مستحيل
مستحيل •
تظن هذه المرأة أن تبرجها شيء عادي لا يمس عقلها، ولا يؤثر على دينها وخلقها وهذا تصور خاطئ، فإن كل عمل يقوم به الإنسان لابد أن يكون له آثار على فكره عقله ولو بعد حين.
فهل نطمع من امرأة مسلمة شرفها الله تعالى بدين حفظ لها كرامتها وأنوثتها، وحمى عفتها وجمالها من عبث العابثين، وكيد الكائدين، هل نطمع منها أن تثوب إلى رشدها، وتراجع عقلها، وتعمل بشرع ربها وأحكام دينها. وألا تكون معول هدم تعين القوى الكبرى التي تعمل على ابتزاز أحوال المسملين. وهدم المجتمعات وتفويض بنيان الأسرة؟
لا شك أن المرأة بفعلها هذا تؤيد الذين يقفون وراء بيوت الأزياء وأدوات التجميل بإسرافها ومتابعتها، فهي تحثهم على اختراع زي جديد كل يوم، وموضة جديدة! ولو كان على حساب الدين، والعفة والفضيلة، وهذا إفساد للفطرة، وعبث بالخلق، يقضي على حياة الأسرة، ويزلزل ميزانية البيت ويشغل المرأة بالتافه من الأمور عما خلقت له، وكلفت به!

الفصل الثاني: الزينة المستحبة
1) سنن الفطرة

الإسلام دين النظافة والجمال، اعتني بالطهارة، ونظافة الجسم والثوب والمكان وكذلك نظافة الآنية التي يأكل فيها الإنسان ويشرب، وفي القرآن الكريم وسنة الرسول e نصوص كثيرة تحث على النظافة وكمال الطهارة، قال تعالى: }يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين{. وقال تعالى: }وإن كنتم جنباً فأطهروا{. وقال تعالى: }إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين{. وقال تعالى: }يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد{.
وقال النبي e: "الطهور شطر الإيمان"( ) وقال عليه الصلاة والسلام: "غسل الجمعة واجب على محتلم"( )
وعن سعيد بن أبي وقاص – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله e: "نظفوا أفنيتكم ولا تشبهوا باليهود تجمع الأكباء في دورها"( ).
وهناك خصال خصها الإسلام، وحث عليها، لأنها متضمنة لكمال النزاهة والطهارة، وجمال المنظر وهي خصال الفطرة التي قال فيها النبي e: "عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظافر وغسل البراجم ، ونتف الإبط ، وحلق العانة ،وانتقاص الماء ، قال زكريا : قال مصعب : ونسيت العاشرة الا أن يكون المضمضة قال وكيع : انتقاص الماء : يعنى الاستنجاء( ).
وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي e قال: "الفطرة خمس أو خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط، وقص الشارب"( ). وقد اختلف العلماء في تفسير الفطرة –هنا-على أقوال نذكر منها ما يظهر رجحانه.
يقول السيوطي: "وأحسن ما قيل في تفسير الفطرة أنها السنة القديمة التي اختارها الأنبياء، واتفقت عليها الشرائع، فكأنها أمر جبلي فطروا عليه"( ).
وقال ابن دقيق العيد: "وأولى الوجوه بما ذكرنا أن تكون الفطرة ما جبل الله الخلق عليه وجبل طباعهم على فعله، وهي كراهة ما في جسده مما هو ليس من زينته"( ). وهذا هو الأظهر وهو أن المراد بالفطرة ما فطر الناس على حسنه، وجبلوا على اختياره، وفيها أقوال آخر.
إن هذه الخصال المذكورة في حق الرجل عنوان النظافة التي تلطف العشرة بين الزوجين وتزرع الألفة بينهما، قال في فتح الباري: "ويتعلق بهذه الخصال – أي خصال الفطرة – مصالح دينية ودنيوية تدرك بالتتبع، منها تحسين الهيئة وتنظيف البدن جملة وتفصيلاً، والاحتياط للطهارة، والإحسان إلى المخالط والمقارن بكف ما يتأذى به من رائحة كريهة، ومخالفة شعار الكفار من المجوس، واليهود، والنصارى، وعباد الأوثان، وامتثال أمر الشارع. والمحافظة على ما أشار إليه قوله تعالى: }وصوَّركم فأحسن صوركم{ لما في المحافظة على هذه الخصال من مناسبة ذلك، وكأنه قيل قد حسنت صوركم فلا تشوهوها بما يقبحها، أو حافظوا على ما يستمر به حسنها، وفي المحافظة عليها محافظة على المروءة وعلى التآلف المطلوب؛ لأن الإنسان إذا بدا في الهيئة الجميلة كان أدعى لانبساط النفس إليه، فيقبل قوله، ويحمد رأيه، والعكس بالعكس . ."( ).
وسأتكلم – بعون الله - الآن على الخصال التي تهم المرأة وهي:
1) قص الأظافر 2) نتف الإبط 3) الاستحداد 4) السواك 5) غسل البراجم، وأما الختان فلا نتكلم عنه لأن المشاهد أن حاجة النساء إلى الختان أقل بكثير من حاجة الرجال إليه، فلا تصل آكديته إلى درجة هذه الخصال بالنسبة للمرأة( ).
1) قص الأظافر:
والمراد به قطع ما طال عن اللحم منها، وينبغي الاستقصاء في إزالتها إلى حد لا يدخل فيه ضرر على الإصبع، قاله في فتح الباري( ).
وينبغي غسل رؤوس الأصابع بعد قلم الأظافر لكان أولى لإزالة ما قد يكون تحتها من أوساخ لا سيما إذا طالت.
والحكمة من حث الشرع على قص الأظافر لأن الوسخ يجتمع تحت الظفر فيستقذر، وقد ينتهي إلى حد يمنع من وصول الماء إلى ما يجب غسله في الطهارتين، وللبعد من مشابهة الحيوان ذي المخالب( ).
قال ابن العربي في كلامه على خصال الفطرة: "السابع قص الأظافر وما أخفها بالافتقاد فإنه عضو يصرف في منافع البدن وفي تنظيفه عن الأقذار، فيتعلق بالأظفار جزء مما يباشر من الأجسام في الأعمال، حتى إذا طال الظفر رأيته كأنه هلال ظلمة أو طوق قلفة سوداء، فلا تطيب النفس على مباشرة الغذاء من المأكل والمشرب" ا هـ( ).
وقد انتشرت – اليوم - عادة إطالة الأظافر بين نسائنا تأثراً بنساء الغرب فتطيل المرأة أظافرها وتضع عليها الصبغ المعروف بالمناكير! وكما تفعله النساء يفعله الشباب وبعض الكبار، وهذه عادة سيئة متنافية لتعاليم الدين لأمور:
أ‌) أن في ذلك تشبها بالكفار، لأن هذه العادة دخيلة علينا لم تكن معروفة بين أبناء المسلمين حتى صار تقليد الغرب في زيه ولباسه تقدماً ومدنية!
ب‌) أن فيه مخالفة للفطرة التي فطر الله الناس علي حسنها وكمالها، فمن أطال أظافره فقد عدل عن الفطرة، ورغب في القباحة، ولم يرض بالزينة وتحسين الهيئة.
قال الشوكاني: "والمراد بقوله: خمس من الفطرة أن هذه الأشياء إذا فعلت اتصف فاعلها بالفطرة التي فطر الله العباد عليها، وحثهم عليها، واستحبها لهم ليكونوا على أكمل الصفات وأشرفها صورة . ."( ).
ج) ثم هو دليل على عدم النظافة – رغم أنف فاعله – لأن لأظافر إذا طالت تجمع تحتها الوسخ حتى أن النفوس السوية لتكره رؤية الأظافر الطويلة وتكره الأكل معه، أو مباشرته لإعداد الطعام، لا سيما المرأة وقد يؤدي إلى حد يمنع من وصول الماء على ما يجب غسله في الطهارة.
وقد ذكر القرطبي في تفسيره: أنه ربما أجنب من يطيل أظافره ولا يصل الماء إلى البشرة من أجل الوسخ فلا يزال جنباً ا هـ( ).
وإن كان بعض أهل العلم قال بصحة وضوئه وغسله وأنه يعفى عنه. لكن تمام الطهارة وكمال النظافة مطلوب، وقلّ أن يحصل ذلك مع طول الأظافر.
د‌) أن الأظفار الطويلة قد يستتر تحتها شيء من النجاسة عندما يستنجي الإنسان، لأن الغالب إطالة أظافر اليد اليسرى كما نشاهده فيمن يطيلون أظافرهم، ولهذا قال بعض العلماء: إنه حامل للنجاسة فلا تصح صلاته( ).
والمقصود أن إطالة الأظافر نبذ لآداب الإسلام العالية، وأخلاقه الرفيعة الموافقة للفطرة، إذ كيف يرضى بتراكم الأوساخ تحت أظافره – مهما نظفها – بل تصبح مأوى خصباً للجراثيم والميكروبات، وأي زينة هذه؟ وأي جمال هذا؟
2) نتف الإبط:
الإبط بكسر الهمزة وسكون الباء باطن المنكب، والنتف هو إزالة الشعر بالقلع، ونتفه لقطع الروائح التي تنشأ من الوسخ الذي يجتمع بسبب العرق فيعلق بالشعر، ونتفه وجه من أوجه النظافة، التي تديم العشرة بين الزوجين، وكمال الاستمتاع؛ لأن رائحة الإبط كريهة جداً، فنتفه من خصال الفطرة الدالة على اشتمال دين الإسلام على الآداب العالية.
ونتف الإبط أفضل من حلقة لورود الحديث به، ولأن النتف يضعف الشعر فتضعف الرائحة الكريهة، بخلاف الحلق فإنه يقوي الشعر ويهيجه فتقوى الرائحة، لكن إذا لم يقو على النتف جازت إزالته بأي مزيل مما وجد في هذا العصر، لحصول المقصود وهو الإزالة( ).
3 ) الاستحداد:وهو حلق العانة، وهي الشعر الخشن الذي ينبت حول القبل – بالنسبة للرجل والمرأة – سمي بذلك لاستعمال الحديدة فيه وهي الموسى، وهذا هو المشهور وهو أن لفظ العانة خاص بما حول القبل، ولا يتناول ما حول الدبر.
قال ابن العربي: "ولا يتعدى حلق العانة إلى حلق الدبر وليتركه على حاله"( ).
وقال الشوكاني: "إن كان الاستحداد هو حلق العانة في اللغة فلا دليل على سنية حلق الشعر النابت حول الدبر، وإن كان الاستحداد هو الاحتلاق بالحديد كما في القاموس فلا شك أنه أعم من حلق العانة، ولكن وقع في مسلم وغيره بدل الاستحداد في حديث عشر من الفطرة (حلق العانة) فيكون مبينا لإطلاق الاستحداد في حديث (خمس من الفطرة) وعلى هذا فلا يتم دعوى سنية حلق شعر الدبر أو استحبابه إلا بدليل ولا دليل على ذلك لا من فعله ولا من فعل أحد من أصحابه"( ).
وقال ابن دقيق العيد: "كأن الذي ذهب على استحباب حلق ما حول الدبر ذكره بطريق القياس"( ).
والحلق لشعر العانة أولى، لموافقة لفظ الحديث، ولحديث جابر في النهي عن طروق النساء ليلاً حتى تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة، لكن إن أزاله بأي شيء حصل المطلوب، إذا لم يكن فيما أزاله به ضرر على البشرة من التهاب ونحوه.
والحكمة من الحث على إزالة شعر العانة للرجل والمرأة:
أ‌) أن إزالة هذا الشعر تقي الإنسان من الأمراض والالتهابات بسبب تراكم الأوساخ.
ب‌) أن إزالته متضمنة لكمال الطهارة.
ج) أن إزالته تلطف العشرة بين الزوجين، وتزرع الألفة بينهما، وتؤدي إلى كمال الاستمتاع( ).
وقت هذه الخصال:
لم يرد في أحاديث الفطرة – ومنها الحديثان السابقان – متى يكون القيام بهذه الخصال، فيدل ذلك – والله أعلم – على أن الضابط لذلك هو الحاجة فمتى طالت أخذت لكن لا تترك أكثر من أربعين يوماً لقوله أنس بن مالك رضي الله عنه: "وقت لنا في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، إلا نترك أكثر من أربعين ليلة"( ).
قال القرطبي: "ذكر الأربعين تحديد لكثرة المدة، ولا يمنع تفقد ذلك من الجمعة إلى الجمعة، والضابط في ذلك الاحتياج"( ).
4) السواك:
السواك يطلق على الآلة التي يتسوك بها، وأفضلها ما كان من عود الأراك، ويطلق على الفعل الذي هو التسوك، وهو دلك الفم بالمسواك، لتنظيف الأسنان واللسان واللثة( ).
والسواك من خصال الفطرة الدالة على عناية الشريعة الإسلامية بالنظافة وكل ما يقرب العبد إلى مولاه، فشرع السواك لتنظيف الفم مما يتعلق به من بقايا الطعام أو أوساخ قد تحمل روائح كريهة.
وقد ذكر النبي e للسواك فائدتين عظيمتين فقال: "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب"( ).
فهو مرضاة للرب أي وسيلة لرضوان الله تعالى لما فيه من اتباع سنة الرسول e والدخول في العبادة على أحسن هيئة، وأطيب رائحة، ولا سيما الفم الذي هو طريق القرآن، وقد وجد العلماء فائدة ومفعول السواك بعد أربعة عشر قرناً من ذكر المصطفى e لتلك الحقيقة، وثبت بعد الدراسات والأبحاث التي أجريت على السواك، أنه يفوق الفرشاة والمعجون معاً ولا مقارنة، وثبت أن السواك يحوي المواد المطهرة القوية التي تساعد على الفتك بالجراثيم التي تتسبب في أمراض وآفات الفم والأسنان( ).
فالسواك مرضاة للرب تبارك وتعالى، مطهرة للفم، فهو الطريقة المثلى والأيسر والأنجح والأرخص لتنظيف الأسنان والفم، وفوق ذلك كله الظفر برضوان الله تعالى. قال الشنقيطي في كلامه على الحديث السابق: "وفيه الحث على السواك بذكر فضله. ويؤخذ منه أنه لا يختص بوقت دون وقت"( ).
ومع هذا فثمة تساهل لدى كثير من الناس في استعمال السواك حتى عند أشرف عبادة وهي الصلاة! لا فرق في ذلك بين الرجال والنساء، وإن كان نصيب النساء أكثر في الإهمال لهذه الخصلة العظيمة! وهذا جهل منهم بفضل السواك وفائدته أو تهاون! وهذا لا ينبغي لمسلم ولا مسلمة، ويتأكد استعمال السواك عند تغير رائحة الفم أو تلوث الأسنان بالاصفرار وقد ذكر الفقهاء – رحمهم الله – مواضع يتأكد فيها السواك ومنها:
1) عند الوضوء وعند الصلاة:
ولا فرق بين الفريضة والنافلة، حتى صلاة الصائم بعد الزوال يتأكد فيها السواك على أرجح الأقوال عند أهل العلم، لعموم أدلة الحث على السواك عند الصلاة، ومنها حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي e قال: "لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". وفي رواية لمالك: "مع كل وضوء"( )
قال الشنقيطي في شرح سنن النسائي: "والحديث يدل على استحباب السواك في الحالين: حال القيام للصلاة ولو كان متوضئاً، وحال الوضوء ولو لم يرد الصلاة. والأمر الممتنع هو المقتضي الوجوب؛ لأن الأمر حصل بالفعل منه e ولكنه للندب لا للوجوب، ويدل عليه رواية العباس السابقة "لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك عند كل صلاة كما فرضت عليهم الوضوء". وفيه حجة للجمهور على عدم وجوبه، وفيه دليل على ما ترجم له المصنف من أن السواك مطلوب في جميع النهار وعلى أي حال؛ فهو حجة على استحبابه للصائم وغيره، ولا يعارض ذلك حديث الخلوف، لما سيأتي – إن شاء الله – أن الخلوف ناشئ عن خلو المعدة، وبعد عهدها بالطعام وهذا السبب في ترتيب الثواب عليه، وهذا السبب لا يزول بالسواك، فالخلوف محبوب عند الله من أجل تأثير رضاه في ترك الشهوة على ما يحبه الإنسان، وليس المحبوب عند الله ترك الوسخ في الفم والأسنان والله أعلم( ). ا هـ.
والحكمة من تأكيد السواك عند الصلاة لأن الصلاة ذات شأن كبير لأنها صلة بين العبد وربه تبارك وتعالى، ينبغي أن يكون العبد على أكمل هيئة وأحسن حال وإظهاراً لشرف العبادة، فكانت الطهارة شرطاً لصحة الصلاة، ومن تكميل الطهارة تنظيف الفم بالمسواك مما علق من أوساخ قد تحمل روائح كريهة( ).
مستحيل
مستحيل •
2) عند قراءة القرآن:
وذلك لأن الفم طريق للقرآن، فينبغي للقارئ – رجلاً أو امرأة في المسجد أو في المدرسة – أن يستاك قبل القراءة لما تقدم.
وقد ورد عن علي – رضي الله عنه – أن النبي e قال: "إن العبد إذا تسوك ثم قام يصلي قام الملك خلفه فسمع لقراءته، فيدنو منه أو كلمة نحوها حتى يضع فاه على فيه وما يخرج من فيه شيء من القرآن إلا صار في جوف الملك فطهروا أفواهكم للقرآن( ).
3) بعد النوم:
وذلك لتغير رائحة الفم عند النوم، بالأبخرة المتصاعدة من المعدة، وببقايا الفضلات المترسبة بين الأسنان، فيشرع لمن قام من النوم أن ينقي وينظف أسنانه وسائر فمه بالمسواك، لا سيما لمن يريد الصلاة، ليكون على أتم وجوه النظافة.
وعن حذيفة – رضي الله عنه – قال: "كان النبي e إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك" وللبخاري: "إذا قام للتهجد" ولمسلم نحوه( ).
وقد أخذ ابن دقيق العيد من عموم المعنى الذي دلت عليه العلة أن السواك يتأكد عند تغير الفم، فشرعيته عند تغير الفم بسبب النوم، يدل على شرعيته كلما وجد تغير الفم ولو بدون نوم كسكوت طويل، أو اصفرار أسنان ونحو ذلك( ).
قال في النهاية: "يشوص فاه بالسواك أي يدلك أسنانه وينقيها"( ).
4) عند دخول المنزل:
وقد ورد في ذلك حديث شريح بن هانئ قال: سئلت عائشة – رضي الله عنها – بأي شيء كان يبدأ رسول الله e إذا دخل بيته قالت: بالسواك( ).
والحكمة من ذلك – والله أعلم – أنه سيتعامل مع أهله ويقترب منهم، فربما تأذوا برائحة فمه.
فهذا الفعل منه e إنما هو على درجة التعبد، فيكون مندوباً بالنسبة لنا على أرجح الأقوال كما في الأصول( ).
الخامس من سنن الفطرة: غسل البراجم:
وهذا من سنة الفطرة. والبراجم هي عقد الأصابع ومعاطفها.
فيسن للمسلم والمسلمة تعاهد عقد بطون الأصابع وظهورها. بإظهار ما يخفى من ثنايا هذه العقد، وإمرار الماء عليها ودلكها حتى يتأكد من نظافتها.
وهذه النظافة سنة مستقلة ليست خاصة بالوضوء
قال النووي: "وأما غسل البراجم فمتفق على استحبابه، وهو سنة مستقلة غير مختصة بالوضوء"( ). وألحق العلماء بالبراجم ما يجتمع به الوسخ مثل معاطف الأذن والصماخ فيزيله بمنديل مبلول بالماء، لأن الغسل ربما أضر بالسمع، وكذلك ما يجتمع داخل الأنف وكل موضع شبيه بالبراجم في جميع أجزاء البدن، سواء نشا عن عرق أو غبار أو غيرهما( ).

2) الكحل والخضاب

ومن زينة المرأة المشروعية (الخضاب) فلها استعمال الحناء في يديها ورجليها ورأسها ولو لتغيير الشيب، لأن أحاديث تغيير الشيب بغير السواد عامة للرجال والنساء. ومما يدل على استحباب الخضاب بالحناء ما ورد عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: أومأت امرأة من وراء ستر، بيدها كتاب إلى رسول الله e، فقبض رسول الله e يده فقال: ما أدري أيد رجل أم يد امرأة! قالت: "لو كنت امرأة لغيرت أظفارك، يعني: بالحناء"( ). أي: لو كنت تراعين شعار النساء لخضبت يداك بالحناء.
قال في عون المعبود: "وفي الحديث شدة استحباب الخضاب بالحناء للنساء"( ) ا هـ. وسألت امرأة عائشة – رضي الله عنها – عن خضاب الحناء فقالت: لا بأس به، ولكني أكرهه، كان حبيبي e يكره ريحه( )
والمراد أنه يكره خضاب شعر الرأس، لأن خضاب اليد لم يكن يكرهه e بدليل الحديث المذكور قبله، وكذا حديث عائشة – رضي الله عنها - أن هند ابنة عتبة قالت: يا نبي الله، بايعني، قال: "لا أبايعك حتى تغيري كفيك كأنهما كفا سبع"( ).
ويجوز للمرأة أن تضع الحناء في يديها ولو كانت حائضاً لأن بدن الحائض طاهر، قال النبي e لعائشة – رضي الله عنها – "إن حيضتك ليست في يدك"( ). أما صبغ المرأة رأسها بالسواد فهذا منهي عنه، لعموم نهييه e عن صبغ الشعر بالسواد، ومن ذلك حديث جابر – رضي الله عنه – قال: أتى بأبي قحافة والد أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – يوم فتح مكة، ورأسه ولحيته كالثغامة بياضاً، فقال رسول الله e: "غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد"( ). وعن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله e: "يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الحنة"( ).
فهذا الحديث وما قبله يدلان على تحريم صبغ الشعر بالسواد، سواء كان ذلك للزينة أو لغرض التدليس والتغرير لعموم الأدلة، وقصر النصوص على من صبغ بالسواد لغرض التدليس ونحوه تقييد لما أطلقه الشرع، وما أطلقه الشرع فليس لأحد أن يقيده بصفة أو حال، لأن ذلك من التقول على الرسول e ومن الزيادة في الشرع، وهذا لا يجوز( ) كما أنه لا فرق في المنع من الصبغ بالسواد بين الرجل والمرأة – كما قاله بعض أهل العلم – قال النووي: "ولا فرق في المنع من الخضاب بالسواد بين الرجل والمرأة، هذا مذهبنا"( ).
وقال في رياض الصالحين: "باب نهي الرجل والمرأة عن خضاب شعرهما بالسواد"( ). ويتأكد تحريم صبغ المرأة شعرها بالسواد إذا كان للغش والتدليس، كأن تكون كبيرة السن، فتصبغ شعرها بالسواد لتظهر بمظهر الصغيرة، وهذا من الزور الذي نهى عنه الرسول e في وصل المرأة شعرها، ليظهر أنه كثير وطويل، فهذا مثله كما سيأتي إن شاء الله.
ورخص بعض أهل العلم للمرأة أن تصبغ بالسواد، تتزين به لزوجها. قاله قتادة، كما في مصنف عبد الرازق، ونقله في المغني عن إسحاق بن راهويه، وبه قال الحليمي،كما في فتح الباري( ).
وتقدم أن النصوص عامة. ولا دليل على الاستثناء فيما أعلم. وكأن الذين أجازوه للمرأة رأوا أن النهي إنما جاء في حق الرجال، والشرع أجاز للمرأة من خضاب اليدين والرجلين ما لم يجوّز للرجل والله أعلم.
قال النووي: "أما خضاب اليدين والرجلين بالحناء فمستحب للمتزوجة من النساء، للأحاديث المشهورة فيه، وهو حرام على الرجال إلا لحاجة التداوي ونحوه" ا هـ( ).
وليس الخضاب تغييراً لخلق لله تعالى، لأن التغيير المنهي عنه هو ما كان باقياً، غير مأذون فيه كالوشم وتفليج الأسنان ونحو ذلك مما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
أما ما لا يكون باقياً كالخضاب والكحل ونحوهما من الأصباغ التي يزيلها الماء فلا تدخل في النهي، كيف وقد أذن الشرع في استعمال الخضاب والكحل! قال الصنعاني: "ولا يقال إن الخضاب بالحناء ونحوه تشمله العلة (أي تغيير خلق الله) وإن شملته فهو مخصوص بالإجماع، وبأنه قد وقع في عصره e بل أمر بتغيير بياض أصابع المرأة بالخضاب كما في قصة هند ا هـ( ).
أما صبغ المرأة رأسها الأسود ليتحول إلى لون آخر – كما تفعله بعض النساء – فهذا لا ينبغي لعاقلة أن تفعله، لأنه عبث بالشعر ودليل على تفاهة عقل وفقر نفس شائن، وإلا فإن سواد شعر الرأس جمال وزينة، وليس تشويهاً يحتاج إلى تغيير، ولكنه النقص الذي لا تفيق منه كثير من النساء بل يجرين وراء الموضة طائعات سواء كان ذلك يتلاءم مع أجسامهن أولاً! وسواء كان يوافق تقاليد بلدهن أولاً؟ وقبل ذلك كله سواء كان يتمشى مع تعاليم الإسلام أولاً؟
وأما الكحل فهو زينة وجمال، ولهذا نهى النبي e المرأة الحاد على زوجها عن الاكتحال( ).
وقد حث النبي e على الكحل، فعن ابن عباس – رضي الله عنهما – أن النبي e قال: "اكتحلوا بالأثمد فإنه يجلو البصر. وينبت الشعر"( ).
والكحل بالإثمد زينة ودواء، وكانت العرب تكتحل به. وقد أبان ابن القيم – رحمه الله – عن شيء من فوائده في زاد المعاد( ).
والإثمد هو حجر الكحل – الأسود وهو معروف – ولكن بعد هذا السيل الجارف من وسائل التجميل الحديثة، رغب كثير من النساء عن هذا النوع، وصرن يستعملن الأقلام، والتي صارت تتلون بلون الثوب الذي تلبسه المرأة، ولم يعد الكحل في مكانه الطبيعي، بل صار على جفن العين! وهذا له آثار على الجفن ولو بعد حين – كما أشرنا إليه في وسائل التجميل الحديثة -.


الفصل الثالث: الزينة المحرمة


تقدم أن الإسلام شرع للمرأة التجمل والتزين لزوجها بكل ما أباحه الله تعالى من لباس وحلي وطيب ونحو ذلك في حدود التوجيهات الإسلامية في هذا المجال.
وقد رخص الإسلام للمرأة في مجال الزينة أكثر مما رخص للرجل تلبية لفطرتها وأنوثتها، وحرصاً على دوام المحبة، وحسن العشرة بين الزوجين.
والإسلام عندما أباح للمرأة التزين لم يطلق العنان لتحصيل الجمال، أو استكماله، بل وضع الأسس والقواعد التي تحقق الهدف المقصود من الزينة، هذا من جانب. ومن جانب آخر حرّم بعض أشكال الزينة – إن صح التعبير – كوصل الشعر والوشم والنمص وتفليج الأسنان ونحو ذلك لما فيها من تغيير خلق الله تعالى، والخروج عن الفطرة مع ما في ذلك من التدليس والإيهام.
وليست هذه المحرمات هي كل ما حرم الله في مجال التزين والتجمل، بل هي تنبيه على ما يماثلها على ما يماثلها على مر العصور، ولا سيما ما ظهر في وقتنا هذا مما يسمى بجراحة التجميل. وهذا لا يعني أن الأصل في الزينة هو التحريم بل الأصل هو الإباحة لكن ذلك مقيد بضوابط دلت عليها النصوص.
قال الخطابي: "إنما ورد الوعيد الشديد في هذه الأشياء لما فيها من الغش والخداع، ولو رخص في شيء منها لكان وسيلة إلى استجازة غيرها من أنواع الغش! ولما فيها من تغيير الخلقة، وغلى ذلك الإشارة في حديث ابن مسعود بقوله: "المغيرات خلق الله" والله أعلم( ).
ولقد ظهر في هذا العصر من أنواع الزينة – كما يقال – ما أخبر عنه الرسول e وحذر منه، وظهر من يشجع على انتشاره من بيوت الأزياء ومحلات التجميل، والمستشفيات، ووسائل الأعلام، من صحف ومجلات وغيرها، تقود إلى ذلك دعاية وترغيباً، بغية تغيير الخلقة، وإفساد الفطرة، وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، ثم تحقيق الأهداف الاقتصادية بابتزاز أموال المسلمين في استهلاك هذه الكماليات، عدا ما فيها من أضرار.
وإن من صفات المرأة المسلمة أن تكون وقافة عند حدود الله تعالى، لا تتعداها ولا تقربها، تقتصر على ما أباح الله لها من أنواع الزينة تنظر بعين البصيرة، مهتدية بشرع ربها لم يفسد مزاجها، ولم تنحرف فطرتها، وإن مما يؤسف له أن يعجب الإنسان بكل ما يصدر عنه، أو بكل ما يهواه، مهما بلغ من السوء! فيرى القبيح حسناً، والتشويه جمالاً، وتغيير خلق الله زينة، وهذا انتكاس في الفطرة، وفساد في الذوق. ونبذ لتعاليم الإسلام! قال تعالى: }أفمن زيّن له سوء عمله فرآه حسناً{. والشاعر يقول:
يقضى على المـرء في أيام محنتـه حتى يـرى حسناً ما ليس بالحسن
وإليك – أختي المسلمة – هذا الحديث الجامع، فاقرئيه وتأمليه علماً وعملاً. عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله قال: فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها: أم يعقوب – وكانت تقرأ القرآن – فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله؟ فقال عبدا لله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله e وهو في كتاب الله فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته. فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، قال الله – عز وجل -: }وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا{. فقالت المرأة: فإني أرى شيئاً من هذا على امرأتك الآن. قال: اذهبي فانظري قال: فدخلت على امرأة عبد الله فلم تر شيئاً فجاءت إليه فقالت: ما رأيت شيئاً. فقال: أما لو كان ذلك لم نجامعها!!( ).
قال النووي: قوله: "لو كان ذلك لم نجامعها" قال جماهير العلماء معناه: لم تصاحبها ولم نجتمع نحن وهي، بل كنا نطلقها ونفارقها"( ).
وقال في فتح الباري: (قوله ما جامعتها) يحتمل أن المراد بالجماع الوطء، أو الاجتماع، وهو أبلغ. ويؤده قوله في رواية الكشميهني: (ما جامعتنا) للاسماعيلي (ما جامعتني)( ).
قال النووي: "فيحتج به في أن من عنده امرأة مرتكبة معصية كالوصل أو ترك الصلاة أو غيرهما، ينبغي له أن يطلقها، والله أعلم". مثله قال ابن العربي في شرحه على الترمذي( ).
فهذا الحديث دلَّ على أنواع محرمة مما يطلق عليه زينة وهي تفليج الأسنان والنمص والوشم، وكذا الوصل كما عند أبي داود في سننه من حديث عبد الله بن عمر قال: "لعن رسول الله e الواصلة والمستوصلة"( )، وتحريمها جاء من لعن فاعلها، لأن اللعنة على الشيء تدل على تحريمه. وتدل على أنه من الكبائر، وهي تغيير لخلق الله تعالى – كما تقدم –.
قال ابن العربي "إن الله سبحانه خلق الصور فاحسنها في ترتيب الهيئة الأصلية، ثم فاوت في الجمال بينها، فجعلها مراتب، فمن أراد أن يغير خلق الله فيها وتبطل حكمته بها، فهو ملعون لأنه أتى ممنوعاً"( ).
وقال الطبري: "لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقتها التي خلقها الله عليها بزيادة أو نقص، التماساً للحسن لا للزوج ولا لغيره"( ).
والآن أتكلم على هذه الأنواع بشيء من التفصيل:
1) تفليج الأسنان:
التفليج في اللغة من فلج الأسنان: باعد بينها، جاء في لسان العرب لابن منظور: (والفلج في الأسنان تباعد ما بين الثنايا والرباعيات خلقة، فإن تكلف فهو التفليج" ا هـ( ).
والمراد هنا: أن يفرج بين الأسنان بمبرد ونحوه، تفعله الكبيرة، توهم بأنها صغيرة( ).
فهذا الفعل محرم لقوله: }والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله{. فهو تغيير لخلق الله، وانشغال بأمور حقيرة لا قيمة لها، وإضاعة للوقت الذي يجب شغله بما ينفع الإنسان كما أنه تزوير وتدليس وإظهار لصغر السن.
قال في نيل الأوطار: "والفلج بفتح الفاء واللام، هو الفرجة بين الثنايا والرباعيات، تفعل ذلك العجوز ومن قاربها في السن إظهاراً للصغر وحسن الأسنان. لأن هذه الفرجة اللطيفة بين الأسنان تكون للبنات الصغيرات، فإذا عجزت المرأة، كبرت سنها فتبردها بالمبرد لتصير لطيفة، حسنة المنظر توهم كونها صغيرة"( ).
وقد جاء في حديث ابن مسعود – هذا – من رواية الإمام أحمد وفيه: "فإني سمعت رسول الله e نهى عن النامصة والواشرة"( ).
قال السندي: "الوَشْر بفتح واو فسكون شين معجمة واو مهملة، هو معالجة الأسنان، بما يحددها، ويرقق أطرافها، تفعله المرأة المسنة بذلك بالشواب". وقال ابن الأثير: الوَشْر أن تحدد المرأة أسنانها وترققها. والواشرة: الصانعة لذلك. والمؤتشرة: المفعول بها ذلك( ).
فاتضح مما تقدم أن معالجة الأسنان بالتفليج أو الوشر بقصد التحسين وإظهار صغر السن، محرم شرعاً لما تقدم. أما بقصد المعالجة والتداوي فلا مانع منه( ) فإذا ظهر للمرأة سن زائدة تؤذيها فلا مانع من خلعها. لأنها تشوه المنظر، وتعيق في الأكل، وإزالة العيوب جائز شرعاً، وكذلك إذا كان فيها تسوس واحتاجت إلى إصلاحها من أجل إزالة ذلك فلا بأس، وإذا كان على يد طبيبة مختصة فهو المتعين.
2) النمص:
قال أهل اللغة: النمس نتف الشعر، والنماص: إزالة شعر الوجه بالمنقاش، والنامصة هي التي تفعل النماص، والمتنمصة: هي التي تطلب أن يفعل بها ذلك، هذا هو المدلول اللغوي للكلمة بوجه عام، لكن هل النمص عام في إزالة شعر الوجه بما في ذلك شعر الحاجبين أو أنه خاص بهما؟
إن أحاديث النمص عامة ليس فيها تخصيص، فيظهر – والله أعلم – أنه لا فرق بين إزالة شعر الوجه أو شعر الحاجبين، وتفسير النمص بنقش الحاجبين وترقيقهما، وأنه لا يدخل فيه حف الوجه، وإزالة ما فيه من شعر أو زغب، قول مرجوح لأمرين:
الأول: أنه مخالف لعموم الأحاديث، ومنها حديث ابن مسعود المتقدم، (والنامصات والمتنمصات) وحديث عائشة – رضي الله عنها – قالت: "كان نبي الله e ينهى عن الواشمة، والواصلة، والمتواصلة، والنامصة، والمتنمصة"( ).
الثاني: عن تخصيص النمص بحف الحاجب – وإن قال به بعض علماء اللغة والشرع – لكن الأكثرين على خلافه حيث جعلوا النمص عاماً.
قال ابن الأثير في النهاية: "النامصة هي التي تنتف الشعر من وجهها، والمتنمصة: هي التي تأمر من يفعل بها ذلك"( ).
وقال في القاموس: "النمص: نتف الشعر"( ).
وقال الزمخشري: "في وجهها نمص: شبه الزغب. ونمصته الماشطة بالمنماص نتفته، وهو أنمص الحاجبين إذا رق مؤخرهما"( ).
وقال الفراء: "النامصة التي تنتف الشعر من الوجه، ومنه قيل للمنقاش منماص لأنه ينتفه"( ).
وقال في لسان العرب: "النمص نتف الشعر ونمص شعره ينمصه نمصاً نتفه"( ). فهذه النصوص عن علماء اللغة تفيد أن النمص هو النتف، وهو عام، وإن كان علماء اللغة يتفقون على أن نتف الحاجب داخل في النمص وإنما الخلاف فيما عداه.
وكذلك شراح الحديث من العلماء يرون أن النمص في شعر الوجه ويتفقون على أن نتف الحاجب من النمص. فالنووي يقول في شرح صحيح مسلم: " وأما النامصة بالصاد المهملة فهي التي تزيل الشعر من الوجه. . "( ).
وقال في فتح الباري: "والنماص إزالة شعر الوجه بالمنقاش، ويسمي المنقاش منماصاً لذلك، ويقال: إن النماص إزالة شعر الحاجبين لترفيعهما أو تسويتهما . . "( ) فتراه يشير إلى تضعيف تخصيصه بشعر الحاجبين بقوله: ويقال. وقال السيوطي: "النمص هو نتف الشعر من الوجه"( ) وأما قول أبي داود في سننه: والنامصة التي تنقش الحاجب حتى ترفه، فهو باعتبار الغالب. لأن هذا هو المنتشر عند النساء. ولم يرد به حصر النمص بالحاجب فقط بدليل أنه فسر الواشمة بقوله: "الواشمة التي تجعل الخيلان في وجهها بكحل أو مداد . ." قال في الفتح بعد نقله تفسير أبي داود للواشمة: "وذكر الوجه للغالب وأكثر ما يكون في الشفة، وسيأتي عن نافع في آخر الباب الذي يليه أنه يكون في اللثة، فذكر الوجه ليس قيداً، وقد يكون في اليد وغيرها من الجسد"( ).
وعلى هذا فما تفعله كثير من النساء اليوم من تهذيب شعر الحواجب أو تحديده بقص جوانبه أو حلقه أو نتفه فهو نمص محرم، ملعون فاعله كما تقدم، وأما نتف شعر الوجه فالأولى تركه لما تقدم – وإن قال: بجوازه بعض أهل العلم وأنه ليس داخلاً في معنى النمص. لكن الاحتياط مطلوب إلا إذا ظهر شعر واضح فلا بأس بإزالته أخذاً بهذا القول ولأن هذا من إزالة العيوب. والله أعلم.
وتخصيص المرأة لأنها هي التي تفعله غالباً للتجمل! وإلا فالحكم يشمل الرجل – أيضاً – فلو نتف شعر حاجبيه أو قصهما أو حلقهما فهو ملعون، لأنه مغير لخلق الله تعالى، وينبغي أن يعلم أن العلة في تحريم النمص ليست التدليس والتغرير كما قد يفهمه بعض الناس، فإذا انتفى ذلك جاز، فإن هذه علة مستنبطة، والحديث قد نص على أن العلة قصد الحسن وتغيير خلق الله والعلة التي ثبتت بالنص أقوى في الدلالة من العلة المستنبطة كما في الأصول( ) وكذلك يحرم إزالة الحواجب الأصلية والاستغناء عنها بحواجب اصطناعية ملونة؛ لما فيه من تغيير الخلقة. والأضرار الناجمة عن وضع المادة الكيميائية على الحواجب كما تقدم في وسائل التجميل الحديثة.
فإن قيل: ما الجواب عما أخرجه الطبري من طريق أبي إسحاق عن امرأته أنها دخلت على عائشة – رضي الله عنها – وكانت شابة يعجبها الجمال، فقالت: المرأة تحف جبينها لزوجها؟
فقلت: أميطي عنك الأذى ما استطعت( ).
قيل: ها هنا أمران:
الأول: تقدم النهي عن النمص وأنه هو النتف كما نقلناه عن أهل اللغة.
ويبقى القص والحف هل هو داخل فيه أو لا؟ فيه خلاف بين أهل العلم والأولى تجنب ذلك؛ لأن العلة – وهي تغيير خلق الله تعالى المنصوص عليها في حديث ابن مسعود – موجودة في النتف – كما هو موجودة في القص والحف - ولهذا يرى النووي – رحمه الله – أن الحف من جملة النماص. قال في المصباح المنير: (حفّت المرأة وجهها: زينته بأخذ شعره)( ).
الثاني: يجاب عما ذكر من وجهين:
1- أنه أثر ضعيف ذكر الألباني: وقال: فإن امرأة أبي إسحاق لم أعرفها( ).
2- إنه مخالف لحديث ابن مسعود وغيره في لعن النامصة، فكيف تفتي عائشة – رضي الله عنها – بجواز الحف من أجل رغبة الزوج؟
وعلى فرض صحته وعدم مخالفته فهو قول صحابي مختلف في حجيته – كما عند الأصوليين – وإذا قلنا: إنه حجة، فيمكن حمله على ما فيه أذى، كما يدل عليه قولها: "أميطي عنك الأذى"() والله أعلم.
أما إذا ظهر للمرأة شعر في أماكن غير معتادة، كأن يكون لها لحية، أو شارب، أو عنفقة، أو ينبت على خدها شعر، فهذا لا بأس بإزالته، بل هو مستحب لأن المرأة مأمورة بالتزين لزوجها. وبقاء ذلك مشوه لها.
قال النووي: (يستثنى من النماص ما إذا نبت للمرأة لحية، أو شارب، أو عنفقة، فلا يحرم عليها إزالتها بل يستحب)( ).
إن الله تعالى خلق وجه المرأة بلا شعر، وظهور ذلك يعتبر مشوهاً لها فهو عيب، وإزالة العيوب جائز شرعاً، كالسن الطويلة والإصبع الزائدة. وقد ورد عن عبد الرحمن بن طرفة عن عرفجة بن أسعد قال: "أصيب أنفي يوم الكلاب في الجاهلية فاتخذت أنفاً من ورق فأنتن عليّ، فأمرني رسول الله e أن اتخذ أنفاً من ذهب"( ).
ولا منافاة بين جواز ذلك وتحريم النمص، لأن النمص ليس فيه إزالة عيب بل هو لزيادة الحسن – كما يزعمون – وفيه تغيير لخلق الله، لأن الحواجب قد تكون رقيقة دقيقة، وقد تكون كثيفة واسعة، وهذا أمر معتاد، فصار تغييره محرماً( ) وفاعله ملعون – والعياذ بالله – وأما إزالة ما ذكر فهو إزالة شيء تشمئز منه النفس السوية، والفطرة السليمة، لا بالنسبة للزوجة فحسب، بل الزوج – أيضاً – الذي يحرص على جمال زوجته، ولاسيما وجهها مجمع المحاسن، ولذا خلا من اللحية والشارب ليكون أكمل في الاستمتاع، والله عليم حكيم.

3) ما يتعلق بشعر الرأس:
الشعر زينة للرجل والمرأة، فجمال المرأة في شعر رأسها، وجمال الرجل في لحيته، وقد حث الإسلام على إكرام الشعر وتنظيفه، فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله e قال: "من كان له شعر فليكرمه"( ).
وليكن ذلك بدون مبالغة وإضاعة للوقت في غسله وتدهينه، وقد نهى النبي e عن الترجل إلا غباً( ).
ففيه نهي عن تمشيط الشعر وتنظيفه كل يوم، لأن ذلك نوع من الترفه والتنعيم، مع ما فيه من شغل الوقت بما لا ينبغي المداومة عليه.
قال السندي: "الغب – بكسر المعجمة وتشديد الباء – أن يفعل يوماً ويترك يوماً، والمراد كراهة المداومة عليه، وخصوصية الفعل يوماً والترك يوماً غير مراد"( ). وشعر المرأة جمال لها، وبه زينة الوجه، وهذا أمر معلوم عند نسائنا قبل التأثر بالمرأة الغربية، بل هو من الصفات الإيجابية التي تمدح بها المرأة، وقد عرفت النساء عدة وصفات لتجميل الشعر منها ما هو قديم، ومنها ما هو حديث، وكل ما يتمشى مع تعاليم الإسلام وقواعده في موضوع الزينة فلا مانع منه، وسأتكلم الآن - إن شاء الله - على ثلاثة أمور تتعلق بالشعر وهي: وصلة وقصة وحلقة. وإن كان الأخير أبعد وقوعاً من غيره، لكن من باب بيان الحكم، وإتمام البحث في موضوع شعر الرأس. وأما صبغ شعر الرأس بالسواد أو تحويله من السواد إلى لون آخر فهذا تقدم الكلام عليه في موضع الكحل والخضاب.
1) وصل الشعر بشعر:
الوصل معناه: أن تصل المرأة شعرها بشعر آخر، قال في اللسان: (الواصلة من النساء التي تصل شعرها بشعر غيرها، والمستوصلة الطالبة لذلك)، قال أبو عبيدة: (هذا في الشعر)، وقال الهروي: (وأما الواصلة والمستوصلة فإنه في الشعر وذلك بأن نصله بشعر آخر). وقال أبو داود: (وتفسير الواصلة التي تصل الشعر بشعر النساء)( ). وهو فعل قديم كان موجوداً في بني إسرائيل.
فقد ورد عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع معاوية بن أبي سفيان عام حج وهو على المنبر وهو يقول – وتناول قصة من شعر بيد حرسي: - أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله e ينهي عن مثل هذا، ويقول: "إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤكم"( ). قال النووي: "قال الأصمعي وغيره: القصة شعر مقدم الرأس المقبل على الجبهة. وقيل شعر الناصية"( ). وعن سعيد بن المسيب قال: "قدم معاوية المدينة آخر قدمة قدمها فخضبنا فأخرج كبة من شعر، قال: ما كنت أرى أحداً يفعل هذا غير نساء اليهود إن النبي e سماه الزور يعني: الواصلة بالشعر"( ).
وفي لفظ المسلم: "أن رسول الله e بلغة فسماه الزور".
وفي رواية لمسلم عنه- أيضاً -: "أن معاوية قال ذات يوم: إنكم أحدثتم زيّ سوء، وإن نبي الله e نهى عن الزور. قال: وجاء بعصا على رأسها خرقة، قال معاوية: ألا هذا الزور"( ).
وعن عائشة – رضي الله عنها – أن جارية من الأنصار تزوجت، وأنها مرضت فتمعط شعرها فأرادوا أن يصلوها فسألوا النبي e فقال: "لعن الله الواصلة والمستوصلة"( ).
وعن أسماء بنت أبي بكر – رضي الله عنها -، أن امرأة جاءت إلى رسول الله e فقالت: إني أنكحت ابنتي ثم أصابها شكوى فتمرّق شعرها وزوجها يتسحثني بها، أفأصل شعرها؟ فسبّ رسول الله e الواصلة والمستوصلة( ).
وعن ابن عمر – رضي الله عنهما – أن رسول الله e قال: "لمن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة"( ).
فهذه الأحاديث وغيرها تدل على أنه لا يجوز للمرأة أن تصل شعرها بشعر آخر بقصد التزيين، سواء كان من شعرها أو من شعر غيرها، وسواء كان شعر أدمي أو غيره.
قال النووي: "وهذه الأحاديث صريحة في تحريم الوصل ولعن الواصلة والمستوصلة مطلقاً، وهذا هو الظاهر المختار" ا. هـ( ). ونقل في شرح المهذب أن المرأة إذا وصلت شعرها بشعر آدمي فهو حرام بلا خلاف( ).
ولعن الواصلة والمستوصلة دليل على تحريم هذا الفعل، وأنه من كبائر الذنوب، وفيه تشبه باليهود، وفيه تدليس وغش، لأن الرسول e سماه (الزور).
قال ابن الأثير: "الزور: الكذب، والباطل، والتهمة . ."( ). وقال العيني: "وسمى النبي e الوصل زوراً لأنه كذب وتغيير لخلق الله تعالى"( ).