دافديل
•
___________________________________
دافديل
•
3
في مساء الغد ضمّتنا جلسة حميمية .. أمي وأبي وأريج وأنا ..
نستمتع سويّاً بشرب الشاي وتبادل النقاشات والأحاديث التي تطرق أذهاننا فنستضيفها بحفاوة ونكرمها طرحاً ..
مستقبلي الجامعيّ محور الحديث , قاربتُ على نهاية عامي الثالث في الثانوية والتفكير على أشدّه ..
- نورة , هل وضعتِ في ذهنكِ أي تخصص ستدخلين ؟
- اممم , فكّرتُ طويلاً في هذا الشأن
- وماذا أخرج لنا تفكيركِ الطويل ؟
- خَرج يرتدي معطفاً ابيض , أريد الطبّ =)
- الطب !! .. ولمَ أنصرف تفكيركِ لهذا ؟
- عدّة أسباب صرفته , فحبّي للطب وحلمي منذ الطفولة أن أكون
طبيبة أشعلا رغبتي به
ثمّ إني أذهب كثيراً مع أمّي للمستشفى , وأحس بمدى حرجها واستياءها حين لا يوجد إلا رجل
يعمل على علاجها , أرى بعينيّ كيفَ تنتفض وتخرج وكأنها ليست صاحبة الموعد
وتتحمل وجع جسدها على أن يكشف عليها الطبيب , سأكون بدلاً منه وتأتي
إليّ أمي تطرح وجعها بدل أن تعود به مضاعفا ..
أثناء انسجامنا رنّ جهازي مخبراُ إياي أن هناك ثمّة متصل. . وكانت ابنة عمّتي فلم أشأ أن أدعها ,
استأذنت أهلي ورددت ..
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
- وعليكم السلام
- أهلاً ابنة عمّتي , أخباركِ اليوم ؟
- الحمدلله , نورة أنتِ من أرسل لي رسالةً البارحة ؟
- نعم أرسلتُ لكِ
- سأقول لكِ شيئاً وأغلق المحادثة لن أطيل
- تفضّلي ..
- اسمعيني جيّداً , لباسكِ أنتِ حرّة فيه افعلي ما شئتِ
لكن لباس الناس لا شأن لكِ فيه !! .. لا تتدخلي فيما لا يعنيكِ
- " في أحايين الدهشة بالكاد أخرج الحرف " ! .. عفواً , ليس تدخلاً .. نصيحة فقط !
- ليس من شأنكِ , هذا غّيرَ أني أكبركِ بكثير .. وتنصحينني ؟!
- " أخ مؤلمةٌ غصة العَبَرات " أكبر منّي عمّتي ملءُ عينيّ تقديراً ..
وأخشى عليكِ مما لا يحمد عقباه هذا واجبي تجاه من أحبّ
- وصلكِ ما أعني ..|
وانقطع الاتصال !!
ألقيت الهاتف جانباً وأخفيت وجهي بين كفّي وشرعتُ أبكي .. والشهقات تتوالى ..
أمّي وأبي وأريج .. لم يكن أحد يدري ما يجري .. ومع أي ابنة عمّة كنتُ أتحدّث
لم يسألني أحد , لأني حتى لو سُئلت فلن أجيب .. لا تستطيع كلمة واحدة
أن تخرج سليمة وتُزاحِم تتابع الغصّات في حلقي .. لا يتسع الحديث وقتها إلا للدموع ..
تداركت نفسي ورحتُ أتوضّأ أهدئ من لهيب الصدمة والحسرة , صلّيت ركعتين
غسلت دموعي فيهما ما كان بي من رَوْع
في الأسفل الكلّ مندهش لا يدري ما حصل .. أخذت أريج جهاز هاتفي واطّلعت
على " المكالمات المستلمة " ثم ذهبت إلى رسائلي المرسلة ..
- نورة أرسلت رسالة لابنة عمّتي البارحة على ما يبدو تنصحها
- ليس لها وحسب .. أرسلت للأغلب ! " كنتُ أنزل للصالة حينها "
ناولتُ أبي الجهاز ليقرأ رسالتي ثم قرأتها أمي ..
- أخبروني , هل كنتُ مخطئة في شيء ؟ .. هل هناك ما يدلّ على احتقاري لها أو إنزالي لشأنها ..
أم أنّ المفاهيم تبدّلت فأصبح من هو أكبر منّي لا يجوز لي نصحه ولو كان سيقع في هاوية !!
بادرني أبي : لا لم تفعلي شيئاً خاطئاً يا ابنتي , حتّى في حديثكِ معها قبل قليل كنتِ مهذّبة ..
لكن ربّما هي تشعر أنكِ جرحتها وهذه مشكلة لديها هي ولا تعني أنكِ أخطأتي
ثم قالت أريج : أنتِ تعرفينها .. أتذكرين عندما حدّثتها أمّي عن النغمة الموسيقية لجهازها وكيف كان ردّها السيء على أمّي !
ما تجلّى أمام عينيّ إلا قوله تعالى :
" وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا
قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ "
استعذت بالله ربّي .. لن يمنعني ذلك من نصحها وإن أخطأت سأعاود نصحها ..
,
بعد أقل من شهرين أصبحتِ الاختبارات النهائية تلوح ..مضت السنين هنا واحدة تجرّ الأخرى
ما عملت من خير لي وما عملت من شرّ علي .. قاربت اختباراتي المدرسّية الأخيرة..
يالله ..
الأيام تتوالى ونقطع عمراً لسنا آبهين به .. لا ينتظر أن نأبه !
بعد ثلاثة أسابيع قضيتها جدّاً أفرغتُ فيها كلّ ما اختزنته لأيامٍ كهذه ..
أصبحتُ خريّجة الثانوية بشهادة " ترفع الرأس " كما يفرحُ بها أبي .. أهّلت حلمي الطبّي للصعود أعلى القمّة وفي مقدّمة الآراء
لم أجد معارضة كبيرة من أهلي الكلّ مؤيد لي أو ذا رأي حياديّ ..
استخرتُ كثيراُ ربّي أعلم بي من نفسي وأرحم بي من أحلامي .. دعوتُه أن يجعل لي الخير أينما كان
ويصرفني عن الشرّ ويصرفه عنّي ..
حتى كنتُ بعد شهرين من ضبط الأعصاب والتوتر ..
" طالبةَ كلّية الطب " ..
,.
الأيام تزدحم بالكاد ألتقط النَفس .. هذا ونحن لم نتخصص بعد , ما زلتُ في سنتي التحضيرية الأولى
المحاضرات تمتدّ إلى ما بعد العصر والمواد تشتدّ وطأتها على الذهن .. رحم الله أيام الثانوية !
في إحدى المحاضرات ذات الطابع الدسم .. كنت منصتة أحاول جمع أكبر قدرٍ مما يُطرح وأفهمه سقطت عيني على كرّاس من بجانبي ,
أحسست أن الاسم المدوّن أعلاه لم يكن غريباً أبداُ ..
أحسه يطرق سمعي كثيراً لكن أين ؟ .. قطعتُ تفكيري سريعاُ لأعود لسابق حالي
فليس هذا الوقت بوقت صرف ذهن !
انتهت المحاضرة .. لملمت أغراضي وخرجت ..
حينَ رأيتَها وقفز اسمها على لساني .. صاحبة الاسم قبل قليل هاهي لم أكن أخطئ بمعرفتها .. تقدّمت خطوة لألحق بها ..
ثم أخّرتها حين مرّت بذهني أيام المناقشات الساخنة وتضارب الأفكار ..
أأذهب أم أتركها ؟!
أخيراً حسمت مسألتي
وتقدّمت قبل أن تبتلعها ممرات المبنى
في مساء الغد ضمّتنا جلسة حميمية .. أمي وأبي وأريج وأنا ..
نستمتع سويّاً بشرب الشاي وتبادل النقاشات والأحاديث التي تطرق أذهاننا فنستضيفها بحفاوة ونكرمها طرحاً ..
مستقبلي الجامعيّ محور الحديث , قاربتُ على نهاية عامي الثالث في الثانوية والتفكير على أشدّه ..
- نورة , هل وضعتِ في ذهنكِ أي تخصص ستدخلين ؟
- اممم , فكّرتُ طويلاً في هذا الشأن
- وماذا أخرج لنا تفكيركِ الطويل ؟
- خَرج يرتدي معطفاً ابيض , أريد الطبّ =)
- الطب !! .. ولمَ أنصرف تفكيركِ لهذا ؟
- عدّة أسباب صرفته , فحبّي للطب وحلمي منذ الطفولة أن أكون
طبيبة أشعلا رغبتي به
ثمّ إني أذهب كثيراً مع أمّي للمستشفى , وأحس بمدى حرجها واستياءها حين لا يوجد إلا رجل
يعمل على علاجها , أرى بعينيّ كيفَ تنتفض وتخرج وكأنها ليست صاحبة الموعد
وتتحمل وجع جسدها على أن يكشف عليها الطبيب , سأكون بدلاً منه وتأتي
إليّ أمي تطرح وجعها بدل أن تعود به مضاعفا ..
أثناء انسجامنا رنّ جهازي مخبراُ إياي أن هناك ثمّة متصل. . وكانت ابنة عمّتي فلم أشأ أن أدعها ,
استأذنت أهلي ورددت ..
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
- وعليكم السلام
- أهلاً ابنة عمّتي , أخباركِ اليوم ؟
- الحمدلله , نورة أنتِ من أرسل لي رسالةً البارحة ؟
- نعم أرسلتُ لكِ
- سأقول لكِ شيئاً وأغلق المحادثة لن أطيل
- تفضّلي ..
- اسمعيني جيّداً , لباسكِ أنتِ حرّة فيه افعلي ما شئتِ
لكن لباس الناس لا شأن لكِ فيه !! .. لا تتدخلي فيما لا يعنيكِ
- " في أحايين الدهشة بالكاد أخرج الحرف " ! .. عفواً , ليس تدخلاً .. نصيحة فقط !
- ليس من شأنكِ , هذا غّيرَ أني أكبركِ بكثير .. وتنصحينني ؟!
- " أخ مؤلمةٌ غصة العَبَرات " أكبر منّي عمّتي ملءُ عينيّ تقديراً ..
وأخشى عليكِ مما لا يحمد عقباه هذا واجبي تجاه من أحبّ
- وصلكِ ما أعني ..|
وانقطع الاتصال !!
ألقيت الهاتف جانباً وأخفيت وجهي بين كفّي وشرعتُ أبكي .. والشهقات تتوالى ..
أمّي وأبي وأريج .. لم يكن أحد يدري ما يجري .. ومع أي ابنة عمّة كنتُ أتحدّث
لم يسألني أحد , لأني حتى لو سُئلت فلن أجيب .. لا تستطيع كلمة واحدة
أن تخرج سليمة وتُزاحِم تتابع الغصّات في حلقي .. لا يتسع الحديث وقتها إلا للدموع ..
تداركت نفسي ورحتُ أتوضّأ أهدئ من لهيب الصدمة والحسرة , صلّيت ركعتين
غسلت دموعي فيهما ما كان بي من رَوْع
في الأسفل الكلّ مندهش لا يدري ما حصل .. أخذت أريج جهاز هاتفي واطّلعت
على " المكالمات المستلمة " ثم ذهبت إلى رسائلي المرسلة ..
- نورة أرسلت رسالة لابنة عمّتي البارحة على ما يبدو تنصحها
- ليس لها وحسب .. أرسلت للأغلب ! " كنتُ أنزل للصالة حينها "
ناولتُ أبي الجهاز ليقرأ رسالتي ثم قرأتها أمي ..
- أخبروني , هل كنتُ مخطئة في شيء ؟ .. هل هناك ما يدلّ على احتقاري لها أو إنزالي لشأنها ..
أم أنّ المفاهيم تبدّلت فأصبح من هو أكبر منّي لا يجوز لي نصحه ولو كان سيقع في هاوية !!
بادرني أبي : لا لم تفعلي شيئاً خاطئاً يا ابنتي , حتّى في حديثكِ معها قبل قليل كنتِ مهذّبة ..
لكن ربّما هي تشعر أنكِ جرحتها وهذه مشكلة لديها هي ولا تعني أنكِ أخطأتي
ثم قالت أريج : أنتِ تعرفينها .. أتذكرين عندما حدّثتها أمّي عن النغمة الموسيقية لجهازها وكيف كان ردّها السيء على أمّي !
ما تجلّى أمام عينيّ إلا قوله تعالى :
" وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا
قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ "
استعذت بالله ربّي .. لن يمنعني ذلك من نصحها وإن أخطأت سأعاود نصحها ..
,
بعد أقل من شهرين أصبحتِ الاختبارات النهائية تلوح ..مضت السنين هنا واحدة تجرّ الأخرى
ما عملت من خير لي وما عملت من شرّ علي .. قاربت اختباراتي المدرسّية الأخيرة..
يالله ..
الأيام تتوالى ونقطع عمراً لسنا آبهين به .. لا ينتظر أن نأبه !
بعد ثلاثة أسابيع قضيتها جدّاً أفرغتُ فيها كلّ ما اختزنته لأيامٍ كهذه ..
أصبحتُ خريّجة الثانوية بشهادة " ترفع الرأس " كما يفرحُ بها أبي .. أهّلت حلمي الطبّي للصعود أعلى القمّة وفي مقدّمة الآراء
لم أجد معارضة كبيرة من أهلي الكلّ مؤيد لي أو ذا رأي حياديّ ..
استخرتُ كثيراُ ربّي أعلم بي من نفسي وأرحم بي من أحلامي .. دعوتُه أن يجعل لي الخير أينما كان
ويصرفني عن الشرّ ويصرفه عنّي ..
حتى كنتُ بعد شهرين من ضبط الأعصاب والتوتر ..
" طالبةَ كلّية الطب " ..
,.
الأيام تزدحم بالكاد ألتقط النَفس .. هذا ونحن لم نتخصص بعد , ما زلتُ في سنتي التحضيرية الأولى
المحاضرات تمتدّ إلى ما بعد العصر والمواد تشتدّ وطأتها على الذهن .. رحم الله أيام الثانوية !
في إحدى المحاضرات ذات الطابع الدسم .. كنت منصتة أحاول جمع أكبر قدرٍ مما يُطرح وأفهمه سقطت عيني على كرّاس من بجانبي ,
أحسست أن الاسم المدوّن أعلاه لم يكن غريباً أبداُ ..
أحسه يطرق سمعي كثيراً لكن أين ؟ .. قطعتُ تفكيري سريعاُ لأعود لسابق حالي
فليس هذا الوقت بوقت صرف ذهن !
انتهت المحاضرة .. لملمت أغراضي وخرجت ..
حينَ رأيتَها وقفز اسمها على لساني .. صاحبة الاسم قبل قليل هاهي لم أكن أخطئ بمعرفتها .. تقدّمت خطوة لألحق بها ..
ثم أخّرتها حين مرّت بذهني أيام المناقشات الساخنة وتضارب الأفكار ..
أأذهب أم أتركها ؟!
أخيراً حسمت مسألتي
وتقدّمت قبل أن تبتلعها ممرات المبنى
الصفحة الأخيرة