دونا
دونا
الجزء الرابع ( ماذا فعلتم بي .. وبقلبي )

مضى هيثم يجوب شوارع العاصمة الفسيحة بسيارته.. و لكن إشارة المرور الحمراء أجبرته أن يتوقف خلف
جمع غفير من السيارات.. فمكان منه إلا أن امتثل لأمرها بعد أن تنهد في حنق.. أنارت الإشارة باللون الأخضر.. فتقدم هيثم بضع كيلوات ثم عاد ليتوقف عندما أضاءت الإشارة باللون الأحمر..فأخرج رأسه من نافذة السيارة و أخذ يرمق ذلك العديد الكبير الذي يصطف أمامه من السيارات.. فتأفف في غضب.. فهذا الزحام لن يسمح له بالوصول في موعده المحدد.. تراخى على مقعده في ملل.. ثم اختلس نظرة إلى صحن البسبوسة الذي يقبع بجواره.. و بحسرة أغمض عينيه و هو يستعيد مشهد مدى و هي ترجوه أن يحتسي القهوة معهم.. و أخذ يتمتم: ليتني أجبت رجاءها..
و فجأة تعالى طرق على نافذة سيارته.. فاعتدل بحركة حادة ليرى طفلاً صغيراً قد ارتدى ثياباً قذرة متمزقة يشير إليه بعقود ياسمين راجياً إياه أن يشتري منها.. تبسم هيثم و فتح النافذة.. فابتسم الطفل هو الآخر فأخيرا سيبيع شيئاً مما لديه.. أخذ هيثم عقدين من الياسمين و أعطى الطفل ثمنيهما.. و ما أن هم الطفل بالمغادرة حتى استوقفه هيثم و قد أخرج من جيبه بضع ريالات هاتفاً: خذ هذه إنها لك..
أسرع الطفل ليأخذ الريالات في سعادة غامرة و هو يشكر هيثم و قد تلألأت عيناه بالدموع.. فما كان من هيثم إلا أن أخذ صحن البسبوسة و ناولها الصغير و هي يخاطبه قائلاً: خذ هذه.. لعل أيامك كلها تغدو بإذن الله حلوه.
أمسك بها الصغير و مضى مسرعاً فقد أصبحت الإشارة خضراء..
بعد ربع ساعة استطاع هيثم أن يجتاز الزحام.. فمضى و قد زاد من سرعته حتى وصل أمام بيت يقع في وسط المدينة.. فترجل من سيارته و قد أخذ معه عقدي الياسمين.. ثم طرق الباب.. فأجابه صوت فتاة و هو يقول: من الطارق؟
فابتسم هيثم و عقب قائلاً: هل كنت تنتظرين أحداً غيري؟!
- هيثم؟! هذا أنت لقد تأخرت كثيراً..
- أنا آسف يا عزيزتي.. سأخبرك بما حدث بعد أن تفتحي لي..
- ما أغباني؟!.. سأنزل لأفتح لك.. انتظرني لحظات..
بعد دقائق قليلة فتح الباب..ما أن دخل هيثم حتى تعلق بصره بخطيبته ليلى و هي تغلق الباب من خلفه..
أشارت ليلي لهيثم بأن يتبعها إلى حجرة الضيوف الذي بات يعرف طريقه إليها.. لكنه لم يحرك ساكناً.. و بقي بصره معلقاً حيث كان.. فنظرت إليه ليلى في عجب و قالت: ما بك يا هيثم؟!.. فيم تحملق؟!
- بالقمر الذي سقط من السماء.
عقدت ليلي ساعديها فوق صدرها.. و أجابت بابتسامة تتسع شيئاً فشيئاً: أنسيت أن القمر يعكس ضوء النجوم.. فإذا ما سقط فإنه سيتحول لمجرد حجارة خرساء.. لا تثير انتباه أي شخص..
- أو تظنين أن النجوم ستبقى عندها في السماء؟!.. ستلحق بالقمر إلى الأرض.. لأنها بدونه ستفقد اسم نجوم.
- لا يهمني إن لحقت بالقمر أم لا.. فالنجم الساطع يقف أمامي.. ليحول كل ما حوله إلى نور و جمال..
- يا إلهي.. كيف لي أن أجاري طالبة الجغرافيا و الفلك.
- لا فائدة فلن تتغير أبداً يا هيثم.
- و لماذا تريدين مني أن أتغير؟!
- يا زوجي العزيز عليك أن تعود إلى أرض الواقع فوراً.. فلم يبقى على الجامعة سوى أيام.
- لا تذكريني أرجوك..
- بل علي أن أفعل.. لو لم تعتذر الفصل الماضي عن الامتحانات لكنت الآن في عداد الخريجين.. و لما تأخر زفافنا فصلاً كاملاً.
- قلتها لك مراراً يا ليلى.. لم أكن أستطع أن أذاكر و أختبر وأختي فداء تعارك المرض في المستشفى.
- كم تمنيت أن تكون كابن فداء رحمها الله.. فها هو الآن قد أنهى دراسته في الثانوية بنسبة مرتفعة أهلته لأن يدرس الطب..
- لؤي أقوى مما تتصورين يا ليلى.. لديه قدرة عجيبة.. فهو يجعل من أحزانه و همومه دافعاً له نحو الأمام.. و كلما تفاقمت ألامه كان يهرع إلى كتبه و أوراقه ليهرب بها من متاعبه و أحزانه.. واعداً نفسه بأن غداً أفضل.. كما أن إيمانه بقضاء الله و قدره صقل روحه و عقله.. فربط بين البلاء و الأجر.. فارتاح و وصل..
- و لكنك تؤمن بقضاء الله و قدره يا هيثم.
- و لكني لا أملك القوة أو السيطرة على تفكيري و قلبي.. البشر مختلفون يا ليلى تماماً كحبات الحصى.
- معك حق.. صدق من قال أن مصائب قوم عند قوم فوائد.
- لم تقولين ذلك؟!
- لأن أسر قلبك لم يكن صعباً علي.
-آه يا عزيزتي.. لو كان قلبي حصناً منيعاً.. لرأيته يرفع رايات الاستسلام هاتفاً أنا أحبك.
- قلها ثانية أرجوك.
- أحبك يا ليلى.. أحبك.. أحبك.. بكل عيوبك.
- عيوبي؟!
- لا يخلو القمر من الحجر.
- يا إلهي كم تحب إغاظتي!!
- عجباً لكن أيها النساء.. لتوي أسميتك بقمري.. أكلمة أنسيت كل شيء؟!
- لا فائدة منك أبداً..
-هل سنبقى أمام الباب طويلاً.
- أنت السبب.
-أكل هذه العصبية من أجل كلمة.
- الكلمة تؤذي أكثر من السيف.
- و لكنها الحقيقة فلكل إنسان عيوبه.. ألم تتطلبي مني أن أكون واقعياً و مسئولا.
- طلبت منك أن تكون واقعياً لا فظاً فبعض الحقائق مرة.
-حسناً حسناً.. أعتذر إليك.
- جيد هذا ما كنت أنتظره.. لقد قبلت اعتذارك..
رفع هيثم العقدين ثم ألبسهما ليلى و هو يقول: و هذه هي هدية اعتذاري.
لمستها ليلى بأطراف أصابعها و عقبت في سعادة: كم هما جميلان!
-لقد أشريتهما من طفل مسكين كان يبيعهما في الشارع.
- طفل؟! أين والدته و والده؟.. أهكذا يقضي الأطفال الإجازة!.. بين الشوارع و تحت وطأة الشمس الحارة!..لابد أن الصغير كان يتوق للعب مع أقرانه.. للمرح في الحديقة.. لأن يقوم بمغامرات شتى يحدث بها أصدقائه عند عودته للمدرسة.
- أظن أمثاله يعملون في كل الأوقات و المواسم.. ظروف الحياة صعبة و شاقة.. من يدري لعل أبو الطفل أو أمه لا يقدران على الإنفاق على نفسيهما لينفقا عليه.
- أسلوب الشحاذة هذا ليس حلاً.. من كثرهم ما عدت أصدق أحداً منهم..
- ليس أمامك إلا أن تبذلي ما بوسعك و تخلصي النية.. فما كان الله ليضيع أجرك.
- و نعم بالله.
- أتعلمين؟! عندما أعطيته البسبوسة أدمعت عيناه.
- بسبوسة؟!
- أًرادت مدى أن أحتسي القهوة معهم.. و عندما أخبرتها بأني على موعد معك يا زوجتي الحبيبة أصرت أن تعطيني قسماً منها لنأكلها معاً.
- أتعلم؟!.. كم هي أختك مدى رائعة..
- و ماذا عني؟!
همت ليلى بأن تخلع أحد العقدين و هي تجيب في مكر: أنت ستعطي عقد الياسمين هذا لمدى تعبيراً عن امتناني.
أمسك هيثم يدها مانعاً إياها من خلعه قائلاً: و أنت؟.
-سيبقى الآخر معي.
- لن تستطيعي فعل ذلك.
- لم؟
-لأن أحدهما لك.. و الآخر لي.
- لم قلدتني الاثنين إذن؟
- لأني لا أريد لهما أن يفترقا أبداً.
-حقاً؟!
-بالتأكيد.
- عدني إذن بأنك لا تتركني أبداً يا هيثم.
- لن أستطيع أن أفعل ذلك مادام القلب هائم بك.
- دع عنك الكلام المنمق و عدني.
-أعدك يا ليلى.. لن أتركك ما حييت.
- ما دمت وعدتني فسأحتفظ لك بعقد الياسمين حتى يجمعنا بيت واحد.. اتفقنا.
- اتفقنا.. و لكن بالله عليك دعينا ندخل فالجو بارد هنا.
ضحكت ليلى و مضت تتقدم هيثم إلى داخل المنزل.
-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*
حل الظلام.. و تلألأت المصابيح على جوانب الطرقات.. لكن ضجيج السيارات لم يهدأ بعكس بيت الجدة الذي أحاطته حالة من السكون بعد مغادرة نهى و لؤي.. فلقد دخلت الجدة إلى حجرتها لتقرأ القرآن، بينما ألقت لينا بجسدها المرهق على سريرها و غطت في نوم عميق.. فهي لم تستطع النوم جيداً ليلة البارحة.. و في غرفة المعيشة جلست ديمه تهذب أظافرها بالمبرد.. و إلى جانبها جلست مدى تطرز قطعة قماش.
و بعد مضي ساعات.. وضعت مدى قماش التطريز و الأدوات جانباً.. و تتطلعت في ساعة الحائط في قلق قائلة: لقد تأخر إياد.
أجابتها ديمه:سيصل في أي لحظة لا تقلقي.. فالقلق يؤدي إلى الأرق.. و الأرق يسبب ظهور الهالات السوداء تحت العين.
نظرت إليها مدى في بلاهة.. و هزت رأسها في عجب و هي تتمتم: أكل شيء تربطينه بالجمال.
مطت ديمه شفتيها و أجابت: كنز المرأة جمالها.
- و لكن هذا الكنز سيزول يا ذكية حالما تتقدم في السن.
-هذا إذا لم تعتني بنفسها و بصحتها.
- لا فائدة من الحديث معك.. أنت بواد و أنا بواد.
فجأة دق جرس الهاتف.. فأسرعت مدى تلتقطه و هي تهتف: لابد أنه اتصال من إياد.
ما أن وضعت مدى السماعة على أذنها حتى أتاها صوت يقول: السلام عليك و رحمة الله و بركاته.
- و عليك السلام و رحمة الله و بركاته.. كيف حالك يا عالية؟
- بخير و لله الحمد.
- و كيف حال أمك و عمي و أخواك؟
- كلهم بخير و الحمد الله.. خصوصاً أخي هادي.
هتفت مدى دون أن تشعر: هادي؟!
و بسرعة استدركت بصوت أخفض من سابقه: ما به هادي؟
- وجد عملاً.
أحاطت السعادة مدى.. و عقبت في انفعال و صوتها يعلو و ينخفض: أحقاً تقولين؟.. الحمد الله.. الحمد الله...
ياه أشعر و كأن هماً قد سقط عن كاهلي.
- هم؟!.. و لم تأخذين بهمه؟!
تلعثمت مدى و أجابت في ارتباك: ذلك لأن.. مم.. لأن بقاءه بلا عمل سيحزن عمي.
- آه فهمت.. لم تسألني أين سيعمل؟
- صحيح؟.. أين؟
- في مدينة أوربية.
- أروبية؟!.. أتعنين أنه سيهاجر؟!
- إنها فرصة ثمينة يا مدى و عليه أن يستغلها.. ثم هو لن يسافر وحده.
-ماذا تعنين أنه لن يسافر وحده؟!
- يا لغبائي لقد كدت أنسى.. لقد اتصلت اليوم لأخبر أمك بخطبة هادي.
ازدرت مدى لعابها في صعوبة و عقبت قائلة:خطبة هادي؟!.. أتعنين أن هادي سيتزوج؟
- غداً عقد قرانه.
- أنت تمزحين؟
- لا أبداً.. أنا لا أمزح..
و بلهجة عصبية أثارت انتباه ديمه عقبت مدى: بالتأكيد أنت تمزحين.
-أنا لا أمزح.. ما بك يا مدى؟.. لم كل هذه العصبية؟
صرخت مدى و هي تجيب: عصبية؟.. أبعد الذي فعلتموه بي تتهمينني بالعصبية!
-رويدك يا مدى.. نحن لم نفعل لك شيئاً..
-سرقتم قلبي الغض.. لعبتم بمشاعري و أحاسيسي.. رسمتم بأيدكم أحلامي.. و بها دمرتموها.
- ما الذي تهذين به يا فتاة؟!
-مدى لهادي.. و هادي لمدى.. أليس هذا ما كنت تعيدونه على مسامعي مراراً و تكراراً.
- مستحيل..... مدى هل أنت...؟؟؟
- ماذا فعلتم بي.. و بقلبي.
و بصرخة خرجت من أعمق أعماقها عادت تكرر: ماذا فعلتم بي و بقلبي؟
و مع آخر حروفها.. تهاوت سماعة الهاتف من يدها.. بينما أكبت مدى تبكي على الأرض.. و هي تتمتم بصوت خانته قواه..
ماذا فعلتم بي..
و بقلبي.
**********************************



سأعود لاحقاً في أمان الله ..
um_suhaib
um_suhaib
قصه رائعه
المقطع الاخير يحدث كثيرا
لاحول ولاقوة الا بالله
دونا
دونا
أحلام اليقظة..
حللت أهلاً..
و وطأت سهلاً..
مشرفتنا الغالية..
أدام الله علي طلتك..

-------------------------------
عصفورة الربيع..
كنت أنتظرك..
أشكر لك تصحيح الأخطاء الإملائية.. فأنا أدركتماماً بان هذا العمل ليس سهلاً..
اعذريني فلم أطبق نصائحك على هذا الجزء لأني وضعته قبل ان أقرأ ردك..
لكني أحببت أن أسألك..
هل عنيت أن مسافة بعد سطر النجوم الذي أضعه عادة بين المشاهد؟ أم قصدت أن أزيد التباعد بين السطور بشكل عام؟
أخيراً..
بشأن (-)..
في العام السابق أخذت مقرر التحرير العربي..
و عندما اخذنا علامات الترقيم كانت هذه العلامة تعني انتقال دفة الحديث من شخص إلى آخر..
و لم نكن نضعها أبداً في حال استخدمنا أفعالاً تتدل على التكلمفإننا نضع بعدها النقطتان الرأسيتان..
فقط......
على العموم.. كنت مخطئة فوجهيني أخيتي.. حتى أستفيد و يستفيد الجميع..
سلمت لي عصفورة..
ليتك تعلمين بالسعادة التي تغمرني عندما تحطين على صفحتي..
على كل عودتك هذه لها وقع خاص بالنسبة لي..
ليس فقط لأنك نثرت الدر في قطعة من قلبي..
و أصلحت المعوج..
بل لأنك أيضاً أضفت جزءاً جديداً على حبيبة قلبي شموع لا تنطفئ..
فليجمعك الله بمن أحببت على أرض الدنيا..
و في جنات النعيم..

-----------------------------------
um_suhaib
ردك جعل القصة أحلى..
معك حق أخيتي..
لذا حاولت أن أثير هذا الموضوع في قطعة من قلبي..
أدامك الله لي حضورك..
هل لي بسؤال..
حاولت أن أقرأ اسمك بالعربية و لكن (ما طلع معي)
لأنه سيكون من السهل علي مخاطبت به بللغة العربية..
فهلا كتبته لي في الرد القادم.
---------------------------------------
انتظر أراءكم سلبية كانت أو إجابية..
لا تنسوني من النقد..
في أمان الله..
أمل الروح
أمل الروح
:26: :26

جزاك الله خيرا أنا أتابعك

ولكنني تهت بسبب كثرة الأسماء ..أعتقد أني سأعيد قراءتها من البداية حتى أربط الحبال في عقلي ..

um_suhaib

أعتقد أنه أم صهيب :26:
دونا
دونا
أمل الروح....
لا تقلقي..
لن أزيد شخصيات أخرى حتى لا تتوهي بين الاسماء..
فقط احفظي المذكورة..
دمت لي..
---------------------