بــراءة
بــراءة
الجزء الأول

وسط الظلام الدامس الذي يسيطر على الغرفة بسكون أحسست بحركة ما في ناحية من نواحيها .. دب في قلبي الرعب.. و رفعت رأسي عن الوسادة قليلاً لأتفحص المكان .. فرأيته هو .. أسندت رأسي بسرعة على الوسادة و أغمضت عيناي تظاهراً بالنوم .. ماذا يريد ؟ يريد أن يفتش أغراضي ؟ يريد العثور على .. على الحقيبة السوداء ..كنت قد وضعتها أسفل السرير بالتأكيد لن يجدها ..فجأة شعرت بيده مدسوسة أسفل وسادتي يبحث عن الحقيبة .. كان امتحان مصيري لضبط أعصابي .. بالتأكيد هو يرقب أي حركة أو لمحة تطرأ على وجهي .. قلبي كان يدق بقوة و كنت خائف من أن يسمع صوته .. أخيراً سحب هو يده .. هنا جاءني صوته كالصاعقة بأذني و هو يهمس :" أعلم أنك مستيقظ فأقنعتك البريئة لا تجدي نفعاً معي .. "
لم يكن هناك مجال لمزيد من التمثيل ففتحت عيناي لأرى بريق عينين مخيفتين تحملقان بي ..تنهدت و همست :" ماذا تريد ؟..."
ابتسم و همس :" أعلم أن حقيبة النقود في مكان ما من هنا .. أعلم أنك سارق .. سرقت هذه النقود من مكان ما باحتيالك .. خذها و تمتع بما فيها .. و لكن .. لا مكان لك هنا "..
--
ها أنا أسير مجدداً في هذه الأرض .. أجر حقيبة مهمة للغاية بداخلها حقيبة سوداء ..مليونين و نصف يملكها فتى لا يتجاوز عمره خمسة عشر سنة .. ابتسمت ابتسامة ماكرة .. ستغنيني النقود عن شامل و أمثاله .. يطردني من منزله ؟ يا له من غبي .. كنت على وشك أني أكرمه .. لكنه هو من تظاهر أنه شخص شريف لا يرضى بالخطيئة .. لا أشك لحظة أنه نادم على طرده لي .. بعيداً عن النقود .. هو رجل وحيد بائس .. فقد زوجته و ابنه في حادث .. و كوني طالب لديه و التجأت إليه رحب بي بفرح شديد و اعتبرني كابنه و ملأت عليه الدنيا بوجودي .. ففي كل صباح يقص على قصة الفنجان الوحيد و كيف كان يستيقظ كل صباح وحده و يحتسي فنجانه وحده و كانت الوحدة هي السلطان الآمر الناهي في تلك الشقة الكئيبة ..
جلست على مقعد ما في الحديقة و وضعت الحقيبة في حجري .. و فتحتها ثم أخرجت هاتفي الخلوي و بمحاولة عابثة اتصلت بصديق لي فما إن سمع صوتي أقفل الخط .. تنهدت .. و تلفتت حولي .. هل علي أن أستعطف أحدهم ليدعني أعيش معه ؟ صرت أراقب كوشك لبيع المرطبات .. و كيف كان يخرج منه الناس .. و علقت عيناي برجل أنيق الهيئة بدين قليلاً يبدو في الأربعين يحمل حقيبة سوداء .. و الظاهر أنه ثري .. ما إن رأيته ينظر ناحيتي خفضت من رأسي و ابتسمت بخبث .. علي أن أريه أني شخص تائه عليه أن يقترب و يسألني .. عن سبب وجودي هنا مع حقيبة ملابسي .. أخرجت لحاف و وسادة دليل أني سأبقى هنا فترة طويلة و هذا ما سيحثه على الاقتراب و السؤال .. مجرد سؤال واحد ..
و بالفعل ! رأيت ظل يقترب و يقترب ناحيتي .. رفعت رأسي .. فإذا بالرجل يقدم لي علبة مثلجات ..رأيت على وجهه ملامح لطف شديدة الوضوح .. ابتسمت ببراءة مفتعلة لا مثيل لها .. و قبلت منه المثلجات .. رمقني هو لبرهة ثم جلس في الطرف الآخر من الكرسي و قال :
" الجو حار أليس كذلك ؟ "
التفتت إليه ثم عدت أرمق الآيسكريم الذي بيدي .. و نزعت عنه الغطاء قائلاً :" نعم "
و قد حاولت أن تكون نبرتي شديدة الهدوء ..فقال مستفهماً :" و ماذا تفعل هنا يا بني ؟"
رمقته بوجه يتيم جائع و افتعلت لمعة دمعة تتلألأ و خفضت من رأسي .. فانفعل هو الآخر و اقترب مني و مسح رأسي :" ما بك ؟ لماذا تبكي ؟ "
همست :" ليس لي منزل أعيش فيه "
تأملني باشفاق مرير و همس :" كيف ذلك ؟ أليس لديك أب ؟ أم ؟ "
أشرت برأسيي نفياً :" لا أبدا لقد توفيا من فترة .. و من كان يعيلني قد طردني اليوم و أنا لا أدري أين أمكث "
نظر لي لبرهة ثم مسح شعري و قال :" حسنٌ .. سوف أفهم منك القصة و لكن ليس الآن ..واضح أنك متعب .. سآخذك لمنزلي لترتاح "
ابتسمت بمكر :" حسنٌ "
و هو الذي دعاني لمنزله و لم أحتاج أن أوصف له شيئاً أو أني أختلق قصة معينة ..
و صعدت معه سيارته الفارهة و كنت محافظ على حقيبتي لأقصى حد .. فبها أضمن حياتي ..
و في منزله الرائع دلني على الملحق و تركني أرتاح .. و كنت أفكر و أخطط كيف أقنعه أن أعيش في منزله .. بطريقة غير مباشرة .. الظاهر أنه شخص محافظ و مسألة أن أعيش معه مسألة جديدة و غريبة عليه ..خصوصا أنه لم يدخلني على غرفة من المنزل بل تركني في ملحق يجاور ملحق الخدم ..
جلست على السرير و أخرجت حقيبتي السوداء و فتحتها و تلمست الأوراق النقدية بغبطة و سرور .. و بخوف عليها قمت بوضع كل رزمة في مكان آخر في حقيبة ملابسي .. لم يستغرق مني الحصول عليها سوى خمس دقائق .. ذلك الموظف الأبله خدعته بخطة بسيطة للغاية .. واتتني ضحكة عالية ترددت أصداؤها في نواحي الغرفة ،،
" لمَ تضحك ؟ .. "
رفعت رأسي .. ألا و هو الرجل .. صعقت! .. النقود .. الحقيبة ..

بــراءة
بــراءة
الجزء الثاني

أغلقت الحقيبة بسرعة ..و دفعت بها إلى حقيبة الملابس .. و رفعت رأسي للرجل و هو يقترب مستغرباً :" ما بك ؟ "
افتعلت ابتسامة بريئة :" هاه ؟ لا شيء "
جلس على حافة الكرسي و قال :" إذاً لماذا تضحك ؟ "
ابتسمت :" تذكرت موقفاً قديماً "
ابتسم هو :" ما اسمك الكامل ؟ "
" و لمَ "
" سأبحث في أمرك "
" أ .. رشاد .. رشاد حسن القيس "
نظر لي لبرهة ثم قال :" ألديك عم أسمه محمود ؟ "
رمقته بدهشة و قلت :" نعم .."
قال فرحا :" صحيح ؟ أنه شريكي في العمل .. لماذا لم تخبرني قبلاً .. أنه صديق و أخ وفي و غالي .. سأتصل به اليوم و أحدثه عنك "
و استدرك :" و لكن لماذا لم تلجأ له قبلاً "
فكرت قليلاً ثم قلت بادئاً قصة ألفتها للتو :" بصراحة .. الأستاذ شامل الذي كان يرعاني منعني من عمي و أبعدني عنه لأنه لا يؤيد أفكاره كونه نائب سابق و قال لي يجب ألا تتربى بين يديه .. و الآن ضاع مني عنوانه و لا أكذب عليك فعمي نفسه لم يسأل عني حتى "
نظر لي بعطف :" إذاً عانيت كثيراً "
خفضت من رأسي .. لأزيد من عطفه و ليتركني عنده .. فعمي هو آخر شخص أفكر في الذهاب إليه .. عمي شخص لطيف يحبني كثيراً .. لكن ابنه غسان يفهم نواياي جيدا و يفسر كل حركاتي كما يشاء.. و أنا بصراحة يصعب علي العيش معه ..
--
و باتفاق مع عمي سوف تكون غرفتي في منزله جاهزة غداً و غداً سأنتقل لهناك .. و قد أعرب هو عن اشتياقه لي و طلب أن يحادثني و يسألني عن حالي .. و كم كان ملهوفاً للاطمئنان علي ..
عدت من الصالون الرجالي و دخلت منزل الرجل متجهاً نحو ملحقي لكن لسوء حظي .. سمعت أصوات منبعثة منه ..:" ما هذا ؟ نقود ؟كم هذه يا ترى و لمن ؟ "
" لا أعلم .. علينا اخبار والدي "
كان علي أن أختلق قصة الآن لهاتين الفتاتين اللتان تفتشان في حقيبتي .. دخلت الغرفة و قلت بلطف :" هل من خطب ؟ "
التفتت لي الفتاتان بفزع .. و هما تمسكان برزمتان نسيت ادخالهما في الحقيبة و الحقيبة كانت في مكانها أي لم تريا باقي النقود .. سهلت علي المهمة .. ابتسمت لهما بتودد :
" أهناك مشكلة ؟"
رمقتني الكبرى بنظرة تفحصية و رفعت رزمتي النقود قائلة :" ما هذا يا فتى ؟ "
قلت ببساطة :" نقودي "
قالت الأخرى :" نقودك ؟ و من أين ؟ "
ابتسمت و اقتربت منهما :" من كان يرعاني أعطاني هذه النقود لأدبر أمري "
و مددت يدي نحو النقود .. فأعطتني الكبرى الرزمتين و قالت بجد :" أودع النقود لرصيدك "
--
في صباح اليوم التالي .. ها أنا أقف أمام منزل عمي .. استقبلني عمي بحضن دافئ .. عبث بشعري و همس :" كبرت يا رشاد .. "
ابتسمت ببراءة مفتعلة .. و في منزله الجميع يتهافت نحوي .. الجميع ملهوف علي .. الجميع مستغرب من غيابي الطويل .. الجميع مستغرب من هذا الوجه البريء الذي لازال يحمل ذات الملامح و التقاسيم الطفولية البريئة .. فوجهي هو سلاحي السري ..
أشار لي عمي أن أجلس و أمر الخادمة برفع حقيبتي إلى غرفتي المجهزة .. هنا اهتز قلبي .. قلت بسرعة و أنا أمسك برأسي :" أ .. علي الذهاب لأخذ قسط من الراحة "
ابتسم لي عمي :" كما تشاء رشاد .."
و صعدت مع الخادمة لغرفتي .. علي أن أخبئ نقودي في مكان آمن .. بالتاكيد ستنظف الخادمة غرفتي يومياً و ألمدرسة ستبدأ .. أي سأكون غائباً في الصباح .. علي أن أفكر لاحقا أين يمكن أن أخبئ نقودي ..
انحينت و دفعت حقيبتي إلى أسفل السرير .. و فوجئت حينها بدخول ابن عمي طلال .. اعتدلت و ابتسمت له فبادلني الابتسامة و قال بانفعال :" أهلا بالغالي رشاد "
ابتسمت :" أهلا طلال كيف حالك ؟ "
ضحك و رمى بجسده على المقعد المجاور :" بصراحة كان غيابك طويلا و لم نكن لنسمع عنك شيء و قد خشينا عليك كثيراً أين كنت تعيش ؟ "
" آ .. لدى أحد مدرسيني "
قطب حاجبيه :" و لماذا قللت من شأنك و ذللت نفسك .. لماذا لم تأت للعيش معنا منذ البداية؟"
و قال مجدداً :" هل كنت تظن أننا لا نريدك أن تعيش معنا ... أنت غالٍ للغاية علينا أرجوك .. اعتبرنا أسرتك و لا تذل نفسك لأي أحد "
ابتسمت :" أشكرك .. أ.. طلال .. متى تبدأ المدرسة ؟ "
بــراءة
بــراءة
الجزء الثالث

على العشاء .. زوجة عمي تصب لي العصير ثم تمسح شعري :" عليك أن تكون جاهزاً للمدرسة عزيزي "
ابتسمت :" نعم "
عمي كان يرمقني بنظرات لطف شديد .. طلال بنظرات اعجاب شديد ..أما غسان .. يرمقني بحقد شديد ..لا أدري سبب هذا الحقد .. هو دائماً يرمقني بنظرات احتقار شديدة الوضوح لكن هذه المرة مغايرة للغاية .. أيمكن أنه ؟ توقفت لبرهة عن الأكل .. أ .. رباه !!!!!!!!
أيمكن أنه وجد حقيبتي السوداء ..أنا دخلت لأستحم هذا النهار .. ربما ؟
و قفزت لهذا الخاطر و أسرعت لغسل يدي .. ثم غرفتي .. رحت أتفقد حقيبتي .. في مكانها تماما و لكني لم أطمئن إلا عندما فتحت الحقيبة السوداء و لم تنقص ورقة واحدة ..
ابتسمت بارتياح !
--
استلقيت على سريري بهدوء بعد أن أطفئت المصابيح .. مددت يدي أتلمس حقيبتي الغالية .. مليونين و نصف .. ما أحلى النقود .. فوجئت حينها بأحدهم يقتحم الغرفة بقوة .. اعتدلت مرتبكاً :" ما .. ماذا هناك ؟ "
جاءني صوت طلال :" أخفتك ؟ "
و أطلق ضحكة عابثة و قال و هو يرفع وسادته :" سأنام معك الليلة ، هل تمانع ؟"
اشتدت أعصابي توتراً ..ينام معي ؟ ..
" هل تمانع ؟ "
قلت بسرعة :" لا أبداً تفضل "
و أفسحت له مجالاً .. في السرير .. وضع هو وسادته و انشغل بتنسيقها و هو يقول :
" في هذا البيت الجميع ينفر مني "
و استلقى على السرير و قال بحزن :" و يسخرون مني .."
نظرت له بصمت .. فنظر لي قائلاً :" مهما حاولت أجدهم يستصغرونني .. ترى لماذا ؟"
" أ .. ربما كانوا يمزحون و حسب "
انفعل :" لا .. أنهم لا يمزحون .. لطالما تعمدوا أن يحرجونني "
" من تقصد بالضبط ؟ "
نظر لي و همس :" أنه أخي غسان "
ابتسمت بخبث و كأننا التقينا في نقطة واحدة .. قلت بهدوء :" بصراحة هو أيضاً يعاملني كذلك .. "
قال هو بانفعال :" حقا ؟"
" نعم .. لكني لا أجادله و أتركه كما يشاء .. كذلك يجب أن تفعل ذلك أنت .. دعه يسيء إليك و اصمت و دعه يظهر بصورة المزعج التافه و أنت من تتجاهله "
رمقني باعجاب :" لديك تفكير خصب .. "
رمقته ببرود ... على هذه العبارة صار عندي تفكير خصب ؟ لو يعلم ماذا فعلت مسبقاً ماذا سيقول ؟
و قضينا الليل بتذكر الذكريات و تجديد العلاقة من جديد .. طلال المسكين يظنني صديق وفي محب .. هه .. للأسف أنا لا أجده إلا أداة غبية يصعب تحريكها ..
في صباح اليوم التالي اصطحبنا عمي لشراء حاجيات المدرسة و صرت أتصرف بتهذيب شديد فلا أنتقي إلا ما هو ضروري .. و أصرف النظر عن النظارات الشمسية التي أعشقها .. و الأحذية الرياضية ..ربما تسألونني كيف تركت حقيبتي العزيزة في المنزل وحدها ؟ .. أٌقفلت الغرفة و ها هو مفتاحها في جيبي ..علي أن أكون أكثر حـ.. . .. و صدمة قوية بكتفي .. استدرت للخلف .. غسان ! .. فتى يكبرني بسنة ..طويل القامة.. ذو لمحة وسامة ببشرته السمراء.. رمقني بنظرة حادة ككل مرة و قال :" يا لك من ممثل بارع .. اخلع قناع البراءة .. فلا يناسبك أبداً "
نظرت له ببلاهة مفتعلة .. ثم قلت :" عفواً .. ؟ "
اشتعل هو غضباً :" كفاك .. كفاك .. تمثيل في تمثيل .. ما هذه الحياة التي تعيشها ؟ "
هنا اقترب عمي :" هل من مشكلة ؟ "
تظاهرت بالبلادة فقال غسان :" هذا الفتى يا أبي واهٍ لخططه الخبيثة واهٍ لتمثيله المتقن واهٍ لقناع البراءة الجميل الذي يضعه على وجهه ..أنه "
همس عمي بغضب :" غسان أصمت "
ثم قال :" هيا للسيارة "
بــراءة
بــراءة
الجزء الرابع

كنت أسير مجاوراً لعمي ناحية السيارة .. كنت متجهاً للباب الأمامي تحديداً ..ما إن فتحته حتى هجم علي غسان هجوماً مباغتاً :" تشتري ما تريده و ما لا تريده من مالنا .. ثم تترفع عن حمل الأكياس ثم تجلل نفسك لتجلس في المقعد الامامي ؟ من تظن نفسك ؟ "
نظرت له ببرود .. فصرخ :" أنك متسول حقير .."
صاحت امه :" غسان أجننت ؟ "
و نطق طلال :" غسان رشاد ضيفنا "
استدار لأخيه و قال :" أنت بالذات أصمت .. يا سندرلا العائلة .. كنت أتمنى أن يكون لي أخ و لكن الله لم يحقق أمنيتي .. لدي أخت واحدة أسمها طلال "
صرخ عمي :" غسّـــــــــــان ! "
و في السيارة كان علي أن أصمت قليلا .. بل كثيرا .. أنا متسول حقير ؟ بل هو ذلك الثور الهائج الذي يفسد كل شيء أمامه دون وعي منه أو ادراك .. كان علي أن أوضح أني غاضب ..
ما إن نزلنا من السيارة أمسك عمي بيدي و قادني للداخل .. و في غرفتي جلسنا .. خاطبني بلطف لا متناهي .. :" رشاد .. أعلم أنك غضبت لكنه يغار منك صدقني .. "
رفعت رأسي بحزن مفتعل و همست بسخرية :" يغار مني ؟ يغار من يتمي ؟ يغار من وحدتي ؟ يغار من ماذا بالضبط ؟ "
نظر لي بتعاطف .. ثم غاص بأصابعه بشعري و همس :" لا أريدك أن تكرر كلمة يتم و كلمة وحدة .. أنا أبوك و هادية أمك و غسان و طلال اخواك .. و غسان يغار من حبنا لك .. لذلك أتمنى أن تتقربا من بعضكما البعض "
ثم ابتسم و هو يتأملني :" أنت ابني الثالث الذي تمنيته قدومه فأتى رغم كل شيء "
و قبل جبيني و غادر ..
ابتسمت بخبث .. مسكين يا عمي .. هل تظن ان شخصا كغسان ربما يستطيع أن يغضبني أو يحرك في مشاعري شيئا .. فليخسئ هو و غروره الزائف .. انحيت لحقيبتي و سحبتها .. علي دفن النقود في مكان ما من الحديقة ..
و اليوم !
..
الساعة الثانية و الربع صباحا .. أرى طلال بجانبي على السرير نائم بعمق .. تسللت ببطء و هبطت من السرير لكن و يال سوء حظي فقد تعرقلت بالغطاء .. و انكببت على وجهي .. أيمكن أنه استيقظ ؟ رفعت رأسي بجهد و ألقيت نظرة عليه فكان نائماً .. زفرت بارتياح .. و بألم نهضت .. و كانت قدمي شبه ملتوية .. بالرغم من ذلك تسللت حاملاً حقيبة ملابسي خارجاً من المنزل .. لسبب و هو إذ رآني أحدهم و أنا أخرج .. يظن أني سأغادر المنزل .. و لا يذهب فكره ناحية أخرى ..
و تم كل شيء بخير .. فها أنا في الحديقة أبحث عن مكان أدفن فيه نقودي .. أ.. رأيت أن المنطقة التي تقع وراء المنزل .. مقززة و مليئة بالحشرات و لا أحد يأتي هنا أصلا فلا مزروعات جيدة .. كلها أعشاب ضارة .. قررت أن أدفن نقودي هنا .. فجئت بالمعول .. و بدأت بالحفر .. و لخبرتي البسيطة و جسدي الضعيف لم أتمكن في الحرث جيداً .. فوجئت حينها بضوء قوي مسلط نحوي .. و صرخة جهورية زلزلتني :
" ماذا تفعل ؟ "
--
وضعت ذراعي أمام عيناي أحتمي من الضوء المسلط .. يا للأسى ... يا للأسى .. كل هذه النقود ستطير و تختفي ؟! .. اقترب هو وصرخ :" من أنت ؟ "
أزحت ذراعي و رفعت وجهي له بملامح ضعف و يتم :" رشاد "
كان هو الخادم الذي يحبني في السابق .. الخادم الوحيد الذي يحبني من بين الخدم و أسمه ( أيوب ) .. نظر لي بصدمة و حول أنظاره للحقيبة السوداء و قال بصرامة :
" ماذا تفعل؟"
و لم يترك لي مجال للإجابة بل التقط الحقيبة من الأرض و فتحها .. و صعق بما فيها .. أغلقها بسرعة و شد قميصي صارخاً :" تسرق عمك يا خائن ؟ "
حاولت توليد دمعتان كفيلتان بتحريك مشاعره و همست :" لم تكن نقود عمي يا أيوب .. و اسأله غداً عن أي نقص بماله ..أنا وجدت الحقيبة أمامي يوم ذهبت لفندق من الفنادق لاقضي الليلة هناك و لم يكن لدي المال الكافي .. و رأيت أحدهم ترك هذه الحقيبة .. فأخذتها .. "
زمجر :" و لماذا عندك الآن ؟ "
نكست رأسي و حاولت البكاء .. لأستدر عطفه و همست بصوت متقطع :" لأ .. لأضمن حياتي .. فأنا فتى يتيم .. غدا سأطرد من هذا المنزل يا ترى إلى أين سأذهب .. على اليتيم أن يفكر هكذا "
تأملني لبرهة و ارتخت حباله الصوتية بحنان :" و لكن ليس بالسرقة "
التزمت الصمت !

فهمس هو :" حسنٌ سأساعدك "
ابتسمت بخبث .. ثم رفعت رأسي له بامتنان :" أشكرك أيوب أنقذتني "
قال بجدية :" لا تأييداً للسرقة .. فأنا لا يمكن أن أتركك تائهاً يا رشاد .. أنا أفهمك بكل تفاصيل شخصيتك .. أنت شخص طفولي .. ربما تبسط الأمور كثيراً فأخشى عليك من السقوط في حفرة فتتوجع .. أتمنى أن تحاول أن تتفهم أن السرقة شيء قبيح .. "
هززت رأسي كطفل يتعلم الأمور للتو .. فقال هو :" الدليل على أنك طفل .. أنك تريد دفن النقود هنا و نحن نقلب التربة بين فترة و فترة .. يجب أن تأخذ هذه النقود لمكان آخر "
" مثل ؟ "
" مم .. هناك مكان ما وراء البيوت .. مكان نائي ليس فيه إلا الحجارة و الرمل .. أظنه مناسب "
" إذاً هيا نذهب "
رمقني لبرهة و همس :" أستغفرك يا رب .. ستجرني إلى النار يا رشاد "
بــراءة
بــراءة
.......وينكم ؟!!