مستحيل
مستحيل •
عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من تشبه بقوم فهو منهم ) ( ) وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ليس منا من تشبه بغيرنا ، ولا تتشبهوا باليهود ولا بالنصارى ... ) ( ) .
* ولاَّجة خرَّاجة من بيت إلى بيتٍ ، ومن سـوق إلى آخـر ، ومن مناسبة إلى مثلها . مشغولة - غاية الشغل ! - بمن تعرف من القريبات والصديقات .
ولو سألتيها عن أهل بيتها : أين هم ؟ وفيما يقضون أوقاتهم ؟ مع من يتحدثون ؟ ومن يصاحبون ؟ وما حاجاتهم العاطفية والعقلية والنفسية ؟
بل كيف دينهم ؟ ماذا يعتقدون ؟ وهل يصلون ؟ وماذا يقرؤون ويسمعون ؟ وفيما ينظرون ؟ لتمعَّر وجهها خجلاً من سؤال لم يخطر لها يومًا على بال !
فالتربية عندها ترتكز على تلبية حاجات الجسد ومتطلبات البدن من مطعم ومشرب ، وملبس ومسكن ومركب ، أما العقل والقلب فلا تدري عنهما ، ما غذاؤهما ؟ وكيف يحيان ويموتان ؟ وما وسائل تزكية النفس ؟! وتهذيب الروح ؟!
فلا تسأليها عما لا يعنيها فلا جواب لديها !
ليس اليتيم من انتهى أبواه من
همِّ الحياة وخلفاه ذليلاً

إن اليتيم هو الذي تلقى له
أمًا تـخـلَّـت أو أبًا مـشـــغـولاً ( )

* تجلس مجالس اللهو والسهو ، والغفلة والزلة ، والغيبة والنميمة ، والقيل والقال ، وكثرة الحديث والسؤال ، مع فارغات عاطلات بطَّالات مثلها لا يحسنَّ إلا السلام والكلام ومضغ الطعام ، في مجالس لا يذكر الله تعالى فيها إلا قليلاً .
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما جلس قومٌ مجلسًا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترةٌ ، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر هم ) ( ) .
وعنه - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما من قومٍ يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار وكان لهم حسرة ) ( ) .
ديدنهنَّ في مجالسهنَّ أخبار النساء وأسرار البيوتات ، وأنواع الزينة والمفروشات ، وأصناف الطعام وأذواق المأكولات ، والحديث عن السفر والأسواق ، والكلام عن هذا وهذه ، وذلك وتلك ، وهؤلاء وأولئك ..
وأقل الأحوال ضياعها في الحلال !
عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنَّ الله حرم عليكم عقوقَ الأمهات ، ومنع وهات ، ووأد البنات ، وكره لكم قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال ) ( ) .
ولا تكاد تخلو مجالسهنَّ - وللأسف - من محرم ومأثم ، كالغيبة وهي فاكهة مجالسهن ولذة ألسنتهن ومتعة آذانهن .
* شُغلت بعيوب الناس ونسيت عيوبها ، وتكلَّمت في نقائص غيرها وسكتت عن نقائصها ، ورأت القذاة في عين أختها ولم ترى الجذع منصوبًا في عينها ، وذاك من الخذلان والحرمان !
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم - : يا رسول الله ، إن فلانة تقوم الليل وتصوم النهار وتفعل وتتصدق ، وتؤذي جيرانها بلسانها . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا خير فيها ، هي من أهل النار ) . قالوا : وفلانة تصلي المكتوبة وتصدق بأتور الإقط ولا تؤذي أحدًا . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( هي من أهل الجنة ) ( ) .
وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت : قلت : يا رسول الله ، حسبك من صفية كذا وكذا ، وقالت بيدها هكذا ، كأنها تعني : قصيرة . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته ) ( ) .
يروى أن رجلاً وقف أمام والدته التي كانت تؤذي المسلمين بلسانها ، وهي تجود بنفسها ، وكانت تعاني من سكرات الموت وكرباته ، وكأنما أطبقت جبال الدنيا على صدرها ، وكأنها تتنفس من خرج إبرة ، وكأنما السموات وقعت على الأرض ، فأخذ يذكرها بالشهادة ليختم لها بخاتمة السعادة .
فعن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة ) ( ) .
فرفعت بصرها إليه ، وقالت : يا بني إنها أثقل عليَّ من الجبال الراسيات ، وقد حيل بيني وبينها فلا أستطيع نطقها ، ماتت ولم تقلها .
وصدق الله : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ) .
* تفرُّ من الذكر ، وتهرب من مجالس الخير ، ويضيق صدرها بكل نصيحة مخلصة ، تضيق عليها الأرض بما رحبت إذا ذُكِّرت بالله أو بشرعه ودنيه .
لا تريد أن تسمع ممن يحذرها عاقبة تفريطها أو ينذرها سوء منقلبها ..
فهي تحب الغافلات ؛ لأنها منهنَّ .
وتكره الصالحات ؛ لأنهن يصادمن غرورها ، ويعارضن شهواتها ، ويحاربن نزواتها .. قد غدت أذنها تلقف ما يصبُّ فيها من الغناء الخليع الماجن الذي هو مزمار الشيطان ، وبريد الزنا ، وطريق الخنا ، ومهاد الفاحشة .. قال تعالى : ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوًا أولئك لهم عذاب مهين ) .
* تسيء معاملة والديها ، ولا تُحسن إليهما ، بل تقسو عليهما ، وتستخف بهما ، وتستهزئ بفكرهما ، وتسخر من رأيهما ، وتخالف أمرهما ، وتفعل نهيهما .
* عن أبي بكرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ) ؟ قلنا : بلى يا رسول الله . قال : ( الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ) وكان متكئًا فجلسَ ، فقال : ( ألا وقول الزور وشهادة الزور ، ألا وقول الزور وشهادة الزور ) ( ) .
لا تقوم بخدمتهما إلا كارهة لها ، متشاغلة عنهما ، متثاقلة لفعلهما ، وإذا جاءت إليها صديقة عمرها ورفيقة دربها قامت إليها ، وهشَّت لها ، وبشَّت في وجهها ، وهرعت لخدمتها ، نشيطة النفس ، منشرحة الصدر ، متهللة الأسارير !
فأين هي عن أولى الناس بحسن رعايتها وطيب عنايتها ؟!
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال : ( أمك ) . قال : ثم من ؟ قال : ( أمك ) . قال : ثم من ؟ قال : ( أمك ) . قال : ثم من ؟ قال : ( أبوك ) ( ) .
* يلم بها الألم ، ويسمها السقم ، وتقع عليها البلايا - ببعض الخطايا - فتبحث عن سبيل النجاة والخلاص على أيدي السحرة والدجالين ، والكهنة والمشعوذين ، الذين يخادعونها ، ويلعبون بها ، ويستخفون بعقلها ، ويرجفون قلبها ، فتلتمس الشفاء لديهم ، والعافية عندهم ، وما علمت أنا خسرت دينها ، وأسخطت ربها ، وأغضبت خالقها .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يومًا ) ( ) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : ( من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ) ( ) .
فأي ربح يساوي هذه الخسارة ؟! وأي غنيمة تعادل هذه المصيبة ؟!








فلا تكوني مثلها !

فإنها ستندم - يوم لا ينفع الندم - على العمر الضائع ، والاهتمام الفارغ ، والحياة الخاملة . ستتحسر على كلِّ لحظة مرت عليها لم تقربها من خالقها ..
سترجو الرجوع إلى الحياة الدنيا الفانية مرة ثانية لتعمر العمر بمعالي الأمور ، ومحاسن الحسنات ، وبالباقيات الصالحات .. ولكن ، لا رجوع من بعد الممات لهذه الحياة ، وإنما بعثٌ ونشور ، بين يدي ملك الملوك ، ثم الحساب على ما اجترحت من سيئات وما أصابت من حسنات .. قال تعالى : ( حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحًا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ) .
فالآن .. الآن .. قبل فوات الأوان !
والساعة .. الساعة .. قبل وقوع الساعة !
فتكون الغفلة والإضاعة هي البضاعة .. فيا بئس البضاعة !
إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدًا
ندمت على التفريط في زمن البذر

فما لك يوم الحشر شيء سوى الذي
تزودته يوم الحساب إلى الحشر

* أختاه ..
راجعي هذه التصرفات ، وتذكري تلك الأفعال ، ثم حاسبي نفسك قبل أن تحاسبي من ربك ، فإن كنتِ بريئة منها سالمة من الوقوع فيها فاحمدي الله تعالى على السلامة ، واسأليه الثبات على الحق ، والمزيد من الفضل .
وإن كنتِ وقعتِ فيما قرأتِ ، فالتوبة بابها مفتوح ، وعطاء الله يغدو ويروح ، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ، قال تعالى : ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ) .
========
مستحيل
مستحيل •



%% محاضرة
يا ليت قومي يعلمون %%
الشيخ محمد حسين يعقوب

بسم الله الرحمن الرحيم

إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنَّ محمد عبده ورسوله .
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد .
اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد ، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد .
" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ "
" يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا "
" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا "
ـ أما بعد ـ
فإنَّ أصدق الحديث كلام الله تعالى ، وإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار .
إخوتي في الله ..
هل تعلمون ـ يقينًا ـ لماذا خلقكم الله ؟ هل تعلمون ـ حقًا ـ حقيقة هذه الدنيا ؟ هل تعلمون أنَّ بعد الموت بعثًا ؟ وأنَّ بعد البعث حسابًا فإما جنة وإما نار ؟
هل تعلمون ..؟ هل تعلمون …؟ آهٍ .. يا ليت قومي يعلمون .
إخوتي في الله ..
إن أول ما ينبغي عليك تعلمه فقه السير إلى الله ، فتعرف السبيل الموصلة إليه جل وعلا كي تمضي فيها ، ومن المعلوم أنَّ كل سبيل لا يخلو من عوائق ، وكل طريق لابد له من نهاية ، ودائمًا تكون الأهداف هي الباعث المحفز للجدية في السير ، فعُلِم من هذا أنَّ مبادئ هذا العلم ثلاثة :
1) معرفة السبيل .
2) معرفة العوائق التي فيه .
3) تعلق القلب بالمقصود .
إخوتاه ..
لقد انشغل الناس عن هذه السبيل ، وشغفوا بالجدل ، وراحوا يخبطون خبط عشواء فيما لم يخلقوا لأجله ، وإذا بالقوم يمتحنون في هذا العلم فيرسبون ، لأنهم اهتموا بالمفضول وتركوا الفاضل ، اهتموا بالتناظر حول المسألة والمسألتين ، ودب الخلاف الذي قطع أواصر الأخوة ، وأتى على بنيان الدعوة من القواعد .
إخوتاه ..
تعالوا لنداوي القلوب السقيمة ، تعالوا نستذكر مسائل هذا العلم الشريف ، تعالوا لنتعلم كيف السبيل إلى رب العالمين .
وأول ذلك أن تعرف حقيقة الدنيا .

حقيقة الدنيا

الدنيا عدوة لله عز وجل ، بغرورها ضل من ضل ، وبمكرها زل من زل ، فحبها رأس الخطايا والسيئات ، وبغضها والزهد فيها أم الطاعات ، وأس القربات ، ورأس المنجيات "
1) الدنيا حقيرة لا تساوي عند الله شيئًا .
قال الله تعالى : " اعلموا أنَّما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور "
أخرج الترمذي في جامعه والضياء في المختارة وصححه الألباني عن سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء " .
ولحقارتها زهدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فشبهها بما تنفر منه السجايا السليمة .
أخرج الإمام أحمد والطبراني والبيهقي وحسنه الشيخ الألباني عن الضحاك بن سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله تعالى جعل ما يخرج من بني آدم مثلا للدنيا " .
وأخرج ابن حبان والطبراني وحسنه الألباني عن أبي بن كعب أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال " إن مطعم ابن آدم قد ضرب مثلا للدنيا و إن قزحه و ملحه فانظر إلى ما يصير " .
قال ابن الأثير في النهاية : قزحه : أي توبله ، من القزح وهو التابل الذي يطرح في القدر .
والمعنى أن المطعم وإن تكلف الإنسان التنوق في صنعته وتطييبه فإنه عائد إلى حال يكره ويستقذر ، فكذلك الدنيا المحروص على عمارتها ، ونظم أسبابها راجعة إلى خراب وإدبار .
وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِالسُّوقِ دَاخِلًا مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ وَالنَّاسُ كَنَفَتَهُ فَمَرَّ بِجَدْيٍ أَسَكَّ مَيِّتٍ فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ ثُمَّ قَالَ : أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ ؟ ‍فَقَالُوا : مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ وَمَا نَصْنَعُ بِهِ . قَالَ : أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ . قَالُوا : وَاللَّهِ لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ عَيْبًا فِيهِ لِأَنَّهُ أَسَكُّ فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتٌ فَقَالَ : فَوَاللَّهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ .
2) الدنيا دار فناء .
إنها إلى زوال ، وكل ما فيها لا يبقى على حال ، نعيمها منغص لأنَّه ناقص ، وما هي إلا أيام معدودات .
قال الله تعالى : " ما عندكم ينفد وما عند الله باق "
في صحيح مسلم عَنْ خَالِدِ بْنِ عُمَيْرٍ الْعَدَوِيِّ قَالَ : خَطَبَنَا عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بِصَرْمٍ ، وَوَلَّتْ حَذَّاءَ ( أي مسرعة ) ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ يَتَصَابُّهَا صَاحِبُهَا ، وَإِنَّكُمْ مُنْتَقِلُونَ مِنْهَا إِلَى دَارٍ لَا زَوَالَ لَهَا ، فَانْتَقِلُوا بِخَيْرِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ ، فَإِنَّهُ قَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْحَجَرَ يُلْقَى مِنْ شَفَةِ جَهَنَّمَ فَيَهْوِي فِيهَا سَبْعِينَ عَامًا لَا يُدْرِكُ لَهَا قَعْرًا ، وَ ـ وَاللَّهِ ـ لَتُمْلَأَنَّ .أَفَعَجِبْتُمْ وَلَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ مَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهَا يَوْمٌ وَهُوَ كَظِيظٌ مِنْ الزِّحَامِ وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ الشَّجَرِ حَتَّى قَرِحَتْ أَشْدَاقُنَا فَالْتَقَطْتُ بُرْدَةً فَشَقَقْتُهَا بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ فَاتَّزَرْتُ بِنِصْفِهَا وَاتَّزَرَ سَعْدٌ بِنِصْفِهَا فَمَا أَصْبَحَ الْيَوْمَ مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا أَصْبَحَ أَمِيرًا عَلَى مِصْرٍ مِنْ الْأَمْصَارِ وَإِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ فِي نَفْسِي عَظِيمًا وَعِنْدَ اللَّهِ صَغِيرًا وَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ نُبُوَّةٌ قَطُّ إِلَّا تَنَاسَخَتْ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَاقِبَتِهَا مُلْكًا فَسَتَخْبُرُونَ وَتُجَرِّبُونَ الْأُمَرَاءَ بَعْدَنَا .
وهكذا كانوا رحمهم الله تعالى يعرفون حقيقة الدنيا وأنها دار خراب لا دار عمران وأن الآخرة هي دار القرار فعمروها وتركوا عمارة الدنيا لأهل الخسران .
قال ثابت البناني : بنى أبو الدرداء مسكنًا ، فمرَّ عليه أبو ذر ، فقال : ما هذا ؟! تعمر دارًا أذن الله بخرابها ؟! لأن تكون رأيتك تتمرغ في عذرة ، أحب إليَّ من أن تكون رأيتك فيما رأيتك فيه .
قال ابن مسعود : من أراد الآخرة أضرَّ بالدنيا ، ومن أراد الدنيا أضرَّ بالآخرة ، يا قوم ، فأضروا بالفاني للباقي .
3) الدنيا سبب الزيغ والضلال
أخرج ابن ماجه وحسنه الشيخ الألباني عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم : " آلفقر تخافون ؟ والذي نفسي بيده لتصبن عليكم الدنيا صبا، حتى لا يزيغ قلب أحدكم إن أزاغه إلا هي ، و أيم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها و نهارها سواء .
فالدنيا كلها فتن لذلك حذرنا الله منها ، لأنها تغوي البشر فيضيعون في التكالب على زخرفها
أخرج الإمام أحمد في مسنده وصححه الشيخ الألباني عن مصعب بن سعد قوله صلى الله عليه وسلم : " احذروا الدنيا فإنها خضرة حلوة " .
وفي الصحيحين عن عمرو بن عوف الأنصاري قال صلى الله عليه وسلم : " فوالله ما الفقر أخشى عليكم و لكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم " .
والناس عادة ما يقعون فريسة النظر إلى من هم أعلى منهم في الدنيا ، وقد يرى أهل الإيمان الكفار يتطاولون في البنيان ، ومن لا يفقه سنن الله الربانية قد يصاب بهزيمة نفسية ، وقد يتطلع بعضنا إلى حضارة الغرب الآن فيحسدهم على ما هم فيه من ترف وثراء ، ويمضي ليحاكيهم في هذه ويترك الأهم .
وقد أعلنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عالية ، شعار حزب الله المفلحين " أما ترضى أن تكون لهم الدنيا و لنا الآخرة ؟ " .
مستحيل
مستحيل •
وللأسف نحن في عصر يقول القائل فيه : من معه دولار أو جنيه فإنه يساوي دولارًا أو جنيهًا ، وهذه من علامات استحواذ الدنيا على الناس ، فصارت هي المعيار والمقياس الذي يقاس به كل واحد .
وصدق رسول الله إذ يقول كما في حديث بريدة الذي أخرجه الإمام أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم في مستدركه وحسنه الشيخ الألباني " إن أحساب أهل الدنيا : الذين يذهبون إليه هذا المال " .
4) الدنيا سبب الهلاك والذل .
حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوقوع في شراك التنافس على المال ، وبين أن هذا كان سبب هلاك الأمم السابقة ، وأنه سبب هلاك أمة الإسلام .
أخرج الطبراني والبيهقي وصححه الشيخ الألباني عن ابن مسعود و أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن هذا الدينار و الدرهم أهلكا من قبلكم و هما مهلكاكم .
وقال بشر الحافي : قل لمن طلب الدنيا تهيأ للذل .
5) الدنيا دار ابتلاء
فالمؤمن يعرف أنها قنطرة إلى الآخرة وأنه لابد من امتحان ليعرف ماذا قدم وليصحح النهج إن أخطأ ، أما الكافر لا يرى سواها فيتكالب عليها ، بل يعبدها .
أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الدنيا سجن المؤمن و جنة الكافر "
وفي مسند الإمام أحمد ومعجم الطبراني ومستدرك الحاكم وصححه الألباني عن أبي مالك الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " حلوة الدنيا مرة الآخرة ، و مرة الدنيا حلوة الآخرة " .
كان الحسن يقول عن الدنيا : خَبَاث ! كل عيدانك مضضنا ، فوجدنا عاقبته مرًا.
تفريغ القلب منها
فإذا كان هذا سمتها حقيرة فانية زائلة مضلة مهلكة مُبلية فما بال قلبك مشغولاً بها ، إنَّ مكانها الحقيقي تحت الحذاء .
لماذا أنت مهموم بها ؟ لماذا تستحوذ على قلبك فلا يعود فيه شيء من طلب الآخرة .
انظر كيف كانت قلوبهم معلقة بالآخرة ، إنهم فطنوا لحقيقة الأمر ، فصارت الدنيا لا تساوي عندهم قيد أنملة .
قيل لبعض السلف : متى يذوق العبد حلاوة الأنس بالله ؟
قال : إذا صفا الود وخلصت المعاملة .
قيل : فمتى يصفو الود ؟ قال : إذا اجتمع الهم في الطاعة .
قيل : فمتى تخلص المعاملة . قال : إذا كان الهم همًا واحدًا .
قيل : بم يتعان على ذلك ؟ قال : بالتحري في المكسب .
قيل : زدني خلالا . قال : كل حلالاً وارقد حيث شئت .
قيل : أين طريق الراحة قال : خلاف الهوى .
قالت امرأة أبي حازم لأبي حازم : هذا الشتاء قد هجم علينا ، ولا بد لنا من الطعام والثياب والحطب .
فقال لها أبو حازم : من هذا كله بد ، ولكن لا بد لنا من الموت ، ثمَّ البعث ، ثمَّ الوقوف بين يدي الله تعالى ، ثمَّ الجنة ، أو النار " .
وكان الإمام أحمد يقول : إنما هو طعام دون طعام ، ولباس دون لباس ، وإنَّما هي أيام معدودات .
قال سليمان بن الأشعث : ما رأيت أحمد بن حنبل ذكر الدنيا قط .
فكانوا لا يبالون بالدنيا ولا بأهلها ، بل كانوا يحقرونها ويسفل عندهم من رضي بها .
قال أبو بكر بن عياش : من عظم صاحب دنيا فقد أحدث حدثًا في الإسلام .
6) ما الدنيا من الآخرة ؟
ولذلك لم يصح أن تعقد المقارنة بين الدنيا والآخرة ، فكل ما في هذه الدنيا لا يساوي أقل القليل من الآخرة .
أخرج الطبراني وصححه الألباني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما أخذ المخيط غمس في البحر من مائه " .
وفي رواية لمستدرك الحاكم وصححها الألباني " ما الدنيا في الآخرة إلا كما يمشي أحدكم إلى اليم فأدخل إصبعه فيه فما خرج منه فهو الدنيا " .
وأيم الله ما الدنيا من الآخرة ، فهل تعلمون ماذا أعد الله لعباده المؤمنين ، هل تعلمون أنَّ فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، فكل ما يخطر ببالك فالأمر بخلاف ذلك .
أخرج الطبراني وصححه الألباني عن سهل بن سعد مرفوعًا " إنَّ في الجنة ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب أحد " .

فيا ليت قومي يعلمون " ما الجنة " ؟

1) هي دار الخلود .
في معجم الطبراني وصححه الألباني عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إن المرد إلى الله إلى جنة أو نار خلود بلا موت و إقامة بلا ظعن "
2) الجنة دار النعيم لا شقاء فيها .
في صحيح البخاري عن أبي هريرة. مرفوعاً " إنَّ رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع فقال له : ألست فيما شئت ؟ قال : بلى ولكن أحب أن أزرع ! فبذر فبادر الطرف نباته واستواؤه و استحصاده فكان أمثال الجبال فيقول الله : دونك يا ابن آدم ! فإنه لا يشبعك شيء .
3) وأعظم من كل ذلك أن أهلها يظفرون بأعظم نعيم حين يرون رب العالمين من كل يوم جمعة الذي يدعى هناك يوم المزيد أما تشتاقون لذلك .
في صحيح مسلم عن أنس مرفوعًا " إن في الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة ، فيها كثبان المسك ، فتهب ريح الشمال فتحثوا في وجوههم وثيابهم ، فيزدادون حسنا وجمالا فيرجعون إلى أهليهم ، و قد ازدادوا حسنا و جمالا فيقول لهم أهلوهم : و الله لقد ازددتم بعدنا حسنا و جمالا فيقولون : وأنتم و الله لقد ازددتم بعدنا حسنا و جمالا .
أخرج الإمام أحمد في المسند وابن ماجه في سننه وابن خزيمه وابن حبان في صحيحيهما عن صهيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا دخل أهل الجنة الجنة و أهل النار النار نادى مناد : يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون : و ما هو ؟ ألم يثقل الله موازيننا و يبيض وجوهنا و يدخلنا الجنة و ينجنا من النار ؟ فيكشف الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه و لا أقر لأعينهم " .
فإنْ سألت عن وصفها .
فلها ثمانية أبواب
أخرج ابن سعد وصححه الألباني عن عتبة بن عبد " الجنة لها ثمانية أبواب والنار لها سبعة أبواب " .
فإن شئت أن تعلم ما وصف تلك الأبواب فانظر شأن مصراعيه .
ففي الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعًا " والذي نفسي بيده إن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر أو كما بين مكة و بصرى "
وأما أرضها فخبزة بيضاء
أخرج أبو الشيخ في العظمة وصححه الألباني عن جابر ‌أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ‌أرض الجنة خبزة بيضاء " .
وفي الجنة أنهار
أخرج الإمام أحمد والترمذي وصححه الألباني عن معاوية بن حيدة مرفوعًا " إن في الجنة بحر الماء ، و بحر العسل ، و بحر اللبن ، و بحر الخمر ، ثم تشقق الأنهار بعد "
وفي الجنة نهر الكوثر الذي أعطاه الله لنبيه
في البخاري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " بينا أنا أسير في الجنة إذ عرض لي نهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف قلت : يا جبريل ما هذا ؟ قال : هذا الكوثر الذي أعطاكه الله ثم ضرب بيده إلى طينه فاستخرج مسكا ثم رفعت لي سدرة المنتهى فرأيت عندها نورا عظيما
وأخرج الشيرازي في الألقاب وصححه الألباني عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أربعة أنهار من أنهار الجنة سيحان و جيحان والنيل و الفرات " وفي الجنة غرفٌ
أخرج الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه وحسنه الألباني عن أبي مالك الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها و باطنها من ظاهرها أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام و ألان الكلام و تابع الصيام و صلى بالليل و الناس نيام .
وفي الجنة شجر عظيم الشان
في الصحيحين عن أنس مرفوعًا " إن في الجنة لشجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع في ظلها مائة عام ما يقطعها " .
في المسند وصحيح ابن حبان وحسنه الألباني عن أبي سعيد الخدري أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : " طوبى شجرة في الجنة مسيرة مائة عام ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها "
أما بيوت الجنة فبناؤها الذهب والفضة
أخرج الإمام أحمد والترمذي وصححه الألباني عن أبي هريرة مرفوعا " الجنة بناؤها لبنة من فضة ، ولبنة من ذهب وملاطها المسك الأذفر وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت وتربتها الزعفران من يدخلها ينعم لا يبأس و يخلد لا يموت لا تبلى ثيابهم ولا يفنى شبابهم " .
وفي الجنة خيام من لؤلؤ .
في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلا للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا .
وفي الصحيحين عن أبي موسى أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الخيمة درة مجوفة طولها في السماء ستون ميلا في كل زاوية منها للمؤمن أهل لا يراهم الآخرون " .
وأزواجك في الجنة لا تسل عن وصفهن
أخرج الطبراني في الأوسط وصححه الألباني عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن أزواج أهل الجنة ليغنين أزواجهن بأحسن أصوات ما سمعها أحد قط إن مما يغنين : " نحن الخيرات الحسان أزواج قوم كرام " ، ينظرن بقرة أعيان ، وإن مما يغنين به : " نحن الخالدات فلا يمتنه نحن الآمنات فلا يخفنه " نحن المقيمات فلا يظعنه .
إخوتاه ..
ولكن الجنة درجات ، وكلٌ بحسب عمله وكسبه
في البخاري ‌عن أبي هريرة مرفوعاً " إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنَّه أوسط الجنة و أعلى الجنة و فوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة.
أخرج الإمام أحمد في مسنده و الترمذي في جامعه وصححه الألباني عن معاذ بن جبل أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ذر الناس يعملون فإن الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء و الأرض و الفردوس أعلاها درجة و أوسطها و فوقها عرش الرحمن و منها تفجر أنهار الجنة فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس " .
وبعد
فهل لما علمتم شأنها شمرتم عن ساعد الجد لتظفروا بها ، أم مازلتم تؤثرون الحياة الدنيا الفانية ، أم مازلتم في الغفلات المهلكة .
هذه الجنة فأين من يعمل لها ؟
هذه الجنة فأين من يهواها ويشتاق لها ؟
فإن ظللتم فيما أنتم فيه من البلاء ، وآثرتم العاجلة على الباقية ، فهل تعلمون إلى أين المصير ؟
هل تعلمون عن جهنم شيئًا ؟

فيا ليت قومي يعلمون " ما النار ؟ "

النار أعاذنا الله وإياكم منها
كان من دعائه صلى الله عليه وسلم : اللهم إني أسألك الجنة و ما قرب إليها من قول أو عمل و أعوذ بك من النار و ما قرب إليها من قول أو عمل و أسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيرا " .
كان مالك بن دينار يقول : لو وجدت أعوانًا لفرقتهم ينادون في سائر الدنيا كلها : أيها الناس ، النار .. النار .
قال عطاء السليمي : إذا ذكرت جهنم ما يسعني طعام ولا شراب .
وكان طاووس يفرش له الفرش ، فيضطجع ويتقلى كما تتقلى الحبة في المقلى ، ثم يثب فيدرجه ويستقبل القبلة حتى الصباح ، ويقول : طيَّر ذكر جهنم نوم الخائفين .
النار .. النار .. وما أدراكم ما النار .
في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها " .

1) أشد ما شعرت به من حر الصيف أو زمهرير الشتاء هذا فقط مجرد نفس من أنفاسها .
في الصحيحين عن أبي هريرة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : " اشتكت النار إلى ربها فقالت : يا رب أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء و نفس في الصيف فهو أشد ما تجدون من الحر و أشد ما تجدون من الزمهرير .
وفي رواية للترمذي وصححها الألباني " فأما نفسها في الشتاء فهو زمهرير وأما نفسها في الصيف فسموم " .
وفي الصحيحين أيضًا عن عبد الله بن عمر أنًّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم "
2) نار الدنيا جزء من سبعين جزءًا منها
في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ناركم هذه التي توقد بنو آدم جزء من سبعين جزءا من نار جهنم قيل : يا رسول الله ! إن كانت لكافية ؟ قال : فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها "
3) أشد ما تجد من شقاء وبلاء لا يقدر بغمسة فيها
في صحيح مسلم عن أنس بن مالك أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في جهنم صبغة ثم يقال له : يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط ؟ هل مر بك نعيم قط ؟ فيقول : لا و الله يا رب و يؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ في الجنة صبغة فيقال له : يا ابن آدم ! هل رأيت بؤسا قط ؟ هل مر بك شدة قط ؟ فيقول : لا و الله يا رب ! ما مر بى بؤس قط و لا رأيت شدة قط .
4) أدنى عذابها
عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنَّ أدنى أهل النار عذابا ينتعل بنعلين من نار يغلي دماغه من حرارة نعليه " .
5) وفيها من يدخل بغير حساب
أخرج الإمام أحمد والترمذي وصححه الألباني عن أبي هريرة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان يبصران وأذنان يسمعان و لسان ينطق يقول : إني وكلت بثلاثة : بكل جبار عنيد ، وبكل من دعا مع الله إلها آخر و بالمصورين " .
6) وهي بالغة العمق
أخرج الترمذي عن عتبة بن غزوان وصححه الألباني : " إنَّ الصخرة العظيمة لتلقى من شفير جهنم فتهوي بها سبعين عاما ما تفضي إلى قرارها "
وأخرج هناد وصححه الألباني عن أنس مرفوعًا " لو أن حجرا مثل سبع خلفات ألقي عن شفير جهنم هوى فيها سبعين خريفا لا يبلغ قعرها " .
سلم يا رب سلم .
7) وهي لا تشبع
قال تعالى : " يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد "
وفي الصحيحين عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تزال جهنم يلقى فيها و تقول : { هل من مزيد } حتى يضع فيها رب العزة قدمه فينزوي بعضها إلى بعض و تقول : قط قط ، وعزتك وكرمك ، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا آخر فيسكنهم في فضول الجنة .
8) لها سبعة أبواب .
قال الله تعالى : " لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم " .
9) طعام أهلها الزقوم وما أدراك ما الزقوم .
أخرج الإمام أحمد والترمذي في جامعه وغيرهما وصححه الألباني عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم فكيف بمن تكون طعامه ؟ " .
أخرج الترمذي عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يلقى على أهل النار الجوع فيعدل ما هم فيه من العذاب فيستغيثون فيغاثون بطعام من ضريع ، لا يسمن ولا يغني من جوع ، فيستغيثون بالطعام فيغاثون بطعام ذي غصة ، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب ، فيستغيثون بالشراب ، فيرفع إليهم الحميم بكلاليب الحديد ، فإذا دنت من وجوههم شوت وجوههم ، فإذا دخلت بطونهم قطعت ما في بطونهم ، فيقولون ادعوا خزنة جهنم فيقولون : ألم تك تأتيكم رسلكم بالبينات . قالوا : بلى . قالوا : فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال . قال : فيقولون : ادعوا مالكا . فيقولون : يا مالك ليقض علينا ربك قال فيجيبهم إنكم ماكثون قال الأعمش نبئت أن بين دعائهم وبين إجابة مالك إياهم ألف عام قال فيقولون ادعوا ربكم فلا أحد خير من ربكم فيقولون ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون قال فيجيبهم اخسئوا فيها ولا تكلمون قال فعند ذلك يئسوا من كل خير وعند ذلك يأخذون في الزفير والحسرة والويل .
إخوتاه ..
ثمَّ ماذا ؟
هل من توبة قبل الموت حتى تأمن شرها ، أخي ابكِ على خطيئتك الآن قبل أن تبكي غدًا دما .
في مستدرك الحاكم وحسنه الألباني عن أبي موسى الأشعري أنَّ النَبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنَّ أهل النار ليبكون حتى لو أجريت السفن في دموعهم جرت و إنَّهم ليبكون الدم " .
إخوتاه ..
اتقوا النار فإنكم لا تدرون ما هي ؟ اتقوا النار فاجعلوا بينكم وبينها سترًا ، قدموا الآن القرابين قبل فوات الأوان .
أخرج الطبراني عن فضالة بن عبيد مرفوعًا " اجعلوا بينكم وبين النار حجابا و لو بشق تمرة " .


=======
لواء التوحيد
لواء التوحيد •
بارك الله فيك على الجهد المبذول
مستحيل
مستحيل •

**محاضرة ( هكذا علمتني الحياة 2)
فضيلة الشيخ / علي عبد الخالق القرني
==========================


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الواحد الأحد، تعالى عن الشريك والصاحبة والولد.
نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه.
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول، وفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا.
اللهم اجزه عنا أفضل ما جزيت نبيا عن أمته وأعلي على جميع الدرجات درجته واحشرنا تحت لوائه وزمرته وأوردنا حوضه في الآخرة.
اللهم لا تجعل لقلوبنا الآن حوضا ترده إلا كتابك وسنة نبيك (صلى الله عليه وسلم) أفضل صلاة وأتم سلام وأكمله وأعلاه.
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين.
اللهم وبغض إلى قلوبنا البدعة والمبتدعين، وأرنا الحق حقا والباطل باطلا ووفقنا لأتباع الحق والعمل به والدعوة إليه والصبرَ على الأذى فيه ابتغاء وجهك وطلب مرضاتك.
( رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ* رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ). ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً). سلام عليكم ورحمته وبركاته، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعنا وإياكم على الإيمان والذكر والقرآن، وأن يجعل آخر كلامنا من الدنيا لا إله إلا الله.
ثم يجمعنا أخرى سرمدية أبدية في دار قصورها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها.
أحبتي في الله:
لقائنا الليلة يتجدد مع الجزء الثاني من محاضرة هكذا علمتني الحياة.
لكم غنم هذه المحاضرة وعلي غرمها، لكم صفوها وعلي كدرها.
هذه بضاعتي وإن كنت قليل البضاعة تعرض عليكم، وهذه بنات أفكاري تزف إليكم، فإن صادفت قبولا فإمساك بمعروف، وإن لم يكن فتسريح بإحسان والله المستعان.
ما كان من صواب فمن الله الواحد المنان.
وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان والله بريء منه ورسوله والله المستعان.
وأنا العبد الفقير القليل الضعيف المهوان نُبذ مما سنح لي من المعارف تحت ظل العقيدة.
أسأل الله أن يجعلها لي ولكم ذخرا ليوم تتقلب فيه القلوب والأبصار.
وأسأله أن يجعلها من صالحات الأعمال وخالصات الآثار وباقيات الحسنات إلى آخر الأعمار. رباه،رباه:
يظن الناس بي خيرا وإني....... لشر الناس إن لم تعفو عني
وما لي حيلة إلا رجائي ........وعفوك إن عفوت وحسن ظني
اللهم اجعلني خيرا مما يظنون، وأغفر لي ما لا يعلمون، وهكذا علمتني الحياة:

علمتني الحياة في ظل العقيدة إنه لا خيرَ ولا أفضل ولا أجملَ ولا أحسنَ من كلمةٍ طيبة:
)أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ* تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ). أخي: إن البر شيء هين..........وجه طليق وكلام لين
هاهو أعرابي كما يروى يدخل على رسولِ الله (صلى الله عليه وسلم) وهو بين أصحابه:
فيمسكه بتلابيبه ويهزَه ويقول:
أعطني من مالِ اللهِ الذي أعطاك لا من مالي أبيكَ ولا من مالِ أمِك.
فيقومُ صحابةُ رسولِ الله (صلى الله عليه وسلم) يريدون أن يؤدبوا من يعتدي على شخصِ محمدٍ (صلى الله عليه وسلم) فيقول عليه الصلاة والسلام:
على رسلِكم المالُ مالُ الله، أو كما قال (صلى الله عليه وسلم).
ثم يأخذُ هذا الأعرابيُ يداعبُه ويلاطِفُه، ويذهبُ به إلى بيتِه (صلى الله عليه وسلم) فيقول:
خذ ما شئت ودع ما شئت.
لكن ماذا يأخذ من بيتِ محمدٍ (صلى الله عليه وسلم) ؟
بيتٌ لا توقدُ فيه النارِ شهرينِ ولا ثلاثةَ أشهر، بيتٌ لم يشبعَ أهلُه من خبزِ الشعير، ولم يشبع من دقل التمر ورديء التمرِ، بيتُ يأتي السائلُ يسأل فلا يوجد يوم من الأيام في بيته إلا عنبة، وفي يوم من الأيام لا يوجد في بيته (صلى الله عليه وسلم) سوى تمرة واحدة، لكنه خيرُ بيتٍ وجدَ على ظهرِ الأرضِ بأبي وأمي صاحبُ ذاك البيت (صلى الله عليه وسلم).
ما ملك الأعرابيُ إلا أن قال: أحسنتَ وجزاك الله من أهلٍ وعشيرةٍ خيرا.
قال عليه الصلاة والسلام:
إن أصحابي قد وجدوا عليك أو كما قال (صلى الله عليه وسلم)، فأخرج إليهم وقل لهم ما قلتَ لي الآن، فخرجَ وجاء إليهم فقال (صلى الله عليه وسلم) هل أحسنتُ إليكَ يا أعرابي؟ قال نعم وجزاك الله من أهلٍ وعشيرةٍ خيرا، أشهدُ أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم).
فقال (صلى الله عليه وسلم):
إنما مثلي ومثلكم و مثل هذا الأعرابي كرجل كانت له دابة، فنفرت منه فذهب يطاردها، فجاء الناس كلهم وراءه يطاردون فما ازدادت الدابة إلا نفارا وشراد، فقال دعوني ودابتي أنا أعلم بدابتي، فأخذ من خشاش الأرض ولوح به لهذه الدابة فما كانت منها إلا أن انساقت إليه وجاءت إليه فأمسك بها، أما إني لو تركتكم على هذا الأعرابي لضربتموه فأوجعتموه فذهب من عندِكم على كفرهِ فماتَ فدخل النار.
أريتم إلى الكلمةِ الطيبةُ يا أيها الأحبة، فلا إله إلا الله لا أفضلَ من دفعِ السيئةِ بالحسنة، إنها آسرةُ القلوبِ والأرواح، إنها مستلةُ الأضغانِ والأحقاد والسخائم من القلوب.
)وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ). المؤمنُ الحق يا أيها الأحبة كالشجرةِ المثمرةِ كلما رُجِمت بالحجارةِ أسقطت ثمراً طيبا.
فيا له من قمة ويا لها من مُثل.
هاهوَ يهوديُ معه كلبُ، واليهود لطالما استفزوا المسلمين يريدون أن يوقعوهم في شركهم، يمرُ على إبراهيمَ ابن أدهم – عليه حمة الله - ذلكم المؤمنُ فيقولُ لهُ:
ألحيتُك يا إبراهيم أطهرُ من ذنبِ هذا الكلب، أم ذنبُ الكلبِ أطهرُ من لحيتِك ؟
فما كان منه إلا أن قال بهدوءِ المؤمنِ الواثقِ بموعود الله عز وجل:
إن كانت في الجنةِ لهيِ أطهرُ من ذنبِ كلبك، وإن كانت في النارِ لذنبُ كلبيكَ أطهرُ منها.
فما ملك هذا اليهوديُ إلا أن قال:
أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، والله ما هذه إلا أخلاقُ الأنبياء.
) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ* وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ). أقولُ هذا لعموم الناس، أما نحن الدعاة ونحن طلبة العلم والمفترض في الحاضرين أن يكونوا طلبة علم، ليس لنا أن ننـزل عن مستوى دعوتنا إلى التراشقِ برديءِ الكلام.
ليس لنا أن ننزل إلى سفاسف الأمور ولو حاول غيرنا جرنا إلى هذه الأمور.
يكن تحركنا ذاتيا، فلا يحركنا غيرنا لأن لا نستجر إلى معارك وهمية خاسرة ولا شك، ثم علينا أن لا نغضبَ لأنفسِنا بل علينا أن نسموَ بأنفسِنا عن كلِ بذيءٍ وعن كلِ ساقط.
لو كل كلب عوى ألقمته حجرا.......لأصبح الصخر مثقالا بدينار
ومن عاتب الجهال أتعب نفسه....... ومن لام من لا يعرف اللوم أفسد
ليس معنى ذلك أن نستسلم فلا ندافع، لكن المدافعة أحيانا يا أيها الأحبة تكون بالسكوت.
والمدافعة أحيانا تكون بالاختفاء.
والمدافعة أحيانا تكون بالإعراض عن الجاهلين.
في يوم أحُد وما أدراكم ما يوم أحُد، يوم أصاب المسلمين ما أصابهم، نادى أبو سفيان، ولا زال مشركا رضي الله عنه وأرضاه، قال:
هل فيكم محمد ؟
فلم يرد عليه (صلى الله عليه وسلم) ولم يأمر أحدا بالرد.
هل فيكم أبو بكر، هل فيكم عمر؟
فلم يجبه أحد مع أن الجواب قد كان أغيظ له، لكن الموقف كان يستلزم السكوت من باب قول القائل:
إذا نطق السفيه فلا تجبه........ فخير من إجابته السكوت
فإن كلمته فرجت عنه......... وإن خليته كمدا يموت
ومن باب قول الآخر:
والصمتُ عن جاهلٍ أو أحمقٍ شرفُ....... وفيه أيضاً لصونِ العرض إصلاحُ
أما ترى الأسدَ تخشى وهي صامتةٌ ........ والكلبُ يخزى لعمرُ اللهِ نباحُ
وهاهوَ الإمامُ أحمد عليه رحمةُ الله في مجلسه وبين تلاميذه، ويأتي سفيهُ من السفهاء، فيسبُه ويشتُمه ويقذعه بالسب والشتم، فيقولُ له طلابُه وتلاميذُه:
يا أبا عبد الله رد على هذا السفيه، قال لا والله فأينَ القرآنُ إذاً:
)وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً). إذ سبني نذلٌ تزايدتُ رفعةً .......... وما العيبُ إلا أن أكونَ مساببُه
ولو لم تكن نفسي عليَ عزيزةً ....... لمكنتُها من كـلِ نذلٍ تحاربُه
هاهوَ مصعبُ ابنُ عميرٍ رضي اللهُ عنه سفيرُ الدعوةِ الأولُ إلى المدينةِ النبوية، يأتيهِ أسيدُ أبنُ حضيرٍ بحربته وهو لا يزالُ مشركاً، فيقول لمصعبُ :
ما الذي جاءَ بك إلينا تسفهُ أحلامنَا وتشتمُ آلهتَنا وتضيعَ ضعفائَنا ؟
اعتزلنا إن كنتَ في حاجةٍ إلى نفسِك و إلا فاعتبر نفسَك مقتولاَ.
فما كان من مصعب بهدوءِ المؤمنِ الواثقِ بموعودِ الله وبنصر الله لهذه الدعوة إلا أن قال له في كلماتٍ هادئة:ٍ أو تجلسُ فتسمع، فإن رضيتَ أمرَنا قبِلته، وإن كرهتَهُ كففنا عنكَ ما تكره.
قال: لقد أنصفت.
وكانَ عاقلاً لبيبا، فكلمه مصعبُ رضي الله عنه عن الإسلام وقرأ عليه القرآن فتهللَ وجهُه وبرقت أساريرُه وجهه واستهل وجهه ثم قال:
كيفَ تصنعونَ إذا أردتم الدخولَ في هذا الدين ؟
جاءَ ليقتلَه والآن يريدُ أن ينهلَ من ما نهلَ مه مصعب.
قال اغتسل وتطهر وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسوله (صلى الله عليه وسلم).
أسلم الرجل وفي نفس الوقت أصبح داعية، قول:
إن ورائي رجلا إن اتبعكم لم يتخلف عنه أحد من قومه هو سعد أبن معاذ.
وذهب إلى هذا الرجل واستفزه بكلمات معينة فجاء هذا يركض إلى مصعب ويقول:
إما أن تكف عنا وإما أن نقتلك.
قال أو تجلس فتسمع فإن رضيت أمرنا قبلته وإن لم ترضه كففنا عنك ما تكره، فجلس.
فقام يخبره عن الإسلام ويبين له هذا الدين فما كان منه إلا أن استهل وجهه وبرقت أسارير وجهه وقال: كيف يفعل من يريد الدخول في هذا الدين؟
قالوا اغتسل وتطهر وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
ففعل، ثم خرج من توه داعية إلى قومه، فذهب إلى بني عبد الأشهل وقال:
كيف تعلمون أمري فيكم ؟ قالوا سيدنا وأفضلنا رأي وخيرنا وأيمننا.
قال فإن كلامكم علي حرام رجالكم والنساء حتى تأمنوا بالله الذي لا إله إلا هو وتصدقوا برسالة محمدا (صلى الله عليه وسلم).
يقول فلم يبقى رجل ولا امرأة في تلك الليلة إلا مسلم أو مسلمة.
فلا إله إلا الله الكلمةَ الطيبةَ، الإحسانَ الإحسان والله يحبُ المحسنين.
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ........ لطالما ما ملك الإنسان إحسان

علمتني الحياة في ظل العقيدة أن الاجتماع والمحبةَ بين المؤمنين قوةً، وأن التفرُقَ والتشتتَ ضعفٌ، فإن الإنسانَ قليلٌ بنفسهِ كثيرٌ بإخوانه.
وما المرء إلا بإخوانه............. كما تقبض الكف بالمعصم
ولا خير في الكف مقطوعة...... ولا خير في الساعد الأجذم
يقولُ عمرُ رضي اللهُ عنه وأرضاه:
ما أعطيَ عبدُ بعد الإسلامِ خيرٌ من أخٍ صالحٍ يذكرُه بالله، فإذا رأى أحدُكم من أخيه وداً فليتمسك به.
تمسك به مسك البخيل بماله....... وعض عليه بالنواجذ تغنم
ويقولُ الحسنُ عليه رحمةُ الله:
إخوانُنا أحبُ إلينا من أهلِنا و أولادِنا، لآن أهلُنا يذكروننا بالدنيا وإخوانُنا يذكرُننا بالآخرة، ويعنوننا على الشدائد في العاجلة.
إن يختلف نسبٌ يؤلفُ بيننا ...... .ديننا أقمناه مقامَ الوالدِ
أو يختلف ماء الوصالِ فماؤنا....... عذبُ تحدر من غمامٍ واحدِ
يقولُ عمرُ رضي الله عنه:
واللهِ لو لا أن أجالس اخوةً لي ينتقونَ أطايبَ القول كما يلتقط أطايبُ الثمر لأحببتُ أن ألحق بالله الآن.
وها هي جماعة من النمل تصادف بعيرا فيقول بعضها:
تفرقنا عنه لا يحطمكن بخفه، فقالت حكيمة منهن اجتمعن عليه تقتلنه.
تأبى الرماح إذا اجتمعنا تكسرا...... وإذا انفردنا تكسرت أحاد
بنيانُ واحد، جسدُ واحد، أمةٌ واحدة.
لو كبرت في جموعِ الصينِ مإذنةٌ ......... سمعتَ في الغربِ تهليلُ المصلينَ
)وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا).