دبه تسوي ريجيم
الحلقة العاشرة. مرت الأيام التالية علي سريعا .. وحرصت أن استمتع بالجلوس فيها بالقرب من سعود..وأولاده وإخوته.. ذهبنا سويا أنا وسعود للمكتبة واشترى لي مجموعة من الكتب.. لقد أراد سعود أن يعدني إعدادا شاملا للدراسة عند هذا الحبر.. لقد كان سعود أشبه بوالد يزف ولده ... ولم أكن اعلم أنا أو سعود ما يخبئه القدر لي.. قبل يوم السفر قدم قريب لسعود وكان قريب عهد بعرس .. تلفظ معي هذا الرجل بكلام فهمت منه أنني غير مرحب بي.. قال لي: أنت لست من شمر وأريدك أن تخرج هويتك من جيبك لتثبت عكس ذلك.. كان متكئا على وسادة ومقابلا لي ..ويشير بيده بكل تيه وغرور.. قام أخو سعود إليه فأراد أن يلطمه على وجهه فدفعته وقلت له دعه ليقل ما يقل.. لم يكن من اللائق بي أن أحرج الأخ سعود في بيته فسكت .. لكن أخا سعود استدعاني للمختصر وقال لي.. دعك من هذا السفيه وأنا أعرف كل شيء عنك وأنت أكرم عندي منه.. خفف ذلك علي كثيرا ففكرة الانتساب تلك مع خطئها الشرعي لم تكن فكرتي و هي شيء مخالف لأعراف الناس وتقاليدهم وفيها ما فيها!!! في اليوم التالي سافرنا صباحا للقصيم.. ودعت إخوة سعود ثم انطلقنا لرحلة الطلب .. لم يكن إخوة سعود على استقامة تامة بالدين مع محافظتهما على الصلاة في المسجد إلا أنهما رجلان شهمان طيبان وفيهما من الخلال الحميدة ما يفوق كثيرا ممن رايتهم من المحافظين على الشعائر الظاهرة.. لقد أتصل علي سعود بعد أربع سنوات من ذلك اللقاء الأخير.. واخبرني بخبر اليم عن أخويه فلقد حدث لهما حادث بالسيارة على الطريق العام في أحد طرق الشمال السيئة .. فتوفيا على الفور رحمهما الله رحمة واسعة.. وخلف على سعود فيهما خيرا في ذريته وأولاده.. مر علي منذ أن خرجت من بيتنا من الطائف حوالي ثلاثة شهور تقريبا.. وهاأنذا أنتقل لمنطقة جديدة والله أعلم مالذي ينتظرني.. كنا وسعود في تلك السفرة صامتين .. فليس في مخيلتي أي كلمات أو حوار دار بيننا.. سعود هذا رجل .. ويكفي أن اسميه رجل.. إن من الناس من هو كمعدن الحديد ومنهم من هو كالفضة ومنهم من هو كالذهب.. سعود في نظري معدنه أثمن من الذهب والله .. أنا لا احكم على الرجل من خلال موقفه هذا معي هذا اتركه للقراء الكرام.. وصدقوني يا معاشر القراء الكرام إن سعود لا يعلم عما أكتبه عنه الآن..شيئا والله.. ولو علم لغضب من ذلك وكرهه.. فهو يرى عمله ذاك شيئا يتقرب به لربه ولا يريد أن يخالطه مدح الناس.. إن سعود لا ينتظر من عمله ذاك أن أكتب عنه أو أن أمجده فهو لم يكن يعلم ولا أنا كنت أعلم أين تسير بنا الأمور وما هي خاتمتها.. إنني أكتب هذا الكلام وهذه المواقف لأسجل لأبنائي ما حل بوالدهم.. لأروي لهم عمن رويت ومن خالطت ليعرفوا قدر الرجال وليعرفوا الدب مع الناس إنني يا أبنائي وأنتم الآن أطفال صغار وستكبرون إن شاء الله.. اقتطع لكم من جسدي قطعا صغيرة مليئة بالمآسي والأحزان والأتراح والعذاب والآهات فأنسجها لكم بهذه العبارات لكي تستمتعوا بها.. وتكون أنيسا لكم في دهاليز وظلمات ومضائق الحياة.. وأسجل للقراء الكرام ما حدث معي حتى يكون للناس فيها عبرة لمن أراد ذلك.. إنني أطلب من إخوتي القراء الكرام أن يشاركوني هذا الدعاء.. اللهم جازي سعود عني خير الجزاء اللهم بارك له في ولده وذريته اللهم واغنه من فضلك واجعله من عبادك الصالحين واختم له بخاتمة صالحة يا ارحم الراحمين .. اللهم اجعله من أهل فردوسك الأعلى ووالديه وإخوانه وذريته يارب العالمين.. وصلت أنا وسعود إلى عنيزة .. تلك المدينة الصغيرة الجميلة الهادئة.. مدينة العلم والعلماء.. دفن فيها من العلماء والصالحين على قرون مالله بهم عليم.. سماها أمين الريحاني باريس نجد.. شوارعها جميلة ونظيفة وأهلها كمجمل أهل القصيم فيهم العلم والدين والأدب الرفيع.. دخلت عنيزة وأنا فقير مشرد احمل معي حقيبة ملابس وكرتون كتب.. وكنت احمل قبل هذا في جعبتي تجارب قاسية وخبرة بسيطة في الحياة وسذاجة وقلة حيلة .. دخلت عنيزة وأنا حائر و رأسي متلبد بغيوم الشك والارتياب والضياع .. لم أكن أعلم وأنا أدخل عنيزة هل سأمكث فيها يوما أو أسبوعا أو شهرا.. فما يدريني فأنا منذ شهور أتنقل في البلاد من مدينة لأخرى .. ومن يد ليد أخرى ولكن رعاية الكريم ورحمته سبحانه هي التي ترعاني دخلت وأنا ابلغ السادسة عشر عاما فقط.. وبقيت في عنيزة أكثر من اثنتي عشرة عاما.. حافلة بالتجارب والمواقف الرائعة مع إمام الدنيا وفقيهها شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين عليه سحائب الرحمة والغفران.. يتبع إن شاء الله
الحلقة العاشرة. مرت الأيام التالية علي سريعا .. وحرصت أن استمتع بالجلوس فيها بالقرب من...
الحلقة السابعه عشر

من خلال جلوسي الدائم أمام الشيخ وبجوار قدماء الطلبة

لا بد أن يؤدي ذلك برغبة أو بغير رغبة إلى نشوء علاقة ما!!

لن أتوسع في هذا الأمر وهو غير مهم أبدا لكم غير أن هناك حالة لا بد من ذكرها..

في حلقة مضت ذكرت ذلك الشاب الذي خرج من غرفة مجاورة لموقع الدرس..

كان ذلك الشاب من كبار طلبة الشيخ وأفقههم بل ومن أقرب الناس لشيخنا..

لا ينافسه على ذلك أحد ، ولم يكن يخفى علي ولا على سواي ذلك ..

بل أن للقرابة العائلية بينه وبين الشيخ زادت الأمر رسوخا وبيانا..

تعرفت على الرجل وكانت علاقتنا لا بأس بها ..

كنت أتصافح معه قبل الدروس ويزداد التعارف بيننا يوما فيوما!!

ذكرت في الحلقة الماضية أن الشيخ أعجب ببحثي الذي كتبته..

ورأى أن ذلك علامة نبوغ مني على صغر سني ولكنه حتى ذلك الحين لم يبد الشيخ

نحوي شيئا..

وذات مرة تغيبت في سفرة لمدينة حائل لزيارة الأخ سعود وغبت ثلاثة أيام..

لم يفتقدني أحد كما كنت أظن ولم أكن أعلم قوانين السكن حينها وضرورة أخذ الأذن

من المشرف...

ولقد اشتقت لرؤية سعود بعد أن انقطعت عنه حوالي الشهر وزيادة فرغبت بلقائه..

زرته في حائل ومنها نزلت للرياض بالطائرة ثم للشرقية ثم عدت منها للقصيم..

كانت رحلة استجمام وترويح بعد عناء وانشغال بالطلب ..

حينما عدت لعنيزة كانت الأمور على مايرام فيما أظن !!

أذكر أنني بعد صلاة عشاء ذلك اليوم وقد وصلت للجامع قبل الصلاة بقليل..

رافقت الحشد الذي يسير مع الشيخ لبيته ..

ولم يكن ذلك الحشد كبيرا ..

بعد انتهاء الناس تقدمت للشيخ فقبلت رأسه ..

قال لي: أين كنت ؟؟ لا حظت أنك تغيبت عن الدروس عدة أيام!!

لقد كانت لفتة أبوية وحانية افتقدها والله في تلك الأيام..

ما أجمل أن يشعرك أحد بالاهتمام بك والاطمئنان عليك خاصة لو كنت في ضائقة وكربه..

أما أن تأتي تلك اللفتة من شيخنا فوا لله إن ذلك لشرف لي وأي شرف ..

قلت له: لقد سافرت لحائل لزيارة أقربائي ..!!

قال لي: ووالديك ؟

شدهت وارتفع حاجباي وعجزت عن الإجابة ولكن تداركت الأمر سريعا وقلت:

طبعا والداي نعم!!

دار بيننا الحوار التالي:

أين يعمل والدك ؟

قلت له :والدي رجل أعمال!!

ثم استأنفت كلامي .. بدون حساب للعواقب ..

ولكن والدي بيني وبينه خلاف !!

قال : كيف؟

قلت : لا يحب والدي أن اطلب العلم بل يريدني أن اهتم بدراستي النظامية فقط..!!

وأخذت في فبركة كلام على الوالد مما لا يصلح الحديث عنه هنا والله يعفو عني فيما

قلت!!

قال لي : وأين يقيم والدك ؟

قلت له : في الطائف !!

قال : الم تقل انك ذهبت لرؤية والديك في حائل؟؟

سكت ولم اجبه فعرف الشيخ أن في الأمر شيئا ولكنه لم يبال حينها!!

ختم حواره بهذه الجملة : لا أسمح لك مرة أخرى بالسفر حتى تأخذ أذنا مني فأنا في

مقام والدك !!

ما أجمل وقع تلك الكلمات على نفسي هي والله في نفسي ذلك اليوم ..

كماء بارد شربته بعد عطش شديد في صحراء قاحلة وساخنة..

لقد بثت تلك الكلمات في نفسي روحا جديدة وهمة لا يقاومها أي كساد أو تلف ..

رحمة الله عليه واسكنه فسيح جناته وجعل ذلك في ميزان حسناته..

رجعت لغرفتي فحكيت لبندر ما حصل بيني وبين الشيخ من حوار..

لم يصدق بندر أن يكون هذا التصرف من الشيخ بهذا الشكل !!

فمن أنت حتى تحصل على هذه الميزة وهذا الاهتمام؟؟

.. ولكن والله هذا ما حصل..

أخذت قلمي وفتحت دفتري وأردت أن اعبر عن سعادتي بخاطرة أو شعر أو أي شيء!!

كتبت رسالة للشيخ .. قلت له فيها ..

أشكرك من أعماق قلبي فوا لله لقد كانت عبارتك تلك كالماء الذي يروي نبتة أوشكت على

الذبول والفناء..

كانت عباراتها ركيكة ومعانيها عميقة سطرتها بعبارات امتزجت بالشقاء والعذاب

والخوف والضياع واليأس ..وسلمتها للشيخ بعد صلاة الفجر ..

لقد وقعت تلك الكلمات في نفس شيخنا موقعا عظيما فدعاني بعد درس المساء للسير

معه..

قال لي : لقد تأثرت بكلامك وأرجو منك أن تثق في وتجعلني في مقام أبيك ..

وأريد منك أن تستمر في الطلب والتحصيل وأرجو من الله تعالى أن ينفع بك الإسلام

والمسلمين...

أكدت له مرة أخرى عن مشاكلي مع والدي وأنه لا يريدني أن اطلب العلم ..

كنت أريد أن افتح موضوعي كله مع الشيخ وليتني فعلت!!

ولكنني جبنت واستحييت أن احكي للشيخ كل شيء.. خوفا من عواقب كلامي!!

لقد كانت فرصة سانحة ولكن الله تعالى كان يريد لي شيئا آخر ..!!

ذات ليلة دعا مشرف السكن الأخ محمد زين العابدين الطلاب للاجتماع مع الشيخ

بعد صلاة العشاء في سطوح السكن ...

أجتمع طلاب السكن وجاء الشيخ وجلس على مقعد قديم لا يكاد يستوي عليه لتهالكه!!

استمع الشيخ لمشاكل الطلاب وما يعانونه من صعوبات مادية نحو غلاء الكتب..

وأشرطة التسجيل ، وتحدثوا مع الشيخ حول ترميم السكن ورفع قيمة المكافآت وتوسيع

المكتبة وزيادة المراجع ونحو ذلك غير انه حصل في تلك الجلسة موقف أحرجني

للغاية!!

كتبت سؤالا للشيخ باسمي وبلقبي المزيف !!

قال الشيخ: أنت مرة تقول انك كذا ومرة تقول إنك شمري وش الصحيح؟؟

وقعت في حرج شديد ولم استطع التعليق ولكن شيخنا تجاوز ذلك وغير الموضوع!!

كيف عرف الشيخ بلقبي الحقيقي؟؟

من نظام السكن لا بد أن يكون لك ملف لدى المشرف ومن متطلبات فتح الملف ..

إحضار صورة الهوية !!

وضعت صورة الهوية في ملفي وسلمتها مع السيرة الذاتية للمشرف..

نظر في وجهي المشرف وقال لي: مكتوب هنا أنت من القبيلة الفلانية؟؟

وأنت شمري ؟؟

كنت قد زورت في نفسي كلاما لأبرر هذا الحال فقلته فقبله في الظاهر غير انه نقله

للشيخ بالتأكيد!!

لقد كنت بليدا فلو أنني قلت الحقيقة وشرحتها لكان خيرا من الخزي الذي كنت فيه..

ولنجوت من الفضيحة التي سأقدم عليها!!

كان الشيخ في ذلك اللقاء يرسخ في أذهان طلبته انه فعلا والد للجميع ..

فكل الطلبة بلا استثناء هم فقراء ومعوزون وفيهم السعودي وغير السعودي..

ولكنهم في نظر شيخنا سواء جزاه الله عنا خير الجزاء..

في ذلك اللقاء سأل أحد الطلبة الشيخ عن حضور دروس الشيخ سلمان العودة في بريدة!!

قال الشيخ : سلمان هو احد العلماء لكنني أنصحكم بالتقيد بحضور دروس عالم واحد

فإذا شعرتم أنكم اكتفيتم مما لديه فلا بأس بالانتقال لعالم آخر ..

رجعت برفقة الشيخ لبيته وحينما اقتربنا من البيت بقيت معه أنا والأخ محمد

زين العابدين ..

أطال الأخ محمد الحديث مع الشيخ حتى تعب !!

ثم ابتعد قليلا واقتربت أنا من الشيخ فجلس على درج ملحق بيته وبقيت واقفا!!

فأردت أن أجلس مقابله على الأرض لأكمل أسئلتي .. فقال لي الشيخ..

أجلس بجواري ؟؟

جلست بجواره فأكملت أسئلتي ثم انصرفت ...

يتبع إن شاء الله
دبه تسوي ريجيم
الحلقة العاشرة. مرت الأيام التالية علي سريعا .. وحرصت أن استمتع بالجلوس فيها بالقرب من سعود..وأولاده وإخوته.. ذهبنا سويا أنا وسعود للمكتبة واشترى لي مجموعة من الكتب.. لقد أراد سعود أن يعدني إعدادا شاملا للدراسة عند هذا الحبر.. لقد كان سعود أشبه بوالد يزف ولده ... ولم أكن اعلم أنا أو سعود ما يخبئه القدر لي.. قبل يوم السفر قدم قريب لسعود وكان قريب عهد بعرس .. تلفظ معي هذا الرجل بكلام فهمت منه أنني غير مرحب بي.. قال لي: أنت لست من شمر وأريدك أن تخرج هويتك من جيبك لتثبت عكس ذلك.. كان متكئا على وسادة ومقابلا لي ..ويشير بيده بكل تيه وغرور.. قام أخو سعود إليه فأراد أن يلطمه على وجهه فدفعته وقلت له دعه ليقل ما يقل.. لم يكن من اللائق بي أن أحرج الأخ سعود في بيته فسكت .. لكن أخا سعود استدعاني للمختصر وقال لي.. دعك من هذا السفيه وأنا أعرف كل شيء عنك وأنت أكرم عندي منه.. خفف ذلك علي كثيرا ففكرة الانتساب تلك مع خطئها الشرعي لم تكن فكرتي و هي شيء مخالف لأعراف الناس وتقاليدهم وفيها ما فيها!!! في اليوم التالي سافرنا صباحا للقصيم.. ودعت إخوة سعود ثم انطلقنا لرحلة الطلب .. لم يكن إخوة سعود على استقامة تامة بالدين مع محافظتهما على الصلاة في المسجد إلا أنهما رجلان شهمان طيبان وفيهما من الخلال الحميدة ما يفوق كثيرا ممن رايتهم من المحافظين على الشعائر الظاهرة.. لقد أتصل علي سعود بعد أربع سنوات من ذلك اللقاء الأخير.. واخبرني بخبر اليم عن أخويه فلقد حدث لهما حادث بالسيارة على الطريق العام في أحد طرق الشمال السيئة .. فتوفيا على الفور رحمهما الله رحمة واسعة.. وخلف على سعود فيهما خيرا في ذريته وأولاده.. مر علي منذ أن خرجت من بيتنا من الطائف حوالي ثلاثة شهور تقريبا.. وهاأنذا أنتقل لمنطقة جديدة والله أعلم مالذي ينتظرني.. كنا وسعود في تلك السفرة صامتين .. فليس في مخيلتي أي كلمات أو حوار دار بيننا.. سعود هذا رجل .. ويكفي أن اسميه رجل.. إن من الناس من هو كمعدن الحديد ومنهم من هو كالفضة ومنهم من هو كالذهب.. سعود في نظري معدنه أثمن من الذهب والله .. أنا لا احكم على الرجل من خلال موقفه هذا معي هذا اتركه للقراء الكرام.. وصدقوني يا معاشر القراء الكرام إن سعود لا يعلم عما أكتبه عنه الآن..شيئا والله.. ولو علم لغضب من ذلك وكرهه.. فهو يرى عمله ذاك شيئا يتقرب به لربه ولا يريد أن يخالطه مدح الناس.. إن سعود لا ينتظر من عمله ذاك أن أكتب عنه أو أن أمجده فهو لم يكن يعلم ولا أنا كنت أعلم أين تسير بنا الأمور وما هي خاتمتها.. إنني أكتب هذا الكلام وهذه المواقف لأسجل لأبنائي ما حل بوالدهم.. لأروي لهم عمن رويت ومن خالطت ليعرفوا قدر الرجال وليعرفوا الدب مع الناس إنني يا أبنائي وأنتم الآن أطفال صغار وستكبرون إن شاء الله.. اقتطع لكم من جسدي قطعا صغيرة مليئة بالمآسي والأحزان والأتراح والعذاب والآهات فأنسجها لكم بهذه العبارات لكي تستمتعوا بها.. وتكون أنيسا لكم في دهاليز وظلمات ومضائق الحياة.. وأسجل للقراء الكرام ما حدث معي حتى يكون للناس فيها عبرة لمن أراد ذلك.. إنني أطلب من إخوتي القراء الكرام أن يشاركوني هذا الدعاء.. اللهم جازي سعود عني خير الجزاء اللهم بارك له في ولده وذريته اللهم واغنه من فضلك واجعله من عبادك الصالحين واختم له بخاتمة صالحة يا ارحم الراحمين .. اللهم اجعله من أهل فردوسك الأعلى ووالديه وإخوانه وذريته يارب العالمين.. وصلت أنا وسعود إلى عنيزة .. تلك المدينة الصغيرة الجميلة الهادئة.. مدينة العلم والعلماء.. دفن فيها من العلماء والصالحين على قرون مالله بهم عليم.. سماها أمين الريحاني باريس نجد.. شوارعها جميلة ونظيفة وأهلها كمجمل أهل القصيم فيهم العلم والدين والأدب الرفيع.. دخلت عنيزة وأنا فقير مشرد احمل معي حقيبة ملابس وكرتون كتب.. وكنت احمل قبل هذا في جعبتي تجارب قاسية وخبرة بسيطة في الحياة وسذاجة وقلة حيلة .. دخلت عنيزة وأنا حائر و رأسي متلبد بغيوم الشك والارتياب والضياع .. لم أكن أعلم وأنا أدخل عنيزة هل سأمكث فيها يوما أو أسبوعا أو شهرا.. فما يدريني فأنا منذ شهور أتنقل في البلاد من مدينة لأخرى .. ومن يد ليد أخرى ولكن رعاية الكريم ورحمته سبحانه هي التي ترعاني دخلت وأنا ابلغ السادسة عشر عاما فقط.. وبقيت في عنيزة أكثر من اثنتي عشرة عاما.. حافلة بالتجارب والمواقف الرائعة مع إمام الدنيا وفقيهها شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين عليه سحائب الرحمة والغفران.. يتبع إن شاء الله
الحلقة العاشرة. مرت الأيام التالية علي سريعا .. وحرصت أن استمتع بالجلوس فيها بالقرب من...
الحلقة الثامنه عشر

أنا أكتب هذه الروايات والقصص في الحضر والسفر..

فمرة تجدني مع حاسوبي المحمول جالسا على طاولة طعام وأمامي كوب الشاي البارد!!

والناس حولي ينظرون ولعل أحدهم يقول : إيه ...!!!

هذا لا بد أنه يعد خطة لعملية إرهابية؟؟؟

أو تجدني على مكتبي حولي معاملات ومستندات تحتاج لتدقيق ومراجعة فأترك كل

ذلك.. وانكب على جهازي أسطر لكم المفيد والغث!!!

أو تجدني في ساعة سحر والناس حولي يشخرون وأنا منهمك في إضافة عبارة أو مراجعة

قاموس أو سرقة نص!!

مالذي يكتبه مطوع في هذا الزمان ؟؟

تساؤلات هل هي مشروعة؟؟

هذه للأسف صورة سيئة كادت أن ترسخ في رؤوس الجهال من العوام على كل من سيماه

الخير والاستقامة... قاتل الله الإعلام الفاسد والسياسة الملعونة!!!

دعونا نرجع لروايتنا ..

لقد كان لاحتكاكي بل ومحاولة الاستفادة القصوى من علم الشيخ سبب ذلك شيئا من

المودة والقرب منه!!

العالم إخوتي الكرام يحب المجد ومن يحسن الإصغاء والاستماع إليه ..


لم أكن أسعى لذلك أو أريده فلذلك ضريبة ليست بالهينة .. !! لمن يفهم ما أعنيه!!

ولكن العلاقة زادت وتطورت من مجرد طالب مجتهد إلى طالب مميز ومحبوب نوعا

ما!!

ويعلم الله سبحانه وتعالى أنني كنت ساذجا بحيث أنني لم اشعر بذلك ولم أميز ..

أول موقف أذكر ه في مخيلتي الآن أنني في ذات ليلة وبعد درس المساء ..

كنت برفقة الشيخ كالعادة حتى وصل البيت .. وكان الأخ محمد زين العابدين

مشرف السكن يتعمد أن يلحق الشيخ بسيارته حتى المنزل ليعرض عليه ما لديه

ما استجد من نواقص أو معاملات أو طلب مال للسكن أو نحو ذلك ..

كان من عادة الشيخ أن يرجع الطلاب حينما يصل لبيته أو قريبا منه ..

أما أنا فبقيت أتناقش معه في بعض المسائل العلمية حتى وصل لباب البيت..

فتح الشيخ باب منزله وكان مظلما من الخارج ولا تسمع فيه حركة أو لجة ..

قال الشيخ لمحمد وكان قريبا مني : تعش معي أنت وفلان( يقصدني أنا)..!!

العائلة ليست موجودة وأنا لوحدي في البيت!!

تبادلت أنا ومحمد النظرات استغرابا من هذا العرض المغري!!

قبلت أنا ومحمد تلك الدعوة بكل سرور وبلا تردد!!

قال لنا : انتظرا حتى افتح لكم باب الملحق..

وهو عبارة عن غرفة مستقلة بطرف المنزل في شماله الغربي..

فتح الشيخ باب الملحق فدلفنا للبيت ..

نزع الشيخ عباءته وعلقها على يده ثم قال : سأتسنن وأحضر لكما العشاء !!

ثم خرج من الباب الفاصل بين الملحق والبيت والذي يدخل مباشرة للفناء ..

في ذلك الملحق كعادة البيوت في نجد ، حيث يمزج بين الطراز القديم و ثوب

الحداثة..!!

تحتوي الغرفة في صدرها على مشب للنار خلفه مخزن مكشوف للحطب ..

وعلى يساره بنيت رفوف رصت عليها دلال القهوة العربية وأباريق الشاي..

وتحته توجد مغسلة لغسل الفناجيل وإعداد القهوة والشاي للضيوف..

الغرفة مفروشة بفرش جميل لونه ازرق ..

سألت الأخ محمد .. لقد كنت أظن قبل حضوري لعنيزة أن الشيخ يقيم في بيت طيني؟؟

قال : لقد انتقل الشيخ لهذا المنزل عام 1409 ولم يكن راغبا ترك بيته الطيني!!

ولكن أبناءه أصروا عليه أن يبني بيتا حديثا ففعل..

قلت : وأين يقع ذلك البيت .. ؟؟

قال :سأريك إياه بعد أن ننتهي من العشاء ..

بعد قليل .. فتح الباب الفاصل .. فبرزت صينية كبيرة قد أحاط الشيخ عليها بذراعيه

وتوشك أن تقع .. فقمت فحملتها من يده .. وقلت له : هل ترغب أن أساعدك؟

قال لي : تعال ...!!

لحقته حافيا فدخل من باب كبير فانتظرته ظنا أنه سيقدم هو الطعام فأحمله للملحق ..

فخرج علي الشيخ وقال : لا يوجد أحد تعال ادخل..

دخلت البيت وكان نور الصالة خافتا .. حتى وصلنا المطبخ على يمين الداخل .. انشغلت

بالنظر والفضول ..

فأشار الشيخ لي أن تعال واحمل الطعام!!

حملت الحافظات والصواني الصغيرة فوضعتها على سفرة الطعام..

كانت تلك أول مرة آكل فيها من طعام بيت الشيخ ..

كان الطعام خفيفا وسهل الهضم ولو شئت لذكرته!!

بعدها ساعدت الشيخ في حمل المواعين والسفرة ..

سألت الشيخ ونحن بمفردنا في المطبخ : أين تقع مكتبتكم؟

أمسك بيدي وقادني للجهة الشرقية من المنزل ومررنا بسيب ضيق

ويقع عن يمينه علاقات وضع عليها عباءات الشيخ وعن اليسار درج يقود للقبو.

أخرج الشيخ من جيبه الذي على صدره شبكا علقت عليه مفاتيح كثيرة..

ثم أدخل أحد المفاتيح في الباب المغلق الذي أمامنا ..

فدلف للغرفة وأضاء المصباح ..

أي حظ هذا وأي شرف لي أن أدخل بيت شيخنا بل وأدخل مكتبته ..

لقد مر على قدومي لعنيزة منذ ذلك التاريخ وحتى تلك الليلة حوالي الشهرين وزيادة..

سأصف مكتبة الشيخ من الداخل في الحلقة القادمة إن شاء الله ..
دبه تسوي ريجيم
الحلقة العاشرة. مرت الأيام التالية علي سريعا .. وحرصت أن استمتع بالجلوس فيها بالقرب من سعود..وأولاده وإخوته.. ذهبنا سويا أنا وسعود للمكتبة واشترى لي مجموعة من الكتب.. لقد أراد سعود أن يعدني إعدادا شاملا للدراسة عند هذا الحبر.. لقد كان سعود أشبه بوالد يزف ولده ... ولم أكن اعلم أنا أو سعود ما يخبئه القدر لي.. قبل يوم السفر قدم قريب لسعود وكان قريب عهد بعرس .. تلفظ معي هذا الرجل بكلام فهمت منه أنني غير مرحب بي.. قال لي: أنت لست من شمر وأريدك أن تخرج هويتك من جيبك لتثبت عكس ذلك.. كان متكئا على وسادة ومقابلا لي ..ويشير بيده بكل تيه وغرور.. قام أخو سعود إليه فأراد أن يلطمه على وجهه فدفعته وقلت له دعه ليقل ما يقل.. لم يكن من اللائق بي أن أحرج الأخ سعود في بيته فسكت .. لكن أخا سعود استدعاني للمختصر وقال لي.. دعك من هذا السفيه وأنا أعرف كل شيء عنك وأنت أكرم عندي منه.. خفف ذلك علي كثيرا ففكرة الانتساب تلك مع خطئها الشرعي لم تكن فكرتي و هي شيء مخالف لأعراف الناس وتقاليدهم وفيها ما فيها!!! في اليوم التالي سافرنا صباحا للقصيم.. ودعت إخوة سعود ثم انطلقنا لرحلة الطلب .. لم يكن إخوة سعود على استقامة تامة بالدين مع محافظتهما على الصلاة في المسجد إلا أنهما رجلان شهمان طيبان وفيهما من الخلال الحميدة ما يفوق كثيرا ممن رايتهم من المحافظين على الشعائر الظاهرة.. لقد أتصل علي سعود بعد أربع سنوات من ذلك اللقاء الأخير.. واخبرني بخبر اليم عن أخويه فلقد حدث لهما حادث بالسيارة على الطريق العام في أحد طرق الشمال السيئة .. فتوفيا على الفور رحمهما الله رحمة واسعة.. وخلف على سعود فيهما خيرا في ذريته وأولاده.. مر علي منذ أن خرجت من بيتنا من الطائف حوالي ثلاثة شهور تقريبا.. وهاأنذا أنتقل لمنطقة جديدة والله أعلم مالذي ينتظرني.. كنا وسعود في تلك السفرة صامتين .. فليس في مخيلتي أي كلمات أو حوار دار بيننا.. سعود هذا رجل .. ويكفي أن اسميه رجل.. إن من الناس من هو كمعدن الحديد ومنهم من هو كالفضة ومنهم من هو كالذهب.. سعود في نظري معدنه أثمن من الذهب والله .. أنا لا احكم على الرجل من خلال موقفه هذا معي هذا اتركه للقراء الكرام.. وصدقوني يا معاشر القراء الكرام إن سعود لا يعلم عما أكتبه عنه الآن..شيئا والله.. ولو علم لغضب من ذلك وكرهه.. فهو يرى عمله ذاك شيئا يتقرب به لربه ولا يريد أن يخالطه مدح الناس.. إن سعود لا ينتظر من عمله ذاك أن أكتب عنه أو أن أمجده فهو لم يكن يعلم ولا أنا كنت أعلم أين تسير بنا الأمور وما هي خاتمتها.. إنني أكتب هذا الكلام وهذه المواقف لأسجل لأبنائي ما حل بوالدهم.. لأروي لهم عمن رويت ومن خالطت ليعرفوا قدر الرجال وليعرفوا الدب مع الناس إنني يا أبنائي وأنتم الآن أطفال صغار وستكبرون إن شاء الله.. اقتطع لكم من جسدي قطعا صغيرة مليئة بالمآسي والأحزان والأتراح والعذاب والآهات فأنسجها لكم بهذه العبارات لكي تستمتعوا بها.. وتكون أنيسا لكم في دهاليز وظلمات ومضائق الحياة.. وأسجل للقراء الكرام ما حدث معي حتى يكون للناس فيها عبرة لمن أراد ذلك.. إنني أطلب من إخوتي القراء الكرام أن يشاركوني هذا الدعاء.. اللهم جازي سعود عني خير الجزاء اللهم بارك له في ولده وذريته اللهم واغنه من فضلك واجعله من عبادك الصالحين واختم له بخاتمة صالحة يا ارحم الراحمين .. اللهم اجعله من أهل فردوسك الأعلى ووالديه وإخوانه وذريته يارب العالمين.. وصلت أنا وسعود إلى عنيزة .. تلك المدينة الصغيرة الجميلة الهادئة.. مدينة العلم والعلماء.. دفن فيها من العلماء والصالحين على قرون مالله بهم عليم.. سماها أمين الريحاني باريس نجد.. شوارعها جميلة ونظيفة وأهلها كمجمل أهل القصيم فيهم العلم والدين والأدب الرفيع.. دخلت عنيزة وأنا فقير مشرد احمل معي حقيبة ملابس وكرتون كتب.. وكنت احمل قبل هذا في جعبتي تجارب قاسية وخبرة بسيطة في الحياة وسذاجة وقلة حيلة .. دخلت عنيزة وأنا حائر و رأسي متلبد بغيوم الشك والارتياب والضياع .. لم أكن أعلم وأنا أدخل عنيزة هل سأمكث فيها يوما أو أسبوعا أو شهرا.. فما يدريني فأنا منذ شهور أتنقل في البلاد من مدينة لأخرى .. ومن يد ليد أخرى ولكن رعاية الكريم ورحمته سبحانه هي التي ترعاني دخلت وأنا ابلغ السادسة عشر عاما فقط.. وبقيت في عنيزة أكثر من اثنتي عشرة عاما.. حافلة بالتجارب والمواقف الرائعة مع إمام الدنيا وفقيهها شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين عليه سحائب الرحمة والغفران.. يتبع إن شاء الله
الحلقة العاشرة. مرت الأيام التالية علي سريعا .. وحرصت أن استمتع بالجلوس فيها بالقرب من...

الحلقة التاسعه عشر..


مكتبة الشيخ عامرة وأغلبها نسخ قديمة الطبع...

مساحتها حوالي ستة أمتار في أربعة ..

والرفوف ملصقة بجميع جدران الغرفة ...

يجلس الشيخ بجوار نافذة قريبة من الأرض ..

ويستقبل النافذة في الواجهة الجنوبية من الغرفة وأمامه تلفونان ..

أحدهما للفتاوى الشرعية والآخر تلفون البيت الخاص..

وليست هناك مقاعد للجلوس أو طاولة للكتابة.. بل يجلس الشيخ على الأرض فوق

سجادة صلاة .. ويكتب على لوح تعلق عليه الأوراق ..

يراجع الشيخ في مكتبته الكتب أو يجيب على الفتاوى .. أو ينظم المعاملات أ ويقرأ

الرسائل..

بخصوص الرسائل في تلك الليلة التي دخلت فيها للمكتبة ..

شاهدت بوسط الغرفة كومة ضخمة من الرسائل والأوراق المبعثرة ..!!

قال الشيخ وهو يشير لها بأسى: هذه رسائل الأسبوعين الأخيرة ولم أستطع قراءتها ؟؟

تأتي للشيخ رسائل من كل بلاد الدنيا ..

أذكر مرة طلب الشيخ محمد مني ومن الشيخ فهد السليمان جامع فتاويه ..

أن نجرد رسائل الناس ونرتبها ونبوبها ففتحنا الظروف ..

فوجدنا رسائل من البلاد العربية ومن أوروبا وأمريكا وآسيا وأفريقيا ومن كل بلاد الدنيا ..

ورسائل فيها شيكات تبرعات ورسائل فيها طلب مؤلفات واستفتاءات..

ورسائل من مراكز إسلامية ..

سمعت الشيخ يقول مرة : أكثر الرسائل التي تأتيني هي من الجزائر ..!!

ولذلك لا عجب إذا رأيت كثيرا من الطلبة الجزائريين في حلقة الشيخ..

رأيت رسائل من علماء مشهورين يستشيرون الشيخ في بعض المسائل والنوازل .

ومنهم وبكثرة الشيخ العلامة بكر أبو زيد .. وممن رأيته كثيرا يحرص على الاستفادة

من علم الشيخ سواء بالاستفتاء أو بسماع دروسه على أشرطة الكاسيت سماحة الشيخ

عبد العزيز آل الشيخ مفتي المملكة الحالي..

وليست مكتبة الشيخ هي ما رأيته تلك الليلة فقط ..

بل إن لديه في القبو مكتبة أخرى تحتوي على المراجع التي تقل مراجعتها ..

و يوجد بها عدد من المخطوطات ..

ومنها مخطوطة تفسير الشيخ عبد الرحمن الناصر السعدي العالم المشهور ..

المسمى بتفسير الكريم المنان ...

وهذا التفسير قد كتبه الشيخ بخط لا يكاد يقرأ على دفتر الأستاذ

والذي يسمى دفتر حسابات (مسك الدفاتر)!!

يجلس الشيخ في اغلب أوقاته بالمكتبة وغالبا لا يقيل إلا فيها ..

وله في زاويتاها الشمالية فراش صغير وبطانية قديمة يتوسدها ويقيل هناك حتى أذان

العصر..

في تلك الليلة عدت أنا والأخ محمد وفي الطريق مررنا بمنزل الشيخ القديم..

وسأتكلم إن شاء الله عن هذا المنزل لاحقا حينما أحكي عن زيارة الأمير

ممدوح بن عبد العزيز لعنيزة..

أرجو أن لا يكون الملل قد دخلكم بتفاصيل قد لا يريدها البعض..

ولكن أرجو أن يأتي زمان يأتي فيه من يحتاج لمثل هذه المعلومات..

نرجع لجاري في درس الشيخ ..

كان ذلك الطالب المجد يظهر لي الاحترام والتقدير ..

كنت أرى ذلك (عن حسن نية ) نبلا منه وطيبة ..

فكسبني ذلك الشخص وصرت أخرج معه أحيانا بعد الدرس لبيته أو

للمكتبة ونحو ذلك ..

أذكر مرة أن الشيخ قال لي : انتبه يافلان من الناس لا تحدثهم بأمورك الخاصة ..

ترى الطلبة يحسدون بعض !! ونقل لي أثرا عن ابن عباس أنه قال : يتحاسد طلبة

العلم في آخر الزمان كما تتحاسد التيوس في زروبها!!.. ونحو ذلك الكلام..


والظاهر أن صاحبنا بسبب قربه من الشيخ ..

شعر أنني سأضايقه في قربي وكثرة لقاءاتي مع الشيخ ..

حينها لم أكن أعرف الحسد ولم أمارسه والله في حياتي ..

كنت أتحدث مع ذلك الشاب في بعض أموري الخاصة وفي اليوم التالي يستفسر مني

الشيخ..

حول ما قيل عن كذا وكذا !!

كأنه يلمح لما قلته لذلك الشاب..؟؟؟

غير أنني حينما أقارن ما أشاهده منه من سماحة نفس معي وحسن معشر..

أستبعد أن يكون هو من نقل هذا الكلام للشيخ ويا لغبائي!!

كتبت مرة رسالة للشيخ قلت له فيها بما معناه..

أنني أرغب في أن أستفيد من علمكم في حلكم في عنيزة وفي سفركم خارجها!!

حيث يشرفني أن أكون خادما لكم كما كان أنس وابن مسعود يخدمان رسول الله

صلى الله عليه وسلم ..

حينما قرأ الرسالة الشيخ فرح بها وسر خاصة انه رأى مني الحرص على ذلك..

حدثت ذلك الشاب بهذه الرسالة ..

فما كان منه إلا أن حذرني من ذلك وقال : لا أنصحك وهذا سوف يغير عليك

قلوب الطلبة الآخرين وسوف يقولون : هذا الولد له عند الشيخ ثلاثة شهور ..

والآن يريد أن يكون رفيقه في سفره..؟؟ لا ، انتبه وأنا أخوك لا تفعل ...

أخذ صاحبنا يهول لي الأمور حتى عزمت على ترك ذلك العمل المتهور!!!

وجاء يوم سمعت الشيخ يذكر أنه سيسافر للرياض ..

فوقع في نفسي أن أطلب منه أن أرافقه ولكن ما حذرني منه صاحبي جعلني أتردد !!
دبه تسوي ريجيم
الحلقة العاشرة. مرت الأيام التالية علي سريعا .. وحرصت أن استمتع بالجلوس فيها بالقرب من سعود..وأولاده وإخوته.. ذهبنا سويا أنا وسعود للمكتبة واشترى لي مجموعة من الكتب.. لقد أراد سعود أن يعدني إعدادا شاملا للدراسة عند هذا الحبر.. لقد كان سعود أشبه بوالد يزف ولده ... ولم أكن اعلم أنا أو سعود ما يخبئه القدر لي.. قبل يوم السفر قدم قريب لسعود وكان قريب عهد بعرس .. تلفظ معي هذا الرجل بكلام فهمت منه أنني غير مرحب بي.. قال لي: أنت لست من شمر وأريدك أن تخرج هويتك من جيبك لتثبت عكس ذلك.. كان متكئا على وسادة ومقابلا لي ..ويشير بيده بكل تيه وغرور.. قام أخو سعود إليه فأراد أن يلطمه على وجهه فدفعته وقلت له دعه ليقل ما يقل.. لم يكن من اللائق بي أن أحرج الأخ سعود في بيته فسكت .. لكن أخا سعود استدعاني للمختصر وقال لي.. دعك من هذا السفيه وأنا أعرف كل شيء عنك وأنت أكرم عندي منه.. خفف ذلك علي كثيرا ففكرة الانتساب تلك مع خطئها الشرعي لم تكن فكرتي و هي شيء مخالف لأعراف الناس وتقاليدهم وفيها ما فيها!!! في اليوم التالي سافرنا صباحا للقصيم.. ودعت إخوة سعود ثم انطلقنا لرحلة الطلب .. لم يكن إخوة سعود على استقامة تامة بالدين مع محافظتهما على الصلاة في المسجد إلا أنهما رجلان شهمان طيبان وفيهما من الخلال الحميدة ما يفوق كثيرا ممن رايتهم من المحافظين على الشعائر الظاهرة.. لقد أتصل علي سعود بعد أربع سنوات من ذلك اللقاء الأخير.. واخبرني بخبر اليم عن أخويه فلقد حدث لهما حادث بالسيارة على الطريق العام في أحد طرق الشمال السيئة .. فتوفيا على الفور رحمهما الله رحمة واسعة.. وخلف على سعود فيهما خيرا في ذريته وأولاده.. مر علي منذ أن خرجت من بيتنا من الطائف حوالي ثلاثة شهور تقريبا.. وهاأنذا أنتقل لمنطقة جديدة والله أعلم مالذي ينتظرني.. كنا وسعود في تلك السفرة صامتين .. فليس في مخيلتي أي كلمات أو حوار دار بيننا.. سعود هذا رجل .. ويكفي أن اسميه رجل.. إن من الناس من هو كمعدن الحديد ومنهم من هو كالفضة ومنهم من هو كالذهب.. سعود في نظري معدنه أثمن من الذهب والله .. أنا لا احكم على الرجل من خلال موقفه هذا معي هذا اتركه للقراء الكرام.. وصدقوني يا معاشر القراء الكرام إن سعود لا يعلم عما أكتبه عنه الآن..شيئا والله.. ولو علم لغضب من ذلك وكرهه.. فهو يرى عمله ذاك شيئا يتقرب به لربه ولا يريد أن يخالطه مدح الناس.. إن سعود لا ينتظر من عمله ذاك أن أكتب عنه أو أن أمجده فهو لم يكن يعلم ولا أنا كنت أعلم أين تسير بنا الأمور وما هي خاتمتها.. إنني أكتب هذا الكلام وهذه المواقف لأسجل لأبنائي ما حل بوالدهم.. لأروي لهم عمن رويت ومن خالطت ليعرفوا قدر الرجال وليعرفوا الدب مع الناس إنني يا أبنائي وأنتم الآن أطفال صغار وستكبرون إن شاء الله.. اقتطع لكم من جسدي قطعا صغيرة مليئة بالمآسي والأحزان والأتراح والعذاب والآهات فأنسجها لكم بهذه العبارات لكي تستمتعوا بها.. وتكون أنيسا لكم في دهاليز وظلمات ومضائق الحياة.. وأسجل للقراء الكرام ما حدث معي حتى يكون للناس فيها عبرة لمن أراد ذلك.. إنني أطلب من إخوتي القراء الكرام أن يشاركوني هذا الدعاء.. اللهم جازي سعود عني خير الجزاء اللهم بارك له في ولده وذريته اللهم واغنه من فضلك واجعله من عبادك الصالحين واختم له بخاتمة صالحة يا ارحم الراحمين .. اللهم اجعله من أهل فردوسك الأعلى ووالديه وإخوانه وذريته يارب العالمين.. وصلت أنا وسعود إلى عنيزة .. تلك المدينة الصغيرة الجميلة الهادئة.. مدينة العلم والعلماء.. دفن فيها من العلماء والصالحين على قرون مالله بهم عليم.. سماها أمين الريحاني باريس نجد.. شوارعها جميلة ونظيفة وأهلها كمجمل أهل القصيم فيهم العلم والدين والأدب الرفيع.. دخلت عنيزة وأنا فقير مشرد احمل معي حقيبة ملابس وكرتون كتب.. وكنت احمل قبل هذا في جعبتي تجارب قاسية وخبرة بسيطة في الحياة وسذاجة وقلة حيلة .. دخلت عنيزة وأنا حائر و رأسي متلبد بغيوم الشك والارتياب والضياع .. لم أكن أعلم وأنا أدخل عنيزة هل سأمكث فيها يوما أو أسبوعا أو شهرا.. فما يدريني فأنا منذ شهور أتنقل في البلاد من مدينة لأخرى .. ومن يد ليد أخرى ولكن رعاية الكريم ورحمته سبحانه هي التي ترعاني دخلت وأنا ابلغ السادسة عشر عاما فقط.. وبقيت في عنيزة أكثر من اثنتي عشرة عاما.. حافلة بالتجارب والمواقف الرائعة مع إمام الدنيا وفقيهها شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين عليه سحائب الرحمة والغفران.. يتبع إن شاء الله
الحلقة العاشرة. مرت الأيام التالية علي سريعا .. وحرصت أن استمتع بالجلوس فيها بالقرب من...
الحلقة العشرون

كنت يوما أسير مع الشيخ بعد صلاة العصر ..

فجاءه رجل ذو هيئة ومعه مرافق له ..

عرف نفسه للشيخ بأنه الأمير فلان ....

دعاه الشيخ للتفضل في بيته للقهوة والتعارف .. فرحب بذلك الرجل والظاهر أن هذا هو

غايته من الزيارة ...

قال لي الشيخ: تفضل معنا ...

فدخلت مع الضيف من باب الملحق ..

بعد دقائق أحضر الشيخ القهوة والتمر وإبريق الشاي معه...

فحملتها من يديه فكنت خادم القوم في تلك الجلسة ..

ويعلم الله قدر شعوري بالفخر والشرف أن أخدم شيخنا وضيوفه..

بعد انتهاء الجلسة وانصراف الضيوف ..

عرضت على الشيخ أن أرافقه لسفرته في الرياض ..

فقال : وما غرضك من ذلك ؟؟

فكررت له ما قلت له في الرسالة ....

فقال : أهلا بك وسهلا ولكن سفري ذلك جزء منه زيارة عائلية وسوف أرى..

ثم فاتحني الشيخ بموضوع آخر ...

هو موضوع الدراسة النظامية .. قال لي:

لما لا تكمل دراستك؟

فقلت له لا مانع عندي ولكن كيف؟؟

ملفي الدراسي ليس لدي !!

كنت أتهرب من الموضوع حتى لا تكتشف هويتي الحقيقية!!

قال الشيخ: دع الأمر لي وسوف أسجلك في المعهد العلمي...

قبلت وأظهرت الفرح والاغتباط وأنا في داخلي أغلي كالمرجل من الخوف!!

قلت له ياشيخنا ...

هل أنا في حلم ؟؟ أم في علم ؟؟

أن أكون الآن معك في بيتك مع الشيخ ابن عثيمين؟؟

ابتسم ودعا لي وقال : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ...

التقيت بصاحبي .. وجاري .. بعد ذلك فحدثته بما كان ...

وكان السفر بعد يومين ...

كان ذلك بمثابة حراب أغرسها في قلبه دون أن أشعر أو أقصد ذلك والله..

دهشت وربي من حرصه على تثبيطي وتذكيري بالعواقب ..

ولكن حتى تلك الساعة لم ينكشف لي ما يدبره ...

شجعني بندر على الذهاب ...وقال لا تتردد ..

ذات يوم بعد صلاة العصر ألتفت إلي شاب أعرفه جيدا وهو من أصحاب جاري ذاك!!

وسألني أسئلة مباشرة فيها وقاحة وصلف ...

قال : ايش اسمك؟؟

قلت فلان ..

قال : قلي اسمك كاملا .. ؟؟

قلت : فلان بن فلان .. ذكرت اسم الأب فقط..!!

قال: وما لقب العائلة؟؟

عرفت خلالها أنه مرسل لتخويفي من شيء ما!!

ولم أحب هذا الشخص مطلقا ، فهو رجل سيء الخلق حقود ..

بعد يومين استعديت للسفر وحزمت حقيبتي ..

وطلبت من جاري ذاك أن يوصلني هو إلى بيت الشيخ ...؟؟؟

بل واقترضت منه مبلغا من المال لمصاريفي!!

كنت كمن يطلب الماء من بياع الزيت!!

ولقد جاء فعلا في اليوم التالي ،لا ليوصلني بل ليعطيني رسالة واضحة مفادها ..

لقد حذرتك وأنذرتك ولكنك لا تسمع كلامي وسوف تندم..!!

لقد كانت نظراته والتي أتخيلها الآن أمام عيني تقذف بالشرر المستطير !!

ثم انطلق بسيارته مغضبا بعد أن رد باب سيارته في وجهي !!

لم اقدر الموقف حق قدره ..ولم أكن أحسب الأمور بمثل حساباته ولم تكن لي معرفة

بطبائع البشر الحيوانية نعوذ بالله من ذلك..

أطلقت جرس باب منزل الشيخ فخرج أحد أبناء الشيخ ..

وهو يحمل حقيبتين ووضعها في مؤخرة السيارة..

وكانت تظهر على وجهه علامات الغضب وعدم الترحيب بي !!

ولم يسلم علي أو يخبرني أين الشيخ أو ماذا سنفعل !!

أي حال أنا فيه !!

انتظرت في الخارج حوالي النصف ساعة حتى خرج الشيخ فقال :

أين كنت ؟؟

أنا أنتظرك؟؟؟

لم أخبره بما حصل .. بل سكت وصافحت أبناءه الآخرين ..

يقولون العيون شواهد تكشف ما في القلوب ..

منذ أول مرة رأيت فيه أبناء الشيخ عرفت أنني لديهم غير مرضي عني بل أنا مغضوب

علي..

وإنني أقسم وأجزم أن ذلك كله من فعل صاحبي الذي ظننته صديقا لي!!

فهو أحد أقربائهم والرجل منذ سنوات عديدة قريب منهم ومن الشيخ .. وقد كسب

ثقتهم فلا شك أنه ذو مصداقية في خبره عني !!

ولقد حاولت مرارا وتكرارا أن اثبت لهم أنني شخص مختلف عما صوره الرجل عني

ولكن بدون فائدة .. فالناس للأسف حكمهم في الغالب يترسخ ويتجذر منذ الصدمة

الأولى!!

خاصة أن الوقائع التي حصلت قد زادت الأمر تعقيدا .. والحمد لله..

ولكن الله سبحانه وتعالى عوضني كثيرا بشيخنا وليغضب كل الناس عني!!

إذا كان حبك لي صادق فكل الذي فوق التراب تراب..

توجهنا للمطار برفقة سائق الشيخ..

وهي سيارة كابر يس موديل تسعة وسبعين!!

لونها بني مخطط بلون البيج !!

يقول السائق لي : أنا أسوق الشيخ منذ خمسة عشر عاما بهذه السيارة..

ولقد باءت كل محاولاتي ومحاولات إدارة جامعة الإمام لتغيير السيارة ..

حيث أن الشيخ يراها سيارة ممتازة ولا يهم شكلها أو موديلها المهم أن توصله


يتبع إن شاء الله غداما يتبقى من حلقات هذه القصه المثيره.........
دبه تسوي ريجيم
الحلقة العاشرة. مرت الأيام التالية علي سريعا .. وحرصت أن استمتع بالجلوس فيها بالقرب من سعود..وأولاده وإخوته.. ذهبنا سويا أنا وسعود للمكتبة واشترى لي مجموعة من الكتب.. لقد أراد سعود أن يعدني إعدادا شاملا للدراسة عند هذا الحبر.. لقد كان سعود أشبه بوالد يزف ولده ... ولم أكن اعلم أنا أو سعود ما يخبئه القدر لي.. قبل يوم السفر قدم قريب لسعود وكان قريب عهد بعرس .. تلفظ معي هذا الرجل بكلام فهمت منه أنني غير مرحب بي.. قال لي: أنت لست من شمر وأريدك أن تخرج هويتك من جيبك لتثبت عكس ذلك.. كان متكئا على وسادة ومقابلا لي ..ويشير بيده بكل تيه وغرور.. قام أخو سعود إليه فأراد أن يلطمه على وجهه فدفعته وقلت له دعه ليقل ما يقل.. لم يكن من اللائق بي أن أحرج الأخ سعود في بيته فسكت .. لكن أخا سعود استدعاني للمختصر وقال لي.. دعك من هذا السفيه وأنا أعرف كل شيء عنك وأنت أكرم عندي منه.. خفف ذلك علي كثيرا ففكرة الانتساب تلك مع خطئها الشرعي لم تكن فكرتي و هي شيء مخالف لأعراف الناس وتقاليدهم وفيها ما فيها!!! في اليوم التالي سافرنا صباحا للقصيم.. ودعت إخوة سعود ثم انطلقنا لرحلة الطلب .. لم يكن إخوة سعود على استقامة تامة بالدين مع محافظتهما على الصلاة في المسجد إلا أنهما رجلان شهمان طيبان وفيهما من الخلال الحميدة ما يفوق كثيرا ممن رايتهم من المحافظين على الشعائر الظاهرة.. لقد أتصل علي سعود بعد أربع سنوات من ذلك اللقاء الأخير.. واخبرني بخبر اليم عن أخويه فلقد حدث لهما حادث بالسيارة على الطريق العام في أحد طرق الشمال السيئة .. فتوفيا على الفور رحمهما الله رحمة واسعة.. وخلف على سعود فيهما خيرا في ذريته وأولاده.. مر علي منذ أن خرجت من بيتنا من الطائف حوالي ثلاثة شهور تقريبا.. وهاأنذا أنتقل لمنطقة جديدة والله أعلم مالذي ينتظرني.. كنا وسعود في تلك السفرة صامتين .. فليس في مخيلتي أي كلمات أو حوار دار بيننا.. سعود هذا رجل .. ويكفي أن اسميه رجل.. إن من الناس من هو كمعدن الحديد ومنهم من هو كالفضة ومنهم من هو كالذهب.. سعود في نظري معدنه أثمن من الذهب والله .. أنا لا احكم على الرجل من خلال موقفه هذا معي هذا اتركه للقراء الكرام.. وصدقوني يا معاشر القراء الكرام إن سعود لا يعلم عما أكتبه عنه الآن..شيئا والله.. ولو علم لغضب من ذلك وكرهه.. فهو يرى عمله ذاك شيئا يتقرب به لربه ولا يريد أن يخالطه مدح الناس.. إن سعود لا ينتظر من عمله ذاك أن أكتب عنه أو أن أمجده فهو لم يكن يعلم ولا أنا كنت أعلم أين تسير بنا الأمور وما هي خاتمتها.. إنني أكتب هذا الكلام وهذه المواقف لأسجل لأبنائي ما حل بوالدهم.. لأروي لهم عمن رويت ومن خالطت ليعرفوا قدر الرجال وليعرفوا الدب مع الناس إنني يا أبنائي وأنتم الآن أطفال صغار وستكبرون إن شاء الله.. اقتطع لكم من جسدي قطعا صغيرة مليئة بالمآسي والأحزان والأتراح والعذاب والآهات فأنسجها لكم بهذه العبارات لكي تستمتعوا بها.. وتكون أنيسا لكم في دهاليز وظلمات ومضائق الحياة.. وأسجل للقراء الكرام ما حدث معي حتى يكون للناس فيها عبرة لمن أراد ذلك.. إنني أطلب من إخوتي القراء الكرام أن يشاركوني هذا الدعاء.. اللهم جازي سعود عني خير الجزاء اللهم بارك له في ولده وذريته اللهم واغنه من فضلك واجعله من عبادك الصالحين واختم له بخاتمة صالحة يا ارحم الراحمين .. اللهم اجعله من أهل فردوسك الأعلى ووالديه وإخوانه وذريته يارب العالمين.. وصلت أنا وسعود إلى عنيزة .. تلك المدينة الصغيرة الجميلة الهادئة.. مدينة العلم والعلماء.. دفن فيها من العلماء والصالحين على قرون مالله بهم عليم.. سماها أمين الريحاني باريس نجد.. شوارعها جميلة ونظيفة وأهلها كمجمل أهل القصيم فيهم العلم والدين والأدب الرفيع.. دخلت عنيزة وأنا فقير مشرد احمل معي حقيبة ملابس وكرتون كتب.. وكنت احمل قبل هذا في جعبتي تجارب قاسية وخبرة بسيطة في الحياة وسذاجة وقلة حيلة .. دخلت عنيزة وأنا حائر و رأسي متلبد بغيوم الشك والارتياب والضياع .. لم أكن أعلم وأنا أدخل عنيزة هل سأمكث فيها يوما أو أسبوعا أو شهرا.. فما يدريني فأنا منذ شهور أتنقل في البلاد من مدينة لأخرى .. ومن يد ليد أخرى ولكن رعاية الكريم ورحمته سبحانه هي التي ترعاني دخلت وأنا ابلغ السادسة عشر عاما فقط.. وبقيت في عنيزة أكثر من اثنتي عشرة عاما.. حافلة بالتجارب والمواقف الرائعة مع إمام الدنيا وفقيهها شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين عليه سحائب الرحمة والغفران.. يتبع إن شاء الله
الحلقة العاشرة. مرت الأيام التالية علي سريعا .. وحرصت أن استمتع بالجلوس فيها بالقرب من...
الحلقة الواحد والعشرون

على ذكر سيارة الشيخ ...

التابعة لجامعة الإمام ... أذكر مرة أنني رافقت الشيخ من الجامعة وحتى بيته..

وحين وصلنا للمنزل أمرني الشيخ بالنزول من السيارة ..!!

فقلت له : خل فلان يوصلني للسكن لو سمحت بذلك ؟؟

فقال : لا؟؟

أنزل هنا وامش على قدميك!!

خرجت من السيارة فلما رأى أثر كلامه علي قال لي:

هذه السيارة يابني أعطيت لي لاستعمالها في عملي وشغلي...

ولا يجوز لي شرعا أن أسمح لأحد آخر باستعمالها سوى بإذن من الجامعة!!!

ولا حتى لأبنائي وأهلي !!

أذكر من ورع الشيخ الشيء الكثير ولقد ذكر لي احد كبار طلبة سماحة الشيخ العلامة

عبد العزيز بن باز رحمه الله أنه حينما ذكر له بعض مواقف الشيخ ابن عثيمين

في الورع تعجب من ذلك وقال : من يقدر على هذا؟؟؟

وهو من هو في ورعه وزهده رحمهما الله وعفا عنهما فهما والله نادران في زمانهما

نحسبهم كذلك والله عز وجل حسيبنا وحسيبهم..

وصلنا ذلك اليوم لمطار القصيم الإقليمي ..

حملت الحقائب ودخلنا سويا لصالة المسافرين ..

لمح الشباب العامل في المطار من موظفين وعسكر الشيخ فجاء بعضهم للسلام على الشيخ

وهم مبتهجون بذلك !!

أما أنا فقد كنت في شبه السكرة من الفرح ..

يا الله أين كنت وأين أنا الآن ...؟؟

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ..

لم يكن هناك أي تأخير فقد وصلنا وقت نداء ركوب المسافرين للطائرة ..

بعد تجاوزنا لمعاملات السفر جاء مدير المطار للسلام على الشيخ ..

وأدخله في مكتب الضابط المناوب ..

وقدموا لنا الشاي ..

وحينما استكمل ركوب المسافرين توجهنا للطائرة أنا وشيخنا..

كان مقعد الشيخ على الدرجة الأولى وذلك على حساب جامعة الإمام التي

ستستضيف الشيخ لمحاضرة للمبتعثين من طلابها خارج المملكة ..

وعادة الشيخ إن سافر على حسابه الشخصي أن يركب الدرجة السياحية ..

لكن في عدة مواقف شاهدتها يرفض ربان الطائرة حينما يعلم بوجود الشيخ ..

إلا أن ينقل في الدرجة الأولى .. إكراما للشيخ وحبا واحتراما له..

في تلك الرحلة كنت أنا بطبيعة الحال في الدرجة السياحية أو ما يسمى الضيافة..

ولكن بعد إقلاع الطائرة ، جاءني الشيخ بنفسه وقد استأذن لي أن أكون برفقته..
فكنت بجواره في الدرجة الأولى...

لكم أيها الإخوة والأخوات أن تدركوا تلك المشاعر التي كانت في نفسي تلك اللحظات..

كنت أراقب الشيخ وأحاول أن استفيد من كل تصرفاته فهو قدوة لي في كل شيء..

بعد شرب القهوة جاء مضيف الطائرة للشيخ وقال له:

هل ممكن أن ترافقني لغرفة قيادة الطائرة ، الكابتن يدعوك لو تكرمت ؟؟

قام الشيخ من مقعده وتوجه لمضيفه وبقيت لوحدي حتى قرب وصولنا للرياض ..

علما أن الرحلة تستغرق حوالي الأربعين دقيقة فقط!!

رجع الشيخ وجلس على كرسيه ..

وبدأ في تلاوة حزبه من القرءان .. حيث يقرأ يوميا جزأين كاملين من صدره ...

وصلنا لمطار الرياض ونزلنا في الصالة العامة واستقبلنا مندوب الجامعة ..

توجهنا مباشرة لجامعة الإمام ولمكتب الدكتور عبد الله التركي مدير الجامعة حينها..

سلم الشيخ على الدكتور التركي وسلمت عليه .. وبقيت معهما لدقائق ..

ثم خرجت للخارج وانتظرت خروج الشيخ ..

بعد ساعة تقريبا ناداني مندوب الجامعة وقال : الشيخ يدعوك للحاق به لموقع

المحاضرة..

نزلت مع المندوب حيث يظهر أن هناك مخرج خاص من مكتب الدكتور عبد الله ..

سألني مندوب الجامعة .. هل أنت ابن الشيخ ؟

قلت :لا ... أنا أحد تلاميذه ...

قال لي : هنيئا لك يا أخي هذا الشرف ..

دخلنا لصالة ضخمة جدا وفيها من الفخامة والنظارة ما يبهر العقول ...

ولم يكن هناك حضور سوى الصفين الأول والثاني !!

وبعض الناس هنا وهناك!!

حيث أن المحاضرة خاصة فقط بالمبتعثين وأظن عددهم حوالي المائة وعشرون ..

تحدث الشيخ حديثا طويلا حول ما يتعلق بسفرهم من أحكام فقهية ومن تنبيهات

وتحذيرات من بعض الأخطار التي قد تواجههم في أمور دينهم ..

وبث الشيخ في نفوسهم الحماسة في الاستفادة مما لدى الآخرين والعودة لبلادهم

لكي تنتفع الأجيال بهم وحذرهم من الأفكار المسمومة والتي عاد بها بعض أبناءنا

ونحو ذلك من توجيهات ومعان مفيدة..

ثم فتح الباب للأسئلة والتي أخذت اغلب وقت المحاضرة وكانت أسئلة مفيدة للغاية..

بعد انتهاء المحاضرة ... توجهنا لكلية الدعوة والإعلام وصحب الشيخ

للكلية الدكتور سعيد بن زعير ولا أدري هل هو عميد الكلية أم هو أحد دكاترته..

ودخلنا في قاعة أصغر من الأولى وأظنها تابعة للكلية ..

وكانت غاصة جدا بالطلبة ، وقد امتلاء الدرج وأمام الأبواب وأطراف المسرح بالحضور..

تحدث الشيخ في كلمة مختصرة ثم استقبل أسئلة الناس ..

كانت في تلك الأيام أحداث أشغلت الناس والمجتمع وهي قضية ..

مقتل الشيخ جميل الرحمن ودخول مجموعة من قادة المجاهدين الأفغان لولاية كنر..

وكانت تلك الأيام قد اضطربت آراء الناس حول ما يحدث ..

ولا أنسى أبدا عشرا ت الوفود التي قدمت على الشيخ في عنيزة من مدن المملكة..

والتي تستفتيه حول هذا الموضوع خصيصا ..

سئل الشيخ في تلك القاعة عن موقفنا نحن كمسلمين من تلك الفتنة..

فأجاب بكلام مبني على الدليل من كتاب الله وسنة رسوله ..

وقال : الذي أرى أن توقف التبرعات عن المجاهدين هناك جميعا حتى تنتهي الفتنة

ولا نعينهم في أن يقتل بعضهم بعضا .. ونحو هذا الكلام..

أثارت تلك الفتوى من الشيخ موجة من الحيرة والترقب في وجوه الدكاترة والمشائخ

الموجودين في القاعة ..

وبعد انتهاء المحاضرة .. طلب الدكتور سعيد بن زعير من الشيخ أن يزور مكتبهم

دخل الشيخ وكنت معه واجتمع حوله عدد من الدكاترة ومدراء الأقسام ..

ودار نقاش علمي مع الشيخ حول فتواه ...
يتبع إن شاء الله