::
وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ
إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ
وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
::
إنها فرحة محمود..هو رجل طويل،وسيم، أسمر ، عيناه واسعتان،وفي الأربعينيات من عمره .. يجلس على الأريكة و بجانبه عروسه " سمية ", رائعة الجمال, شعرها أشقر, عيناها خضراء ، ناعمة رقيقة،جميلة أنيقة,تجلس كأميرة،هي أصغر من محمود بثلاث سنين.
لكنها لم تكن فرحة الطفلين جمال و معتز،فجمال ابن العروس سمية، في الثالثة عشر من عمره،له وجه مائلٌ للاستطالة أشقر وعيناه زرقاوان،و يرتدي نظارة دائرية، ضعيف البنية من يراه يحسبه في العاشرة لصغر حجمه، يجلس منكمشا حزيناً،و يختلس النظر حيناً ليرى أمه العروس الجميلة و ينظر إلى الرجل الجالس بجوارها، الذي يمسك يدها اليمنى و يلف يده الأخرى حول كتفها، فيطأطئ جمال رأسه..هو يشعر بالغيظ من هذا الرجل الغريب الذي قد أخذ أمه, كيف له أن يصبر على رؤيتها بين يديه؟ هو يغضب حيناً و يلومها حيناً أخرى، يحسب حساب متاهة المجهول التي قد دخل فيها مع هذا الرجل الذي سيكفله ويحتويه،بل ربما سيحتويه، و ربما سيتخلى عنه ،فإذا كان الأب قد تخلى فكيف بزوج أمه.
و بجانب جمال "معتز" ابن محمود. معتز قوي البنية واثق من نفسه معتد بشخصيته مرح و لكنه يلقى الكلمات كصاعقة ، لا يلقي لها بالاً,أتجرح أم تُفرح، من يراه يظنه أكبر من جمال لكنه أصغر بسنه يتهيأ للمعركة و يفكر: لا بد أن أربح المعركة التي بيني و بين هذه المرأة و ابنها..لن أسمح لهما بسرقة قلب أبي .. سيعرف أبي أن أمي رحمها الله هي الأفضل، وأن أختي رحمها الله لا تُنسى.
فظل صامتاً يحيك المعارك في عقله و يفكر كيف سيربحها ... ثم بدأ المعركة و قال: أتعلمين؟
ابتسمت سمية و قالت: نعم؟
معتز : إن هيأتك أنت و ابنك مثل الذي خرج من مجاعة ؟
محمود(حازماَ): معتز...
سمية ابتسمت إبتسامه مغتصبة و لم تعلّق...أما جمال فاكتفى بأن يدير وجهه و لا ينظر إلى معتز..الذي آثر الصمت يتهيأ لمعركة جديدة.
نظر محمود إلى جمال وقال في ابتسام: هل أعجبك منزلك الجديد؟ و هل أعجبتك غرفتك ؟
أمسك طرف نظارته ليعدل وضعيتها بتوتر وقال باستكانة و خضوع: نعم يا عم .
معتز يفكر: يتمسكن...حتى يتمكن..
محمود : قم و رتب ملابسك... هيا يا ولدي اذهب الآن .
نظر إلى أمه نظرة وداع و انصرف ببطء و بخطوات متثاقلة كأنها خطوات عجوز في التسعين
محمود : مار أيك يا معتز أن تساعد جمال ليكتشف غرفته الجديدة، و تساعده في ترتيب أغراضه؟
معتز : لا ..أنا لا أعرف كيف أرتب الملابس، كانت أمي رحمها الله من ترتب..
محمود :رحمها الله ..ما رأيك أن تتعلم منه؟
معتز على مضض:طيب.. هناك أمر أهم أريد أن أعلمه و أتأكد منه أولا.
محمود : هو ؟
معتز: هل هذه المرأة شقراء حقاً أم تصبغ شعرها ؟
سمية(ابتسمت ابتسامة صفراء) : هو كذلك .
معتز: هممممممم تشبهين ماري أنطوانيت.
محمود متجاهلا تعليق معتز: اذهب و أخبر جمال عن مكان الألعاب التي أحضرتها لكما.
أراد أن يتكلم فقال الأب : ثرثار ...هيا إلى الغرفة .
مشى خطوتين و رجع : و لكن أين الألعاب ؟
محمود : أنت تعرف مكانهم، اذهب و ألعب مع جمال.
مشى قليلا ثم رجع يهز كتفيه و يقول: المكان هنا أوسع .
نظر إليه بحزم فمشى إلى الغرفة، و تلصص من ثقب الباب،ليرى تلك المرأة التي تمشي بكبرياء بالقرب من أبيه, أما جمال فتجاهل تصرفه

غرفة معتز و جمال بسيطة سريرين،مكتبين,خزانتين, وصندوقين صغيرين فيهما درجين،و مرآة و في صدر الغرفة نافذة و ستائرها جميلة، كان جمال يرتب ملابسه ببطء وإتقان وبصمت، لكن الصمت لم يدم مع دخول معتز الذي رمى جسده على سريره وقال : من أين أنت ؟
قال بهدوء و هو ينظر من خلال النافذة: أصولنا من الجزيرة العربية ..لكن جدة أبي شامية و جده من أبيه مغربيا،ولد أبي في مصر وولدت أمي في بلاط الشهداء و تربت قرب قصر الحمراء.. التقى أبي بأمي في الأندلس .. ولدت هناك،ثم ضاعوا و أضاعوني وأضاعوا الأندلس.
معتز: أوف !كل هذا ...أوجز... لم أفهم من أنت؟
جمال( تنهد): أنا عبد الرحمن الداخل... لكن هو دخل.... و أنا خرجت.
ثم فكّر: هو طرد من الشرق إلى الأندلس،وأنا طردت من الأندلس إلى الشرق.
قال معتز و قد ** شفتيه: و أنا أبو جعفر المنصور فاحذرني يا صقر قريش..(ثم انفجر ضاحكاً)
تنهد ساخراً و فكر : يا وليلي و يا ويلي و يا ويللي.
ثم أمسك جمال بقميص ونظر إليه بتمعن: هل تسمح بالخروج؟ أريد تبديل قميصي.
معتز: قميصك! غيره يا فتى الأندلس وأنا هنا.. هذه غرفتي،و أنت الذي تطفل و سرقها.
صمت جمال فلقد كان رد معتز قاسيا فزاد قسوة و قال : ممم.. هل ستطول إقامتك هنا ؟
لم يرد جمال فقال معتز: و لم لا تلحق بأبيك ؟
لم يرد فأردف معتز : كنتم في أمريكا ؟
هز جمال رأسه بنعم فقال معتز :عمي الدكتور راشد كان هناك, أحب زيارتها,هل تعرفه ؟
جمال: أجل
معتز: ماذا كنتم تعملون هناك ؟
جمال :كانت أمي تكمل بحث الدكتوراه .
ضحك معتز و قال: أبي لم يكمل الثانوية، ويعمل في ورشه،هو يحتاج إلى عاملٍ لمساعدته، ربما سيأخذك .
أحس برعشة من كلمات معتز و لم يرد أما معتز بدا غير مكترث و قال : منذ متى أنتم هنا؟
قال: منذ سنه.
أخرج جمال كتاب البداية و النهاية من حقيبته المتهرئة فأسقطت علبة دواء تحت قدميه..لم يحاول أن يرفعها ..نظر إليها ..ثم إلى معتز الذي يراقب الوضع..لا يجد تفسيرا للموقف..ترك العلبة على الأرض و مضى بهدوء خارج الغرفة..و معه القميص و الكتاب ،رفع معتز علبة الدواء عن الأرض و بدأ يتأملها يفكر:ما حكايته؟كنت أتأهب لمعركة ..لكن يبدو أنه شخص مريض..( ثم هز رأسه)لا ..يكذب أو يمثل.
خرج من الغرفة إن هذه الغرفة غرفة معتز و هو دخيلٌ عليها..كان يمشي و يتأمل هذا البيت الجديد كيف سيعيش وقد اقتلعت جذوره ، كيف الحال مع المدرسة و الشارع و المسجد .
أحس برغبةٍ جامحةٍ في البكاء..فعواصف ذكرياتٍ أليمة طافت بخواطره..
صوت أذان الفجر انتشر في الآفاق فأحس الطفل بالسكينة، ونزلت دمعةً ساخنةً على خده فمسحها و يده ترتجف.
ثم سمع صوت صرير الباب و هو يفتح ،عندما فتح محمود الباب جعل الفتى يرتعش فوقف اقترب منه محمود و سأله بحزم: لماذا لم تنم ؟
جمال و هو ينظر إلى الأرض : كـ ...كـ... كنت أقرأ كتاباً .
محمود بعد أن هز رأسه: لا بد أنك قارئ متميز، لكن عليك أن تنام جيداً ..ما رأيك بأن تأتي معي إلى المسجد؟ اذهب و توضأ .
جمال : أنا على وضوء فلقد صليت ركعتين قبل الفجر .
ابتسم محمود و قال : إذن هيا لترافقني .
ووضع محمود يده على كتف جمال و خرجا معاً .
طلبت سميه من معتز أن يجلس على كرسي بالقرب من طاولة صغيرة داخل المطبخ و قال : هل تريدينني أن أعمل بدلا منك في الطبخ ؟يا زوجة أبي ..إن سندريلا فتاة و ليست صبي .
سمية : أنا أريد أن تحادثني لا أن تساعدني .
معتز : و لكنك مملة، لا أعرف كيف أتواصل معك، أمي لم تكن كذلك.
سمية : لكل فرد شخصيته يا بني، عيوب و مزايا .....
صمت معتز و حدق بالأرض قالت برفق: لا بد أنها كانت رقيقة .
معتز : لم أجد فيها أي عيب..(عقد حاجبيه و فكر) أنا أرى فيكِ الكثير من العيوب .
سمية : و ما هي؟ طوبى لمن أهدى إلي عيوبي.
هز كتفيه فلم يعرف الرد ثم قال : ماذا ستطبخين يا زوجة أبي ..هل تريدين أن أقشر البصل ؟
قالت و هي تنظر إلى عينيه: اسمع أيها الفتى، أنا أحاول القيام برأب الصدع الذي بيننا .
نظرت للفتى فإذا هو فاغراً فاه عاقدا حاجبيه لا يفهم فاقتربت منه و قالت :إنس الأمر، إنني أحاول أن أقرّب بيني و بينك, قد لا أكون أمك، و لكن أحب أن تحترمني و تحبني مثلما تحب أمك.
معتز:زوجة أبي.. لا تظني أنك ستحلين مكان أمي، ولن أسمح بسرقة أبي.(ونزل ثم رجع إلى غرفته)
اجتمعت العائلة حول المائدة،و كان الطعام غريباً.. بالنسبة لمعتز وأبيه ،خضار.. معكرون .. دجاج، أكل الأب صامتاً لكن معتز بدأ يعلّق: أتأكلون رأب الصدع هذا كثيرا .
ضحكت سمية فأندهش جمال.. هذه أول مرة يرى فيها أمه تضحك من أعماق قلبها! ضحكة رقيقة برقة سمية و لطف سمية، فعدّل نظارته و بدأ يتأمل ضحكتها.
معتز : فهمت لماذا قوامك مثل نخلة هزيلة...
محمود غاضباُ : كفى ..
معتز بسخرية: هذه المرأة لا تعرف كيف تطبخ .
محمود و قد اشتد غضبه: قلت كفى ..
أراد معتز أن يتكلم كلمة أخرى فأغلقت سمية فمه و أخذته إلى المطبخ و قالت له : إذا لم تحترمني سأطعمك رأب الصدع هذا على الغداء وعلى العشاء وعلى الإفطار .
أشاح بوجهه أمسكت ذقنه وحوّلت وجهه نحوها و قالت : يا ولدي..لا تشعل المعارك بيننا فنخسر جميعنا، يا ولدي لن أسرق قلب والدك..فقلب والدك طيب و لا يستحق أن نتعارك و نؤذيه..يا ولدي ربما أنا لست أمك و لكني سأكون أماً لك ..يا ولدي.. أمك كانت إنسانه رقيقة ..فأجعلها تفخر بك يوم القيامة ..
كان محمود يجلس بالقرب من جمال على الأريكة في غرفة المعيشة،كان جمال صامتاً كعادته..أراد محمود أن يمازحه فقال: لا تقلق أظن أن أمك ستحتويه .
جلست سمية بالقرب من محمود أما معتز فدخل غرفته صامتاً فسأل: كيف تدبرت أمرك معه ؟
سمية : هددته بأن طعامه الدائم سيكون رأب الصدع.
انفجر محمود ضحكاً ...ثم أرخى جسده على الأريكة قال: هذا ما أسميه... العقاب الجماعي .
لم تنتهي أسرار جمال..
هل هو مريض ...
ما مرضه ؟
و معتز !
هل سيتقبل جمال و أمه ..
أم ستظل الحروب دائرة ؟
ستكشف لكم الحلقات المقبلة ...
حكايات غريب الدار ...جمال