على رصيفها الذي اعتمرت ناصيته كانت تخفي نفسها وراء عباءتها السوداء، تخشى أن يتعرف عليها أحد، تمد قطعة قماش تنثر عليها ما حملته من البضائع وتجلس خلفها تنظر إلى الغادي والقادم، لعلها تجد من يشتري أشياءها، تصبر نفسها وتصبرها نفسها وليتها تسلم، فإن سلمت برد الشتاء وحر الصيف لا تسلم أذى البشر.
مرمية هي في الطرقات، لا حول لها ولا قوة اختزلت أحلامها في يد طفل تمتد إليها بقطعة نقدية ليشتري بها كيس بطاطس أو لعبة ما.
من أولئك النسوة؟! ولما يفترشن الأرض في حر الصيف وبرد الشتاء، في وهج الشمس وسواد الليل؟!
لم يظهر منها إلا كفيها التي تخبرك ببساطة عن عدد سنين عمرها، امرأة عجوز تجلس بسكينة، وأمامها مجموعة من أكياس البطاطس وتسالي للأطفال ومرطبات، تقول: أمضي بخطواتي الثقيلة باحثة عن مكان أجلس فيه مع بضاعتي، تمر الأيام بي دون أن أشعر بها، تأخذني الأفكار هنا وترميني هناك، وحيدة أنا.. مضت سنيني ولم أتزوج، فقدت أبواي، أخوة ناءوا بتحملي فأنصتوا إلى زوجاتهم اللاتي لم يرغبن بوجودي بينهن، رأيت من الذل والإهانة ما دفعني لأبحث عن عمل شريف أسترد فيه كرامتي الضائعة أياً كانت صعوبته.. ولا تستغربي إن أخبرتك أني وجدت الحنان في الشوارع والطرقات في حين فقدتها في بيوتهم. وهذه هي السنة العاشرة من عمري أمضيها على هذه الحال. اعتدت الطريق واعتادتني الأرصفة.
وللحديث بقية ............