بــراءة
•
الجزء الرابع عشر
قرع الجرس يعلن انتهاء الدوام .. شققت طريقي ركضاً و أنا أتصل بذا النظارة السوداء :
" اسمع .. نحن سنخرج الآن .. و سنمر في الطريق المختصر .. و انت افعل ما يجب فعله "
و أغلقت الخط .. و استدرت للخلف أشير لطلال بأن يسرع قليلاً .. اقترب مني مستغرباً :
" أراك مستعجلاً .. "
" طلال عزيزي .. ما رأيك أن نتجه لرؤية الملعب الجديد ؟ الذي يلعب فيه غسان "
ضحك :" فكرة جميلة "
" طبعاً .. نذهب سيرا و نصرف السائق "
" حسنٌ "
و التقينا بغسان و مثلت أنا دور اليتيم المتسول كما يقول .. فنكست رأسي و التزمت الصمت بينما قال له طلال :" غسان ..نريد رؤية الملعب الجديد التي تلعب فيه "
قال مستغربا :" الآن ؟! "
" نعم .. ماذا قلت ؟"
ابتسم :" حسنٌ .. "
و قال بانفعال :" و لماذا لا نلعب قليلاً "
تمتمت :" حسناً .. هيا غسان اصرف السائق "
رشقني بحدة و قال :" لماذا ؟ دعه يوصلنا "
أنقذني طلال حيث قال :" الملعب قريب ..دعه يعود "
واقتنع غسان أخيراً .. و سرنا في الزقاق .. و كنت أنتظر ما سيحدث بعد قليل .. غسّان يخاطبني بسخرية :
" غريب أن تهتم بالملعب و الرياضة.. أنت بالذات شخص كسول "
ابتسمت :" اليوم خطر ببالي .. أن أخفف وزني .. و أصبح رشيقاً مثلك "
ابتسم هو بتفاخر :" سأظل أفوقك في كل شيء "
سمعت صوت أقدام خلفي .. فقلت :" هنيئاً لك "
--
انطلقت السيارة الفارهة السوداء تتخطى الطرق بسرعة .. أنا كنت أجلس في المقعد الأمامي ..التفتت للخلف أتأمل طلال و غسان و هما مقيدان و منومان .. اتصلت بصاحب النظارة السوداء :" أين أنت ؟ "
أجاب :" تم كل شيء ؟ "
" نعم .. أين أنت ؟ "
" ستراني عندما تصلون .. قل لي .. أتشعر بالسعادة ؟ "
" أية سعادة ؟ أنا أشعر بالذنب .. "
" أنت تشعر بالذنب ؟ غير معقول .. هيا تعالوا لأخبرك ماذا تفعل أيضاً "
" حسنٌ "
---
ذات المكان الذي أخذوني إليه .. المكان المظلم ذاته .. رموا طلال و غسان على الأرض ..نظر لي صاحب النظارة السوداء و قال :" سنقيدك أنت الآخر .. لتبين لهما أنك أيضاً مختطف .. حتى نحصل نحن على النقود ستعود معهما .. أقصد اعتبر نفسك مختطف أيضاً "
قلت قلقاً :" هل سيطول الأمر ؟ "
" لا اعلم "
و غادر .. و قيدوني حراسه و تركوني بين طلال و غسان .. و غادروا .. لم يضعوا أشرطة لاصقة على أفواهنا .. بالتأكيد لألعب دوري في الحديث مع طلال و غسان ..
غفوت قليلاً .. و بالرغم من وضعيتي المتعبة لم أستيقظ إلا على صوت طلال :
"رشاد .. غسان .. رشاد .. رشاد .. غسان .. استيقظا "
فتحت عيناي .. و نظرت لوجه طلال المرعوب !.. :"ماذا ؟ "
صرخ :" أين نحن ؟ "
حاولت أن أبين أني مصدوم .. فتمتمت :" رباه .. يبدو أننا مختطفون !!! "
و التفتت لغسان و حاولت ايقاظه :" غسان .. غسان ! "
فتح عينيه و همهم :" ماذا تريد "
صرخ طلال باكياً :" نحن مختطفون !!!!!!!! "
بــراءة
•
الجزء الخامس عشر
غسان و هو يتفحص المكان بأنظاره :" شيء غريب .. من يختطف يدع أفواهنا حرة ؟!! "
و قال من جديد :" سأصرخ "
استوقفته بسرعة قائلا :" لا .. لا تصرخ ..يبدو أننا في مكان معزول ليس فيه إلا نحن و هم يحرسون المكان بالتأكيد فإن سمعوا صراخنا احكموا أفواهنا .. فدعونا هكذا أفضل "
التفتت غسان لطلال و قال بقسوة :" لماذا تبكي يا سنوايت ؟ "
صاح طلال :"ماذا يريدون منا ؟.. نحن لم نفعل أي شيء "
أسندت رأسي على الجدار و همست :" ليس بيدنا فعل شيء .. فقط الانتظار "
و رمقتهما و هما يحملان الهم على رأسهما .. فقط علي الانتظار قليلاً .. و ثلاثة ملايين في جيبي ..ثلاثة ملايين زائد مليونين و نصف !.. يا لحظي .. خمسة ملايين و نصف !
--
أظلمت الدنيا من حولنا .. طلال يبكي .. و غسان يلومني لأني أنا من طرحت عليهما فكرة الذهاب للملعب .. و أنا صامت !.. حتى فُتح الباب .. كان الرجل ذو النظارة ..و حراسه ..
انتفض طلال خوفاً .. و صاح غسان :" ماذا تريدون منا .. ؟ "
ابتسم و هو ينفث دخان سيجارته و قال :" لا شيء .. لا شيء منكم سوى الصبر "
و غادر .. خاطبني غسان :" كان يحدق بي بشكل مرعب .."
و قال طلال :" بل كانت نظراته موجهة نحوي .. "
خطرت ببالي المليونين و النصف !! .. المليونين و النصف يا لي من غبي ، كيف نفذت المهمة اليوم و أنا لن أعود إلا بعد أيام و في هذا الوقت .. رباه !
في هذا الوقت يستطيع الشباب الطائشون ان يقلبوا التربة هناك و يخرجوا النقود و يوزعوها و يبدئوا بصرفها أيضا .. آه كيف لم أنتبه .. هل أدع أحد حراس ذو النظارة يطلب من أيوب أن يخرج النقود و أخبره بالعلامة ؟!
لا .. يا لهذه الفكرة الساذجة !! .. أولاً سيسأله أيوب من أنت و أين رشاد و يشك في الأمر .. ثانيا .. واحد من أيوب أو الحارس سيفكر كما يفكر أي انسان ..و يقول :
" رشاد لا يستطيع منعي إذ سرقت النقود .. "
هل أهدأ و أترك الأمور تأخذ مجراها ؟!
--
" رشاد ، استيقظ ! "
فتحت عيناي ببطء و قد بدأت الشمس بالشروق .. التفتت لطلال و أنا أتثاءب :" ماذا ؟ "
رمقني غسان من طرف عين و قال :" رشاد أنت غريب .. "
نظرت له مقطباً حاجباي :" مـ.. ما قصدك ؟ "
" لا أدري.. لكن .. يبدو أنك معتاد على الاختطاف .. تنام بعمق.. و لا يعتريك أي خوف .. "
رباه كيف لم أنتبه لتصرفاتي ؟! .. أجبت :" احم .. آ .. لأن الأمر ليس بيدنا و الخوف لن يقدم و لن يؤخر ..و لأن سبق و اختطفت يوم كنت في ألمانيا و .. "
رمقوني بصدمة و صاحوا :" حقاً ؟ "
كانت مجرد كذبة و لكن ! .. أجبت :" آ .. نعم اختطفت .. آ .. خطفني اثنان عندما رأوا خالي رحمه الله يعطيني نقوداً للتسوق .. فسرقوني و .. "
صاح غسان :" و ماذا ؟ "
" و .. و .. و طالبا خالي بمبلغ مالي و إلا سيؤذوني .. فـ .. فأعطاهما "
رمقني طلال بدهشة :" و كم بقيت عندهما ؟ "
نظرت لغسّان الذي ينتظر جوابي و قلت :" أ .. اسبوع .. "
و أخذت شهيقا .. أظن أن الكذب سيجرني للهاوية للأسف لساني لا ينطق إلا كذبا و هذا شيء لا أستطيع تغييره ..
فجأة يفتح الباب و يدخل ذو النظارة من جديد مع حارسيه و يبتسم لي ثم يتقدم نحو طلال ثم يوجه أنظاره لغسان ثم يرمقني و يخاطب أحد حراسه :" فك قيود قدمي هذا الفتى و خذه للغرفة المجاروة "
ثم يتجه هو للغرفة .. و الحارس يهم بفك قيود قدماي تحت صيحات طلال :
" رباه ! رشاد ! ماذا سيفعل بك ذلك الرجل "
و غسان يصرخ بي :" حاول الهرب .. حاول الدفاع عن نفسك "
نهضت بصعوبة و قلت :" لا بأس .. سيأتيكما الدور "
غسان و هو يتفحص المكان بأنظاره :" شيء غريب .. من يختطف يدع أفواهنا حرة ؟!! "
و قال من جديد :" سأصرخ "
استوقفته بسرعة قائلا :" لا .. لا تصرخ ..يبدو أننا في مكان معزول ليس فيه إلا نحن و هم يحرسون المكان بالتأكيد فإن سمعوا صراخنا احكموا أفواهنا .. فدعونا هكذا أفضل "
التفتت غسان لطلال و قال بقسوة :" لماذا تبكي يا سنوايت ؟ "
صاح طلال :"ماذا يريدون منا ؟.. نحن لم نفعل أي شيء "
أسندت رأسي على الجدار و همست :" ليس بيدنا فعل شيء .. فقط الانتظار "
و رمقتهما و هما يحملان الهم على رأسهما .. فقط علي الانتظار قليلاً .. و ثلاثة ملايين في جيبي ..ثلاثة ملايين زائد مليونين و نصف !.. يا لحظي .. خمسة ملايين و نصف !
--
أظلمت الدنيا من حولنا .. طلال يبكي .. و غسان يلومني لأني أنا من طرحت عليهما فكرة الذهاب للملعب .. و أنا صامت !.. حتى فُتح الباب .. كان الرجل ذو النظارة ..و حراسه ..
انتفض طلال خوفاً .. و صاح غسان :" ماذا تريدون منا .. ؟ "
ابتسم و هو ينفث دخان سيجارته و قال :" لا شيء .. لا شيء منكم سوى الصبر "
و غادر .. خاطبني غسان :" كان يحدق بي بشكل مرعب .."
و قال طلال :" بل كانت نظراته موجهة نحوي .. "
خطرت ببالي المليونين و النصف !! .. المليونين و النصف يا لي من غبي ، كيف نفذت المهمة اليوم و أنا لن أعود إلا بعد أيام و في هذا الوقت .. رباه !
في هذا الوقت يستطيع الشباب الطائشون ان يقلبوا التربة هناك و يخرجوا النقود و يوزعوها و يبدئوا بصرفها أيضا .. آه كيف لم أنتبه .. هل أدع أحد حراس ذو النظارة يطلب من أيوب أن يخرج النقود و أخبره بالعلامة ؟!
لا .. يا لهذه الفكرة الساذجة !! .. أولاً سيسأله أيوب من أنت و أين رشاد و يشك في الأمر .. ثانيا .. واحد من أيوب أو الحارس سيفكر كما يفكر أي انسان ..و يقول :
" رشاد لا يستطيع منعي إذ سرقت النقود .. "
هل أهدأ و أترك الأمور تأخذ مجراها ؟!
--
" رشاد ، استيقظ ! "
فتحت عيناي ببطء و قد بدأت الشمس بالشروق .. التفتت لطلال و أنا أتثاءب :" ماذا ؟ "
رمقني غسان من طرف عين و قال :" رشاد أنت غريب .. "
نظرت له مقطباً حاجباي :" مـ.. ما قصدك ؟ "
" لا أدري.. لكن .. يبدو أنك معتاد على الاختطاف .. تنام بعمق.. و لا يعتريك أي خوف .. "
رباه كيف لم أنتبه لتصرفاتي ؟! .. أجبت :" احم .. آ .. لأن الأمر ليس بيدنا و الخوف لن يقدم و لن يؤخر ..و لأن سبق و اختطفت يوم كنت في ألمانيا و .. "
رمقوني بصدمة و صاحوا :" حقاً ؟ "
كانت مجرد كذبة و لكن ! .. أجبت :" آ .. نعم اختطفت .. آ .. خطفني اثنان عندما رأوا خالي رحمه الله يعطيني نقوداً للتسوق .. فسرقوني و .. "
صاح غسان :" و ماذا ؟ "
" و .. و .. و طالبا خالي بمبلغ مالي و إلا سيؤذوني .. فـ .. فأعطاهما "
رمقني طلال بدهشة :" و كم بقيت عندهما ؟ "
نظرت لغسّان الذي ينتظر جوابي و قلت :" أ .. اسبوع .. "
و أخذت شهيقا .. أظن أن الكذب سيجرني للهاوية للأسف لساني لا ينطق إلا كذبا و هذا شيء لا أستطيع تغييره ..
فجأة يفتح الباب و يدخل ذو النظارة من جديد مع حارسيه و يبتسم لي ثم يتقدم نحو طلال ثم يوجه أنظاره لغسان ثم يرمقني و يخاطب أحد حراسه :" فك قيود قدمي هذا الفتى و خذه للغرفة المجاروة "
ثم يتجه هو للغرفة .. و الحارس يهم بفك قيود قدماي تحت صيحات طلال :
" رباه ! رشاد ! ماذا سيفعل بك ذلك الرجل "
و غسان يصرخ بي :" حاول الهرب .. حاول الدفاع عن نفسك "
نهضت بصعوبة و قلت :" لا بأس .. سيأتيكما الدور "
بــراءة
•
الجزء السادس عشر
أغلق الحارس الباب .. و نظرت أنا لصاحب النظارات السوداء الذي يتربع هناك .. و قلت :
" اتصلت بعمي ؟ "
ابتسم :" نعم .. و طار عقله .. لكننا سنعاود الاتصال به ليطمئن عليكم و يسمع أصواتكم .. "
ابتسمت أنا :" عمي لن تتعب معه كثيراً .. عاطفي و مستعد ليضحي بكل ما لديه لأجل من يحبهم "
"الآن أنت تعود و تخبرهما بخطورتي .. تزيد خوفهم ..فعندما يحادثان أباهما يترجانه أن ينقذهما "
هززت رأسي :" حسنٌ "
و عدت لهما .. و تعمد الحارس أن يدفعني دفعاً .. و يرميني بقسوة .. و يشدد من عقد الحبال على قدماي و طلال و غسان يرمقاني بخوف .. بقلق .. نظر لي غسان يتفحصني و قال :
" ماذا يريد منك ذلك الرجل "
همست:" شش "
و انتظرنا حتى يغادرون .. فأجبت :" تهديدات ملحقة ببعض الصفعات ..و قال أنه إذ لم يدفع أباكما نقوداً لسوف يشرح أجسادنا تشريحاً "
رمقني طلال بخوف و همس :" و ما ذنبنا ؟ "
و قضينا الليل .. طلال يبكي .. و غسان يشاجرني و يوقع اللوم عليه و أنا مشتاق لملمس النقود في يدي ..
ابتسمت بخبث .. هناك طرق سهلة للحصول على الملايين ..
--
و طلع الصبح .. و طلال يكرر :" صلوات كثيرة لم أصليها .. "
و قال غسان بارهاق :" الحمام .. أريد الذهاب للحمام "
رفعت رأسي مع دخول أحد الحراس يحمل هاتفاً .. و قال :" أباكم .. "
و اقترب و وضع الهاتف قرب أذن غسان .. غسان بدأ بالشكوى و شرح المعاناة مع بعض الدموع و طلال انفجر باكياً .. أخيرأ أنا استلمت الهاتف و سمعت لهاث عمي :
" رشاد حبيبي أأنت بخير ؟ أأنت بخير .. هل آذوك ؟ "
فكرت قليلاً ثم قلت بدافع المصلحة :" نعم .. آذوني .. و قالوا أنهم سيزيدون من ذلك إذا ما تأخرت أنت "
"لا بأس يا عزيزي تحمل .. سأجمع أموالي و سأفعل كل شيء لأجل عيونكم يا أحبائي .."
و سمعت صوته يميل لنبرة حزينة .. توشك على البكاء ..ثم همس :" فقط اصبر يا عزيزي و صبّر غسان و طلال .. و لن يطول الأمر بإذن الله .. و لا تثيرونهم عليكم .. "
و خطف الحارس من يدي الهاتف و مشى ..!
--
عصر هذا اليوم دخل ذا النظارة الشمسية مبتسماً :" انتهى الأمر .. "
و خرجنا .. كمن خرج من القبر إلى الحياه .. كمن خرج من الظلمات إلى النور .. بالنسبة لي .. كمن كان صائم طوال اليوم و فطر على فطور دسم ..
صعدنا سيارة أجرة .. و عدنا للمنزل .. و بعد حفلة من البكاء و العناق و سيل من الصلوات فاستقبلت القبلة كثيراً من صلوات الشكر و الامتنان .. و استقبلت السماء حروف القرآن الطاهرة و هي تنبث من فاه عمي الذي لم ينفك عن حمد ربه حتى ساعة من ساعات الليل المتأخرة ..
بحب .. يطبق على طلال باللحاف و يمسح رأسه و يهمس :" أدامك الله لي يا مدلل "
و انتقل لغسان و نسق له الوسادة و قبل رأسه :" أهلاً بعودتك يا غالي "
و فور تحركه لي أغمضت عيني لأمثل دور النائم .. فأتى و عبث بشعري و فجأة توقف .. و لم أكن أعلم ما السبب .. شعرت به يحرك قميصي الخاص بالنوم قليلاً و يبعد ياقتي عن رقبتي ..فهمت في اللحظة الأخيرة أنه لحظ آثار تعذيب الشباب الطائشون لي .. لكني لم أقلق .. طبيعي أن يعتقد أن هذه مخلفات الاختطاف ..
أخيرا قبل جبيني و همس :" تصبح على خير يا أجمل وجه طفولي رأيته في حياتي"
هه ! وجه طفولي ؟ .. لازلت كما أنت يا عمي .. لكن تصبح على خير ..
يا أسذج وجه غبي رأيته في حياتي !
أغلق الحارس الباب .. و نظرت أنا لصاحب النظارات السوداء الذي يتربع هناك .. و قلت :
" اتصلت بعمي ؟ "
ابتسم :" نعم .. و طار عقله .. لكننا سنعاود الاتصال به ليطمئن عليكم و يسمع أصواتكم .. "
ابتسمت أنا :" عمي لن تتعب معه كثيراً .. عاطفي و مستعد ليضحي بكل ما لديه لأجل من يحبهم "
"الآن أنت تعود و تخبرهما بخطورتي .. تزيد خوفهم ..فعندما يحادثان أباهما يترجانه أن ينقذهما "
هززت رأسي :" حسنٌ "
و عدت لهما .. و تعمد الحارس أن يدفعني دفعاً .. و يرميني بقسوة .. و يشدد من عقد الحبال على قدماي و طلال و غسان يرمقاني بخوف .. بقلق .. نظر لي غسان يتفحصني و قال :
" ماذا يريد منك ذلك الرجل "
همست:" شش "
و انتظرنا حتى يغادرون .. فأجبت :" تهديدات ملحقة ببعض الصفعات ..و قال أنه إذ لم يدفع أباكما نقوداً لسوف يشرح أجسادنا تشريحاً "
رمقني طلال بخوف و همس :" و ما ذنبنا ؟ "
و قضينا الليل .. طلال يبكي .. و غسان يشاجرني و يوقع اللوم عليه و أنا مشتاق لملمس النقود في يدي ..
ابتسمت بخبث .. هناك طرق سهلة للحصول على الملايين ..
--
و طلع الصبح .. و طلال يكرر :" صلوات كثيرة لم أصليها .. "
و قال غسان بارهاق :" الحمام .. أريد الذهاب للحمام "
رفعت رأسي مع دخول أحد الحراس يحمل هاتفاً .. و قال :" أباكم .. "
و اقترب و وضع الهاتف قرب أذن غسان .. غسان بدأ بالشكوى و شرح المعاناة مع بعض الدموع و طلال انفجر باكياً .. أخيرأ أنا استلمت الهاتف و سمعت لهاث عمي :
" رشاد حبيبي أأنت بخير ؟ أأنت بخير .. هل آذوك ؟ "
فكرت قليلاً ثم قلت بدافع المصلحة :" نعم .. آذوني .. و قالوا أنهم سيزيدون من ذلك إذا ما تأخرت أنت "
"لا بأس يا عزيزي تحمل .. سأجمع أموالي و سأفعل كل شيء لأجل عيونكم يا أحبائي .."
و سمعت صوته يميل لنبرة حزينة .. توشك على البكاء ..ثم همس :" فقط اصبر يا عزيزي و صبّر غسان و طلال .. و لن يطول الأمر بإذن الله .. و لا تثيرونهم عليكم .. "
و خطف الحارس من يدي الهاتف و مشى ..!
--
عصر هذا اليوم دخل ذا النظارة الشمسية مبتسماً :" انتهى الأمر .. "
و خرجنا .. كمن خرج من القبر إلى الحياه .. كمن خرج من الظلمات إلى النور .. بالنسبة لي .. كمن كان صائم طوال اليوم و فطر على فطور دسم ..
صعدنا سيارة أجرة .. و عدنا للمنزل .. و بعد حفلة من البكاء و العناق و سيل من الصلوات فاستقبلت القبلة كثيراً من صلوات الشكر و الامتنان .. و استقبلت السماء حروف القرآن الطاهرة و هي تنبث من فاه عمي الذي لم ينفك عن حمد ربه حتى ساعة من ساعات الليل المتأخرة ..
بحب .. يطبق على طلال باللحاف و يمسح رأسه و يهمس :" أدامك الله لي يا مدلل "
و انتقل لغسان و نسق له الوسادة و قبل رأسه :" أهلاً بعودتك يا غالي "
و فور تحركه لي أغمضت عيني لأمثل دور النائم .. فأتى و عبث بشعري و فجأة توقف .. و لم أكن أعلم ما السبب .. شعرت به يحرك قميصي الخاص بالنوم قليلاً و يبعد ياقتي عن رقبتي ..فهمت في اللحظة الأخيرة أنه لحظ آثار تعذيب الشباب الطائشون لي .. لكني لم أقلق .. طبيعي أن يعتقد أن هذه مخلفات الاختطاف ..
أخيرا قبل جبيني و همس :" تصبح على خير يا أجمل وجه طفولي رأيته في حياتي"
هه ! وجه طفولي ؟ .. لازلت كما أنت يا عمي .. لكن تصبح على خير ..
يا أسذج وجه غبي رأيته في حياتي !
بــراءة
•
الجزء السابع عشر
اليوم التالي يوم عطلة ..فتحت عيناي ببطء على أشعة الشمس و هي تتسلل من بين الستار بعناد .. و صوت طلال و هي يحفظ بعض الدروس ..اعتدلت قليلاً و رمقت طلال و هو يعاين دروسه و زفرت ..شعرت بحر قاتل .. رحت أحرك قميصي تعطشاً لمزيد من الهواء و مسحت شعري الرطب و قلت بحدة :" طلال ؟ لماذا تغلق المكيف ؟ "
نظر لي و قال :" أبي قال لي .. ادرس قرب رشاد و اشعل المصابيح و أقفل المكيف "
و أتمم :" يبدو أنه يريدك أن تستيقظ لوحدك "
رمقته لبرهة ! .. و رحت أفكر .. هل أمامي استجواب .. لا .. كفاني كذبا و اختلاق قصص ليس لها أساس من الصحة ..
نهضت ببطء و اتجهت نحو الحمام .. غسلت وجهي جيدا .. فخاطبني طلال :
" هناك من ينتظرك منذ ساعة .."
مسحت وجهي بالفوطة و قلت مقطباً حاجباي :" من ؟ "
" رجل ذو شعر بني و عينين صغيرتين و .. "
صحت :" أستاذ شامل ؟؟؟!!! "
" و هو يجلس مع أبي و أيوب "
صرخت بصدمة :" رباه ! .. فُضح أمري "
و بدون أن أبدل ملابس النوم.. نزلت الدرجات أبحث عنه .. رأيته يجلس في الصالة .. مع أيوب .. و عمي في المطبخ .. اقتربت و قلت بابتسامة بريئة تنم على الصفاء و الطيبة ..:
" صباح الخير أستاذ "
رفع رأسه و ابتسم .. ونهض و تعانقنا .. و خاطبني بنظرات عميقة :" كيف حالك يا فتى "
ابتسمت و جلست و جلس هو .. و قلت :" أني بخير .. "
رمقني لبرهة ثم همس :" ما رأيك أن تعود للعيش معي ؟ "
!! .. من ذا الذي يقول ؟ هو الذي طردني ..
رمقته بنظرة استفهام أحرجته ..فنهض أيوب مغادراً .. فنكس هو رأسه بحرج :
" سأنسى ما رأيته في غرفتك .. بصراحة ضاقت علي الدنيا .. فالوحدة خانقة كما تعلم .. "
رمقته بغير اقتناع .. و قلت :" أنت من طردني .. للأسف يا أستاذ أنت تظن أني تغيرت .. أنا لازلت رشاد الذي تعرفه .. و لن تستطيع العيش معي .. لي أفكار مغايرة عن أفكارك .. أنا أحبك كأخي الأكبر لكن للأسف لن أستطيع العيش معك مجدداً "
رمقني باستياء :" رشاد .. أنا أعرف أنك لم تتغير .. و مع هذا أنا أريدك أن تأتي للعيش معي ..ثم أن .. "
همست :" أستاذ .. دع هذا الأسبوع يمر و أعدك أني سأفكر أين يمكن أن أعيش .. لا تتجاهل عمي الذي ربما لن يقبل بهكذا اقتراح "
تنهد :" عمك .. ؟ عمك هزئني و اعتبر طلبي هذا كتعدٍ و إهانة لكرامته .."
أسندت ظهري على الكرسي و تنهدت .. فقطب شامل حاجبيه و نظر بحدة ناحية الجانب الأيسر لرقبتي ..!! رباه .. غطيتها بياقتي و اضطربت أعصابي .. فنظر لي بحدة و همس :
" ما هذا يا رشاد ؟ "
تبعثرت الحروف في فمي لكني أطلقتها :" تعرضت لعملية اختطاف .."
--
صرخ ضارباً الطاولة :" أنت رجل فاقد للمسؤولية ..ظننت أن بقاء رشاد معك سيحميه من خطر الناس لكني كنت مخطئاً .. "
رمقه عمي بصدمة :"شامل !! أنت تتعدى حدودك .. "
نظر لي الأستاذ شامل و قال بحدة :" رشاد سيأتي معي .. "
صاح عمي :" بأي يحق ؟ أنه ابن أخي و أنت شخص غريب كيف تسمح لنفسك أن تطالب بعيش رشاد معك ؟ أجننت ؟.."
خاطبني الأستاذ شامل :" رشاد .. غداً سآتي لأخذك فتأهب "
نهض عمي و قبض على قميصه و صرخ :" اخرج من بيتي "
زفر الآخر و صاح :" هل تريدني أن أتفرج على الفتى اليتيم و هو يختطف و يعذب و أنت لا تهتم ؟ فتى مثل رشاد بريء و طفولي لدرجة كبيرة يجب أن تراعيه لا أن ترميه بلا اكتراث "
صرخ عمي بكل ما أوتي له من قوة :" أخرج من بيتي !!!!!! "
اليوم التالي يوم عطلة ..فتحت عيناي ببطء على أشعة الشمس و هي تتسلل من بين الستار بعناد .. و صوت طلال و هي يحفظ بعض الدروس ..اعتدلت قليلاً و رمقت طلال و هو يعاين دروسه و زفرت ..شعرت بحر قاتل .. رحت أحرك قميصي تعطشاً لمزيد من الهواء و مسحت شعري الرطب و قلت بحدة :" طلال ؟ لماذا تغلق المكيف ؟ "
نظر لي و قال :" أبي قال لي .. ادرس قرب رشاد و اشعل المصابيح و أقفل المكيف "
و أتمم :" يبدو أنه يريدك أن تستيقظ لوحدك "
رمقته لبرهة ! .. و رحت أفكر .. هل أمامي استجواب .. لا .. كفاني كذبا و اختلاق قصص ليس لها أساس من الصحة ..
نهضت ببطء و اتجهت نحو الحمام .. غسلت وجهي جيدا .. فخاطبني طلال :
" هناك من ينتظرك منذ ساعة .."
مسحت وجهي بالفوطة و قلت مقطباً حاجباي :" من ؟ "
" رجل ذو شعر بني و عينين صغيرتين و .. "
صحت :" أستاذ شامل ؟؟؟!!! "
" و هو يجلس مع أبي و أيوب "
صرخت بصدمة :" رباه ! .. فُضح أمري "
و بدون أن أبدل ملابس النوم.. نزلت الدرجات أبحث عنه .. رأيته يجلس في الصالة .. مع أيوب .. و عمي في المطبخ .. اقتربت و قلت بابتسامة بريئة تنم على الصفاء و الطيبة ..:
" صباح الخير أستاذ "
رفع رأسه و ابتسم .. ونهض و تعانقنا .. و خاطبني بنظرات عميقة :" كيف حالك يا فتى "
ابتسمت و جلست و جلس هو .. و قلت :" أني بخير .. "
رمقني لبرهة ثم همس :" ما رأيك أن تعود للعيش معي ؟ "
!! .. من ذا الذي يقول ؟ هو الذي طردني ..
رمقته بنظرة استفهام أحرجته ..فنهض أيوب مغادراً .. فنكس هو رأسه بحرج :
" سأنسى ما رأيته في غرفتك .. بصراحة ضاقت علي الدنيا .. فالوحدة خانقة كما تعلم .. "
رمقته بغير اقتناع .. و قلت :" أنت من طردني .. للأسف يا أستاذ أنت تظن أني تغيرت .. أنا لازلت رشاد الذي تعرفه .. و لن تستطيع العيش معي .. لي أفكار مغايرة عن أفكارك .. أنا أحبك كأخي الأكبر لكن للأسف لن أستطيع العيش معك مجدداً "
رمقني باستياء :" رشاد .. أنا أعرف أنك لم تتغير .. و مع هذا أنا أريدك أن تأتي للعيش معي ..ثم أن .. "
همست :" أستاذ .. دع هذا الأسبوع يمر و أعدك أني سأفكر أين يمكن أن أعيش .. لا تتجاهل عمي الذي ربما لن يقبل بهكذا اقتراح "
تنهد :" عمك .. ؟ عمك هزئني و اعتبر طلبي هذا كتعدٍ و إهانة لكرامته .."
أسندت ظهري على الكرسي و تنهدت .. فقطب شامل حاجبيه و نظر بحدة ناحية الجانب الأيسر لرقبتي ..!! رباه .. غطيتها بياقتي و اضطربت أعصابي .. فنظر لي بحدة و همس :
" ما هذا يا رشاد ؟ "
تبعثرت الحروف في فمي لكني أطلقتها :" تعرضت لعملية اختطاف .."
--
صرخ ضارباً الطاولة :" أنت رجل فاقد للمسؤولية ..ظننت أن بقاء رشاد معك سيحميه من خطر الناس لكني كنت مخطئاً .. "
رمقه عمي بصدمة :"شامل !! أنت تتعدى حدودك .. "
نظر لي الأستاذ شامل و قال بحدة :" رشاد سيأتي معي .. "
صاح عمي :" بأي يحق ؟ أنه ابن أخي و أنت شخص غريب كيف تسمح لنفسك أن تطالب بعيش رشاد معك ؟ أجننت ؟.."
خاطبني الأستاذ شامل :" رشاد .. غداً سآتي لأخذك فتأهب "
نهض عمي و قبض على قميصه و صرخ :" اخرج من بيتي "
زفر الآخر و صاح :" هل تريدني أن أتفرج على الفتى اليتيم و هو يختطف و يعذب و أنت لا تهتم ؟ فتى مثل رشاد بريء و طفولي لدرجة كبيرة يجب أن تراعيه لا أن ترميه بلا اكتراث "
صرخ عمي بكل ما أوتي له من قوة :" أخرج من بيتي !!!!!! "
الصفحة الأخيرة
نظرت لأيوب بتقزز و هو يتقيء دماً .. و أشحت بوجهي ناحية أخرى و قلت :" امسحه "
صاح :" أي قلب تملك ؟ أنا مقيد "
بوغتت بضربة برأسي .. التفتت للخلف لأجد شاب آخر يصرخ قهراً :" إن لم تقولان أين النقود سأقتلكما "
قلت بلا اكتراث :" اقتلنا فذلك أفضل لك "
و عاد يوجه ضربه آخرى لرأسي .. فعدت أقول له :" اضرب عزيزي .. لن تجني شيئاً إلا التعب .. "
--
و مر الوقت و لما رأيت الشباب ابتعدوا للحفر .. و انشغلوا عنا .. حاولت أن أتحرك قليلاً ليكون جيبي قريباً ليد أيوب .. و همست له :" أخرج هاتفي أيوب "
نظر لي مرعوباً :" لا .. أخشى أن يكتشفونا "
" أخرج الهاتف .. هيا .. "
نظر لي بتردد .. فخاطبته :" إذ كنت تريد العيش أخرج الهاتف "
اقترب هو و بالرغم من يده المقيدة فأنه استطاع أن يخرج هاتفي .. خاطبني بقلق :
" ماذا أفعل ؟"
همست :" تحسس الأرقام و اضغط على ما أمليه عليك "
ازدرد ريقه و قال :" حسنٌ "
و أمليته الأرقام .. رقم الرجل ذي النظارات السوداء و طلبت منه أن يضغط زر تكبير الصوت .. و كلي قلق بأن يكتشفوا أمرنا ..
سمعنا رده :" أهلا رشاد .. "
بسرعة أجبت :" أرجوك ؟أنا في خطر محدق .. تعال لي في المكان المهجور الذي يقع وراء ........"
و فوجئنا بلسعة حادة .. رفعت رأسي .. رباه !!
تجمعوا حولنا و همسوا :" خطر محدق هاه ؟ سنريكم الخطر المحدق بعينه"
--
غادروا بعد أن أبرحونا ضرباً .. ظنوا أننا اتصلنا بالشرطة .. عدت أتصل بصاحب النظارة السوداء ليبعث أحد حراسه لفك قيودنا ..
من ثم عدنا للمنزل و لكي لا ألفت الانتباه نمت في غرفة أيوب و على سريره و تركته ينام على الأرض و قلبي مطمئن و قلق على نقودي .. مطمئن لأن الشباب غادروا .. و قلق لأنهم من الممكن أن يعودوا للتفتيش .. كان علي أن أغير مكان النقود ..
نظرت لأيوب و وجهه المخضب بالدماء و ملابسه الممزقة ..!! غداً مدرسة .. علي .. أن أستحم و أداوي نفسي قبل طلوع الشمس ..
--
" رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.. صًدًقً اللهُ العًلَيّ العظيم "
و أغلقت القرآن و قبلته .. و كل من في المسجد يرمقني .. هذا القارئ المبدع ..ربت عمي على كتفي و قال مبتسماً :" بارك الله فيك بني .. و أدامك الله على هداك و تقواك "
ابتسمت له فعاد يسألني :" ألن تخبرني عن هذه الكدمة في خدك ؟"
قلت ببساطة :" سقطت من السرير .. أنه ضيق .. ثم أن طلال كثير التحرك "
مسح شعري و قال :" لا بأس يا عزيزي .. طلال يحبك لذلك يريد النوم معك .. لذلك سأنقل سرير طلال الذي في غرفته لغرفتك "
ابتسمت :" حسنٌ "
--
في الفسحة! أي في المدرسة .. غسّان يقبل مع مجموعة من صحابه كالعادة ويعيرني أني يتيم و يعيرني بفقري و وحدتي و قلة حيلتي .. و يصفني بالمتسول الحقير ..
و أنا أرمقه بحقد ممسكاً بقوة بعمود .. شعرت به ينسحق في يدي ! حسناً يا غسان .. تعيرني يا متغطرس ؟ .. لا بأس .. لدي لك مفاجأة رائعة في طريق العودة ..