حفل التعذيب
لم يشأ الرجل القابع وراء المكتب أن يسمع مني المزيد كما يبدو ، وأدرك كما فهمت لاحقاً أن الأمر لم ينضج بعد . ولم ألبث أن سمعته يقول للعنصر الذي أحضرني من غير أن يدعني أنهي كلامي :
خذه هال.... اعمل كذا وكذا باخته خليه يقر .
وسرعان ما انتزعني ذاك من مكاني وساقني في الممر الذي جئت منه إلى غرفة مجاورة ، وأنا لا أزال على حالتي عارياً مقيداً مغطى العينين . ووجدت أيدياً قاسية تتناولني من جديد فترفع القيد عن يدي من الخلف ، وتجذبهما للأمام وتعيد تقييدهما ، ثم تعود الأيدي التي تمتد من كل اتجاه فترفعني من وسطي عن الأرض ، وتتولى أيد أخرى جذب ساعديّ للأعلى . وفي لحظة واحدة أفلتني الجميع ، فوجدتني مشبوحاً كالذبيحة تماماً إلى السقف ، ورجلاي تخبطان في الهواء ليس تحتهما شيء .. وبدأت أولى حفلات التعذيب !
كنت أيامها في مقتبل الشباب ، وكانت عافيتي بحمد الله وافرة ، حتى أن أحدهم ناداني مع ابتداء التعذيب ساخراً يقول :
ولا .. هِنْت ( أي أنت ) بتلعب حديد ؟
لكن عملية الشبح وحدها كانت كافية لتمزق أعصابي وتتلف جَلَدي ، وتفقدني الوعي بعد عشر دقائق . غير أن الأمر ما كان كذلك وحسب ، فسرعان ما انطلقت تتناوشني مجموعة من الكبلات والعصي تجلدني كأسياخ النار ، تبعتها من حيث لا أدري لسعات الكهرباء تتخير أكثر مناطق الحساسية في الجسد فتصعقها بلا رحمة : في الأنف مرة ، ومرة في الشفتين .. في العورة .. في العينين .. في شحمة الأذن .. في كل مكان تتجمع فيه مراكز الإحساس ومواطن الشعور بالألم !
انفجرت بالصياح من شدة الألم المتفجر فكأنما ازداد الجلادون انتشاء بذلك ! وازدادت حدة اللسعات والصعقات من غير أن يسألني أحد أي شيء !
كنت أسمع وسط دوامة الألم صياحهم وهياجهم كالكلاب المسعورة حولي ، ومن غير أن أبصر شيئاً أحسست أنهم ربما كانوا قرابة العشرة ، ومع كل ضربة كانت تطرق أذني شتيمة جديدة وألفاظ كفر بالله تزلزل السماوات والأرضين . ولم ألبث أن وجدتني وقد فاق الألم قدرتي على الإحتمال وحتى على الصياح أغيب عن الوعي تماماً ، لأصحو لا أدري متى فأجدني في زنزانة منفردة ينهش الألم أطرافي وتشتعل الأوجاع نيراناً في كل ثنية من ثنيات بدني .
أرقام وحسب
! كانت الزنزانة أشبه ما تكون بقبر مقفل : الجدران متقاربة لا أستطيع أن أتمدد بينها ، والرهبة مطبقة ، وليس ثمة شيء تحتي إلا الإسمنت البارد ، والسقف شاهق فوقي تتوسطه شراقة للتهوية ( نافذة متشابكة القضبان ) يتسلل منها ضوء خافت يزيد المشهد كآبة ووحشة . وسرعان ما تدهم السكون صيحات استغاثة سجين آخر ينال العذاب في الطابق الأعلى ، وتخترق صرخاته الجدران الصم وأبواب الحديد ، فتنتفض من هولها كل ذرة في بدني وتستعر فيّ كل الجروح والكدمات .
ومضى الوقت بطيئاً ثقيل الوطء فكأنه الرحى تدور على جسدي المنهك ، لكنني سرعان ما فقدت معنى الزمن بعد هنيهة ، واختلطت علي معالم الليل والنهار . فلا ساعة معي تدلني على الوقت .. ولا صوت أحد أو همسة حي تنبي بما يجري .. والضوء الخافت لا يتغير ولا يتبدل . وعندما تذكرت الصلاة كانت وسيلتي الوحيدة لأدائها الإيماء . وعلى ذلك مضت السنون التالية علي ، لا أكاد أعرف الصلاة إلا بالإيماء وحسب !
وفتح الباب فجأة ، وتلقيت من غير مقدمات واحدة من أقذر المسبات قذفني السجان بها وهو يلقي إلي بنصف رغيف متيبس مرت عليه رائحة الحلاوة أو المربى في يوم من الأيام ! ولم ألبث أن اعتدت سماع مثل ما سمعت مع كل فتحة باب أو نداء للتحقيق أو خروج إلى الحمام . وكان خروجنا إلى الحمام مرة في اليوم يحددونها حسب أمزجتهم ، فيسوقون مجموعة من المساجين معصوبي العيون مكبلي الأيدي ، فإذا وقف واحدنا عند باب الحمام بعد أن مر على سيل من اللطمات واللكمات واللسعات فكوا يديه المكبلتين من الخلف ونقلوهما لتقيدا معاً من الأمام ! فلا يكاد يلج الحمام حتى تهوي الكبلات على الباب وتصله الشتائم والأوامر بالإسراع وبالإنتهاء . وفي كل تقلبات هذه الأحوال نظل مجرد أرقام تنادى ، لا شخصية لنا ولا أسماء . ليتكرس إحساسنا بالهوان ، ونزداد اضطراباً وضياعاً .
معجزة !
كانت حفلة التعذيب كما تقرر لي مرتين في اليوم . أخرج إلى غرفة التعذيب مكبلاً مغمض العينين .. أجرد من ملابسي بالكامل وأعلّق مشبوحاً من يدي .. وتكر الأحداث بعد ذلك : تبدأ بالشبح أحياناً ، فتتسلط الكبلات والسياط في هذه الحالة أكثر ما تتسلط على الظهر والصدر والرأس ، وتعمل ملاقط الكهرباء عملها في الوقت نفسه . لكن أسوأ ما يصيب الضحية وهو في هذه الحالة أثر القيد الحديدي الذي يشد على الرسغ ويحتك مع العظم بلا رحمة أو توقف . حتى التهبت يداي وتورمتا من جراء انغراس الحديد القاسي في اللحم واحتكاكه المباشر بالعظم الذي انكشف وتعرى . وظلت آثار القيد كالوشم على رسغي إلى اليوم ! وطوال خمسة أشهر تالية بقيت لا أحس براحَتَي يدي البتة ولا أقدر أن أحمل بهما أي شيء وكأنهما أصيبتا بالتنميل أو الخَدَر المزمن . وحكى لي طبيب التقيته في تدمر لاحقاً أن الأوتار في تلك المنطقة قد تهتكت بشكل كبير ، وأنها تحتاج إلى معجزة لتعود إلى حالتها الطبيعية من جديد .
بساط الريح
أما الحالة الأخرى من التعذيب فكانت على "بساط الريح" . وهو لوح من الخشب يشدون المعتقل عليه من كل أطرافه بسيور جلدية ، ثم يرفعون نصفه الأسفل الذي ارتصت عليه الساقان ولم تعودا تملكان أي فرصة للتحرك . وتبدأ الكبلات ذات النصال المعدنية تهوي على بطن الرجلين تنهشهما بلا شفقة ، وتترك مع كل لسعة لها أجزاء من نصال الحديد في ثنيات الجروح المتفجرة ، فإذا انتهى الضرب بقيت هذه النصال مع الدم المتجمد والجروح المفتوحة فتلتهب وتتعفن ، فيتضاعف الألم وتشتد الأوجاع والمعاناة . وأما الشتائم والكفر بالله فلم تكن تتوقف مع كل أنواع التعذيب . ولم أكن أنجو من هذه الحفلات الدامية إلا عندما يغمى علي ، لأستيقظ وأنا في الزنزانة عاري البدن ممزق الأوصال مبللاً أرتجف من شدة البرد . ولا أكاد ألتقط أنفاسي وألملم بقايا جَلَدي حتى يحين موعد التعذيب مرة أخرى ، وتعود الكَبْلات تنهش لحمي من جديد ، وتنقض ملاقط الحديد على أماكن متفرقة بالغة الحساسية من جسدي لتصعقني بالكهرباء .
ولأنهم كانوا يعرفون أن العورة لدينا أمر كبير فقد كانوا يتعمدون إهانتنا بالعبث بسوآتنا بطرف الكبل والعصي أثناء التعذيب ، أو الإطباق بملاقط الكهرباء على المحاشم وإطلاق صعقات الكهرباء فيها ، وكان ذلك في الحقيقة من أشد أنواع العذاب علي ، ويبدو أن ذلك ما كنت أفقد وقتذاك الوعي بسببه وأغيب عن الوجود .
دموع التماسيح
! وفي مرة من المرات وبعد أن مضى علي في العذاب عدة أيام أخرجوني كالعادة وعروني وعلقوني ، فوجدتني من قبل أن يبدأ الضرب أحس وكأنني فقدت الهواء في رئتي وما عدت قادراً على جذب النَفَس . وكان يلازم في غرفة التعذيب تلك طبيب متخصص كما يبدو ، سرعان ما اقترب مني فجس نبضي وطلب منهم أن يُنزلوني ، ولم يلبث أن حقنني بإبرة جعلتني أفقد القدرة على النطق أو الحركة ، وأحس أنني أغادر هذا العالم وأموت بالفعل !
ووجدتني أغيب عن الوعي لأصحو بعد قليل فأراني في أحد أحد الأسرّة . عن طرفي من هنا حارس برشاشه الكلاشينكوف ، ومن هناك يتدلى أنبوب بلاستيكي يتصل بكمامة على أنفي أتنشق من خلالها الأوكسجين . وبعد ساعة أو ساعتين استعدت خلالهما أكثر وعيي وجدتهم يقودونني عبر ممرات المستشفى الذي نقلت إليه إلى سيارة كانت تنتظرني لتقلني إلى الفرع من جديد . وهناك أعادوني إلى الزنزانة من غير عذاب . وبعد خمس أو ست ساعات استعدت خلالها وعيي أخرجوني إلى غرفة التعذيب من جديد ، وعوضوني عن التعذيب الذي فاتني عذاباً مثله كاملاً غير منقوص !
وفي مرة أخرى مماثلة وبعد أن كاد التعذيب يقتلني بحق حضر الطبيب ثانية إلى زنزانتي فنظف لي جروحي المتقيحة ، وقدم لي كأس حليب لأستمر على قيد الحياة ، وأجدد قدرتي على تلقي المزيد من التعذيب .. ومضى !
عترافات
ا ومضى أسبوع كما قدرت على هذا النمط من العذاب ، وصعدت من جديد إلى التحقيق بنفس الكيفية : مكلبشاً ومطمشاً وعارياً من كل شيء وجلست غصباً عني جلسة الخضوع . وأتاني الصوت من جديد يقول :
اسمع ولا .. نحن لدينا كل المعلومات عنك . ونعرفك من أول يوم أتيت فيه إلى هنا وكل مهمات القتل التي أحضرتها لهؤلاء المجرمين .. وكل واحد انقتل هو برقبتك . والآن قل لنا مع من كنت تتصل .
كانت اللهجة العلوية للمتحدث وللأشخاص الذين حوله هي الشيىء الوحيد الذي استطعت تمييزه حولي ، وكان الإعتراف على مسؤولي الجديد وخيوط الإتصال التي نَمَتْ بعد اعتقال سالم هي الأهداف التي يريدونني أن أصل بهم إليها بأسرع وقت . وعدا ذلك فالإرهاب والمجاهيل كانت تلفني من كل مكان . وعلى الرغم من هول موقفي إلا أنني استطعت أن التقط وسط هذه الدوامة المرعبة صوت امرأة يأتي من غرفة تحقيق أخرى كما يبدو وهي في موضع المساءلة والإتهام ، فزادني الأمر توتراً وتشتتاً ، لكنني استجمعت ما استطعت جَلَدي وقتها وقلت :
أنا لا أعرف أحداً إلا مازن . هو الذي كان يعطيني الرسائل ويطلب مني أن أوصلها لأبي الفرج .
قال : ألم يكن هناك إلا أبو الفرج ولا ؟
قلت وقلبي يكاد من طرقاته ينخلع من صدري خشية أن يكون سالم قد اعترف علي بالمزيد : أنا لا أعرف إلا أبا الفرج .
قال : والدكتور صالح ولا .. ماذا كان رده عندما أبلغته الرسالة ؟
قلت : استقبلني .. وضيفني فنجان قهوة ومضيت .
قال : وعندما ذهب إلى الأردن .. هل التقيته هناك ؟
قلت : أنا طالب في الجامعة هنا فكيف أذهب وألتقيه هناك !
وأتاني صوت سائل آخر : ألم تدخل سلاحاً ولا ؟
قلت بإصرار : أبداً .
قال : ولا أموال ؟
قلت : ولا قرش .
قال : طيب انقلع الآن .
ونزلت إلى الزنزانة ليلتها من غير أن يضربوني . ومضى يوم آخر من غير تعذيب أو تحقيق ، استدعوني بعدها وكانت الساعة بتقديري قد جاوزت الثانية بعد منتصف الليل .
مائدة اللئام
دخلت غرفة التحقيق مكلبشاً مكبلاً ومعرى ككل مرة ، وسرعان ما شممت رائحة خمر وطعام تملؤ المكان . وسألني أحدهم :
هل أنت جائع ؟ إذا أردت أن تأكل فتعال .
قلت وأنا لا أدري أهي دعابة منه أم محض سخرية :
لست جائعاً !
ومضى الجمع في تناول الطعام واحتساء الخمر وتبادل الحديث البذيء وأنا بين أيديهم جاثياً معرى تصلني أصوات المضغ وكركعة الشراب لا حول لي ولا قوة . لكنني تمكنت هذه المرة من أن أختطف نظرة على المكان ومن فيه من تحت تلك الطماشة التي انزاحت كما يبدو عن عيني برهة . وعلى الرغم من حالة الخوف التي تتملك السجين .. وبرغم الجو الإرهابي الذي أحاطني على مدار الأيام الخالية استطعت أن أحس من خلال تلك اللمحة العجلى ظلال الخوف والتوتر ترتسم على معالم الضباط المحققين . أحسستها من محاولاتهم الجاهدة إخفاء وجوههم وشخصياتهم عني وأنا المكبل الأسير وهم المتمكنون الطلقاء . ومن همهماتهم بعض الأحيان وإشاراتهم وتغامزهم مع بعضهم البعض . وأحسستها من ذلك السرير بطرف الغرفة الذي لا بد أنهم إذا أنهكتهم التحقيقات ناموا فيه من غير أن يجرؤوا في تلك الفترة على مغادرة الفرع خوفاً من أن تطالهم رصاصة واحد من المجاهدين .
لكن حالة الإنتشاء تلك لم تطل بي . ولم يلبث أن أتاني السؤال :
محمد ولا . هل تعرف أحداً من الإخوان الهاربين في الأردن ؟
قلت : لا .. لا أعرف أي أحد .
قال : أين تسكن هناك ؟
قلت : في الزرقاء . في العنوان الفلاني بشارع الفاروق .
فوجدت السائل يبادرني ويقول : بالقرب من المركز الإسلامي إذاً .
قلت وقد فاجأتني معرفته للمدينة وشوارعها بهذا التفصيل : نعم !
قال : ألم تر أياً منهم هناك ؟
أجبت : أنا لا أذهب إلى المركز .
قال : ألا تصلي ؟
قلت : نعم ، ولكن في المسجد .
قال : وهناك في المسجد ألم تر ناساً سوريين ؟
قلت : ربما ، لكنني لا أعرف اسم أي منهم .
وتبدل الحال هذه المرة ، وصاح المحقق بالعنصر ليأخذني إلى التعذيب ، وعادت الكبلات تهوي على بدني المنهك بلا رحمة ، ومزقتني صعقات الكهرباء من جديد ، وغبت ككل مرة عن الوعي آخر الأمر ، ووجدتني في الزنزانة حينما صحوت ملابسي مكومة بجانبي والدم يسيل من كل مكان كان قد اندملت الجروح فيه ، وسرعان ما أتى العنصر فساقني في الليلة نفسها إلى التحقيق ، ووجدت سالم معي في نفس المكان ، والمحقق يسألني من غير مقدمات :
متى التقيت بسالم أول مرة ولا ؟
قلت : في شهر شباط 1980 .
قال : أين ؟
قلت : أظن أنه أتى مع مازن إلى بيتي .
ولم أكد أتفوه بذلك حتى أتتني ركلة من وراء ظهري أحسست أن عيني خرجتا معها من محجريهما ، وناداني أحدهم بتشفي :
زارك بالدار أم التقيته عند مسجد خالد ولا ؟
قلت : والله ما عدت أذكر .
قال موجهاً حديثة لسالم : ما رأيك يا أبو الفرج ؟
أجاب سالم : صحيح سيدي .. التقينا عند مسجد خالد وصلينا المغرب هناك .. وكان ذلك بداية تعرفنا عليه .
قال المحقق موجهاً الحديث لي من جديد : وإذا كنت زلمة بتعمل خير ولا .. ليش لتلتقوا بالجامع وانت تعرف أن هناك مخربين وعصابة مجرمين في البلد ؟
قلت : أنا ذهبت بطبيعة الحال مع مازن لنصلي ، وهناك التقينا مع أبي الفرج .
قال ولهجة التهديد المرعب ناطقة على نبرته هذه المرة : اسمع ولا .. إما أن تحكي الصحيح أو تنتهي .. فهمت ؟
أحسست أن الأمر بلغ حده ، وأن اعترافات سالم والمعلومات التي توفرت لهم لن تعفيني من الإصرار على الإنكار ، وأنه صار علي الآن أن أقدم لهم شيئاً ما يدفع عني شرهم .. فقلت :
الحقيقة أنا ليست لي علاقة بالموضوع من قريب ولا بعيد في البداية ، لكنني عرفت في الأخير أن هؤلاء من الإخوان وأنهم يقومون بشيء ما .. ولكن أنا ليست لي أي علاقة .
ومن غير أن أسمع تعليقاً على هذا الكلام أشار كأنما إلى الجلاد فجذبني بعنف ، ورماني في غرفة التعذيب المجاورة وأطلق عصيه وأدوات التعذيب علي ، لكنني نزلت هذه المرة إلى الزنزانة صاحياً ولم يغم علي ، وبعد قرابة الساعتين عادوا فاستدعوني إلى المحقق الذي ابتدرني بلهجة حازمة يقول :
اسمع ولا .. هلق بدك تحكي لنا من طق طق لسلام عليكم .. احك كل شيء تعرفه من ساعة ما طلعت من ... أمك
مائدة اللئام
دخلت غرفة التحقيق مكلبشاً مكبلاً ومعرى ككل مرة ، وسرعان ما شممت رائحة خمر وطعام تملؤ المكان . وسألني أحدهم :
هل أنت جائع ؟ إذا أردت أن تأكل فتعال .
قلت وأنا لا أدري أهي دعابة منه أم محض سخرية :
لست جائعاً !
ومضى الجمع في تناول الطعام واحتساء الخمر وتبادل الحديث البذيء وأنا بين أيديهم جاثياً معرى تصلني أصوات المضغ وكركعة الشراب لا حول لي ولا قوة . لكنني تمكنت هذه المرة من أن أختطف نظرة على المكان ومن فيه من تحت تلك الطماشة التي انزاحت كما يبدو عن عيني برهة . وعلى الرغم من حالة الخوف التي تتملك السجين .. وبرغم الجو الإرهابي الذي أحاطني على مدار الأيام الخالية استطعت أن أحس من خلال تلك اللمحة العجلى ظلال الخوف والتوتر ترتسم على معالم الضباط المحققين . أحسستها من محاولاتهم الجاهدة إخفاء وجوههم وشخصياتهم عني وأنا المكبل الأسير وهم المتمكنون الطلقاء . ومن همهماتهم بعض الأحيان وإشاراتهم وتغامزهم مع بعضهم البعض . وأحسستها من ذلك السرير بطرف الغرفة الذي لا بد أنهم إذا أنهكتهم التحقيقات ناموا فيه من غير أن يجرؤوا في تلك الفترة على مغادرة الفرع خوفاً من أن تطالهم رصاصة واحد من المجاهدين .
لكن حالة الإنتشاء تلك لم تطل بي . ولم يلبث أن أتاني السؤال :
محمد ولا . هل تعرف أحداً من الإخوان الهاربين في الأردن ؟
قلت : لا .. لا أعرف أي أحد .
قال : أين تسكن هناك ؟
قلت : في الزرقاء . في العنوان الفلاني بشارع الفاروق .
فوجدت السائل يبادرني ويقول : بالقرب من المركز الإسلامي إذاً .
قلت وقد فاجأتني معرفته للمدينة وشوارعها بهذا التفصيل : نعم !
قال : ألم تر أياً منهم هناك ؟
أجبت : أنا لا أذهب إلى المركز .
قال : ألا تصلي ؟
قلت : نعم ، ولكن في المسجد .
قال : وهناك في المسجد ألم تر ناساً سوريين ؟
قلت : ربما ، لكنني لا أعرف اسم أي منهم .
وتبدل الحال هذه المرة ، وصاح المحقق بالعنصر ليأخذني إلى التعذيب ، وعادت الكبلات تهوي على بدني المنهك بلا رحمة ، ومزقتني صعقات الكهرباء من جديد ، وغبت ككل مرة عن الوعي آخر الأمر ، ووجدتني في الزنزانة حينما صحوت ملابسي مكومة بجانبي والدم يسيل من كل مكان كان قد اندملت الجروح فيه ، وسرعان ما أتى العنصر فساقني في الليلة نفسها إلى التحقيق ، ووجدت سالم معي في نفس المكان ، والمحقق يسألني من غير مقدمات :
متى التقيت بسالم أول مرة ولا ؟
قلت : في شهر شباط 1980 .
قال : أين ؟
قلت : أظن أنه أتى مع مازن إلى بيتي .
ولم أكد أتفوه بذلك حتى أتتني ركلة من وراء ظهري أحسست أن عيني خرجتا معها من محجريهما ، وناداني أحدهم بتشفي :
زارك بالدار أم التقيته عند مسجد خالد ولا ؟
قلت : والله ما عدت أذكر .
قال موجهاً حديثة لسالم : ما رأيك يا أبو الفرج ؟
أجاب سالم : صحيح سيدي .. التقينا عند مسجد خالد وصلينا المغرب هناك .. وكان ذلك بداية تعرفنا عليه .
قال المحقق موجهاً الحديث لي من جديد : وإذا كنت زلمة بتعمل خير ولا .. ليش لتلتقوا بالجامع وانت تعرف أن هناك مخربين وعصابة مجرمين في البلد ؟
قلت : أنا ذهبت بطبيعة الحال مع مازن لنصلي ، وهناك التقينا مع أبي الفرج .
قال ولهجة التهديد المرعب ناطقة على نبرته هذه المرة : اسمع ولا .. إما أن تحكي الصحيح أو تنتهي .. فهمت ؟
أحسست أن الأمر بلغ حده ، وأن اعترافات سالم والمعلومات التي توفرت لهم لن تعفيني من الإصرار على الإنكار ، وأنه صار علي الآن أن أقدم لهم شيئاً ما يدفع عني شرهم .. فقلت :
الحقيقة أنا ليست لي علاقة بالموضوع من قريب ولا بعيد في البداية ، لكنني عرفت في الأخير أن هؤلاء من الإخوان وأنهم يقومون بشيء ما .. ولكن أنا ليست لي أي علاقة .
ومن غير أن أسمع تعليقاً على هذا الكلام أشار كأنما إلى الجلاد فجذبني بعنف ، ورماني في غرفة التعذيب المجاورة وأطلق عصيه وأدوات التعذيب علي ، لكنني نزلت هذه المرة إلى الزنزانة صاحياً ولم يغم علي ، وبعد قرابة الساعتين عادوا فاستدعوني إلى المحقق الذي ابتدرني بلهجة حازمة يقول :
اسمع ولا .. هلق بدك تحكي لنا من طق طق لسلام عليكم .. احك كل شيء تعرفه من ساعة ما طلعت من ... أمك
صراع مع النفس
كانت رهيبة تلك اللحظات بشكل لا يتصوره أحد . أجثو بين أيدي هؤلاء الظلمة كشاة لا حول لها ولا قوة .. مكشوف العورة مفضوح الأسرار . وجسدي كله لعبة بأيديهم يلهون به ويَعْدون عليه بلا رحمة . ومن غرفة التعذيب المجاورة يصلني صوت أخ آخر يستغيث ويصيح .. وهتاف مرٌّ بداخلي يقول لي : تكلم وإلا فالدور عليك ، والصراخ سيخرج للتو من جوفك أنت ! ولا تلبث أنفاس الرحمة أن تنساب في روحي وتهمس بي أن الإعتراف لن يعفيك أيضاً ، فإدانة نفسك تعني المزيد من التعذيب لتعترف بالمزيد من الأسرار ، والمصير في النهاية هو الإعدام المحقق ، مثلما تعني أن إخوة آخرين سيأتون هنا ليلاقوا كل هذا الذي لاقيت وربما أكثر .. وستكر السلسلة ويزداد الضحايا من غير أن ينجو منكم أحد .
دارت هذه الخواطر كلها في خاطري كلمحة برق ، وبدأت أسرد على المحققين الرواية ذاتها موحياً إليهم أنني انهرت وهذا كل ما لدي . وعلمت فيما بعد أنهم كانوا قد استدعوا سالم والدكتور صالح وسألوهما إن كنت أعرف عن محتوى الرسائل شيئاً فنفى الإثنان . وساعدني ذلك كثيراً ولله الحمد .
غير أن الأمر لم ينته ، وتعطشهم لمزيد من الأسماء ومزيد من الضحايا جعلهم يعيدونني إلى غرفة التعذيب ، وأسلموني ثلاثة أيام متواليات إلى الجلادين من غير سؤال أو استفسار . ثم كانت جلسة التحقيق الأخير ، وحاولوا للمرة الأخيرة أن يعتصروا كل معلومة أو اسم ربما لا أزال أحتفظ به ، وألحوا على أسماء المراسلين بالتحديد ، فثبتني الله ولم أذكر اسم أي إنسان بفضل الله ، وأصررت على أن صلتي الوحيدة كانت مع سالم إضافة إلى لقائي بالدكتور صالح تلك المرة . فأرسلوني من جديد إلى غرفة التعذيب ، لأجد من الأهوال ما أنساني كل الذي لاقيت من قبل هناك !
وانقضت ربما خمس أو ست ساعات علي هذه المرة يتعاقب علي الجلادون وأدوات التعذيب بشكل وقاكم الله شره . وعندما صحوت على نفسي في الزنزانة وجدتني على حافة الهلاك بالفعل . لا أتحسس موضعاً في بدني إلا وجدته مدمى أو مصاباً يشتعل من الألم كما تشتعل في الرماد النار !
مسيرة الأرقام !
وحضر السجان من جديد ونادى من وراء الأبواب على مجموعة من الأرقام ليجهزوا أنفسهم .. وأتاني الصوت البغيض :
13 ولا جهز حالك .
وفيما أخذت الأقفال تصطك بالمفاتيح وترتطم المزاليج الثقيلة بزوايا الحديد التي تحوط مجاريها على الأبواب الصلدة ، وبدأ تدافع الأقدام المدماة تتكؤ عليها الأجساد المنهكة يسوقونها مع الصفعات واللكمات ولسعات الكبل إلى المجهول ، انتصبتُ مكاني لأنفذ الأمر ، وجذبت بنطالي المتراخي لأستعد ، فهالني أنه اتسع علي فكأنه أكبر من قياسي بعشر درجات ، وأدركت للمرة الأولى أنني فقدت بين عشرة وخمسة عشر كيلو غراماً من وزني خلال هذه الأيام . ولم أكد أكتشف ذلك حتى فتح الباب وجذبني أحدهم بقسوة ، ودخلت ضمن مسيرة الأرقام المتحركة تسوقها اللطمات والركلات والكرابيج .
وكأنما أحس الجلادون أن اللقاء لن يتكرر ، ولذة الإستمتاع بتعذيب هذه المجموعة ها هي ستنقضي ، فبادروا بالجهد لتعويض الشوق إلى سماع استغاثاتنا وصراخنا ، ثم أركبونا وقد شارفنا على الهلاك سيارة مغلقة ، ونحن قرابة العشرين شخصاً مكبلي الأيدي معصوبي العيون . حتى إذا بدأت بالتحرك سرت التكهنات في سرائرنا وعلى أطراف شفاهنا : هل هي النهاية ؟ أإلى تدمر الآن ؟ أم ربما إلى سجن القلعة ؟ ولم يكن لنا من حيلة إلا الإنتظار . وسرعان ما وجدنا أنفسنا تتوقف بنا السيارة من جديد ، ويأينا الأمر الفظ مع سيل من الشتائم والمسبات بالنزول . ولم تلبث الأيدي القاسية والأرجل والكرابيج أن استقبلتنا بمثل ما ودعونا به هناك ، وساقتنا آخر الأمر نزولاً إلى قبو آخر عميق جداً ، لم نلبث أن عرفنا بعد هنيهة أنه قبو فرع مخابرات التحقيق العسكري
النوم بالتناوب !
أغلق علي باب المكان الذي دخلته وأنا لا أزال مطمش العينين ، لكن يداي كانتا مطلقتين . ولم ألبث أن سمعت همهمة تتزايد حولي ، وأحسست حركة من جهات شتى . وكأنما أتاني نداء خافت بأن أرفع الغطاء عن عيني الآن .. فاستجبت ببطء .. وبحذر . حتى إذا فعلت وكانت المرة الأولى التي أفتح فيها عيني بلا طماشة منذ اعتقالي ، وجدتني وسط مهجع محتشد بالنزلاء ، يكاد عدد السجناء فيه يصل المائة ، في مساحة لا تزيد عن حجم غرفة عادية ! ولم ألبث أن أومأت لمن حولي .. وسلمت ، فتشاغل البعض وأشاح البعض .. ورد الآخرون بصوت منخفض .
وسرعان ما لمحت سالم بين الناس فاقتربت منه بالتدريج . فلما حاولت أن أكلمه همس لي وقال :
لا تقترب مني كثيراً فربما كان هناك مخبرون بيننا !
لكن الحذر بدأ مع مضي الوقت يخف بالتدريج ، وبدأت أتعرف على الشباب ويتعرفون علي ، لنبدأ معاً مرحلة جديدة من هذه المحنة حافلة بالفواجع والأحداث .
كانت ظروف المهجع في غاية السوء . فمع هذا العدد غير المعقول من الناس لم يكن ثمة مكان لقادم جديد . وكنا إذا أردنا النوم تناوبنا على المكان فينام البعض ويظل الآخرون وقوفاً ينتظرون ! وكانت الأنفاس تختلط بنتانة العرق ، وتجتمع معها روائح جراحاتنا المتعفنة في هذا الجو السيىء . ولأن المهجع كان يحتوي على حمام بداخله ، فلم يكن هناك أي فرصة لمغادرته أبداً .
وبقيت على هذه الحال ثلاثة أسابيع تقريباً ، كان الباب يفتح خلالها لإدخال الطعام فقط ، والذي لم يكن يكفي ليقيتنا الكفاف . فنصيب الواحد منا صمونتان عسكريتان جافتان في اليوم ، تصحبهما بضع حبات زيتون أو شيىء من اللبنة أو الحلاوة في الصباح . وعلى الغداء يصلنا بعض الرز أو البرغل مصحوباً بمرقة حمراء . وفي المساء وعلى وجبة العشاء ننال نتفاً من البيض المسلوق أو البطاطس أو حب الحمص المسلوق . صنفاً واحداً فقط ، ومقدار دريهمات منه وحسب !
القمل والجرذان !
ولقد كان من المضحكات المبكيات أننا ونحن في هذه الحالة من الجوع والضيق والمعاناة كان قضاء محتماً علينا أن نشارك الطعام والمقام ضيوفاً من مخلوقات أخرى تؤمن أن كرم الضيافة حق مباح بلا حدود !
كانت الجرذان ، والتي أقسم أن واحدها كان أكبر من القط بلا مبالغة ، تربت على طعام المساجين الذي يحتجزه السجانون عنا ثم يرمونه في القمامة ! هذه الجرذان كانت تتنقل بين المهاجع من خلال قنوات التهوية رائحة غادية ، وأثناء عبورها فوق فتحة المروحة التي كانت أعجز من أن تقدم شيئاً لهذا الجو الموبوء ، كان بعضها يزلق فيسقط بيننا أو علينا ، فيصاب المهجع كله بهستيريا الذعر ، ويتراكض الناس يميناً وشمالاً يريدون أن ينجوا من عضة هذا المخلوق المرعب . ويتدافع الخلق .. ويعلو الصياح .. ولا تنتهي الغارة ويموت الجرذ تحت الأقدام إلا وقد نهش أرجل أربعة أو خمسة منا .
ومع احتشاد المهجع وتزاحم المعتقلين ، وبسبب بعض السجناء القادمين من مواطن موبوءة أو غير نظيفة بالأصل ، بدأت تتفشى فينا أعرض مرض السل ، وانتشر فيما بيننا القمل . وإذا كان البلاء الأول قد أصاب بعضنا وقتذاك ولم يأخذ صفة الوباء ، فإن القمل لم يوفر أحداً من بيننا أبداً ، وانتشر في رؤوسنا وملابسنا وأمتعتنا حتى لم يعد من سبيل لتفاديه . وكنت أنا أكثر الناس الذين قملوا . وكان منظراً اعتيادياً ونشاطاً مشتركاً لسكان المهجع كل يوم أن نخلع ملابسنا ونتابع القمل فيها فنفقأه بأصابعنا كإجراء وحيد متاح للحد أو التخفيف من انتشاره !
إلى الحلاق
وذات يوم ، وبعد أن مضت أسابيع كثيرة على اعتقالنا فطالت شعورنا ولحانا حتى بدونا كالغيلان ، صدر الأمر لنا بالذهاب إلى الحلاق . ومضى الطابور بنا إلى غرفة قريبة يتوسطها كرسي وسجان بمهنة حلاق كان يتناول رؤوسنا كالماعز ويمر بآلة الحلاقة عليها حتى نخرج من بين يديه بالقرعة كرأس البطيخ ! ولم يكن هذا الشخص يوفر الفرصة ليمتع نفسه بشتمنا ولطمنا بين حين وآخر ، وكان واضحاً من لهجته أنه من طائفة النظام .
ولقد كان من المضحكات المبكيات أننا وبعد هذه المهزلة أمرونا أن ندفع للرجل خمس ليرات أجرة حلاقة الرأس الواحد . تولاها الإخوة الذين كانت معهم في أماناتهم بعض النقود ، أو الذين وصلتهم مع طول مدة اعتقالهم زيارات بالواسطة . وبعد ذلك جاء وقت الحمام الجماعي ، وساقتنا اللطمات والركلات وفرقعة الكرابيج على ظهورنا إلى قاعة مفتوحة أدخلوا كل عشرة فيها دفعة واحدة وأمروهم أن يتعروا من ثيابهم ويغتسلوا معاً . والجلادون على الباب يشتمون من شاؤوا ويضربون من اشتهوا ، والجرذان العملاقة تلك على المواسير فوقنا تترقب أن يغفل أحدنا لتنهش منه أو تنقض عليه !
واعتدت حياة المهجع نوعاً ما ، وألفت الإخوة وألفوني . وتعرفت على العديد منهم من محافظات شتى ، أذكر منهم الإخوة حسين رشيد عثمان ، وابن عمه أيمن عثمان من مدينة الباب قرب حلب . وطاهر جيلو من ادلب . وجمال عقيل وجلال الدين جلال من حلب . ومحمد أرمنازي وجهاد كلاس الحلبي و..... جعمور و..... نجار وأسامة فتوحي الجندي من حماة . وتيسير أبو الرز وجهاد حلاق ومأمون العظمة و .... الصفدي وعبد الإله بعلبكي من دمشق وضواحيها . إضافة إلى سالم الحامد والدكتور صالح خوجة . ولقد تم إعدام أكثر هؤلاء الإخوة فيما بعد . وشهدت إعدام بعضهم بنفسي ، وسمعت عن الآخرين من شهود عيان .
دخلت غرفة التحقيق مكلبشاً مكبلاً ومعرى ككل مرة ، وسرعان ما شممت رائحة خمر وطعام تملؤ المكان . وسألني أحدهم :
هل أنت جائع ؟ إذا أردت أن تأكل فتعال .
قلت وأنا لا أدري أهي دعابة منه أم محض سخرية :
لست جائعاً !
ومضى الجمع في تناول الطعام واحتساء الخمر وتبادل الحديث البذيء وأنا بين أيديهم جاثياً معرى تصلني أصوات المضغ وكركعة الشراب لا حول لي ولا قوة . لكنني تمكنت هذه المرة من أن أختطف نظرة على المكان ومن فيه من تحت تلك الطماشة التي انزاحت كما يبدو عن عيني برهة . وعلى الرغم من حالة الخوف التي تتملك السجين .. وبرغم الجو الإرهابي الذي أحاطني على مدار الأيام الخالية استطعت أن أحس من خلال تلك اللمحة العجلى ظلال الخوف والتوتر ترتسم على معالم الضباط المحققين . أحسستها من محاولاتهم الجاهدة إخفاء وجوههم وشخصياتهم عني وأنا المكبل الأسير وهم المتمكنون الطلقاء . ومن همهماتهم بعض الأحيان وإشاراتهم وتغامزهم مع بعضهم البعض . وأحسستها من ذلك السرير بطرف الغرفة الذي لا بد أنهم إذا أنهكتهم التحقيقات ناموا فيه من غير أن يجرؤوا في تلك الفترة على مغادرة الفرع خوفاً من أن تطالهم رصاصة واحد من المجاهدين .
لكن حالة الإنتشاء تلك لم تطل بي . ولم يلبث أن أتاني السؤال :
محمد ولا . هل تعرف أحداً من الإخوان الهاربين في الأردن ؟
قلت : لا .. لا أعرف أي أحد .
قال : أين تسكن هناك ؟
قلت : في الزرقاء . في العنوان الفلاني بشارع الفاروق .
فوجدت السائل يبادرني ويقول : بالقرب من المركز الإسلامي إذاً .
قلت وقد فاجأتني معرفته للمدينة وشوارعها بهذا التفصيل : نعم !
قال : ألم تر أياً منهم هناك ؟
أجبت : أنا لا أذهب إلى المركز .
قال : ألا تصلي ؟
قلت : نعم ، ولكن في المسجد .
قال : وهناك في المسجد ألم تر ناساً سوريين ؟
قلت : ربما ، لكنني لا أعرف اسم أي منهم .
وتبدل الحال هذه المرة ، وصاح المحقق بالعنصر ليأخذني إلى التعذيب ، وعادت الكبلات تهوي على بدني المنهك بلا رحمة ، ومزقتني صعقات الكهرباء من جديد ، وغبت ككل مرة عن الوعي آخر الأمر ، ووجدتني في الزنزانة حينما صحوت ملابسي مكومة بجانبي والدم يسيل من كل مكان كان قد اندملت الجروح فيه ، وسرعان ما أتى العنصر فساقني في الليلة نفسها إلى التحقيق ، ووجدت سالم معي في نفس المكان ، والمحقق يسألني من غير مقدمات :
متى التقيت بسالم أول مرة ولا ؟
قلت : في شهر شباط 1980 .
قال : أين ؟
قلت : أظن أنه أتى مع مازن إلى بيتي .
ولم أكد أتفوه بذلك حتى أتتني ركلة من وراء ظهري أحسست أن عيني خرجتا معها من محجريهما ، وناداني أحدهم بتشفي :
زارك بالدار أم التقيته عند مسجد خالد ولا ؟
قلت : والله ما عدت أذكر .
قال موجهاً حديثة لسالم : ما رأيك يا أبو الفرج ؟
أجاب سالم : صحيح سيدي .. التقينا عند مسجد خالد وصلينا المغرب هناك .. وكان ذلك بداية تعرفنا عليه .
قال المحقق موجهاً الحديث لي من جديد : وإذا كنت زلمة بتعمل خير ولا .. ليش لتلتقوا بالجامع وانت تعرف أن هناك مخربين وعصابة مجرمين في البلد ؟
قلت : أنا ذهبت بطبيعة الحال مع مازن لنصلي ، وهناك التقينا مع أبي الفرج .
قال ولهجة التهديد المرعب ناطقة على نبرته هذه المرة : اسمع ولا .. إما أن تحكي الصحيح أو تنتهي .. فهمت ؟
أحسست أن الأمر بلغ حده ، وأن اعترافات سالم والمعلومات التي توفرت لهم لن تعفيني من الإصرار على الإنكار ، وأنه صار علي الآن أن أقدم لهم شيئاً ما يدفع عني شرهم .. فقلت :
الحقيقة أنا ليست لي علاقة بالموضوع من قريب ولا بعيد في البداية ، لكنني عرفت في الأخير أن هؤلاء من الإخوان وأنهم يقومون بشيء ما .. ولكن أنا ليست لي أي علاقة .
ومن غير أن أسمع تعليقاً على هذا الكلام أشار كأنما إلى الجلاد فجذبني بعنف ، ورماني في غرفة التعذيب المجاورة وأطلق عصيه وأدوات التعذيب علي ، لكنني نزلت هذه المرة إلى الزنزانة صاحياً ولم يغم علي ، وبعد قرابة الساعتين عادوا فاستدعوني إلى المحقق الذي ابتدرني بلهجة حازمة يقول :
اسمع ولا .. هلق بدك تحكي لنا من طق طق لسلام عليكم .. احك كل شيء تعرفه من ساعة ما طلعت من ... أمك
صراع مع النفس
كانت رهيبة تلك اللحظات بشكل لا يتصوره أحد . أجثو بين أيدي هؤلاء الظلمة كشاة لا حول لها ولا قوة .. مكشوف العورة مفضوح الأسرار . وجسدي كله لعبة بأيديهم يلهون به ويَعْدون عليه بلا رحمة . ومن غرفة التعذيب المجاورة يصلني صوت أخ آخر يستغيث ويصيح .. وهتاف مرٌّ بداخلي يقول لي : تكلم وإلا فالدور عليك ، والصراخ سيخرج للتو من جوفك أنت ! ولا تلبث أنفاس الرحمة أن تنساب في روحي وتهمس بي أن الإعتراف لن يعفيك أيضاً ، فإدانة نفسك تعني المزيد من التعذيب لتعترف بالمزيد من الأسرار ، والمصير في النهاية هو الإعدام المحقق ، مثلما تعني أن إخوة آخرين سيأتون هنا ليلاقوا كل هذا الذي لاقيت وربما أكثر .. وستكر السلسلة ويزداد الضحايا من غير أن ينجو منكم أحد .
دارت هذه الخواطر كلها في خاطري كلمحة برق ، وبدأت أسرد على المحققين الرواية ذاتها موحياً إليهم أنني انهرت وهذا كل ما لدي . وعلمت فيما بعد أنهم كانوا قد استدعوا سالم والدكتور صالح وسألوهما إن كنت أعرف عن محتوى الرسائل شيئاً فنفى الإثنان . وساعدني ذلك كثيراً ولله الحمد .
غير أن الأمر لم ينته ، وتعطشهم لمزيد من الأسماء ومزيد من الضحايا جعلهم يعيدونني إلى غرفة التعذيب ، وأسلموني ثلاثة أيام متواليات إلى الجلادين من غير سؤال أو استفسار . ثم كانت جلسة التحقيق الأخير ، وحاولوا للمرة الأخيرة أن يعتصروا كل معلومة أو اسم ربما لا أزال أحتفظ به ، وألحوا على أسماء المراسلين بالتحديد ، فثبتني الله ولم أذكر اسم أي إنسان بفضل الله ، وأصررت على أن صلتي الوحيدة كانت مع سالم إضافة إلى لقائي بالدكتور صالح تلك المرة . فأرسلوني من جديد إلى غرفة التعذيب ، لأجد من الأهوال ما أنساني كل الذي لاقيت من قبل هناك !
وانقضت ربما خمس أو ست ساعات علي هذه المرة يتعاقب علي الجلادون وأدوات التعذيب بشكل وقاكم الله شره . وعندما صحوت على نفسي في الزنزانة وجدتني على حافة الهلاك بالفعل . لا أتحسس موضعاً في بدني إلا وجدته مدمى أو مصاباً يشتعل من الألم كما تشتعل في الرماد النار !
مسيرة الأرقام !
وحضر السجان من جديد ونادى من وراء الأبواب على مجموعة من الأرقام ليجهزوا أنفسهم .. وأتاني الصوت البغيض :
13 ولا جهز حالك .
وفيما أخذت الأقفال تصطك بالمفاتيح وترتطم المزاليج الثقيلة بزوايا الحديد التي تحوط مجاريها على الأبواب الصلدة ، وبدأ تدافع الأقدام المدماة تتكؤ عليها الأجساد المنهكة يسوقونها مع الصفعات واللكمات ولسعات الكبل إلى المجهول ، انتصبتُ مكاني لأنفذ الأمر ، وجذبت بنطالي المتراخي لأستعد ، فهالني أنه اتسع علي فكأنه أكبر من قياسي بعشر درجات ، وأدركت للمرة الأولى أنني فقدت بين عشرة وخمسة عشر كيلو غراماً من وزني خلال هذه الأيام . ولم أكد أكتشف ذلك حتى فتح الباب وجذبني أحدهم بقسوة ، ودخلت ضمن مسيرة الأرقام المتحركة تسوقها اللطمات والركلات والكرابيج .
وكأنما أحس الجلادون أن اللقاء لن يتكرر ، ولذة الإستمتاع بتعذيب هذه المجموعة ها هي ستنقضي ، فبادروا بالجهد لتعويض الشوق إلى سماع استغاثاتنا وصراخنا ، ثم أركبونا وقد شارفنا على الهلاك سيارة مغلقة ، ونحن قرابة العشرين شخصاً مكبلي الأيدي معصوبي العيون . حتى إذا بدأت بالتحرك سرت التكهنات في سرائرنا وعلى أطراف شفاهنا : هل هي النهاية ؟ أإلى تدمر الآن ؟ أم ربما إلى سجن القلعة ؟ ولم يكن لنا من حيلة إلا الإنتظار . وسرعان ما وجدنا أنفسنا تتوقف بنا السيارة من جديد ، ويأينا الأمر الفظ مع سيل من الشتائم والمسبات بالنزول . ولم تلبث الأيدي القاسية والأرجل والكرابيج أن استقبلتنا بمثل ما ودعونا به هناك ، وساقتنا آخر الأمر نزولاً إلى قبو آخر عميق جداً ، لم نلبث أن عرفنا بعد هنيهة أنه قبو فرع مخابرات التحقيق العسكري
النوم بالتناوب !
أغلق علي باب المكان الذي دخلته وأنا لا أزال مطمش العينين ، لكن يداي كانتا مطلقتين . ولم ألبث أن سمعت همهمة تتزايد حولي ، وأحسست حركة من جهات شتى . وكأنما أتاني نداء خافت بأن أرفع الغطاء عن عيني الآن .. فاستجبت ببطء .. وبحذر . حتى إذا فعلت وكانت المرة الأولى التي أفتح فيها عيني بلا طماشة منذ اعتقالي ، وجدتني وسط مهجع محتشد بالنزلاء ، يكاد عدد السجناء فيه يصل المائة ، في مساحة لا تزيد عن حجم غرفة عادية ! ولم ألبث أن أومأت لمن حولي .. وسلمت ، فتشاغل البعض وأشاح البعض .. ورد الآخرون بصوت منخفض .
وسرعان ما لمحت سالم بين الناس فاقتربت منه بالتدريج . فلما حاولت أن أكلمه همس لي وقال :
لا تقترب مني كثيراً فربما كان هناك مخبرون بيننا !
لكن الحذر بدأ مع مضي الوقت يخف بالتدريج ، وبدأت أتعرف على الشباب ويتعرفون علي ، لنبدأ معاً مرحلة جديدة من هذه المحنة حافلة بالفواجع والأحداث .
كانت ظروف المهجع في غاية السوء . فمع هذا العدد غير المعقول من الناس لم يكن ثمة مكان لقادم جديد . وكنا إذا أردنا النوم تناوبنا على المكان فينام البعض ويظل الآخرون وقوفاً ينتظرون ! وكانت الأنفاس تختلط بنتانة العرق ، وتجتمع معها روائح جراحاتنا المتعفنة في هذا الجو السيىء . ولأن المهجع كان يحتوي على حمام بداخله ، فلم يكن هناك أي فرصة لمغادرته أبداً .
وبقيت على هذه الحال ثلاثة أسابيع تقريباً ، كان الباب يفتح خلالها لإدخال الطعام فقط ، والذي لم يكن يكفي ليقيتنا الكفاف . فنصيب الواحد منا صمونتان عسكريتان جافتان في اليوم ، تصحبهما بضع حبات زيتون أو شيىء من اللبنة أو الحلاوة في الصباح . وعلى الغداء يصلنا بعض الرز أو البرغل مصحوباً بمرقة حمراء . وفي المساء وعلى وجبة العشاء ننال نتفاً من البيض المسلوق أو البطاطس أو حب الحمص المسلوق . صنفاً واحداً فقط ، ومقدار دريهمات منه وحسب !
القمل والجرذان !
ولقد كان من المضحكات المبكيات أننا ونحن في هذه الحالة من الجوع والضيق والمعاناة كان قضاء محتماً علينا أن نشارك الطعام والمقام ضيوفاً من مخلوقات أخرى تؤمن أن كرم الضيافة حق مباح بلا حدود !
كانت الجرذان ، والتي أقسم أن واحدها كان أكبر من القط بلا مبالغة ، تربت على طعام المساجين الذي يحتجزه السجانون عنا ثم يرمونه في القمامة ! هذه الجرذان كانت تتنقل بين المهاجع من خلال قنوات التهوية رائحة غادية ، وأثناء عبورها فوق فتحة المروحة التي كانت أعجز من أن تقدم شيئاً لهذا الجو الموبوء ، كان بعضها يزلق فيسقط بيننا أو علينا ، فيصاب المهجع كله بهستيريا الذعر ، ويتراكض الناس يميناً وشمالاً يريدون أن ينجوا من عضة هذا المخلوق المرعب . ويتدافع الخلق .. ويعلو الصياح .. ولا تنتهي الغارة ويموت الجرذ تحت الأقدام إلا وقد نهش أرجل أربعة أو خمسة منا .
ومع احتشاد المهجع وتزاحم المعتقلين ، وبسبب بعض السجناء القادمين من مواطن موبوءة أو غير نظيفة بالأصل ، بدأت تتفشى فينا أعرض مرض السل ، وانتشر فيما بيننا القمل . وإذا كان البلاء الأول قد أصاب بعضنا وقتذاك ولم يأخذ صفة الوباء ، فإن القمل لم يوفر أحداً من بيننا أبداً ، وانتشر في رؤوسنا وملابسنا وأمتعتنا حتى لم يعد من سبيل لتفاديه . وكنت أنا أكثر الناس الذين قملوا . وكان منظراً اعتيادياً ونشاطاً مشتركاً لسكان المهجع كل يوم أن نخلع ملابسنا ونتابع القمل فيها فنفقأه بأصابعنا كإجراء وحيد متاح للحد أو التخفيف من انتشاره !
إلى الحلاق
وذات يوم ، وبعد أن مضت أسابيع كثيرة على اعتقالنا فطالت شعورنا ولحانا حتى بدونا كالغيلان ، صدر الأمر لنا بالذهاب إلى الحلاق . ومضى الطابور بنا إلى غرفة قريبة يتوسطها كرسي وسجان بمهنة حلاق كان يتناول رؤوسنا كالماعز ويمر بآلة الحلاقة عليها حتى نخرج من بين يديه بالقرعة كرأس البطيخ ! ولم يكن هذا الشخص يوفر الفرصة ليمتع نفسه بشتمنا ولطمنا بين حين وآخر ، وكان واضحاً من لهجته أنه من طائفة النظام .
ولقد كان من المضحكات المبكيات أننا وبعد هذه المهزلة أمرونا أن ندفع للرجل خمس ليرات أجرة حلاقة الرأس الواحد . تولاها الإخوة الذين كانت معهم في أماناتهم بعض النقود ، أو الذين وصلتهم مع طول مدة اعتقالهم زيارات بالواسطة . وبعد ذلك جاء وقت الحمام الجماعي ، وساقتنا اللطمات والركلات وفرقعة الكرابيج على ظهورنا إلى قاعة مفتوحة أدخلوا كل عشرة فيها دفعة واحدة وأمروهم أن يتعروا من ثيابهم ويغتسلوا معاً . والجلادون على الباب يشتمون من شاؤوا ويضربون من اشتهوا ، والجرذان العملاقة تلك على المواسير فوقنا تترقب أن يغفل أحدنا لتنهش منه أو تنقض عليه !
واعتدت حياة المهجع نوعاً ما ، وألفت الإخوة وألفوني . وتعرفت على العديد منهم من محافظات شتى ، أذكر منهم الإخوة حسين رشيد عثمان ، وابن عمه أيمن عثمان من مدينة الباب قرب حلب . وطاهر جيلو من ادلب . وجمال عقيل وجلال الدين جلال من حلب . ومحمد أرمنازي وجهاد كلاس الحلبي و..... جعمور و..... نجار وأسامة فتوحي الجندي من حماة . وتيسير أبو الرز وجهاد حلاق ومأمون العظمة و .... الصفدي وعبد الإله بعلبكي من دمشق وضواحيها . إضافة إلى سالم الحامد والدكتور صالح خوجة . ولقد تم إعدام أكثر هؤلاء الإخوة فيما بعد . وشهدت إعدام بعضهم بنفسي ، وسمعت عن الآخرين من شهود عيان .
إلهي أغثني
ولم يكن هناك في تلك المرحلة تعذيب أو تحقيق بفضل الله ، أو أنه كان لا يذكر قياساً بما سبق في فرع المخابرات . فوجدناها فرصة لا تثمن لنسمع قصص بعضنا البعض ، ومشاهدات وخبرات كل منا ، وأنعم الله علينا فنظمنا برنامجاً للصلوات والأذكار والدروس وحفظ القرآن ، ووقتها أتيح لي أن أسمع الكثير من سالم ومن غيره ، مثلما كانت بداية إقبالي على حفظ كتاب الله ، فكنت ألازم أخاً حافظاً لكتاب الله من حماة اسمه محمد صادق العون فأحفظ عنه ما تيسّر من سورة البقرة حتى جاوزت نصفها .
واستطعنا وقتها وللمرة الأولى منذ اعتقالي وللمرة الأخيرة ربما أن نصلي جماعة ، ورغم أن الحارس كان إذا فتح الشراقة ورآنا نصلي أخرج مجموعة منا وضربهم بلا رحمة ، إلا أننا كنا نعاود فعل ذلك ولله الحمد . ففي تلك الرحلة كانت معنوياتنا لا تزال عالية ، وثقتنا بالفرج وبالنصر كبيرة ، وكنا لا نزال نؤمل أن يأتي المجاهدون بين ساعة وأخرى فيقتحموا السجن علينا ويحررونا !
وأما سالم ، وبعد أن هدأت النفوس وأمِنّا المكان جلس وحدثني ، وروى لي كيف كان اعتقاله وكيف مضى التحقيق معه . وأكد لي أنه حاول أن يصرف عني ما استطاع ، واستسمح مني واعتذر إلي . وكان سالم حقيقة الأمر غير الشخص الذي عرفته من قبل ، فهو شخص بالغ التهذيب رقيق المشاعر بطبعه ، أصلح ما يكون مربياً . لكن قرار رميه في معترك هذه المعمعة لم يكن ليناسب مؤهلاته وشخصيته ، ولذلك كان دائم السهاد شديد الأسى ، يرقب هؤلاء الذين احتشد بهم المهجع بسبب اعترافاته ، ويرى أنه إلى الإعدام مصيرهم ، فلا يملك إلا أن يسكب الدموع وهو يدعو الله تعالى أن يخلصه . ولَكَمْ سمعته ينشد بحرقة ويقول : إلهي أغثني زماني عصيب !
اعترافات سالم
ولقد كان وضع سالم عصيباً بالفعل ، يلازمه هاجس أولئك الذين ينتظرون الإعدام ممن أتوا بسبب اعترافاته ، ويؤرقه آخرون قتلوا لنفس السبب . كان الأخ غالب آلوسي مسؤول دمشق وقتها من أبرزهم .
ولقد جرى كشف غالب حينما تم اعتقال مراسل إدلب طاهر عارف جيلو باعتراف من سالم أيضاً . فجرى تعذيبه ليعترف على موعده مع غالب ، فلما اشتد عليه العذاب ولم يكن بين اعتقاله والموعد إلا يومين أو ثلاثة أعطاهم مواعيد كاذبة ليشغلهم بها عنه . لكنهم كانوا إذا ذهبوا ولم يحضر أحد واكتشفوا الخديعة عادوا لينهالوا عليه بالضرب والتعذيب حتى كادوا يقتلونه .
وكان رحمه الله مصاباً بالقرحة وقتذاك ، إلا أن الله ثبته برغم ذلك كله ولم يعترف . ويبدو أنهم سألوا سالم عن الموعد فأخبرهم ، فأخذوا سالم وطاهر معاً وكمنوا له في المكان عند جامع المنصور . وعندما حضر غالب وتأكدوا أنه الشخص نفسه حاولوا اعتقاله ، لكنه اشتبك معهم - كما حدثني طاهر بنفسه - وأصاب أحد ضباط المخابرات بعينه قبل أن يقتل رحمه الله
شَرَك جديد
ورغم أن سجل اعترافات سالم امتلأ إلى حافته سواء بما أدلى به تحت التعذيب أو ما توصلت المخابرات إليه عن طريق اكتشاف الهويات المزورة والمفاتيح الأخرى ، إلا أنهم كأنما أحسوا أن سالم لا يزال يخفي شيئاً . وكان هذا متوقعاً لاهتمام سالم - كما ذكرت - بتولي كل المسؤوليات بنفسه ومقابلة كل المراسلين شخصياً بأمر من القيادة في عمان . ولذلك رسموا له في فرع المخابرات بالعدوي شركاً جديداً أوقعوه فيه ، وأوقعوا معه مجموعة جديدة من الضحايا .
وكانت الحيلة حينما أمروا سجاناً من المنطقة الشرقية اسمه وائل أن يتودد إلى سالم ويتقرب منه بذكاء وحنكة . فأخذ ذاك يزيد له في الطعام يوماً ، أو يحضر إليه كوب حليب في خفاء مُدَّعَى . ومع الملاطفة في الكلام والرقة في التصرفات نمت العلاقة بينهما وتمت الخطوة الأولى . وفي يوم من الأيام جاء وائل هذا إلى سالم وقال له : أنا في الحقيقة واحد منكم .. ولست في هذا المكان إلا لأنني مجند في الخدمة الإلزامية . وأرى أنه لا بد وأن نستفيد من الفرصة ونحرركم مثلما حصل في كفر سوسة .
ومن المعلوم أن مجنداً آخر في سجن كفر سوسة كان سبق له وأن تعاون مع الإخوة السجناء هناك وتمكن في أيار من العام السابق 1980من مساعدة سبعة عشر منهم على الهرب في حادثة غير مسبوقة . فلما بلع سالم الطعم وسأل وائل عن الكيفية طلب ذاك منه أن يؤمن له صلة بمجموعات مسلحة خارج السجن ليساعدونه ، فأعطاه سالم الأسماء . وفي ليلة واحدة تم اعتقال قرابة اثني عشر شخصاً لم يكونوا مكشوفين أبداً ، أذكر منهم عبد الكريم مهلهل من دير الزور الذي كان يدرس الطب في دمشق ، وآخر من بيت السراج من الدير أيضاً ، أظن اسمه الأول كان محمود . وتم للسلطة ما أرادت ، واطمأنوا إلى أن سالم أفرغ الآن ما في جعبته فنقلوه إلى فرع التحقيق العسكري ، لألتقيه مترعاً بالشجون والأسى هناك .
أحقاد الطائفيين
ومرت الأيام ، واستطعنا التعرف على بعض جلادينا وسجانينا . فرئيس الفرع هو العقيد مظهر فارس من الطائفة العلوية . وأما مدير السجن في هذا الفرع فضابط شركسي ينادونه أبا نزار مسلوب الإرادة كأكثر المسؤولين والضباط من غير طائفة النظام ، على العكس من نائبه المدعو أبو منهل ، والذي كان نصيرياً حاقداً . فكان يقتحم علينا المهجع من غير سبب إلا أن يدلق علينا سيلاً من الشتائم والكلمات القذرة التي طفحت بها حوصلته ويمضي ! ومن السجانين عرفنا واحداً اسمه أحمد سالم وآخر اسمه أحمد غانم من طائفة النظام أيضاً وفي منتهى القسوة والتجبر . وكان هناك رقيباً أول بنفس المواصفات اسمه مالك لا حد لأحقاده وقسوته . فكان لا يدع أحداً يعبر أمامه من السجناء إلا ضربه ، ولا يفوت فرصة لتعذيب الناس إلا اغتمنها . وحتى السجناء الذين كانوا يخرجون من بيننا لإدخال الطعام إلى المهجع كانوا ينالون من بطشه وظلمه بلا حساب .
الكرسي الألماني !
وفي تلك الفترة نمى إلى علمنا أن أخوات من النساء معتقلات في نفس الفرع معنا ، ولكننا لم نلتق أياً منهن . كذلك علمنا أن في السجن شيوعيين من جماعة رياض الترك وبعثيين يمينيين أيضاً ، غير أنهم كانوا قد فرزوا كل اتجاه مسبقاً ولم يتيحوا لنا فرصة للقاء .
ومن المشاهد المؤلمة التي لا أنساها عن تلك الفترة حالة الأخ حسين رشيد عثمان الذي عذبوه بالجلوس على "الكرسي الألماني" في فرع المخابرات بالعدوي حتى أصيب بما يقارب الشلل . والكرسي الألماني هذا عبارة عن كرسي ذو أجزاء متحركة يوثق السجين عليه من ذراعيه وساقيه ثم يسحبون مسنده الخلفي للوراء ساحباً بذلك جذعه الأعلى معه ، فيما تظل قدماه مثبتتان مكانهما من الجهة الأخرى المضادة . فيتركز الضغط على صدره وعموده الفقري . فإذا ازداد تهتكت الفقرات حتى تتكسر . وعندما التقيت الأخ أبا رشيد كان وضعه في غاية السوء . فلم يكن يستطيع تحريك ظهره البتة ، ولم يكن يرتاح لذلك لا في يقظة ولا في منام ، ولا يستطيع لا أن يجلس ولا أن يقف . وانتقل الألم إلى رجله أيضاً فزاد من عذابه ومعاناته . ومع ذلك كان رحمه الله يتحامل على الألم الذي لا يطاق ويصبر ويحتسب .
وكان الأخ حسين عثمان صحفياً في وكالة الأنباء السورية في غاية السرية والإنضباط ، لم ينكشف أمره رغم مضي قرابة العشرين سنة على عمله هناك ، حتى تم تكليفه بمسؤولية المكتب الإعلامي بدمشق في إدارة الأخ سالم الحامد . فلما اعتقل سالم اعترف عليه فيمن اعترف . ورغم ذلك كان أبو رشيد يردد بكل احتساب :
لا بأس .. الله يسامحهم ..كله في سبيل الله .
وعلى طيبه واحتسابه كان أبو رشيد مثال الأخ الصلب الذي ثبته الله في المعتقل ، فلم يعترف بأكثر مما اعترف عليه به سالم ، حتى أنهم أتوا له إلى السجن برئيس أركان الجيش السوري حكمت الشهابي في محاولة لإقناعه بالإعتراف . وكان الشهابي وأبو رشيد صديقان من أيام الشباب ، خرجا من بلدتهما معاً ومضيا إلى دمشق زميلين وصديقين رغم اختلاف إنتماء كل منهما . وعندما حضر الشهابي إلى أبي رشيد في سجنه حاول أن يحضه على الإعتراف . وجعل يقول له - كما أخبرني أبو رشيد بنفسه - :
اعترف يا حسين .. اعترف والباقي عندي .
وجعل يذكره كيف كان والده مختاراً للمدينة التي أتى منها الشهابي .. وكيف كان على علاقة طيبة بالناس ومن خيرة أهل البلد . وأخذ يمنيه بمساعدته إذا تعاون مع السلطة . لكنه لم يصل معه لشيء . وفيما بعد ، وعندما صرنا في تدمر وضمّنا أنا وحسين مهجع واحد حتى يوم إعدامه ، نال رحمه الله عذاباً شنيعاً على هذا اللقاء ، وحاولوا - كما سيأتي إن شاء الله - إقناع حسين بتوريط الشهابي نفسه استناداً إلى ذلك .. لكنه ورغم البون الكبير بين الرجلين فقد أبى أن يورطه بلا ذنب أو سبب ، ورفض التعاون معهم في هذه المؤامرة الرخيصة حتى ولو كان الثمن حياته .
ولم يكن هناك في تلك المرحلة تعذيب أو تحقيق بفضل الله ، أو أنه كان لا يذكر قياساً بما سبق في فرع المخابرات . فوجدناها فرصة لا تثمن لنسمع قصص بعضنا البعض ، ومشاهدات وخبرات كل منا ، وأنعم الله علينا فنظمنا برنامجاً للصلوات والأذكار والدروس وحفظ القرآن ، ووقتها أتيح لي أن أسمع الكثير من سالم ومن غيره ، مثلما كانت بداية إقبالي على حفظ كتاب الله ، فكنت ألازم أخاً حافظاً لكتاب الله من حماة اسمه محمد صادق العون فأحفظ عنه ما تيسّر من سورة البقرة حتى جاوزت نصفها .
واستطعنا وقتها وللمرة الأولى منذ اعتقالي وللمرة الأخيرة ربما أن نصلي جماعة ، ورغم أن الحارس كان إذا فتح الشراقة ورآنا نصلي أخرج مجموعة منا وضربهم بلا رحمة ، إلا أننا كنا نعاود فعل ذلك ولله الحمد . ففي تلك الرحلة كانت معنوياتنا لا تزال عالية ، وثقتنا بالفرج وبالنصر كبيرة ، وكنا لا نزال نؤمل أن يأتي المجاهدون بين ساعة وأخرى فيقتحموا السجن علينا ويحررونا !
وأما سالم ، وبعد أن هدأت النفوس وأمِنّا المكان جلس وحدثني ، وروى لي كيف كان اعتقاله وكيف مضى التحقيق معه . وأكد لي أنه حاول أن يصرف عني ما استطاع ، واستسمح مني واعتذر إلي . وكان سالم حقيقة الأمر غير الشخص الذي عرفته من قبل ، فهو شخص بالغ التهذيب رقيق المشاعر بطبعه ، أصلح ما يكون مربياً . لكن قرار رميه في معترك هذه المعمعة لم يكن ليناسب مؤهلاته وشخصيته ، ولذلك كان دائم السهاد شديد الأسى ، يرقب هؤلاء الذين احتشد بهم المهجع بسبب اعترافاته ، ويرى أنه إلى الإعدام مصيرهم ، فلا يملك إلا أن يسكب الدموع وهو يدعو الله تعالى أن يخلصه . ولَكَمْ سمعته ينشد بحرقة ويقول : إلهي أغثني زماني عصيب !
اعترافات سالم
ولقد كان وضع سالم عصيباً بالفعل ، يلازمه هاجس أولئك الذين ينتظرون الإعدام ممن أتوا بسبب اعترافاته ، ويؤرقه آخرون قتلوا لنفس السبب . كان الأخ غالب آلوسي مسؤول دمشق وقتها من أبرزهم .
ولقد جرى كشف غالب حينما تم اعتقال مراسل إدلب طاهر عارف جيلو باعتراف من سالم أيضاً . فجرى تعذيبه ليعترف على موعده مع غالب ، فلما اشتد عليه العذاب ولم يكن بين اعتقاله والموعد إلا يومين أو ثلاثة أعطاهم مواعيد كاذبة ليشغلهم بها عنه . لكنهم كانوا إذا ذهبوا ولم يحضر أحد واكتشفوا الخديعة عادوا لينهالوا عليه بالضرب والتعذيب حتى كادوا يقتلونه .
وكان رحمه الله مصاباً بالقرحة وقتذاك ، إلا أن الله ثبته برغم ذلك كله ولم يعترف . ويبدو أنهم سألوا سالم عن الموعد فأخبرهم ، فأخذوا سالم وطاهر معاً وكمنوا له في المكان عند جامع المنصور . وعندما حضر غالب وتأكدوا أنه الشخص نفسه حاولوا اعتقاله ، لكنه اشتبك معهم - كما حدثني طاهر بنفسه - وأصاب أحد ضباط المخابرات بعينه قبل أن يقتل رحمه الله
شَرَك جديد
ورغم أن سجل اعترافات سالم امتلأ إلى حافته سواء بما أدلى به تحت التعذيب أو ما توصلت المخابرات إليه عن طريق اكتشاف الهويات المزورة والمفاتيح الأخرى ، إلا أنهم كأنما أحسوا أن سالم لا يزال يخفي شيئاً . وكان هذا متوقعاً لاهتمام سالم - كما ذكرت - بتولي كل المسؤوليات بنفسه ومقابلة كل المراسلين شخصياً بأمر من القيادة في عمان . ولذلك رسموا له في فرع المخابرات بالعدوي شركاً جديداً أوقعوه فيه ، وأوقعوا معه مجموعة جديدة من الضحايا .
وكانت الحيلة حينما أمروا سجاناً من المنطقة الشرقية اسمه وائل أن يتودد إلى سالم ويتقرب منه بذكاء وحنكة . فأخذ ذاك يزيد له في الطعام يوماً ، أو يحضر إليه كوب حليب في خفاء مُدَّعَى . ومع الملاطفة في الكلام والرقة في التصرفات نمت العلاقة بينهما وتمت الخطوة الأولى . وفي يوم من الأيام جاء وائل هذا إلى سالم وقال له : أنا في الحقيقة واحد منكم .. ولست في هذا المكان إلا لأنني مجند في الخدمة الإلزامية . وأرى أنه لا بد وأن نستفيد من الفرصة ونحرركم مثلما حصل في كفر سوسة .
ومن المعلوم أن مجنداً آخر في سجن كفر سوسة كان سبق له وأن تعاون مع الإخوة السجناء هناك وتمكن في أيار من العام السابق 1980من مساعدة سبعة عشر منهم على الهرب في حادثة غير مسبوقة . فلما بلع سالم الطعم وسأل وائل عن الكيفية طلب ذاك منه أن يؤمن له صلة بمجموعات مسلحة خارج السجن ليساعدونه ، فأعطاه سالم الأسماء . وفي ليلة واحدة تم اعتقال قرابة اثني عشر شخصاً لم يكونوا مكشوفين أبداً ، أذكر منهم عبد الكريم مهلهل من دير الزور الذي كان يدرس الطب في دمشق ، وآخر من بيت السراج من الدير أيضاً ، أظن اسمه الأول كان محمود . وتم للسلطة ما أرادت ، واطمأنوا إلى أن سالم أفرغ الآن ما في جعبته فنقلوه إلى فرع التحقيق العسكري ، لألتقيه مترعاً بالشجون والأسى هناك .
أحقاد الطائفيين
ومرت الأيام ، واستطعنا التعرف على بعض جلادينا وسجانينا . فرئيس الفرع هو العقيد مظهر فارس من الطائفة العلوية . وأما مدير السجن في هذا الفرع فضابط شركسي ينادونه أبا نزار مسلوب الإرادة كأكثر المسؤولين والضباط من غير طائفة النظام ، على العكس من نائبه المدعو أبو منهل ، والذي كان نصيرياً حاقداً . فكان يقتحم علينا المهجع من غير سبب إلا أن يدلق علينا سيلاً من الشتائم والكلمات القذرة التي طفحت بها حوصلته ويمضي ! ومن السجانين عرفنا واحداً اسمه أحمد سالم وآخر اسمه أحمد غانم من طائفة النظام أيضاً وفي منتهى القسوة والتجبر . وكان هناك رقيباً أول بنفس المواصفات اسمه مالك لا حد لأحقاده وقسوته . فكان لا يدع أحداً يعبر أمامه من السجناء إلا ضربه ، ولا يفوت فرصة لتعذيب الناس إلا اغتمنها . وحتى السجناء الذين كانوا يخرجون من بيننا لإدخال الطعام إلى المهجع كانوا ينالون من بطشه وظلمه بلا حساب .
الكرسي الألماني !
وفي تلك الفترة نمى إلى علمنا أن أخوات من النساء معتقلات في نفس الفرع معنا ، ولكننا لم نلتق أياً منهن . كذلك علمنا أن في السجن شيوعيين من جماعة رياض الترك وبعثيين يمينيين أيضاً ، غير أنهم كانوا قد فرزوا كل اتجاه مسبقاً ولم يتيحوا لنا فرصة للقاء .
ومن المشاهد المؤلمة التي لا أنساها عن تلك الفترة حالة الأخ حسين رشيد عثمان الذي عذبوه بالجلوس على "الكرسي الألماني" في فرع المخابرات بالعدوي حتى أصيب بما يقارب الشلل . والكرسي الألماني هذا عبارة عن كرسي ذو أجزاء متحركة يوثق السجين عليه من ذراعيه وساقيه ثم يسحبون مسنده الخلفي للوراء ساحباً بذلك جذعه الأعلى معه ، فيما تظل قدماه مثبتتان مكانهما من الجهة الأخرى المضادة . فيتركز الضغط على صدره وعموده الفقري . فإذا ازداد تهتكت الفقرات حتى تتكسر . وعندما التقيت الأخ أبا رشيد كان وضعه في غاية السوء . فلم يكن يستطيع تحريك ظهره البتة ، ولم يكن يرتاح لذلك لا في يقظة ولا في منام ، ولا يستطيع لا أن يجلس ولا أن يقف . وانتقل الألم إلى رجله أيضاً فزاد من عذابه ومعاناته . ومع ذلك كان رحمه الله يتحامل على الألم الذي لا يطاق ويصبر ويحتسب .
وكان الأخ حسين عثمان صحفياً في وكالة الأنباء السورية في غاية السرية والإنضباط ، لم ينكشف أمره رغم مضي قرابة العشرين سنة على عمله هناك ، حتى تم تكليفه بمسؤولية المكتب الإعلامي بدمشق في إدارة الأخ سالم الحامد . فلما اعتقل سالم اعترف عليه فيمن اعترف . ورغم ذلك كان أبو رشيد يردد بكل احتساب :
لا بأس .. الله يسامحهم ..كله في سبيل الله .
وعلى طيبه واحتسابه كان أبو رشيد مثال الأخ الصلب الذي ثبته الله في المعتقل ، فلم يعترف بأكثر مما اعترف عليه به سالم ، حتى أنهم أتوا له إلى السجن برئيس أركان الجيش السوري حكمت الشهابي في محاولة لإقناعه بالإعتراف . وكان الشهابي وأبو رشيد صديقان من أيام الشباب ، خرجا من بلدتهما معاً ومضيا إلى دمشق زميلين وصديقين رغم اختلاف إنتماء كل منهما . وعندما حضر الشهابي إلى أبي رشيد في سجنه حاول أن يحضه على الإعتراف . وجعل يقول له - كما أخبرني أبو رشيد بنفسه - :
اعترف يا حسين .. اعترف والباقي عندي .
وجعل يذكره كيف كان والده مختاراً للمدينة التي أتى منها الشهابي .. وكيف كان على علاقة طيبة بالناس ومن خيرة أهل البلد . وأخذ يمنيه بمساعدته إذا تعاون مع السلطة . لكنه لم يصل معه لشيء . وفيما بعد ، وعندما صرنا في تدمر وضمّنا أنا وحسين مهجع واحد حتى يوم إعدامه ، نال رحمه الله عذاباً شنيعاً على هذا اللقاء ، وحاولوا - كما سيأتي إن شاء الله - إقناع حسين بتوريط الشهابي نفسه استناداً إلى ذلك .. لكنه ورغم البون الكبير بين الرجلين فقد أبى أن يورطه بلا ذنب أو سبب ، ورفض التعاون معهم في هذه المؤامرة الرخيصة حتى ولو كان الثمن حياته .
الصفحة الأخيرة
ا اعتقل سالم يوم 23/8/1980 وشاع نبأ مقتله واطمأن أفراد التنظيم وقيادتهم . لكنني وفي بدايات شهر 10/1980 وفي لقاء لي مع مسؤولي الجديد يحيى فاجأني بأن سالم لم يستشهد واقع الأمر وإنما اعتقل . فلما سألته عن مصدر هذه المعلومة غير المتوقعة قال لي إن عبد المعز شقيق سالم استدعي إلى فرع المخابرات بالعدوي وكان وقتها مجنداً بالخدمة الإلزامية وتم التحقيق معه ثم أفرج عنه . وأنه أحس خلال تلك الفترة بوجود أخاه سالم هناك على قيد الحياة ونقل له ذلك . ورغم أن يحيى طلب مني أن آخذ حذري واحتياطاتي إلا أنني لم أفعل ذلك ، وكأنني بعد أن تكرست في ذهني قصة الشهيد ورواية المقاومة التي نسجتها "النذير" لم أقتنع بما قال ، وأكملت مهمتي وحياتي بشكل عادي ونسيت الموضوع !
وفي يوم الخميس الموافق للثامن من الشهر نفسه ذهبت عند الظهيرة إلى كلية الهندسة لحضور إحدى المحاضرات كالمعتاد . ولم تفاجئني في البداية مظاهر الحراسة المشددة وانتشار المسلحين على الأبواب لأن هذا الإجراء بات اعتيادياً هناك منذ شهور . لكن ما أن توقفت وقدمت بطاقتي لمسؤول الأمن حتى التف حولي عدد من المسلحين قاطعين علي أي تفكير بالهرب . وخلال دقائق لم أتمكن فيها من التقاط أنفاسي كانوا قد غطوا عينيّ وأوثقوا يديّ ودفعوني إلى سيارة انطلقت بي كالزوبعة لتقذفني في مكان لا أعرفه ، تبين لي بعدها أنه فرع قيادة مخابرات منطقة العدوي الذي يرأسه العقيد نزارالحلو
وجهاً لوجه !
استقبلتني من فوري اللكمات والركلات من كل جهة وأنا في طريقي إلى قبو المبنى . وهناك ومع الإجراءات نفسها فتشوني وأخذوا في غرفة الأمانات كل ما كان في جيوبي علاوة على الساعة والحزام ، ومنحوني رقم "13" ليكون اسمي الجديد من الآن فصاعداً .
ودفعوني وأنا لا أزال مطمش العينين مكلبش اليدين إلى مهجع جماعي استطعت أن ألمح فيه العديد من المساجين على مثل حالتي ، والسجان يجلد ظهورهم بكبل في يده . ولم تمض علي دقائق حتى جذبتني الأيدي وأصعدتني مع الركلات والصفعات الدَرَجَ ثانية وأوقفتني فجأة ونزعت الغطاء عن عيني ، لأجد سالم الحامد واقفاً أمامي وقد طالت لحيته وشعره لا ينبس بشفة . ومن غير مقدمات أتاه السؤال :
أهذا هو ؟
قال : نعم .
وفُتح الباب فدلف صالح الخوجة الطبيب الدمشقي الذي كان أحد من أوصلت لهم الرسائل مرة . فسألوه السؤال نفسه ، فأجاب بما أجاب سالم ، وغاب الرجلان عن عيني بعد ذاك .
في الزنزانة
أسقط في يدي ، وأذهلتني المفاجأة بحق ، ومن غير أن يمسني أحد هذه المرة اقتادني عنصر إلى القبو كما أحضرني . وفي الزنزانة الموحشة حيث ألقاني هجمت علي التساؤلات والمخاوف والهواجس دفعة واحدة بلا رحمة : أمي وأبي .. أهلي .. ماذا يفعلون الآن ؟ كيف تراهم يتعذبون من أجلي ؟ يا للمساكين .. سيحاولون البحث عني والتوسط لي بلا شك .. ولن يجدوا إلا الفشل وخيبة الأمل ! لقد انتهيت هذه المرة .. والإعتراف الآن علي متحقق ودامغ . وماذا عن أولاء الذين لا يزالون على صلة معي في سورية ؟ هل تراهم انكشفوا ، أم أنني سأضطر لكشفهم بعد حين ؟ وماذا عن التعذيب الذي ينتظرني ؟ ماذا عن قصص الرعب التي سمعت الكثير عنها ورأيت ملامح بعضها في الأيام القليلة التي أوقفوني فيها المرة الماضية على الحدود ؟ هل انتهى كل شيء حقاً .. هل هي إلا مجرد أيام معدودة ثم تنتزع مني المعلومات وأنال المصير الذي ناله شهداء تدمر قبل أقل من عام
لى التحقيق
إمضى الوقت علي كالطوفان أغرقني وأرعبني ، ولم تلبث الزنزانة أن فتحت من جديد ونادى المنادي :
13 ولا .. هيا .
وساقتني الأيدي القاسية ثانية إلى الأعلى . وعلى باب غرفة التحقيق وجدت الشخص الذي أحضرني ينزع عني ملابسي كلها ويقذف بي من ثم إلى داخل الغرفة مغمض العينين مكبل اليدين عارياً كيوم ولدتني أمي ! ولم يلبث الصوت نفسه أن أمرني بالجثو على الأرض وخفض الرأس ، وحذرني أن أحاول رفع هامتي لأي سبب .
منذ متى وأنت تعرف أبا الفرج ولا ؟
جاءني السؤال هكذا بلا أي مقدمات . أحسست أن شخصاً آخر يطل علي من وراء مكتب في مواجهتي هو الذي طرح السؤال .
من زمن .
قلتها وأنا لا أعرف بعد كيف أخاطب هؤلاء الناس أو أرد عليهم . فالجو المرعب منذ اللحظات الأولى يلغي لدى المرء القدرة على التركيز أو التمييز .
وماذا عن الدكتور صالح خوجة ؟
قلت : أعرفه كذلك من زمن .
كان الدكتور صالح على علاقة مع سالم بالفعل ، وحدث أن قمت بإحضار رسائل إليه من القيادة في الأردن إلى عيادته بحي ركن الدين ، فلما اعتقل سالم كان الدكتور صالح أحد الذين اعترف عليهم كما يبدو ، وكان قد أقر أنه يعرفني كما مر ، ولذلك فلم تعد هناك جدوى من الإنكار .
طيب محمد .. قل لنا الآن لماذا أنت تعرف هذين الشخصين ؟
كانت اللهجة إلى الآن هادئة ، والحديث يدور بشكل عادي في ظاهره ، لكن ذلك كان يزيد من شعوري بالقلق من الآتي وترقب المجهول .
قلت : كان هناك شخص طلب مني أن أوصل لهما رسائل ففعلت .
وما هي هذه الرسائل ؟
لا أعرف . هذا الشخص كان سائقاً على الخط بين عمان ودمشق ، وكان يعمل معي معروفاً فيأتي لي بأغراض من أهلى ، ويأخذ أغراضي إليهم بعض الأحيان . وكان بين هذه المرات يطلب مني أن أوصل رسائل أو نقوداً لهذين الشخصين فكنت أرد له الجميل وأفعل .
كان مازن يوم اعتقالي مسافراً في الأردن ولله الحمد ، وتأكد لي أنه لن يعود بعدها . وكنا واقع الأمر قد اتفقنا على سرد مثل هذه الرواية إذا وقعنا بأيدي المخابرات . ولذلك بدت لي إجابتي منطقية ومترابطة . لكن الرجل تابع يسأل :
ألم تكن تعلم بمحتويات الرسائل ؟
قلت : لا .
قال : في اليوم الفلاني أنت ذهبت إلى الدكتور صالح وأعطيته مغلفاً فيه مجلة النذير ورسائل أخرى من الأردن ، وقلت له أن يأتي على موعد مع الشيخ سعيد حوى إلى عمان . ألا تذكر ذلك ؟
صحيح . أنا أوصلت إليه مغلفاً يومها لكنه كان مغلقاً ، وهو موجود عندكم ويمكنك أن تسأله . وأما مجلة النذير هذه فلا أدري ما هي . وأما بالنسبة للموعد فمازن قال لي أن أخبر الدكتور صالح بأن جماعتك ينتظرونك في الأردن بالتاريخ الفلاني ففعلت ، ولم أكن أعرف أن في الأمر تنظيماً أو ممنوعات