استعدادهم.
وهذا مثال للقلوب حين ينزل عليها الوحي الذي هو مادة الحياة،
كما أن الغيث مادة إحياء الأرض الميتة ،
فإن القلوب الطيبة حين يجيئها الوحي،
تقبله وتعلمه وتنبت بحسب طيب أصلها، وحسن عنصرها.
وأما القلوب الخبيثة التي لا خير فيها،
فإذا جاءها الوحي لم يجد محلًا قابلًا، بل يجدها غافلة معرضة،
فيكون كالمطر الذي يمر على السباخ والرمال والصخور،
فلا يؤثر فيها شيئًا،
وهذا كقوله تعالى: { أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا،فاحْتملَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا }
- تفسير السعدى - رحمه الله-
الصفحة الأخيرة
في وداع رمضان
كم هو جميل أن نودع رمضان بابتسامة مشرقة
نزرعها في وجوه الفقراء والمساكين والأيتام،
خاصة هذه الأيام، فالعيد على الأبواب،
وإدخال الفرح والبهجة والسرور من أعظم القربات
عند الله.
لقد كان حكيم بن حزام، الصحابي الجليل،
يحزن على اليوم الذي لا يجد فيه محتاجا
ليقضي له حاجته؛ فيقول: ما أصبحت وليس ببابي
صاحب حاجة إلا علمت أنها من المصائب التي أسأل الله
الأجر عليها.
وهذا ابن المبارك -عليه رحمة الله- حَجَّ مع جمع
من أهل مَرْو، فلما كانوا في منتصف الطريق
نزلوا في مكان ليستريحوا قليلا بجانب قرية
من القرى، فرأوا امرأة أخذت دجاجة ميتة
كانت في عرض الطريق، فسألها ابن المبارك:
لمَ يا أمَةَ الله؟ قالت: لقد أصيب أهل هذه القرية بالمرض
والجوع، ولي صبية صغار، والله ما أجد ما أطعمهم!
فتأثر بن المبارك ومَن معه، ونادى فيهم: ليس لكم حج هذا العام.
وأخذ الأموال والطعام ودفعها إلى أهل تلك القرية،
فأدخل السرور عليهم، وقضى حاجتهم، وعاد إلى بلاده.
وعن عائشة أم المؤمنين - - قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
مَن أدخل على أهل بيتٍ من المسلمين سرورا لم يرض الله له ثوابا دون الجنة .
رواه الطبراني بسند حسن.
وأرحامكم!! لا تنسوا وأنتم تودعون رمضان
أن تحسنوا إليهم، وأن تصلوا ما بينكم وبينهم
من قطيعة، وأن تدخلوا البهجة والسرور
إلى نفوسهم، فقد قضى جبار السماوات والأرض
على نفسه أنه من وصل رحمه وصله الله،
ومن قطعها قطعه الله. فلا تنسوا المعروف بينكم
مهما كانت الخلافات، ولا تنسوا الحقوق والواجبات
مهما بعدت المسافات.
هذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
تأتيه أخته من الرضاعة وقد ابتعدت عنه
ما يقارب أربعين سنة، فتأتيه وهو لا يعرفها وهي لا تعرفه،
مرت أيام وأيام، وأعوام وأعوام،
وتسمع وهي في بادية بني سعد في الطائف بانتصاره،
فتأتي لتسلم على أخيها من الرضاعة
وهو تحت سدرة -عليه الصلاة والسلام-،
والناس بسيوفهم بين يديه، وهو يوزع الغنائم
بين العرب، فتستأذن، فيقول لها الصحابة: من أنت؟
فتقول: أنا أخت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الرضاعة،
أنا الشيماء بنت الحارث، أرضعتني أنا وإياه حليمة السعدية،
فيخبرون الرسول -عليه الصلاة والسلام-
فيتذكر القربى وصلة الرحم والوشيجة والعلاقة
التي أنزلها الله من السماء، فيقوم لها ليلقاها في الطريق،
ويعانقها عناق الأخ لأخته بعد طول المدة،
وبعد الوحشة والغربة، ويأتي بها ويجلسها مكانه،
ويظللها من الشمس.
تصوروا! رسول البشرية، ومعلم الإنسانية،
ومزعزع كيان الوثنية، يظلل هذه العجوز من الشمس
بسبب رضعه واحدة، فأين الذين قاطعوا
عماتهم وخالاتهم، وبناتهم وأخواتهم؟
وهم كثيرٌ! حرموهن من الميراث الذي فرضه الله لهن،
وقاطعوهنَّ، فلا صلةَ ولا زيارةَ؛
حتى سمعنا ورأينا من العجائز الطاعنات
في السن من تقف الواحدة في فقرٍ،
وهي تبكي وتقول: ظلمني وأخذ حقي! أمْره إلى الله!.
اللهم أصلح فساد قلوبِنا، وارحم ضعفنا،
وحسِّنْ أخلاقنا، ووفِّقْنا إلى كل خير