دبه تسوي ريجيم
الحلقة العاشرة. مرت الأيام التالية علي سريعا .. وحرصت أن استمتع بالجلوس فيها بالقرب من سعود..وأولاده وإخوته.. ذهبنا سويا أنا وسعود للمكتبة واشترى لي مجموعة من الكتب.. لقد أراد سعود أن يعدني إعدادا شاملا للدراسة عند هذا الحبر.. لقد كان سعود أشبه بوالد يزف ولده ... ولم أكن اعلم أنا أو سعود ما يخبئه القدر لي.. قبل يوم السفر قدم قريب لسعود وكان قريب عهد بعرس .. تلفظ معي هذا الرجل بكلام فهمت منه أنني غير مرحب بي.. قال لي: أنت لست من شمر وأريدك أن تخرج هويتك من جيبك لتثبت عكس ذلك.. كان متكئا على وسادة ومقابلا لي ..ويشير بيده بكل تيه وغرور.. قام أخو سعود إليه فأراد أن يلطمه على وجهه فدفعته وقلت له دعه ليقل ما يقل.. لم يكن من اللائق بي أن أحرج الأخ سعود في بيته فسكت .. لكن أخا سعود استدعاني للمختصر وقال لي.. دعك من هذا السفيه وأنا أعرف كل شيء عنك وأنت أكرم عندي منه.. خفف ذلك علي كثيرا ففكرة الانتساب تلك مع خطئها الشرعي لم تكن فكرتي و هي شيء مخالف لأعراف الناس وتقاليدهم وفيها ما فيها!!! في اليوم التالي سافرنا صباحا للقصيم.. ودعت إخوة سعود ثم انطلقنا لرحلة الطلب .. لم يكن إخوة سعود على استقامة تامة بالدين مع محافظتهما على الصلاة في المسجد إلا أنهما رجلان شهمان طيبان وفيهما من الخلال الحميدة ما يفوق كثيرا ممن رايتهم من المحافظين على الشعائر الظاهرة.. لقد أتصل علي سعود بعد أربع سنوات من ذلك اللقاء الأخير.. واخبرني بخبر اليم عن أخويه فلقد حدث لهما حادث بالسيارة على الطريق العام في أحد طرق الشمال السيئة .. فتوفيا على الفور رحمهما الله رحمة واسعة.. وخلف على سعود فيهما خيرا في ذريته وأولاده.. مر علي منذ أن خرجت من بيتنا من الطائف حوالي ثلاثة شهور تقريبا.. وهاأنذا أنتقل لمنطقة جديدة والله أعلم مالذي ينتظرني.. كنا وسعود في تلك السفرة صامتين .. فليس في مخيلتي أي كلمات أو حوار دار بيننا.. سعود هذا رجل .. ويكفي أن اسميه رجل.. إن من الناس من هو كمعدن الحديد ومنهم من هو كالفضة ومنهم من هو كالذهب.. سعود في نظري معدنه أثمن من الذهب والله .. أنا لا احكم على الرجل من خلال موقفه هذا معي هذا اتركه للقراء الكرام.. وصدقوني يا معاشر القراء الكرام إن سعود لا يعلم عما أكتبه عنه الآن..شيئا والله.. ولو علم لغضب من ذلك وكرهه.. فهو يرى عمله ذاك شيئا يتقرب به لربه ولا يريد أن يخالطه مدح الناس.. إن سعود لا ينتظر من عمله ذاك أن أكتب عنه أو أن أمجده فهو لم يكن يعلم ولا أنا كنت أعلم أين تسير بنا الأمور وما هي خاتمتها.. إنني أكتب هذا الكلام وهذه المواقف لأسجل لأبنائي ما حل بوالدهم.. لأروي لهم عمن رويت ومن خالطت ليعرفوا قدر الرجال وليعرفوا الدب مع الناس إنني يا أبنائي وأنتم الآن أطفال صغار وستكبرون إن شاء الله.. اقتطع لكم من جسدي قطعا صغيرة مليئة بالمآسي والأحزان والأتراح والعذاب والآهات فأنسجها لكم بهذه العبارات لكي تستمتعوا بها.. وتكون أنيسا لكم في دهاليز وظلمات ومضائق الحياة.. وأسجل للقراء الكرام ما حدث معي حتى يكون للناس فيها عبرة لمن أراد ذلك.. إنني أطلب من إخوتي القراء الكرام أن يشاركوني هذا الدعاء.. اللهم جازي سعود عني خير الجزاء اللهم بارك له في ولده وذريته اللهم واغنه من فضلك واجعله من عبادك الصالحين واختم له بخاتمة صالحة يا ارحم الراحمين .. اللهم اجعله من أهل فردوسك الأعلى ووالديه وإخوانه وذريته يارب العالمين.. وصلت أنا وسعود إلى عنيزة .. تلك المدينة الصغيرة الجميلة الهادئة.. مدينة العلم والعلماء.. دفن فيها من العلماء والصالحين على قرون مالله بهم عليم.. سماها أمين الريحاني باريس نجد.. شوارعها جميلة ونظيفة وأهلها كمجمل أهل القصيم فيهم العلم والدين والأدب الرفيع.. دخلت عنيزة وأنا فقير مشرد احمل معي حقيبة ملابس وكرتون كتب.. وكنت احمل قبل هذا في جعبتي تجارب قاسية وخبرة بسيطة في الحياة وسذاجة وقلة حيلة .. دخلت عنيزة وأنا حائر و رأسي متلبد بغيوم الشك والارتياب والضياع .. لم أكن أعلم وأنا أدخل عنيزة هل سأمكث فيها يوما أو أسبوعا أو شهرا.. فما يدريني فأنا منذ شهور أتنقل في البلاد من مدينة لأخرى .. ومن يد ليد أخرى ولكن رعاية الكريم ورحمته سبحانه هي التي ترعاني دخلت وأنا ابلغ السادسة عشر عاما فقط.. وبقيت في عنيزة أكثر من اثنتي عشرة عاما.. حافلة بالتجارب والمواقف الرائعة مع إمام الدنيا وفقيهها شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين عليه سحائب الرحمة والغفران.. يتبع إن شاء الله
الحلقة العاشرة. مرت الأيام التالية علي سريعا .. وحرصت أن استمتع بالجلوس فيها بالقرب من...
الحلقة الحادية عشره

أكتب هذه المقالة وأنا مطرق وصامت..

أضع يدي على رأسي .. لكي أنظم ذاكرتي..

تمر أمام عيني الآن مئات المواقف .. والخواطر..

أشبه بحاسوب أدخلت إليه آلاف البيانات في وقت واحد..!!

إنني بهذه المقالة يا إخوتي وأخواتي أندب نفسي ..!!

إنني بها أنكأ جرحا غائرا..

قد خيطته بغرز منسوجة من الحديد ..

أحكي لكم عن أبي عبد الله !!

لكي تستمتعوا وتستأنسوا بعطره الجميل..

وبذكريات لا يعرف تفاصيلها من البشر سواي...

أما أنا فإنني أشق جروحا عميقة من جسدي وروحي

لأقول لكم خذوا هذه الذكرى الجميلة الموجودة في أعماقي، دونكم الدليل والبرهان..!!

عندما وصلنا لعنيزة أنا وسعود كان الوقت ضحى..

اذكر تلك اللحظات جيدا وما زالت في مخيلتي..

أوقفنا سيارتنا أمام الجامع الكبير في عنيزة..

عليه لوحة صغيرة خضراء..

مكتوب عليها جامع الشيخ عبد الرحمن الناصر السعدي رحمه الله

رفعت رأسي لأنظر لتلك المنارة الشاهقة والتي بنيت بجوارها منارتان حديثتان..

كأنهما فتاتان ذواتا قوام جميل ودلال وبهاء.. تنظران بشفقة وتشف

لتلك المنارة القديمة البناء المبنية بالطين واللبن..


تغنى أحد أدباء عنيزة بها قائلا..على لسان تلك المنارة..

وهي تخاطب الناس عن الشيخ ابن عثيمين قالت: أنا المئذنة وهو المنارة..!!!

نعم والله هي المئذنة وهو المنارة ..

هذه المئذنة بناها بناء محترف قبل عشرات السنين وكلف بناؤها عشرون ريالا..!!

ولكن أمير عنيزة زاد البناء عشرة ريالات مكافأة له على إتقان صنعته!!

وهي حتى هذه الساعة مازالت شامخة تفخر وتشرف على ضرتيها!!

وتغني وتقول .. أنا المئذنة وهو المنارة...

اقتربت من باب المسجد فشاهدت لوحة صغيرة مكتوب عليها

تسجيلات إسلامية..

دخلت للتسجيلات فرأيت رجلا ملتح ابيض وسيم الطلعة قصير وممتلئ

على وجهه لحية قد اختلط سوادها ببياضها..

سلمت عليه .. فرد علي بصوت فيه بحة !!

قلت له أين أجد الشيخ محمد ؟؟

قال الشيخ الآن في الجامع وعنده درس حتى الساعة العاشرة والنصف..

قلت : وبعد ذلك ..

قال : يذهب ماشيا لبيته.. هل أنت طالب جديد أم تريد الفتوى؟؟

قلت : لا، أنا أريد الالتحاق بحلقة الشيخ..

رحب بي .. وقال أهلا بك في عنيزة ...

ثم عرفني باسمه ، وقال أنا أخوك عبد الرحمن الخليفي ..

قلت له وهل أنت قريب الشيخ الخليفي إمام الحرم..؟

قال هو أحد أقاربنا..

قلت : أريد التحق بسكن الطلاب من أقابل؟؟

قال: قابل الشيخ مباشرة وتحدث معه فهو صاحب الحل والربط!!!

منذ ذلك التاريخ أصبحت لي مع أبي صالح علاقة طيبة.. بارك الله فيه

خرجت من عنده فسمعت صارخا يصرخ على الميكرفون ..

بسم الله ونصلي على رسول الله...

عشرة ،عشرة، عشرة !!

ظننتها محاضرة !!!

ولكن حينما أنصت له عرفت أنه صوت البائع في سوق الخضار المقابل للمسجد...!!!

قلت لسعود ماذا ترى؟؟

قال : دعنا لنذهب نفطر وتصلي مع الشيخ صلاة الظهر.. وتقابله..

توجهنا لأطراف عنيزة في المزارع المحيطة بها..

حيث تنتشر البساتين الخضراء والمزروعة بالنخيل على مد البصر..

جلسنا تحت ظلال شجرة واخرج سعود عدة الطبخ ..

وصنعنا الشاي.. والإفطار..

كانت آخر جلسة لي مع سعود في مثل هذه الحال..

قلت لسعود : أنت لديك سفر طويل ، فهيا قم وأوصلني للجامع وسوف أتدبر أمري..

وفعلا توجهنا للجامع .. وأوقفني أمامه .. ودخلت أنا وسعود لصرحة المسجد ..

حينما فتحنا الباب وجدنا الجامع خال من الطلاب ..والشيخ قد طلع من الدرس!!

وضعت متاعي في زاوية المسجد قريبا من رفوف النعال..

ثم خرجت مع سعود..

أردت أن يكون وداعا سريعا!! حتى لا ينفطر فؤادي والله.. حزنا وكمدا..

قبلته بين عينيه ودعوت له وانصرفت وأنا تخنقني العبرة..

دخلت للمسجد فتنهدت وصليت على رسول الله..

تجولت بنظري في الجامع ..

لمن لا يعرف الجامع يظن ذلك الجزء هو كل الجامع..

استصغرته في البداية .. ولكن بعد حين عرفت أن ذلك تقسيم متعمد

وهو تقسيم معهود في المنطقة كلها..

في وسط المسجد يقع محراب خشبي مقوس ارتفاعه حوالي نصف ذراع ..

وبجوارة علبة خشبية صغيرة لوضع النعال!!

وفرشت سجادة من الفرش الرخيص ..

قد بليت مواضع السجود منها وموضع الركبتين!!

وألقيت بجواره مهفة ليروح بها الإمام عن نفسه من الحر..

وقعت عيني على مقعد على يسار الداخل للجامع ارتفاعه ذراع ويتسع لجالس واحد فقط

ولا قوائم له، يتكئ من يجلس عليه على جدار المسجد..

وأمام المقعد اسطوانة حدية مدهون مثبت بالأرض بمسامير قوية

عرضت عليه خشية طولها نصف متر تقريبا فيها فتحات صغيرة..

لوضع الميكرفونات عليها..

وأمام ذلك المقعد قد ألصقت بالأرض علامات منحنية كقوس لترتيب صفوف الطلاب..

حول شيخهم...

عرفت أن ذلك هو موقع الدروس..

صليت تحية المسجد واتكأت على الجدار ووضعت خدي على كف يدي

أفكر في حالي....

فتح الباب بشدة ودلف منه شخص كبير في السن!! ..

وعليه مرآة عريضة وبشت ثقيل !!

حينما رآني نظر لي نظرة حادة .. فصرفت وجهي عنه خوفا من نظراته..

فلم يعرني كثير انتباه!!

كأنه يقول واحدة بواحدة..!!

وضع نعله خلف موقع الإمام ثم خرج من المسجد!!

يتبع إن شاء الله
دبه تسوي ريجيم
الحلقة العاشرة. مرت الأيام التالية علي سريعا .. وحرصت أن استمتع بالجلوس فيها بالقرب من سعود..وأولاده وإخوته.. ذهبنا سويا أنا وسعود للمكتبة واشترى لي مجموعة من الكتب.. لقد أراد سعود أن يعدني إعدادا شاملا للدراسة عند هذا الحبر.. لقد كان سعود أشبه بوالد يزف ولده ... ولم أكن اعلم أنا أو سعود ما يخبئه القدر لي.. قبل يوم السفر قدم قريب لسعود وكان قريب عهد بعرس .. تلفظ معي هذا الرجل بكلام فهمت منه أنني غير مرحب بي.. قال لي: أنت لست من شمر وأريدك أن تخرج هويتك من جيبك لتثبت عكس ذلك.. كان متكئا على وسادة ومقابلا لي ..ويشير بيده بكل تيه وغرور.. قام أخو سعود إليه فأراد أن يلطمه على وجهه فدفعته وقلت له دعه ليقل ما يقل.. لم يكن من اللائق بي أن أحرج الأخ سعود في بيته فسكت .. لكن أخا سعود استدعاني للمختصر وقال لي.. دعك من هذا السفيه وأنا أعرف كل شيء عنك وأنت أكرم عندي منه.. خفف ذلك علي كثيرا ففكرة الانتساب تلك مع خطئها الشرعي لم تكن فكرتي و هي شيء مخالف لأعراف الناس وتقاليدهم وفيها ما فيها!!! في اليوم التالي سافرنا صباحا للقصيم.. ودعت إخوة سعود ثم انطلقنا لرحلة الطلب .. لم يكن إخوة سعود على استقامة تامة بالدين مع محافظتهما على الصلاة في المسجد إلا أنهما رجلان شهمان طيبان وفيهما من الخلال الحميدة ما يفوق كثيرا ممن رايتهم من المحافظين على الشعائر الظاهرة.. لقد أتصل علي سعود بعد أربع سنوات من ذلك اللقاء الأخير.. واخبرني بخبر اليم عن أخويه فلقد حدث لهما حادث بالسيارة على الطريق العام في أحد طرق الشمال السيئة .. فتوفيا على الفور رحمهما الله رحمة واسعة.. وخلف على سعود فيهما خيرا في ذريته وأولاده.. مر علي منذ أن خرجت من بيتنا من الطائف حوالي ثلاثة شهور تقريبا.. وهاأنذا أنتقل لمنطقة جديدة والله أعلم مالذي ينتظرني.. كنا وسعود في تلك السفرة صامتين .. فليس في مخيلتي أي كلمات أو حوار دار بيننا.. سعود هذا رجل .. ويكفي أن اسميه رجل.. إن من الناس من هو كمعدن الحديد ومنهم من هو كالفضة ومنهم من هو كالذهب.. سعود في نظري معدنه أثمن من الذهب والله .. أنا لا احكم على الرجل من خلال موقفه هذا معي هذا اتركه للقراء الكرام.. وصدقوني يا معاشر القراء الكرام إن سعود لا يعلم عما أكتبه عنه الآن..شيئا والله.. ولو علم لغضب من ذلك وكرهه.. فهو يرى عمله ذاك شيئا يتقرب به لربه ولا يريد أن يخالطه مدح الناس.. إن سعود لا ينتظر من عمله ذاك أن أكتب عنه أو أن أمجده فهو لم يكن يعلم ولا أنا كنت أعلم أين تسير بنا الأمور وما هي خاتمتها.. إنني أكتب هذا الكلام وهذه المواقف لأسجل لأبنائي ما حل بوالدهم.. لأروي لهم عمن رويت ومن خالطت ليعرفوا قدر الرجال وليعرفوا الدب مع الناس إنني يا أبنائي وأنتم الآن أطفال صغار وستكبرون إن شاء الله.. اقتطع لكم من جسدي قطعا صغيرة مليئة بالمآسي والأحزان والأتراح والعذاب والآهات فأنسجها لكم بهذه العبارات لكي تستمتعوا بها.. وتكون أنيسا لكم في دهاليز وظلمات ومضائق الحياة.. وأسجل للقراء الكرام ما حدث معي حتى يكون للناس فيها عبرة لمن أراد ذلك.. إنني أطلب من إخوتي القراء الكرام أن يشاركوني هذا الدعاء.. اللهم جازي سعود عني خير الجزاء اللهم بارك له في ولده وذريته اللهم واغنه من فضلك واجعله من عبادك الصالحين واختم له بخاتمة صالحة يا ارحم الراحمين .. اللهم اجعله من أهل فردوسك الأعلى ووالديه وإخوانه وذريته يارب العالمين.. وصلت أنا وسعود إلى عنيزة .. تلك المدينة الصغيرة الجميلة الهادئة.. مدينة العلم والعلماء.. دفن فيها من العلماء والصالحين على قرون مالله بهم عليم.. سماها أمين الريحاني باريس نجد.. شوارعها جميلة ونظيفة وأهلها كمجمل أهل القصيم فيهم العلم والدين والأدب الرفيع.. دخلت عنيزة وأنا فقير مشرد احمل معي حقيبة ملابس وكرتون كتب.. وكنت احمل قبل هذا في جعبتي تجارب قاسية وخبرة بسيطة في الحياة وسذاجة وقلة حيلة .. دخلت عنيزة وأنا حائر و رأسي متلبد بغيوم الشك والارتياب والضياع .. لم أكن أعلم وأنا أدخل عنيزة هل سأمكث فيها يوما أو أسبوعا أو شهرا.. فما يدريني فأنا منذ شهور أتنقل في البلاد من مدينة لأخرى .. ومن يد ليد أخرى ولكن رعاية الكريم ورحمته سبحانه هي التي ترعاني دخلت وأنا ابلغ السادسة عشر عاما فقط.. وبقيت في عنيزة أكثر من اثنتي عشرة عاما.. حافلة بالتجارب والمواقف الرائعة مع إمام الدنيا وفقيهها شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين عليه سحائب الرحمة والغفران.. يتبع إن شاء الله
الحلقة العاشرة. مرت الأيام التالية علي سريعا .. وحرصت أن استمتع بالجلوس فيها بالقرب من...
الحلقة الثانية عشر..

كان ذلك الشيخ الذي دخل للمسجد وخرج هو العم عبد الله بن عمر العمري..

وهو احد أقران الشيخ ابن عثيمين في الدراسة على شيخه ابن سعدي رحمه الله..

بعد برهة وجيزة دخل ذلك الشيخ مرة أخرى ..

وتسنن ثم نشر مصحفه وانكب عليه..

بقيت وحيدا أرقب باب المسجد وارقب حقيبتي وكرتوني..

خرجت قليلا من باب المسجد ، و قفت على الدرج الخارجي العريض ..

حيث يقابل الخارج من المسجد دكانان أحدهما مكتوب عليه مركز إحياء التراث ..

وعلى اليسار لوحة مكتوب عليها مؤسسة الاستقامة.. وكانت مغلقة!!

دخلت لإحياء التراث ، وهي عبارة عن مكتب خدمات تصوير ..

مليء بمذكرات دروس الشيخ ابن عثيمين ، وغيره من العلماء..
استأذنت البائع بالتصفح فأذن لي..

وسألته : هل هذه من تأليف الشيخ ..؟؟

قال : كلا ، هذه مذكرات مفرغة من دروس الشيخ ...

خرجت من عنده ثم توجهت للوضوء والاستعداد للصلاة..

بعد دقائق ... دخل شاب نحيل بهي الطلعة..

وتقدم لدولاب طويل أبيض خلف المحراب ملصق بالجدار..

ففتحه ثم أضاء الميكرفون فأذن.. بصوت عذب وندي أعجز عن وصفه..

لم اسمع في حياتي أذانا جميلا مثل أذان ذلك الشاب ..

لا أدري هل ذلك بسبب حبي للجامع وأهله أم أن ذلك حق يوافقني عليه آخرون..؟؟

لكن هذا رأيي الشخصي عن ذلك الصوت ولا شك أن الأذواق تختلف في الحكم ..!!

فلا تلوموني إخوتي !!!

اسم ذلك الشاب عبد الرحمن الريس بارك الله فيه..فهو جاري في الصف لسنوات !!
بعدها تتابع الناس في الدخول للمسجد ولكن بوتيرة بطيئة!!

خلاف ما رأيته في المساجد الأخرى.. !!

وغالب من جاء للمسجد هم من الشباب المستقيم الملتزم ...

تأخر الإمام فسألت من بجواري : هل الشيخ موجود ؟؟

قال : نعم ولكنه يتأخر..

وبعد مرور حوالي خمس وأربعين دقيقة من الأذان دخل الشيخ...

هو كما عهدته لم يتغير من شكله شيء ..

غير أنني هذه المرة أنا من قدم إليه..

تقدم من الباب ثم خلع نعله وحملها بيده ثم سلم على الجماعة ..

وقف المؤذن وفي يده ميكرفون ذو حبل طويل مما يعلق على الصدر..!!

أقام الصلاة .. وكان الشيخ يستن بالسواك بيده اليسرى!!

التفت للمؤذن ثم تناول منه الميكرفون فعلقه الشيخ على صدره بلمسة إحترافية..!!

ثم التفت للناس وأمر الجميع بالاستواء والتراص..

نظرات الشيخ ثاقبة وحاجباه كثيفان مليئان بالشعر الأبيض..

يثيران في النفس الرهبة والمهابة.. كأن نظرته تخترق جسدك اختراقا..!!

قدم وأخر في الصفوف كأنه قائد جيش !!

حينما اطمأن من تراص الصفوف واستكمال الأول فالأول كبر الشيخ..

أطال الشيخ في الركعة الأولى إطالة لم أعهدها...!!

وفي ركوعه وسجوده وسائر الأركان يطيل الشيخ تطويلا بينا..

فمع كبر سنه إلا أن نشاطه وتماسكه يساعدانه على تحمل تلك الصلاة !!

ثم إن أغلب من يصلي معه من الشباب النشيط..

سوى العم عبد الله العمري سالف الذكر..

ورجلا آخر له شأن وأي شان...

رجل مسن رقيق الجسم لا تكاد أن ترى في جسمه مزعة لحم..

منحني الظهر ثيابه رثة وهيئته كهيئة مخبول أو معتوه !!

ولكنه يحمل في صدره علما كالجبال ..

إنه الشيخ الزاهد عبد الله الفالح..

حينما رأيته ظننته شحاتا ..

ولكن سمعت عنه وجالسته بعد ذلك فوجدت الرجل واسع الإطلاع راسخ العلم ..

غير انه زاهد في الدنيا ومتعها حتى إنه لم يتزوج قط..!!

ولعل أن تأتي مناسبة للحديث عن هذا الحبر بشكل أوسع ..

ختم الشيخ صلاته بالسلام ..

ثم استغفر بصوت جهوري .. وضج المسجد خلفه بالتسبيح والتهليل..

ثم استدار الشيخ بفتوة ونشاط كما يستدير الفارس على صهوة فرسه..!!

واستمر في تسبيحه وتهليله..

تخطيت الصفوف وجلست بجوار الشيخ فألقيت بين يديه توصية صاحبي..

فأشار لي الشيخ بيده اليسرى وهزها بعنف أن انتظر ..

فخجلت وشعرت بحرارة تملئ وجهي حياء من ذلك الموقف..

حينما استكمل الشيخ تسبيحه قال ماذا تريد..؟؟

فقدمت له الورقة..

فقال : ماذا فيها؟؟

قلت: توصية من فلان..

قال أعرفه وماذا تريد ؟؟

قلت أريد أن ألتحق بحلقتك للدراسة لديك...

قرأ الورقة بسرعة ثم أعادها وقال..: هذا لا يكفي لا بد من توصيتين .. ابحث عن

شخص آخر أعرفه ليوصي بك..!!!

ثم فز من مجلسه وتناول نعله وقام..!!!

بقيت برهة أنظر حولي واحترت..؟؟؟

هل انتهى كل شيء ؟؟

لم اطل التفكير بل عزمت أن ألحق بالشيخ لأكلمه مرة أخرى..!!

خرجت فلحقته فرأيت حشدا من الناس تسير مع الشيخ..

منهم السائل والمستفتي ومنهم صاحب الحاجة ..

كنت أراقب المشهد وأنا بحذو الشيخ ..

يسير الشيخ من المسجد حتى بيته في كل الصلوات..

صيفا وشتاء .. دونما كلل ..

ولقد رأيت فتية نشطاء أقوياء يعجزون عن لحاق الشيخ حينما يسرع الخطى!!

بعد تجاوز نصف المسافة .. ورجوع أكثر الناس..

نظر إلي وقال : ايش عندك؟

قلت له : ياشيخ لقد جئتك من مكان بعيد ولا يعرفني أحد سوى فلان الذي أوصى بي..

فماذا أفعل ؟ لا سكن عندي ولا أعرف أحدا هنا في عنيزة؟؟؟

قال : هل أنت شمري من حائل؟؟

أسقط في يدي فالورقة فيها فلان الشمري؟؟

فلو قلت غير ما هو مكتوب فهذا نهاية المطاف ؟؟

وإن كذبت فلا حول ولا قوة إلا بالله !!

تماسكت وقلت: نعم أنا شمري؟؟

قال هل يعرفك عبد الله العبيلان رئيس مكتب الدعوة في حائل؟

قلت : لا والله..

قال هل يعرفك فلان رئيس المحكمة؟؟

قلت : لا والله ياشيخ!!

قال : ماذا افعل لك تصرف!!

قلت : هل ممكن أن أنزل في السكن مع الطلاب حتى أجد من يزكيني؟؟

أدار الشيخ وجهه نحوي..

أخذني الشيخ طولا وعرضا بنظره وتأملني ثم قال : لا بأس أذهب لمحمد البجادي !!

وقله أرسلني لك محمد للسكن مؤقتا !!

قبلت رأسه ورجعت لمتاعي..

حملته ثم التففت من خلف السكن المقابل للمسجد..

وشاهدت جموعا من الطلبة تصعد وتنزل من باب السكن..

فرأيت لوحة مكتوب عليها : مكتبة عنيزة الوطنية ..

أسسها الشيخ عبد الرحمن الناصر السعدي..

وها أنذا أدخل السكن الذي لن أخرج منه سوى بعد سنوات..
دبه تسوي ريجيم
الحلقة العاشرة. مرت الأيام التالية علي سريعا .. وحرصت أن استمتع بالجلوس فيها بالقرب من سعود..وأولاده وإخوته.. ذهبنا سويا أنا وسعود للمكتبة واشترى لي مجموعة من الكتب.. لقد أراد سعود أن يعدني إعدادا شاملا للدراسة عند هذا الحبر.. لقد كان سعود أشبه بوالد يزف ولده ... ولم أكن اعلم أنا أو سعود ما يخبئه القدر لي.. قبل يوم السفر قدم قريب لسعود وكان قريب عهد بعرس .. تلفظ معي هذا الرجل بكلام فهمت منه أنني غير مرحب بي.. قال لي: أنت لست من شمر وأريدك أن تخرج هويتك من جيبك لتثبت عكس ذلك.. كان متكئا على وسادة ومقابلا لي ..ويشير بيده بكل تيه وغرور.. قام أخو سعود إليه فأراد أن يلطمه على وجهه فدفعته وقلت له دعه ليقل ما يقل.. لم يكن من اللائق بي أن أحرج الأخ سعود في بيته فسكت .. لكن أخا سعود استدعاني للمختصر وقال لي.. دعك من هذا السفيه وأنا أعرف كل شيء عنك وأنت أكرم عندي منه.. خفف ذلك علي كثيرا ففكرة الانتساب تلك مع خطئها الشرعي لم تكن فكرتي و هي شيء مخالف لأعراف الناس وتقاليدهم وفيها ما فيها!!! في اليوم التالي سافرنا صباحا للقصيم.. ودعت إخوة سعود ثم انطلقنا لرحلة الطلب .. لم يكن إخوة سعود على استقامة تامة بالدين مع محافظتهما على الصلاة في المسجد إلا أنهما رجلان شهمان طيبان وفيهما من الخلال الحميدة ما يفوق كثيرا ممن رايتهم من المحافظين على الشعائر الظاهرة.. لقد أتصل علي سعود بعد أربع سنوات من ذلك اللقاء الأخير.. واخبرني بخبر اليم عن أخويه فلقد حدث لهما حادث بالسيارة على الطريق العام في أحد طرق الشمال السيئة .. فتوفيا على الفور رحمهما الله رحمة واسعة.. وخلف على سعود فيهما خيرا في ذريته وأولاده.. مر علي منذ أن خرجت من بيتنا من الطائف حوالي ثلاثة شهور تقريبا.. وهاأنذا أنتقل لمنطقة جديدة والله أعلم مالذي ينتظرني.. كنا وسعود في تلك السفرة صامتين .. فليس في مخيلتي أي كلمات أو حوار دار بيننا.. سعود هذا رجل .. ويكفي أن اسميه رجل.. إن من الناس من هو كمعدن الحديد ومنهم من هو كالفضة ومنهم من هو كالذهب.. سعود في نظري معدنه أثمن من الذهب والله .. أنا لا احكم على الرجل من خلال موقفه هذا معي هذا اتركه للقراء الكرام.. وصدقوني يا معاشر القراء الكرام إن سعود لا يعلم عما أكتبه عنه الآن..شيئا والله.. ولو علم لغضب من ذلك وكرهه.. فهو يرى عمله ذاك شيئا يتقرب به لربه ولا يريد أن يخالطه مدح الناس.. إن سعود لا ينتظر من عمله ذاك أن أكتب عنه أو أن أمجده فهو لم يكن يعلم ولا أنا كنت أعلم أين تسير بنا الأمور وما هي خاتمتها.. إنني أكتب هذا الكلام وهذه المواقف لأسجل لأبنائي ما حل بوالدهم.. لأروي لهم عمن رويت ومن خالطت ليعرفوا قدر الرجال وليعرفوا الدب مع الناس إنني يا أبنائي وأنتم الآن أطفال صغار وستكبرون إن شاء الله.. اقتطع لكم من جسدي قطعا صغيرة مليئة بالمآسي والأحزان والأتراح والعذاب والآهات فأنسجها لكم بهذه العبارات لكي تستمتعوا بها.. وتكون أنيسا لكم في دهاليز وظلمات ومضائق الحياة.. وأسجل للقراء الكرام ما حدث معي حتى يكون للناس فيها عبرة لمن أراد ذلك.. إنني أطلب من إخوتي القراء الكرام أن يشاركوني هذا الدعاء.. اللهم جازي سعود عني خير الجزاء اللهم بارك له في ولده وذريته اللهم واغنه من فضلك واجعله من عبادك الصالحين واختم له بخاتمة صالحة يا ارحم الراحمين .. اللهم اجعله من أهل فردوسك الأعلى ووالديه وإخوانه وذريته يارب العالمين.. وصلت أنا وسعود إلى عنيزة .. تلك المدينة الصغيرة الجميلة الهادئة.. مدينة العلم والعلماء.. دفن فيها من العلماء والصالحين على قرون مالله بهم عليم.. سماها أمين الريحاني باريس نجد.. شوارعها جميلة ونظيفة وأهلها كمجمل أهل القصيم فيهم العلم والدين والأدب الرفيع.. دخلت عنيزة وأنا فقير مشرد احمل معي حقيبة ملابس وكرتون كتب.. وكنت احمل قبل هذا في جعبتي تجارب قاسية وخبرة بسيطة في الحياة وسذاجة وقلة حيلة .. دخلت عنيزة وأنا حائر و رأسي متلبد بغيوم الشك والارتياب والضياع .. لم أكن أعلم وأنا أدخل عنيزة هل سأمكث فيها يوما أو أسبوعا أو شهرا.. فما يدريني فأنا منذ شهور أتنقل في البلاد من مدينة لأخرى .. ومن يد ليد أخرى ولكن رعاية الكريم ورحمته سبحانه هي التي ترعاني دخلت وأنا ابلغ السادسة عشر عاما فقط.. وبقيت في عنيزة أكثر من اثنتي عشرة عاما.. حافلة بالتجارب والمواقف الرائعة مع إمام الدنيا وفقيهها شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين عليه سحائب الرحمة والغفران.. يتبع إن شاء الله
الحلقة العاشرة. مرت الأيام التالية علي سريعا .. وحرصت أن استمتع بالجلوس فيها بالقرب من...
الحلقة الثالثة عشر

دخلت لسكن الطلاب وهي عمارة ذات أربع طوابق..

تبرع بها الملك خالد رحمه الله وأوقفها لطلبة العلم في الجامع الكبير..

صعدت للطابق الثاني فوجدت الطلبة مجتمعين على الغداء..

وعن يمين الصالة علقت لوحة مكتوب عليها ( المكتبة)

سألت عن محمد بن بجاد.. فقال محدثي : أنا هو..!!

وكان واقفا بجوار براد الماء على مدخل صالة الطعام..

قلت له لقد بعثني الشيخ محمد إليك لكي توفر لي سكنا مؤقتا ..

قال : لماذا مؤقت؟؟

قلت : لم استكمل التوصيات ..

قال : ما اسمك؟؟

هل سأقول لهم اسما غير الذي أنادى به من شهر؟؟؟

أنا فلان الشمري؟؟

قال: ولكن لهجتك؟؟

قلت له: أنا عايش طوال حياتي في الطائف؟؟؟

انتهيت من تحقيق الأخ محمد الظريف ثم قال تفضل استرح في المطبخ!!!

دخلت لصالة الطعام .. وهي صالة مفروشة بزل قديم ..

كانت أشكال الطلبة مختلفة ومتباينة !!

فتسمع اللهجة الحجازية وكذلك لهجة نجد طبعا..وترى الأفغاني والأفريقي..

جاؤا من أصقاع الأرض ليثنوا ركبهم عند ذلك الحبر ..

يجلس الطلبة حلقا على سفر الطعام..

كانت رائحة الأكل تثير الشهية فانتظرت الأخ محمد ليدعوني أو غيره من الطلاب ..!

فلقد كنت خجلا فأنا غريب بينهم ولا اعرف أحدا منهم..

غربة ما بعدها غربة والله المستعان!!

تكرم احد الطلبة بعد أن لمحني أتلمض دجاجة مشوية لا احد حولها..

قال : تفضل كل معنا يا أخي ؟؟

كدت أن أتمنع!!

ولكن الجوع أبصر ..!!

فانقضضت على طريدتي.. ولم يزاحمني عليها احد.. فظن شرا ولا تسأل عن الخبر!!

حينما شبعت وغسلت يدي ..

وخلت الصالة بعد أن ذهب جلهم لغرفهم وبعضهم يقيم خارج السكن!!

بجوار المطبخ ثلاجة ذات بابين فيها مالذ من شراب وعصير وحلويات!! توجد

ولكن بجوارها يجلس رجل أفغاني كأضخم رجل تراه!!

وله لحية كثة وسمعت الطلبة يسمونه علاء الدين...

قلت له : ياعلاء الدين ؟؟ هل ممكن اشتري من هذه الثلاجة؟؟

ظننته سيقول هذا بالمجان تفضل خذ ما تريد!!

قال : ايش تشرب ؟

فطلبت البارد .. فقال : بس واحد ريال!!

دفعته طبعا ومن ذا يجرؤ يزعل مثل هذا المخلوق الضخم!!

لكن هذه الضخامة والسعة في الجسم تخفي في داخلها قلبا كبيرا ..

إن علاء الدين هذا رجل لا كالرجال !!

ولا اعرف أحدا في سكن الطلاب قد اشتكى منه طوال إقامتي في السكن..

ويكفي ثقة شيخنا محمد به ..

دعونا من علاء الدين الآن .. ولنكمل قصتنا..!!

توسدت حقيبتي فنمت ...

استيقظت على أذان عبد الرحمن وما أجمله من نداء..

لم يكن في الحقيبة شيء يخاف عليه فتركتها غير عابئ بما يصير لها!!

صلى بنا شيخنا صلاة العصر ثم قرأ عليه قارئ من كتاب رياض الصالحين ( أظن)

فعلق عليه الشيخ تعليقا مبسطا ميسرا..

والملاحظ كثرة المصلين في صلاة العصر عن صلاة الظهر ..

حينما كان الشيخ يتحدث تذكرت رجلا يعمل في هيئة الأمر بالمعروف في حائل

وهو من أقرباء سعود وذكر لي أنه من تلاميذ الشيخ محمد القدامى..

اسمه عباس المعاشي( أو الشمري الشك مني).. بعد انتهاء الدرس تحلق حول الشيخ حشد من الناس منهم السائل ومنهم المستفتي وصاحب الحاجة ولقد رايت ما يعانيه الشيخ من صلف الناس وجفاءهم فرحمه الله وعفا عنه

لحقت الشيخ وسألته...

هل تقبل توصية عباس الشمري....؟؟

قال : أنعم به وأكرم ...

كنت احتفظ برقم عباس ..

فتوجهت لكابينة الهاتف واتصلت عليه..

رد علي عباس بصوت غير الذي عهدته؟؟

كلمته في الموضوع..!!

قال : أنا مريض ولكن سوف اتصل على الشيخ وابلغه بما تريد إن شاء الله..

رجعت للسكن وبحثت عن محمد بن بجاد..

فطلبت منه غرفة بسرير مريح لكي أضع متاعي فيها!!

ضحك وقال : تعال اريك غرفتك!!

صعدنا للدور الثالث .. ففتح لي الباب ..

فرأيت غرفتي المريحة!!

غرفة صغيرة ملقى فيها طراحة مهترئة ولحاف بالي ووسادة مهترة!!

قد فرشت ببساط أقرب حاله أن أسميه أنه هالك!!!

ركز بجدرانها رفوف فارغة لوضع الكتب .. فكانت أشبه بعجوز فاغرة ولا أسنان لها..

قال تفضل هذه غرفتك..!!

وقال : أنا لست مشرف السكن!!

إن أردت شيء فكلم الأخ محمد زين العابدين !!

قلت له: وأين أجد محمد زين العابدين هذا؟؟

قال هو مسافر وسيأتي اليوم من شرورة ..و هو ينزل في غرفة في الدور الثاني ..

مع شخص اسمه نافع الشمري!!

حينما سمعت كلمة (شمري) جمد الدم في عروقي !!

فهاأنذا أجاور شمريا حقيقيا !!

ثم انصرف .. وتركني في الغرفة..

وأظنه قال في نفسه : يالهذا الأحمق هل يظن نفسه سينزل في غرفة خمس نجوم!!

جلست على طراحتي البالية ..

أنظر لجدران الغرفة المتسخة !!

سبحان الله .. كيف يرضى الشيخ محمد بهذا الحال؟؟

ولم أكن اعلم إلا بعد حين أن غرفتي تلك هي غرفة الضيافة!!

ولكن بعد فترة والشهادة لله فقد تحسنت الأوضاع بشكل ملفت..

وجدد السكن تجديدا يليق بمقام شيخنا رحمه الله رحمة واسعة..

وقفت على نافذة الغرفة حيث تشرف نافذتي على الشارع العام..

أراقب الرائح والجاي كما يقولون!!

لمحت نسوة كثرا متلفعات بالسواد .. وجالسات على الرصيف ..

وبعد لحظات جاء الباص فحملهن ومكتوب عليه ( مستشفى الملك سعود)

إذا ،هن ممرضات!! ومتسترات بهذا الستر؟؟ .. بل وسمعت ان كثيرا منهن غير مسلمات!!

فالسفور كما سبق نادر أو معدوم ...

تركت الممرضات اللاتي يذكرنني بالمرض والهم فنزلت للمسجد..

سألت عن الدرس في تلك الليلة ..

فقالوا لي :الدرس الليلة في كتاب زاد المستنقع ..

سألت أحد الطلاب عن مكتبة قريبة..

فأشار لمكتبة مجاورة لجنوب المسجد مكتوب عليها مكتبة الإمام الذهبي..

دخلت للمكتبة وطلبت من البائع أن يعطيني متن الزاد..

فاشتريته ثم توجهت للمسجد..

رأيت مجموعة من الكتب موضوعة للحجز أمام الشيخ ..

ولم تكن تلك العادة غريبة علي فقد كنت افعلها في دروس مشائخنا في الطائف..

تقدمت وبكل جرأة وصفاقة !!

فالتفت حولي هل يراني من احد !!

فأزحت كتابين عن بعضهما وفرقت بينهما في المجالس ووضعت كتابي بينهما..!!

ولقد اخترت الصف الأول بل وأمام الشيخ مباشرة!!
لقد كانت تلك الجرأة والصفاقة سببا هيئه الله تعالى لي لكي يفتح قلب شيخنا الكبير

لشخص مغمور ضائع مثلي...
يتبع إن شاء الله
دبه تسوي ريجيم
الحلقة العاشرة. مرت الأيام التالية علي سريعا .. وحرصت أن استمتع بالجلوس فيها بالقرب من سعود..وأولاده وإخوته.. ذهبنا سويا أنا وسعود للمكتبة واشترى لي مجموعة من الكتب.. لقد أراد سعود أن يعدني إعدادا شاملا للدراسة عند هذا الحبر.. لقد كان سعود أشبه بوالد يزف ولده ... ولم أكن اعلم أنا أو سعود ما يخبئه القدر لي.. قبل يوم السفر قدم قريب لسعود وكان قريب عهد بعرس .. تلفظ معي هذا الرجل بكلام فهمت منه أنني غير مرحب بي.. قال لي: أنت لست من شمر وأريدك أن تخرج هويتك من جيبك لتثبت عكس ذلك.. كان متكئا على وسادة ومقابلا لي ..ويشير بيده بكل تيه وغرور.. قام أخو سعود إليه فأراد أن يلطمه على وجهه فدفعته وقلت له دعه ليقل ما يقل.. لم يكن من اللائق بي أن أحرج الأخ سعود في بيته فسكت .. لكن أخا سعود استدعاني للمختصر وقال لي.. دعك من هذا السفيه وأنا أعرف كل شيء عنك وأنت أكرم عندي منه.. خفف ذلك علي كثيرا ففكرة الانتساب تلك مع خطئها الشرعي لم تكن فكرتي و هي شيء مخالف لأعراف الناس وتقاليدهم وفيها ما فيها!!! في اليوم التالي سافرنا صباحا للقصيم.. ودعت إخوة سعود ثم انطلقنا لرحلة الطلب .. لم يكن إخوة سعود على استقامة تامة بالدين مع محافظتهما على الصلاة في المسجد إلا أنهما رجلان شهمان طيبان وفيهما من الخلال الحميدة ما يفوق كثيرا ممن رايتهم من المحافظين على الشعائر الظاهرة.. لقد أتصل علي سعود بعد أربع سنوات من ذلك اللقاء الأخير.. واخبرني بخبر اليم عن أخويه فلقد حدث لهما حادث بالسيارة على الطريق العام في أحد طرق الشمال السيئة .. فتوفيا على الفور رحمهما الله رحمة واسعة.. وخلف على سعود فيهما خيرا في ذريته وأولاده.. مر علي منذ أن خرجت من بيتنا من الطائف حوالي ثلاثة شهور تقريبا.. وهاأنذا أنتقل لمنطقة جديدة والله أعلم مالذي ينتظرني.. كنا وسعود في تلك السفرة صامتين .. فليس في مخيلتي أي كلمات أو حوار دار بيننا.. سعود هذا رجل .. ويكفي أن اسميه رجل.. إن من الناس من هو كمعدن الحديد ومنهم من هو كالفضة ومنهم من هو كالذهب.. سعود في نظري معدنه أثمن من الذهب والله .. أنا لا احكم على الرجل من خلال موقفه هذا معي هذا اتركه للقراء الكرام.. وصدقوني يا معاشر القراء الكرام إن سعود لا يعلم عما أكتبه عنه الآن..شيئا والله.. ولو علم لغضب من ذلك وكرهه.. فهو يرى عمله ذاك شيئا يتقرب به لربه ولا يريد أن يخالطه مدح الناس.. إن سعود لا ينتظر من عمله ذاك أن أكتب عنه أو أن أمجده فهو لم يكن يعلم ولا أنا كنت أعلم أين تسير بنا الأمور وما هي خاتمتها.. إنني أكتب هذا الكلام وهذه المواقف لأسجل لأبنائي ما حل بوالدهم.. لأروي لهم عمن رويت ومن خالطت ليعرفوا قدر الرجال وليعرفوا الدب مع الناس إنني يا أبنائي وأنتم الآن أطفال صغار وستكبرون إن شاء الله.. اقتطع لكم من جسدي قطعا صغيرة مليئة بالمآسي والأحزان والأتراح والعذاب والآهات فأنسجها لكم بهذه العبارات لكي تستمتعوا بها.. وتكون أنيسا لكم في دهاليز وظلمات ومضائق الحياة.. وأسجل للقراء الكرام ما حدث معي حتى يكون للناس فيها عبرة لمن أراد ذلك.. إنني أطلب من إخوتي القراء الكرام أن يشاركوني هذا الدعاء.. اللهم جازي سعود عني خير الجزاء اللهم بارك له في ولده وذريته اللهم واغنه من فضلك واجعله من عبادك الصالحين واختم له بخاتمة صالحة يا ارحم الراحمين .. اللهم اجعله من أهل فردوسك الأعلى ووالديه وإخوانه وذريته يارب العالمين.. وصلت أنا وسعود إلى عنيزة .. تلك المدينة الصغيرة الجميلة الهادئة.. مدينة العلم والعلماء.. دفن فيها من العلماء والصالحين على قرون مالله بهم عليم.. سماها أمين الريحاني باريس نجد.. شوارعها جميلة ونظيفة وأهلها كمجمل أهل القصيم فيهم العلم والدين والأدب الرفيع.. دخلت عنيزة وأنا فقير مشرد احمل معي حقيبة ملابس وكرتون كتب.. وكنت احمل قبل هذا في جعبتي تجارب قاسية وخبرة بسيطة في الحياة وسذاجة وقلة حيلة .. دخلت عنيزة وأنا حائر و رأسي متلبد بغيوم الشك والارتياب والضياع .. لم أكن أعلم وأنا أدخل عنيزة هل سأمكث فيها يوما أو أسبوعا أو شهرا.. فما يدريني فأنا منذ شهور أتنقل في البلاد من مدينة لأخرى .. ومن يد ليد أخرى ولكن رعاية الكريم ورحمته سبحانه هي التي ترعاني دخلت وأنا ابلغ السادسة عشر عاما فقط.. وبقيت في عنيزة أكثر من اثنتي عشرة عاما.. حافلة بالتجارب والمواقف الرائعة مع إمام الدنيا وفقيهها شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين عليه سحائب الرحمة والغفران.. يتبع إن شاء الله
الحلقة العاشرة. مرت الأيام التالية علي سريعا .. وحرصت أن استمتع بالجلوس فيها بالقرب من...
الحلقة الخامسة عشر

في دروس شيخنا في عنيزة من النادر أن يسال الشيخ الطالب خلال الدرس..

فغالبهم قد جاء له من أماكن بعيده بقصد العلم والتحصيل ..

وفيهم من الطاقة والحيوية ما يجعلهم حريصين ومتنبهين لكل فائدة ومسألة.

ولكن الوضع ذلك اليوم مختلف ..!!

سألني الشيخ في ذلك الدرس ثلاث مرات كأنه يختبرني أو سيقول لي : طس !!

وبحمد الله بلعت الطعم ولم أقع في المصيدة!!

فقد أجبته بما فتحه الله علي مما حصلته عند مشائخنا في الطائف..

فكان ذلك فأل خير لي بحمد الله تعالى..

انتهى الدرس الأول بعد الأذان ..

ثم تقدم شاب من الصف الخلفي وجلس بيني وبين جاري الغاضب مني!!

وعلق الميكرفون على صدره .. ثم أخذ يقرأ من نونية ابن القيم..

بصوت جمع بين العذوبة والرقة ، وجمال الأبيات التي نظمها ابن القيم رحمه الله..

لقد كانت تلك المنظومة مع أنها تحوي ردودا علمية رصينة إلا أنها...

حوت حكما ومواعظ وطرائف لا يتقن نظم قلائدها سوى مثل ابن القيم وكفى به !!

لاحظت رجلا أفغانيا ذو عمامة عريضة ويلبس المرآة يجلس عن يمين الشيخ..

و لاحظت الشيخ يستأنس كثيرا بالحديث معه أو مناقشته ..

وكانت أسئلته وركاكة لسانه الأعجمي تثير ضحك الطلاب ..

كنا نستأنس ونفرح حينما يسأل هداية الله لأن شيخنا يسر بذلك ..

ومع عجمته وصعوبة النطق بالعربية لديه حيث انه لا يتكلم سوى بالفصحى

المكسرة..!!

إلا أن الرجل قد أتقن علوم الآلة من نحو وأصول وأصول تفسير ، بشكل شبه كامل..

أذكر في درس الفرائض من متن البرهانية المسألة العنقودية والتي لم يستطع حلها سوى

هداية الله !!

وهي مسألة شائكة ومعقده لا يقدر عليها سوى الراسخين في الحساب والفرائض..


كان هداية الله هذا يسجل دروس الشيخ في مسجل صغير..

ثم يرجع لغرفته فيغلق الباب على نفسه ..

فلا ينام حتى ينسخ ذلك الشريط على دفتر خاص ثم يترجمه من فوره للغته الأفغانية!!

و هذا ما يفعله كل ليلة طوال ست سنوات جاورته وخبرت حاله..!!

انتهى الدرس وتوجهنا للمصلى وكنت وضعت كتابا بجوار المؤذن لكي أصلي مكانه..

صليت خلف شيخنا .. وبعد السلام ..تحلق مجموعة من الناس حول الشيخ ..

كما هي العادة في كل صلاة سوى صلاة الفجر والمغرب..

ثم قام الشيخ وخرج من المسجد لحقته مع الناس وذلك بقصد الفضول فقط ..

كنت أسير بمحاذاة الشيخ واستمع لأسئلة الطلبة والمستفتين..

ولقد فاجأني الشيخ حينما التفت إلي وقال:

يبدوا أنك تريد العلم والتحصيل !!

كانت غير متوقعة والله ..

ثم قال الشيخ .. هل نزلت في السكن؟

قلت : نعم..

كان الطلبة يراقبون هذا الموقف وقلوب بعضهم تخفق من الغيرة من هذا الحوار

الخاص!! والنموذجي!!

قال : إذا عجل بالتزكية حتى نسمح لك بالبقاء ..!!

قلت له : لقد اتصلت على عباس وهو مريض وقال سيتصل عليك!!

قال : خيرا إن شاء الله .. ثم عدت أدراجي للسكن..

استبشرت بهذا النجاح الذي لم ارتب له شيئا بل توفيق الخالق سبحانه وتعالى..

دخلت لغرفتي فوجدت زائرا ينتظرني!!

وجدت شخصا جالسا في غرفتي..

سلمت عليه .. فرد وقال : هل أنت تسكن في هذه الغرفة؟؟

قلت : اليوم نزلت فيها..

قال : إذا سنكون سوية هنا .. أنا أخوك بندر الحربي ..

تعارفنا .. قليلا ثم نزلنا للعشاء.. وهذه المرة لم أنتظر أحدا يدعوني!!

حقيقة أن تنام في غرفة صغيرة وضيقة مع شخص لا تعرفه شيء مزعج..لمن لم يعتد عليه

خصوصا انه لم يستأذنني احد في اختيار زميل السكن..

ولكن لا خيار لي فإما مع بندر أو الشارع!!

ولكن بندرا هذا رجل ظريف وحلو المعشر ..

وبعد حديث طويل معه اكتشفت طيبته ..

ومع انه رجل انعزالي ولا يحب مخالطة الناس ونظراته غير محببة ، لعمقها

وحدتها!!!

إلا أنني حينما عاشرته وخالطته تبين انه رجل طيب وفاضل..

استأمنته على بعض أموري وكنت أستشيره فيصدق المشورة!!

كنت أخرج للتنزه مع بندر على سيارته الوانيت في الطعوس المحيطة بعنيزة

وما أكثرها!!


في اليوم التالي .. حضرت درس الصباح ..

والذي يستمر من الساعة الثامنة وحتى العاشرة والنصف..

ويدرس فيه الشيخ خمسة كتب ..

والحضور في تلك الدروس ليس بالكثرة التي كانت بالأمس..

حيث أن هذه الدروس فقط في موسم الصيف والعطل الدراسية..

كانت الدروس صعبة علي لمستواها العالي عني..

ومع ذلك فلم انقطع عنها طوال الفترة المتبقية من الصيف والتي لم تطل كثيرا..

بخصوص المكان فقد تمسكت بالمكان الذي جلست فيه بالأمس ..

وذلك لسنوات عديدة بفضل الله تعالى..

وذلك على رغم عدم رضى جاري سامحه الله!!

والذي ستكون لي معه مواقف ستصطدم كثيرا من قراء هذه الحلقات..

ولست اقصد من روايتها الشماتة به أو النيل منه..

فأنا لن اسميه ولا احد من القراء يعرفه أو يعرفني ..

ولا يخلوا ذكر القصة من فائدة وحكم وطرفة !!

ومع أن تلك المواقف حصلت قبل سنوات عديدة إلا أنها لن تمر دون اعتبار وتمحيص..

والموعد عند رب العالمين سبحانه وتعالى هو حسبنا ونعم الوكيل..

يتبع إن شاء الله
دبه تسوي ريجيم
الحلقة العاشرة. مرت الأيام التالية علي سريعا .. وحرصت أن استمتع بالجلوس فيها بالقرب من سعود..وأولاده وإخوته.. ذهبنا سويا أنا وسعود للمكتبة واشترى لي مجموعة من الكتب.. لقد أراد سعود أن يعدني إعدادا شاملا للدراسة عند هذا الحبر.. لقد كان سعود أشبه بوالد يزف ولده ... ولم أكن اعلم أنا أو سعود ما يخبئه القدر لي.. قبل يوم السفر قدم قريب لسعود وكان قريب عهد بعرس .. تلفظ معي هذا الرجل بكلام فهمت منه أنني غير مرحب بي.. قال لي: أنت لست من شمر وأريدك أن تخرج هويتك من جيبك لتثبت عكس ذلك.. كان متكئا على وسادة ومقابلا لي ..ويشير بيده بكل تيه وغرور.. قام أخو سعود إليه فأراد أن يلطمه على وجهه فدفعته وقلت له دعه ليقل ما يقل.. لم يكن من اللائق بي أن أحرج الأخ سعود في بيته فسكت .. لكن أخا سعود استدعاني للمختصر وقال لي.. دعك من هذا السفيه وأنا أعرف كل شيء عنك وأنت أكرم عندي منه.. خفف ذلك علي كثيرا ففكرة الانتساب تلك مع خطئها الشرعي لم تكن فكرتي و هي شيء مخالف لأعراف الناس وتقاليدهم وفيها ما فيها!!! في اليوم التالي سافرنا صباحا للقصيم.. ودعت إخوة سعود ثم انطلقنا لرحلة الطلب .. لم يكن إخوة سعود على استقامة تامة بالدين مع محافظتهما على الصلاة في المسجد إلا أنهما رجلان شهمان طيبان وفيهما من الخلال الحميدة ما يفوق كثيرا ممن رايتهم من المحافظين على الشعائر الظاهرة.. لقد أتصل علي سعود بعد أربع سنوات من ذلك اللقاء الأخير.. واخبرني بخبر اليم عن أخويه فلقد حدث لهما حادث بالسيارة على الطريق العام في أحد طرق الشمال السيئة .. فتوفيا على الفور رحمهما الله رحمة واسعة.. وخلف على سعود فيهما خيرا في ذريته وأولاده.. مر علي منذ أن خرجت من بيتنا من الطائف حوالي ثلاثة شهور تقريبا.. وهاأنذا أنتقل لمنطقة جديدة والله أعلم مالذي ينتظرني.. كنا وسعود في تلك السفرة صامتين .. فليس في مخيلتي أي كلمات أو حوار دار بيننا.. سعود هذا رجل .. ويكفي أن اسميه رجل.. إن من الناس من هو كمعدن الحديد ومنهم من هو كالفضة ومنهم من هو كالذهب.. سعود في نظري معدنه أثمن من الذهب والله .. أنا لا احكم على الرجل من خلال موقفه هذا معي هذا اتركه للقراء الكرام.. وصدقوني يا معاشر القراء الكرام إن سعود لا يعلم عما أكتبه عنه الآن..شيئا والله.. ولو علم لغضب من ذلك وكرهه.. فهو يرى عمله ذاك شيئا يتقرب به لربه ولا يريد أن يخالطه مدح الناس.. إن سعود لا ينتظر من عمله ذاك أن أكتب عنه أو أن أمجده فهو لم يكن يعلم ولا أنا كنت أعلم أين تسير بنا الأمور وما هي خاتمتها.. إنني أكتب هذا الكلام وهذه المواقف لأسجل لأبنائي ما حل بوالدهم.. لأروي لهم عمن رويت ومن خالطت ليعرفوا قدر الرجال وليعرفوا الدب مع الناس إنني يا أبنائي وأنتم الآن أطفال صغار وستكبرون إن شاء الله.. اقتطع لكم من جسدي قطعا صغيرة مليئة بالمآسي والأحزان والأتراح والعذاب والآهات فأنسجها لكم بهذه العبارات لكي تستمتعوا بها.. وتكون أنيسا لكم في دهاليز وظلمات ومضائق الحياة.. وأسجل للقراء الكرام ما حدث معي حتى يكون للناس فيها عبرة لمن أراد ذلك.. إنني أطلب من إخوتي القراء الكرام أن يشاركوني هذا الدعاء.. اللهم جازي سعود عني خير الجزاء اللهم بارك له في ولده وذريته اللهم واغنه من فضلك واجعله من عبادك الصالحين واختم له بخاتمة صالحة يا ارحم الراحمين .. اللهم اجعله من أهل فردوسك الأعلى ووالديه وإخوانه وذريته يارب العالمين.. وصلت أنا وسعود إلى عنيزة .. تلك المدينة الصغيرة الجميلة الهادئة.. مدينة العلم والعلماء.. دفن فيها من العلماء والصالحين على قرون مالله بهم عليم.. سماها أمين الريحاني باريس نجد.. شوارعها جميلة ونظيفة وأهلها كمجمل أهل القصيم فيهم العلم والدين والأدب الرفيع.. دخلت عنيزة وأنا فقير مشرد احمل معي حقيبة ملابس وكرتون كتب.. وكنت احمل قبل هذا في جعبتي تجارب قاسية وخبرة بسيطة في الحياة وسذاجة وقلة حيلة .. دخلت عنيزة وأنا حائر و رأسي متلبد بغيوم الشك والارتياب والضياع .. لم أكن أعلم وأنا أدخل عنيزة هل سأمكث فيها يوما أو أسبوعا أو شهرا.. فما يدريني فأنا منذ شهور أتنقل في البلاد من مدينة لأخرى .. ومن يد ليد أخرى ولكن رعاية الكريم ورحمته سبحانه هي التي ترعاني دخلت وأنا ابلغ السادسة عشر عاما فقط.. وبقيت في عنيزة أكثر من اثنتي عشرة عاما.. حافلة بالتجارب والمواقف الرائعة مع إمام الدنيا وفقيهها شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين عليه سحائب الرحمة والغفران.. يتبع إن شاء الله
الحلقة العاشرة. مرت الأيام التالية علي سريعا .. وحرصت أن استمتع بالجلوس فيها بالقرب من...
الحلقة السادسة عشر

في اليوم التالي حصل تقريبا ما حصل بالأمس غير أن المفاجأ ة كانت وعلى غير المتوقع

حينما مشيت مع الشيخ في عودته لبيته بعد الدرس الصباحي ..

ناداني الشيخ وبانزعاج ظاهر وقال لي: لما لم يتصل صاحبك؟؟

قلت له: والله لا أدري ولكن في اتصالي السابق عليه قال هو مريض..

فلعله اتصل على تلفونكم فلم يجبه أحد!!

قال الشيخ: هات رقم تلفونه وسوف أتصل عليه أنا!!

لم أكن ساعتها أحمل رقم عباس فقلت له: سأحضره لك بعد صلاة الظهر..

وبعد الصلاة ناولت الشيخ ورقة عليها رقم الشيخ عباس ..

كنت قلقا للغاية .. فالشيخ محمد لمن خالطه رجل حازم ..

ولا أسهل عليه من أن يقول لي ارجع من حيث أتيت!!

وكون الشيخ يطلب رقم عباس ليتصل عليه من طرفه إن ذلك الفعل هو نبيل وتواضع
من شيخنا جزاه الله خيرا.. ورحمه وأسكنه جنات النعيم..

بعد صلاة العصر وانتهاء درس العامة ..أشار لي الشيخ وكنت أمامه بجوار المؤذن

أن الحق بي!!

لحقته ومشيت بجواره ولكنه لم يكلمني في شيء..!!

انتظر الشيخ حتى انتهى الناس وقضى حوائجهم وبقيت أنا وهو بمفردنا نسير حتى

اقتربنا من البيت وكنت منتظرا دون أن استبق منه شيء!!


ولكن يعلم الله سبحانه وتعالى أنني قد خفت وظننت الظنون فربما أن أخي سعود أخبر

عباس بمشكلتي ..

وبدوره أطلع عباس الشيخ على الحاصل !!

قال الشيخ: خلاص!!

شدهت وظننت أنه خلاص سيخرجني ولكنه استأنف كلامه...

أنا كلمت عباس وهو أثنى عليك خيرا!!

وسكت!!

قلت في نفسي :ما معنى هذا الكلام؟؟؟

ثم أكمل شيخنا وهو يضم يديه ويشير بها للإمام ويزم شفتيه وقال :

سنقبلك في السكن!! بشرط أن تجتهد في الطلب..

لو كان بيدي في تلك اللحظة أن اصرخ من الفرح لفعلت!!

أي خبر سعيد هذا !! الحمد لله رب العالمين..

ثم قال الشيخ : وأنت يافلان الشمري!!!

اغتنم هذه الفرصة ، خاصة أنك ما زلت في مقتبل عمرك .. وفقك الله..

انصرفت بعد أن قبلت رأسه ودعوت له..

ما أجمل أن ترى بصيص الأمل بعد اليأس .. ما أجمل الشعور بالاستقرار

وخاصة في كنف ورعاية رجل بوزن الشيخ محمد عليه الرحمة والرضوان..

لم أطمع ولم أحلم بل والله الذي لا إله سواه ولم يخطر في بالي أن أحصل على أي

امتيازات مادية أو معنوية من قبل الشيخ محمد ..

بل كان يكفيني أن أحصل على ما حصل عليه

الآلاف سواي من طلبة العلم الذين يحيطون بشيخنا من كل صوب كل يبحث عن

رضاه بعد رضى الخالق سبحانه وتعالى فهو للجميع بمقام الأب الحاني ..

ومن ذا لا يبحث عن رضى والده..أو والدته..

وكذلك يكفيني ويشرفني أن أتتلمذ على يديه وأحصل على علم قل منه أو كثر..

انخرطت بعون الله سبحانه في طلب العلم والتحصيل فكان هو شغلي وهمي ..

اقتنيت عددا من الكتب ورتبتها على الرفوف في غرفتي الصغيرة..

تعرفت على عدد من الطلاب ولكن لم يكن اهتمامي منصبا على ذلك..

من الطلبة الذين عرفتهم وخالطتهم الأخ نافع الشمري ..

وكذلك الخ خالد الشمري .. ومنهم الأخ محمد زين العابدين!!

هذا الأخير هو مشرف السكن ..

وقد وصل من شرورة لكي يرتب سكنا له ولزوجته التي دخل بها قبل أسابيع!!

وبذلك سينتقل من السكن الحالي والذي هو سكن للعزاب فقط ليستأجر بيتا له

ولعائلته..

الأخ محمد رجل عاقل وفيه حلم وأناة ولذلك كان اختياره للإشراف على السكن هو

اختيار موفق..

كان الأخ محمد هو ملاذ الطلاب عند المحن بعد الله فهو الوسيط بينهم وبين الشيخ ..

ولقد كانت مهابة الشيخ محمد رغم تواضعه تمنع كثيرا منهم عن مخاطبته مباشرة..

ولكن يكفي أن يوصل الأخ محمد شكاويهم وطلباتهم ليبت فيه الشيخ ..

طلبت عن طريق الأخ محمد أن يوفروا لي كتبا ومراجع فوضعت قائمة كبيرة بالكتب..

سلمتها لمحمد .. فظهرت على وجهه ابتسامة صفراء ماكرة !!

وهز رأسه وقال: هل تظن الشيخ يوافق لك على هذه الكتب؟؟

قلت له قدمها له وسنرى..

وفعلا قدم محمد القائمة للشيخ بعد ظهر إحدى الأيام فوضعها الشيخ في جيبه..

بعد يوم أو في ذلك اليوم بعد العصر ناداني محمد وقال : انظر في ورقتك!!

فوقعت عيني على شخاميط بالقلم الأحمر وضعت على كل الكتب تقريبا وأضيف عليها

للتأكيد علامة

X

ووافق على كتابين أو ثلاثة وأرفق معها قيمة الكتب نقدا معلقة بالفاتورة!!

أخذتها وحمدت الله تعالى واشتريت الكتابين فأضفتها لمكتبتي الصغيرة..

وعلى كل فقد وفر في السكن مكتبة علمية لا بأس بها وتحوي مراجع كثيرة

للباحثين ومحبي القراءة .. ومع ذلك فالمكتبة شبه خالية ..

والسبب في ذلك

أن أغلب الطلاب قد يسر الله لهم مكاتب على حسب تخصصاتهم ومشاربهم في غرفهم..

فترى الطالب المهتم بعلم الحديث والتخريج أكثر كتبه ومراجعه من ذلك..

وينطبق الحال كذلك على طالب الفقه والتفسير وغيرها ..

أما أنا فقد كانت مكتبتي صغيرة ولكنها نمت وترعرعت حتى خرجت من سكن الطلاب..
وإنه ليعجز عن حملها الرجال الأشداء أولي القوة لكثرتها وتنوعها والحمد لله..!!

يتبع إن شاء الله