مجاهدة
مجاهدة
أيوه أم عماااااارة حطووول نفسي على طووول ..
أم عمارة 2
أم عمارة 2
المنفردات
وذات يوم من أيام عام 82 القاسية دخل عناصر الشرطة العسكرية المهجع فجأة وأمرونا جميعنا بالإنبطاح . وما أن امتثلنا للأمر حتى أمرونا بالوقوف من جديد . ولم يكن لمثل هذه الأوامر من سبب إلا إرهاقنا وإذلالنا . لكنهم وعندما انتصبنا واقفين لمحوا أخاً بيننا اسمه أحمد فطومة من حماة كان مشمراً قدراً عن ذراعيه . فقالوا له ولطمة من أيديهم المتعطشة للدماء تطاله :
هنت ( أي أنت ) بتتحدانا ولا ؟ قوم للسواليل .
وسحبوا الأخ سيىء الطالع من بيننا واقتادوه إلى واحدة من بضع زنازين منفردة قرب المطبخ يسمون الواحدة منها سالولاً بلغة السجن . واقتادوا أخاً آخر من حمص معه لسبب تافه مماثل . ولقد غادرت المهجع بعد قرابة العام والأخَوَان في السجن الإنفرادي لم يعودا بعد . وبلغني لاحقاً أن الأخ أحمد فطومة مات من التعذيب . ووصلتنا الأخبار بعدها كيف أن العذاب يتضاعف على الإخوة هناك ويجتمع الشرطة كلهم على السجين الواحد بدل أن تتوزع سياطهم واعتداءاتهم على مهجع بأكمله . ولكن وحشة الإنفراد وهول الوحدة في هذا المكان الرهيب تظل في اعتقادي أشد من كل هذا العذاب وأقسى !

من لائحة الجناة
وعلى الرغم من أن أفراد الشرطة العسكرية والرتب التي تعلوهم كانوا يحرصون على عدم معرفتنا لشخصياتهم وأسمائهم . ورغم الظروف القاسية التي كنا نواجهها عندما نكون أمام واحد منهم . إلا أننا وبمرور الأيام تمكنا من معرفة بعض منهم . وكان ذلك يتم على الأغلب من سماعنا واحدهم ينادي الآخر باسمه أو يتحدث عن ثالث منهم فيذكره ويسميه . وهكذا علمنا أن مدير السجن هو المقدم فيصل الغانم الذي نفذت على عهده مجزرة تدمر الكبرى في 26/6/1980 . يساعده النقيب بركات العش ، وكلاهما من الطائفة العلوية ومن محافظة اللاذقية . وكان يقوم بمهمة ما يسمى إدارة الإنضباط المساعد أول أحمد كيساني أو "أبو جهل" كما كنّاه السجناء . يساعده عريف عاصره من عام 80 وبقي إلى عام 84 اسمه فواز . ورقيب أول رافقنا من عام 81 إلى عام 85 اسمه جهاد ، كان لا يجارى في شراسته ولا يفوقه قسوة في استخدام السوط أحد . وكان ثمة رقيب آخر لا يقل عنه لؤماً وبطشاً اسمه شعبان حسين . وهؤلاء جميعاً من طائفة الأقلية الحاكمة . وكان هناك شرطي آخر غاية في الإجرام كان يتفنن في ضرب المعتقلين خاصة أيام "الإستقبالات" اسمه نعيم حنا ، بلغنا أنه مسيحي آشوري .
وعندما غادر أبو جهل السجن عام 82 ، وأشيع أنه هرب إلى العراق - وإن كنا لا ندري صحة تلك الإشاعة - خلفه في مهمته الرقيب فيصل كحيلة ، وهو علوي كذلك من اللاذقية ، وكان غاية في السادية والإجرام ، ولا يحلو له أن يعذب السجناء إلا بضربات العصا الغليظة التي يمكن أن تقصم الظهر أو تزهق الروح . ولقد أشيع كذلك أن فيصل هذا قتل فيما بعد ، وهي مجرد إشاعة تضم إلى كثير مما كنا نسمعه ولم نتأكد منه . وكان يساعده في مهمته عريف اسمه علي شعبان ترفع إلى رتبة رقيب أول لاحقاً . وعريف آخر من القتلة اسمه شحادة من نفس الملة والعلة . وكان من أبرز زبانية تلك المرحلة شرطي من الطائفة ذاتها اسمه سمير كوشري . وكنا نسمية "حيّو" لأنه كان لا يكف عن إطلاق هذه الكلمة كلما انتشى بتعذيب واحد منا !
وبعد فيصل كحيلة تولى مسؤولية إدارة الإنضباط الرقيب أول محمد الخازم الذي استمر في هذه المهمة حتى عزل مع المقدم فيصل الغانم عام 84 ضمن عمليات تصفية مراكز القوى وتسوية الحسابات بين الرئيس حافظ الأسد وأخيه رفعت كما بلغنا ، إثر معافاة الأول من مرضته الشهيرة حينذاك . وقتها آلت مسؤولية السجن إلى النقيب بركات العش بشكل مؤقت . ثم لم يلبث أن استلم هذا الموقع المقدم غازي الجهني ، وهو علوي من قرية المخرّم بمحافظة حمص . فاختار الرقيب محمد نعمة ليكون مسؤول الإنضباط في السجن ، وهو علوي مثله من جب الجراح بمحافظة حمص أيضاً . واستمر العش نائباً للجهني إلى أن انتقل عام 1987 إلى سجن صيدنايا وأصبح مديراً له .






خصومات !
وكان من آثار أحداث حماة أيضاً أن حضرت مجموعات جديدة من السجناء من أهل المدينة . ومن هؤلاء بلغتنا أهوال ما حدث .. وتعرفنا على إخوة جدد صار بعضهم من أعز الناس إلى القلب . ومن هؤلاء لا أزال أذكر الأخ سحبان بركات الذي كان قد اعتقل حقيقة الأمر عام 81 ثم أحضر إلينا بعد الأحداث . ولقد جرى إعدامه فيما بعد رحمه الله . وكان معه ابن عمه صبحي بركات الذي كان طالباً في كلية الطب بجامعة دمشق ، وهو من الطلاب الأذكياء جداً .
كذلك أذكر ممن حضر وقتها أحمد دعدع من حماة الذي أعدم بعد سنة أو سنتين . وغالب هؤلاء الذي أحضروهم اعتقلوا من بيوتهم أو جامعاتهم ولم تكن لهم كلهم صلة مباشرة بالأحداث . ومع هؤلاء حضرت نوعيات أخرى من المعتقلين من عامة الناس الذين انفعلوا بالأحداث واندفعوا للمشاركة فيها من غير تربية مسبقة أو انضباط كامل . ففاجأتهم المحنة من غير أن يستعدوا لها ، وكان بعضهم في بداية الأمر سبباً لنشوء المشاكل والخصومات في المهجع ، لكننا استطعنا استيعاب أكثرهم ولله الحمد ، وتمكنا من عبور تلك المرحلة . فتحسن خلقهم ، وأخذ أكثرهم في الإنضمام إلى إخوانهم والإندماج ببرامج المهجع من حفظ للقرآن ومداومة على الأذكار والعبادات .


فرز الأحداث !
ويبدو أن إدارة السجن لم تكن لتغفل عن هذا أو كأنها كانت تتوقع حدوثه ، ولذلك لم تلبث أن قامت بعملية فرز للسجناء صغار السن أو الأحداث كما يسمون ، فخصصت لهم مهجعا 31 و 34 بالباحة السادسة . ثم لما فتحوا الباحة السابعة فيما بعد نقلوهم إلى هناك ووزعوهم على المهاجع 35 ، 36 ، 37 فيها ، لعزلهم عن إخوانهم الأكبر سناً فلا يتأثروا بأفكارهم أو يتقووا بوجودهم معهم .


جرعة لبن !
مضت قرابة سبعة أشهر لم نعد نسمع فيها عن تنفيذ أحكام إعدام حتى ظننا أن الأمر انتهى ولم يعد هناك المزيد . ورغم أننا لم نجد لذلك تفسيراً إلا أن مشاعرنا مع مرور الأسابيع والشهور جعلتنا نعتقد في أنفسنا توهماً وتأميلاً بأن الإعدامات انتهت ، وأن الفترة السوداء من سجننا قد ولت .
غير أن الأمل سرعان ما تبخر كالسراب ، وتكسرت أجنحة الحلم حينما فوجئنا ذات صباح بالمشانق تنصب من بعد الفجر بقليل ، وبالشرطة يجوبون المهاجع ويسألون عن أسماء بعينها . ولم تلبث أصوات التكبيرات أن علت من جديد .. فأسقط بأيدينا .. وانهارت آمالنا الواهية .. وعدنا يلفنا الوجوم والترقب . حتى إذا فتح الشرطي باب المهجع 26 علينا انتفضنا كلنا وقد بلغت القلوب الحناجر واحتبست أنفاسنا .. وكل منا يتوقع أن يتلو الشرطي اسمه ويناديه للردى . لكن جلادنا لم يناد إلا اسم أخ واحد من بلدة سراقب اسمه عبد الحكيم العمر كما أعتقد . كان مدرس لغة عربية وملازماً مكلفاً حين اعتقل . وكان صاحب فضل علينا في المهجع بدماثة خلقه وحسن معشره ، وبحلقات البلاغة والنحو التي واظبنا عليها حتى تعلمنا منه الكثير . وقال له أن يضب أغراضه لأنه سينقل إلى مدرسة المدفعية بحلب حيث كان يقضي خدمته الإلزامية . ورغم استغرابنا من هذا الأسلوب الجديد إلا أننا قدرنا أنهم إنما أخروا إعدامه لأنه عسكري وحسب ، وأن دوره الآن قد دنا .
وأدرك عبد الحكيم أنها منيته ، وجعل رحمه الله يطوف علينا ويتفرس في وجه كل منا ويردد آخر كلمات له في هذه الدنيا سمعناها :
سامحوني يا شباب .. واللقاء إن شاء الله في الجنة .
فلما وصل بتطوافه إلى مجموعة من أهل بلده كانوا شركاء في مجموعة الطعام في المهجع أوصاهم بأهله وأولاده . لكننا فوجئنا به وعيوننا تتابعه وقلوبنا تطوف معه يستدير نحوهم فجأة ويطلب بعض اللبن كانوا قد وفروه لفطورهم عند المغرب ليأكل منه . وكانت آية والله رأينا فيها مصداق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه : "نفث في روعي الأمين أنه لن تموت نفس حتى تستوفي أجلها ورزقها" .
ووالله الذي لا إله إلا هو أخذ عبد الحكيم صحن اللبن وأكل منه . واتجه بعدها إلى الباب ونحن لا نصدق أنه مفارقنا ، ومضى إلى الإعدام ونفسه رحمه الله تفيض بالرضا والإطمئنان ، وكأنه ذاهب لملاقاة أحب الناس إليه !


لا خضوع !
وفي مهجع السل 23 بالباحة الرابعة حيث كان قد اجتمع على إخواننا هناك كَرْبُ السجن وكَرْبُ المرض أخرج الشرطة يومها أخاً مسلولاً من حلب اسمه يوسف عبارة للإعدام . وقتها لم أكن قد انضممت للمسلولين بعد ، لكنني سمعت القصة عندما صرت واحداً منهم بعد حين . فلقد نادوا الأخ رحمه الله إلى لقاء ربه قبيل صلاة الفجر . فهرع وصلى مع الإخوة الفريضة ثم ودعهم ومضى إلى منيته مقبلاً على الله . وكان من نزلاء المهجع نفسه أخ شاعر موهوب تفجرت مشاعره عندما أبصر الإخوة يساقون رتلاً طويلاً إلى المشانق ، وانسابت مع دموعه ودموع إخوانه قصيدة رقيقة له حفظناها جميعاً وأخذنا ننشدها منذ ذاك يقول فيها :
وسار موكب الجناز في الصباح
مخلفاً وراءه الجراح
وراسماً مسيرة الكفاح
فلا حياة دونما سلاح
من قبلها نادى المنادي هاتفاً مجلجلاً
حي على الفلاح .. حي على الفلاح .
. . .
وسار موكب الشباب في خشوع
لم يعرفوا لغير ربهم خضوع
عيونهم تضيىء كالشموع
تقول للأجيال لا خضوع
من قبلها نادى المنادي هاتفاً مجلجلاً
حي على الفلاح .. حي على الفلاح .


وداع الأشقاء
وتتابع نصب المشانق وتكرر مشهد الزهرات تساق إلى حتفها على أيدي الزبانية الطغاة . وكان من أشد المشاهد إيلاماً كما بلغني يوم أن سمع أخ من بيت العابدي من دمشق اسم أبيه يطلب للإعدام من مهجع مجاور . ورآه يساق أمام عينيه من خلال ثقوب الباب فتزهق روحه على حبل المشنقة . وكان الولد قد اعتقل مع أبيه وهو ابن خمسة عشر عاماً في مرحلة دراسته الإعدادية !
ولم يكن أقل إيلاماً يوم أن طلبوا فيما بعد اثنين من الشباب المعتقلين معنا للإعدام هما طريف حداد وملهم الأتاسي وكلاهما من حمص . وكان معهما في نفس المهجع شقيقاهما بشار حداد ومطاع أتاسي . وعندما تقدم بشار ليودع أخاه طريف ثابت الجنان قال له : اثبت واصبر .. واللقاء في الجنة . والحمد لله أن رزقك الشهادة . ولا تنسانا من الشفاعة .
كذلك خرج من بيننا أخ آخر للقاء الله في تلك الأيام العصيبة هو عبد الغني دباغ من حمص . ثم لم نلبث أن سمعنا بأن أخوين اثنين له في مهجع آخر أعدما بعد مدة وجيزة من الزمان .


تبجحات !
وانتهت أحداث حماة .. وانتهى عام 1982 الذي شهدنا فيه أقسى الظروف وأسوأ المعاملات . وبدأت ذيول تلك المحنة تنجلي شيئاً فشيئاً . ولم نلبث مع مرور الأيام أن وجدنا أنفسنا نتدرج نحو مرحلة جديدة مغايرة من المعاناة .
كانت البدايات حينما أخذ يتناهى إلى أسماعنا أن مدير السجن العقيد فيصل الغانم يقوم بزيارات تفقدية للمهاجع يزجر فيها السجناء ويهددهم مرة .. ويستفسر منهم عن احتياجاتهم ويسألهم عن أحوالهم مرة أخرى ويعدهم خيراً . وبلغنا ضمن هذا السياق أن أحد الإخوة تجرأ ذات مرة وسأله عن سبب منع المعتقلين من الصلاة ، فأجابه الغانم بكل تبجح أن إدارة السجن ليست ضد الصلاة ولا ضد التدين ، ولكن الأرض في المهاجع نجسة ولا تصح عليها الصلاة ! وزاد الراوي أن الشرطة عادوا بعد زيارة الغانم تلك فأوسعوا السائل ضرباً جعله يحرم وكل من بلغه الخبر السؤال والأخذ والرد مع هؤلاء إلى آخر العمر !

وتسارعت الأمور
.. وبدأت المستجدات الغريبة تفاجؤنا مرحلة بعد مرحلة .. فلا نكاد نستوعب للأولى سبباً حتى يَجِدَّ على الساحة جديد . ونحن في ذلك كله لا نبصر إلا عشر معشار ما يدور ، ولا ندرك إلا الجزء الضئيل مما يدور أمام أعيننا .
وكانت البداية الظاهرة لنا حينما خرجنا ذات يوم من أيام سنة 1983 إلى التنفس كالعادة وجعلنا نسير في خطنا كالمعتاد ، فوجدنا الشرطة يستدعون واحداً من سجناء مهجعنا اسمه خالد عوض السالم ، واقتادوه مغمض العينين إلى مساعد السجن الجديد محمد الخازم الذي خلف فيصل كحيلة وقتها فكان شر خلف لشر سلف ! ومن غير أن يفتح خالد هذا عينيه سمع المساعد يأمره أن يرفع رأسه ففعل . فسأله عن اسمه فأجاب . فاكتفى بأن صفعه على وجهه وأمره بالعودة . وعندما بلغنا ما حدث وجدناه تصرفاً طبيعياً طالما تكرر ما هو أسوأ منه بلا أي مبرر . لكن الرقيب جهاد ما لبث وأن عاد إلى المهجع مع عدد من أعوانه وطلبوا أبا عوض معهم . وعندما عاد بعد ساعة من زمن وجدناه غير الشخص الذي عرفنا .
أبو عوض ! كان خالد عوض السالم سجيناً من صوران مات شقيقه - كما ذكرت - على صدره بسبب السل قبل أقل من عام ولفظ أنفاسه بيننا وهو يذكر الله ويشهد له بالوحدانية . ورغم أن الأخوين اعتقلا بتهمة تجارة السلاح إلا أن الفارق بينهما كان كالفارق بين السماء والأرض . فخالد هذا كان معروفاً حتى من قبل اعتقاله بسوء الخلق وفساد الذمة . ولأنه كان فوق ذلك صاحب جسم ضخم وعضلات مفتولة فقد جعلوا خدمته الإلزامية قبل سنوات خلت في الوحدات الخاصة أو الشرطة العسكرية .
كانت أول مفاجأة في عودة أبي عوض أنه ذهب سجيناً وعاد بقدرة قادر رئيساً للمهجع ! وأمر الشرطة أبا الفضل الذي حافظ على مسؤوليته طوال هذه المدة أن يتنحى ويسلم رئاسة المهجع لخالد . ولم يكن على أبي الفضل إلا الإنصياع بالطبع . ووجدنا أبا عوض يتبدل بين ليلة وضحاها . وبدأت شخصيته المتنفذة تطفو على السطح الآن .. وتتبدى عنجهيته بسبب ومن غير سبب .
وصار لأبي عوض - وهو الذي طالما ضاعف الشرطة عليه القتل والتعذيب أثناء الحلاقة والتنفسات بسبب ومن غير سبب - استثناء خاص من الحلاقة .. فطال شعره من دون كل الألوف من هؤلاء السجناء جميعاً ، وأرخى شاربيه فكأنه واحد من الشرطة لا فرق ! ولم تلبث الأسرار أن تسربت من المقربين إلى أبي عوض إلينا ، فحدثهم كيف أنه كان سجيناً ذات يوم في سجن تدمر هذا أيام خدمته الإلزامية جزاء على مخالفة عسكرية فعلها . وكان محمد الخازم رقيباً في نفس السجن وقتها .. فقامت بينهما علاقة ومعرفة . واتفقا على أن ينشئا تجارة لصالحهما بين السجناء ، يقوم محمد الخازم بتأمين مادتها ، ويتولى خالد ترويجها بين زملائه في المهاجع بأسعار مضاعفة مستغلاً حاجتهم لمثل تلك المواد . فلما شاهد الخازم أبا عوض الآن وجده الرجل الأمثل ليحقق به مطالب السيد الكبير مدير السجن الذي أوعز إليه كما تبدى ترويج نفس التجارة بين السجناء البؤساء في تدمر .
ورغم أن ذكرى أخيه لم تكن قد خفتت بعد .. وعلى الرغم من الإهتمام البالغ الذي أولاه الإخوة بخالد نفسه في أشد أيام المحنة مراعاة لوضعه وترقيقاً لقلبه ، حتى أنهم كانوا يؤثرونه بطعامهم لضخامة جسمه ويوفرون له من فتات الطعام الذي يصلهم حصة مضاعفة له وحده . ويتقدمونه في التنفس والحلاقة معرضين أنفسهم لسياط الزبانية وعصيهم حماية له وإخفاء من الشرطة الذين علّموه وقتها بجسمه الضخم فأدمنوا مضاعفة العذاب عليه . برغم ذلك كله فإن أبا عوض لم يحفظ للإخوة ذاك . فها هو ذا يريد أن يتسلط عليهم ويتحكم فيهم وكأنه لم يعد سجيناً وبات هو السجان ! وجعل في سبيل تحقيق غايته يؤلب الناس على بعضهم ويوظف بيننا من ضعاف النفوس جواسيس ينقلون إليه ما الذي يدور بين الحلقات وبماذا يتحدث المساجين عنه . وكان يريد أن يعرف كل صغيرة وكبيرة لينقلها إلى شريكه وسيده الجديد . وصار يسطو على طعام الآخرين ويأخذ ما شاء من الوجبات نوعاً وكماً .. ولم يتورع حتى عن استخدام يديه مع بعض الإخوة والإعتداء عليهم بالضرب تماماً كما يفعل بقية السجانين ! ولا أزال أذكر أن أحد ضحاياه كان الأخ محمد صنوبر حافظ كتاب الله الذي نال منه قتلة ذات مرة لم تقل عن أي من تلك التي يذيقنا إياها جلادونا قساة القلوب ذاتهم !


مهجع المدعومين !
وأخذت الأمور تتطور بالتدريج من حولنا ، فلم نلبث أن تبلغنا في شهر آذار 1983 بتغيّر النظام العام للسجن ، وأنه بات مسموحاً لنا الآن أن نفتح أعيننا ونرفع رؤوسنا أمام الشرطة العسكرية بشكل طبيعي . وبدأنا نلحظ تغيراً نسبياً في تعامل الشرطة وإدارة السجن مع مهجعنا في ظل ولاية أبي عوض عليه . فخفت الضغوط بعض الشيء عنا ، وأوكلت مهام الأمر والنهي داخل المهجع إلى أبي عوض أغلب الأحيان . ولم يعد الشرطة يكثرون من الدخول علينا أو التنكيل بنا . فيما تتالت لقاءات أبي عوض مع محمد الخازم الذي كان يستدعيه إلى الذاتية بين حين وآخر ، فإذا عاد وسئل عما جرى لم يجب إلا بالقشور .
وأخذنا نسمع عن زيارات تتم لبعض السجناء يحضر أهلهم لمشاهدتهم فيحضرون لهم كميات من الهدايا والأموال غير قليلة . وكان ذلك لا يتم إلا للموسرين بالطبع . وبعد واسطات ورشاو فاحشة عرفنا بها من بعد . وفوجئنا من ثم بهؤلاء السجناء يتواردون على مهجعنا واحداً بعد الآخر ومجموعة إثر مجموعة . حتى بتنا نسمي مهجعنا ذاك مهجع المدعومين !
ومع هذه التطورات عاد الطبيب يجول على المهاجع ويقدم بعض العلاجات الأساسية للسجناء ، وتم تعيين مسؤول صحي من السجناء في كل مهجع ، تكون مسؤوليته تقديم تقرير بالحالة الصحية للسجناء إلى الطبيب حتى لا يضطر الطبيب نفسه إلى فحص المرضى والتعرض لاحتمالات الإصابة بالعدوى منهم !


أخوة بالإكراه !
وفي يوم من أيام شهر حزيران عام 1983 فوجئنا بالشرطة يخرجوننا إلى الباحة ويخرجون معنا سجناء المهاجع الأخرى في باحتنا .. وإذ بمدير السجن المقدم فيصل الغانم الذي كان أحد المشرفين على مجزرة تدمر الكبرى عام 1980 يقف فينا خطيباً لأول مرة ويكلمنا بلهجة ما اعتدنا أن نسمعها قط كل هذه الأيام التي خلت .
ولأكثر من أربعين دقيقة جعل يحدثنا أننا فعلنا كذا وكذا ، وأخطأنا بحق الوطن ، ولكننا برغم ذلك نظل إخوة ! ووسط إيعاز الشرطة لنا بين كل جملة من كلامه والجملة الأخرى بالتصفيق تساءل الغانم عن الفرق بين العلوي والسني .. وأضاف فقال بملء فيه : أنا خَيّكُم ( أي أخوكم ) غصباً عنكم .
وبين الإستغراب المطلق والتحفظ المطبق من جانبنا أكمل الغانم محاضرته بالحديث عن اسرائيل التي قامت بمجزرة صبرا وشاتيلا . وقتلت من الأبرياء كذا وكذا . وأن سوريا هي الدولة العربية الوحيدة التي تقف بوجه إسرائيل وأمريكا ! واتجه بالحديث نحونا مرة أخرى فقال : أما أنتم فقد غرر بكم لتقوموا بأعمال ليست في صالح البلد ، غير أن الإبن إذا أخطأ في حق أسرته فإنها تعاقبه ولكنها لا تتخلى عنه .. ولذلك فأنتم الآن تقضون فترة عقاب ، لكنكم ستخرجون بعدها وتحل الأمور .
وانتهت المحاضرة كما بدأت حافلة بالغموض والغرابة . وأخذت التساؤلات والتحليلات والتكهنات تتوالى . لكن شعوراً واحداً غمرنا جميعاً يوحي بأن ثمة تطورات جديدة في الأفق . ولم تلبث الأمور أن أخذت تتسارع لتتكشف على حقيقتها بعد حين .
كذلك طرأ على حال السجن تغيير جدير بالتسجيل وقتها . فلأول مرة وبعد هذا الصمت المطبق طوال الأعوام السابقة فوجئنا بالميكروفونات تنقل لنا بث إذاعة دمشق على الهواء مباشرة 12 ساعة في اليوم . فكانت لنا نافذة نتابع من خلالها أخبار العالم خارج الأسوار ، ومنفساً نخرج منه عن اعتيادية حياتنا القهرية بعض الشيء . وبالطبع فلم يكن مسموحاً لنا من قبل ولا من بعد أن ندخل جهاز راديو إلى مهاجعنا ولا أن نستخدم الورق والأقلام أو الكتب .. وأما المصاحف فكانت كما ذكرت واستمرت إحدى أكبر الممنوعات !


ذيل الثعبان !
غير أن هذه التطورات كلها كانت تخفي وراء وجهها المليح مؤامرة خسيسة .. كان المقدم فيصل الغانم رأسها المدبر وعرابها الخبيث . وكان أبو عوض من جانبنا أداتها القذرة وذيل الثعبان الذي يتحرك لمصلحة الرأس الخبيث بكل خسة ولؤم . ولم تمض مدة من الزمن حتى تبين لنا كيف أن الغانم هذا قد نظم خارج أسوار السجن شبكة من مصاصي الدماء ترأستها أمه نفسها التي كانت تتولى تنظيم زيارات لنخبة من أهالي المعتقلين الموسرين للإجتماع بأبنائهم في سجن تدمر مقابل مبالغ طائلة من المال . لكن ذلك لم يكن يشبع جشع الرجل ، وكان ينظر إلى الأموال التي يأتي الأهالي بها لأبنائهم المعتقلين عساها تدفع عنهم بعض الشر أو المعاناة .. فيراها غنائم مغرية يسيل لها لعابه . ولذلك وحتى يضمن الغنيمة كلها أنشأ شبكة ثانية من العملاء والأجراء داخل السجن مهمتها امتصاص تلك الأموال بطريقة أخرى . كان أبو عوض مخلبها القذر بيننا .. فعرف عن طريقه احتياجاتنا ورغباتنا وحالتنا .. وفي سبيل ذلك كانت خطبته العصماء تلك ، وكانت سلسلة القرارات الإستثنائية التي أحاطت بها .
وهكذا اتجهت الحال بعمومها نحو تغير نسبي . فبات التعذيب نوعياً بدل أن يصيبنا في كل غدوة وروحة . وصار الشرطة يسمحون لنا بالخروج إلى التنفس مفتوحي الأعين نتنعم بالشمس من غير ضرب كثير ولا تعذيب . ثم لا يلبثوا وأن يقوموا بين كل أسبوع وآخر بتعويض السجن كله بحفل شديد مفاجىء من التعذيب ، بحيث يبقى الكل منضبطين يحسبون للحفل القادم ألف حساب . وأما المحاكمات والإعدامات فلم تتأثر بكل هذا الذي يجري ، وظل شبح الموت مخيماً علينا يتخطف الزهرات من بيننا ويطبق على أعناق الشباب الغر ونحن لا نملك في رد ذلك حولاً ولا قوة .


آخر الأنفاس !
وفي ليلة من تلك الليالي كنت أنام بجانب الأخ مأمون الذهبي . وكان المسكين قد أصيب بالمرض فتدهورت صحته بشكل متسارع ومريع . حتى بات وهو الذي كان لاعب كراتيه مفتول العضلات قوي البنية لا يقدر على مغادرة فراشه . ليلتها وفي ساعة متأخرة نام كل من في المهجع ونمت معهم ، مد مأمون يده الواهنة نحوي وجعل يهزني حتى استيقظت . فلما سألته ما به قال لي رحمه الله :
صدري يؤلمني .. اقرأ لي عليه .
فوضعت راحتي على صدره وجعلت أقرأ من الآيات والأدعية المأثورة . حتى إذا سكن وخلته نام عدت إلى النوم من جديد . فلما دنا الصباح صاح فينا أبو عوض كعادته :
الكل استيقاظ .
فقمنا كلنا وبقي مأمون في مكانه تغطي وجهه البطانية ولا يتحرك . فناداني أبو عوض لأوقظه ، فناديته فلم يرد . قال أبو عوض على مشهد من الجميع :
اخبطه برجلك ليفيق .
فكشفت عن وجهه وناديته لينهض . فلما حدقت وجدته قد فارق الحياة . قلت وأنا أكاد أحس آخر أنفاسه لا تزال تتسارع على راحتى :
هذا مات يا زلمه !
فلم يهتز لأبي عوض شعرة ، ولم يزد عن أن مضى ليخبر الشرطة بحالة وفاة جديدة في مهجعه . وهرعت أنا فسحبت مأمون بمساعدة الإخوة فأدخلناه الحمام وغسلناه . ولم يلبث "البلدية" أن حضروا فأخذوه ومضوا


مملكة الوهم !
ونمت مملكة أبي عوض الواهية .. فخصصت له إدارة السجن مكاناً يديره كمتجر أو دكان بقالة كان يبيع فيه السجناء الشاي والخضار والفاكهة والإحتياجات الرئيسية التي كانوا محرومين من معظمها ويقبض على ذلك أفحش الأثمان ! وفي نفس الوقت كان فيصل الغانم يترصد الزوار فيخضعهم كالعادة للتفتيش . فإذا أرادوا أن يعطوا أبناءهم مبلغاً من المال كان له نصيب مباشر فيه . وإذا أحضروا لهم ملابس أو حاجيات أجاز دخول بعضها وصادر بعضها الآخر بحجة أو بأخرى . فيحمل أبو عوض الأشياء التي صودرت ويدور بها على المهاجع ويبيعها للمساجين أيضاً . وهكذا تصب كل الأموال التي أحضرها الزوار المساكين في جيب مدير السجن وشركاه . ولم تكن بيدنا حيلة لوقف هذا الإستغلال المكشوف . وكنا نشتري أغراضنا المسروقة من غير تردد . ففي حالنا البئيس ذاك كنا بحاجة لأي لقمة طعام نتقوى بها أو قطعة ملابس تقينا الحاجة والبرد وتخفف عنا ولو بعض تلك المعاناة .
وهكذا اغتنمنا جشع أبي عوض وحالة الرخاء الظاهر تلك ، فأقبلنا ابتداء على توثيق علاقاتنا داخل المهجع أكثر وقد أمنا مداهمات الشرطة من فوق الشراقة إلى حد ما . وصرنا نتعرف على أحوال بعضنا البعض ، ونتبادل الحكايا والخبرات والمعلومات . ونضاعف همتنا لحفظ سور القرآن الكريم وآياته . وفي هذا السياق صرنا نُخَرِّج حفظة كتاب الله مجموعة إثر مجموعة ، ونعد لذلك حفلاً كبيراً نوفر له من الطعام أو الحلوى التي تصلنا من الزيارات أو من مخصصاتنا اليومية طوال أسبوع أو اثنين . فينال أبو عوض حصة الأسد منه ليسكت عنا ويأذن لنا ، ونوزع البقية علينا احتفالاً بالإخوة الحفظة وتكريماً لهم .

سماح !
أم عمارة 2
أم عمارة 2
سماح !
كذلك استفدنا من ظرفنا الإستثنائي ذاك فصرنا نشتري من بضائع أبي عوض المسروقة أشياء ما ونرسلها مع رسالة مختصرة إلى إخوة أعزاء في مهاجع أخرى . وكنا نتلقى بنفس الأسلوب ردودهم وهداياهم . وعن هذا الطريق صار الإخوة يتأكدون من وجود فلان أو إعدامه . وعن نفس الطريق وصلني إلى مهجع السل أواخر عام 1983 إبريق شاي من أبي الفضل الذي انتقل إلى مهجع آخر بعد مدة يلمح لي به أنه حكم بالإعدام . وكان قد كتب لي على الإبريق يقول : إلى محمد سليم .. محمد جمال سماح . فعلمت أنه يطلب المسامحة لأنه راحل عما قريب . وبالفعل فلم تمض بضعة أسابيع حتى بلغنا أنه أعدم رحمه الله .
وفي المقابل كان أبو عوض ينتفخ وينتشي بالوهم وبعض سقط المتاع . ولقد سمعنا أنه طلب من المساعد أن يسمح لأهله بزيارته مرة فسمح لهم . وتردد أنه هرّب مع أخيه الذي زاره نقوداً من تلك التي جمعها من تجارة الحرام التي امتهنها ، لكن علم ذلك عند الله . وأما ما علمناه نحن ورأيناه فكان آية من آيات الله بالفعل . فلم تمض على هذه المظالم مدة من زمن حتى رأينا الدائرة تدور على أبي عوض ، وينتقم الله من أفعاله الشنيعة شر انتقام . وسيأتي الحديث عن ذلك لاحقاً بإذن الله .


الحزبية الإقليمية !
لم تكن حياتنا في السجن ملائكية أو مثالية . فبينما كنا أيام الشدة نزداد قرباً إلى الله وتجرداً وتلاحماً كنا إذا طال علينا العهد نرتد إلى أصولنا وخلفياتنا ومشاربنا الشتى . وبعد أن مضت هذي السنون علينا يضمنا مهجع موحش باطنه عذاب وظاهره أشد وأنكى . ومع اختلاط الإنتماءات وتعدد المشارب بدأت تظهر بيننا في فترة الإنفراج النسبي تلك اختلافاتنا المذهبية والتنظيمية والإقليمية معاً !
ولقد ظهر ذلك أول ما ظهر حينما استطعنا أن ننظم بعض الدروس الهادئة إذا سنحت الظروف وأمنا الحرس من فوقنا ومن حولنا . فوجدنا الإخوة لم يلبثوا أن أخذوا يتكتلون فرقاً وجماعات تتجادل في البداية حول قضايا المذهبية واللامذهبية .. والإتباع والإبتداع .. وما يندرج تحت هذا الباب من جدل أنهك الأمة قروناً ولم ينته لصالح أحد ! حتى أن الإخوة صاروا يختلفون على الأذان الذي يبلغنا من وراء أسوار السجن قادماً من منارة مسجد مدينة تدمر . وكان وجه الخلاف حول مشروعية الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام جهراً في خاتمة الأذان !
وسرعان ما أخذ الخلاف الذي استشرى مأخذ الحزبية التنظيمية . وطفت على السطح اختلافات تنظيم الإخوان التاريخية بين دمشق وحلب . أو بين جماعة الأستاذ عصام العطار وجماعة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة . واستطاع الإخوة الحلبيون وفق ما رأيت أن يجرّوا الدمشقيين من دائرة الإختلاف التنظيمي إلى دوامة الخلاف المذهبي . وأشاعوا بيننا أن الدمشقيين سلفيون لا مذهبيين . وانعكست هذه الصراعات المقيتة على السجناء كلهم فآذتهم وأرقتهم . وآذت أكثر ما آذت الحياديين وغير المنظمين أصلاً . ورأى هؤلاء في هذا الخلاف أسوأ صورة للجماعات والتنظيمات الإسلامية كلها . ورأيتنا نعود بجدليات الطرفين المتعصبين إلى القرون الوسطى ونتفرق في قضايا لا يبنى عليها عمل أساساً .
وتطور الأمر بسرعة .. أو فقل ارتد الناس إلى خلفياتهم وتشوهاتهم التي أتوا منها ! فبعد أن انتقل الخلاف من الفكر والمذهبية إلى الحزبية التنظيمية انتهى الأمر بسقوط الأطراف جميعاً في وحل الإقليمية الضيقة ! فتكتل السلفيون الموالون للأستاذ عصام في تكتل دمشقي . وأخذ المذهبيون الحلبيون الموالون للشيخ عبد الفتاح طرفهم الإقليمي . واستغل الحمويون التابعون للأستاذ عدنان سعد الدين القضية ليجمعوا الحمويين في كتلة ثالثة ! وانعكس ذلك على المهجع أسوأ انعكاس . وتفرقت القلوب شتى . وانعزلت كل كتلة في دائرة مغلقة تجاور الدائرة الأخرى والثالثة ولا تتداخل معها .. رغم أن المحنة لم تكن تفرق بين أي من هذه الكتل وأصحابها .
ولم تلبث أن تعقدت الأمور أكثر حينما نشأ تيار تكفيري فيما بعد نتيجة هذه الضغوط وتلك الفتن معاً ، فازداد الطين بلة .. واشتد التعصب والتعنت .. وامتدت أحكام التكفير لا لتشمل النظام وأركانه وأعوانه وحسب ، بل كل من لم يلتزم بالفكر التكفيري وقيادته ومنهجه !


السل
كانت أبدان السجناء قد أنهكت إلى أبعد الحدود بعد سنين من العذاب المستمر والجوع والحرمان والعيش في أسوأ الظروف الصحية والنفسية . وعلى الرغم من هذا الإنفراج الظاهر الذي حدث إلا أن الوقت كان قد فات . وبدأ عدد الضحايا يرتفع من جديد .. وتزايدت حالات الوفاة المرضية والإصابات المزمنة ، حتى مات من مهجعنا وحده قرابة الأربعة عشر أخاً لم ندر إلا بعد أن قضوا رحمهم الله أن الذي أصابهم حقيقة الأمر كان مرض السل . وعندما تطورت معرفتنا بهذا المرض الخبيث ووجدنا من يفقهنا في أعراضه وأشكاله علمنا أنه لا يصيب الرئة وحسب ، وإنما هناك سل يصيب الأمعاء وسل بالكلى وثالث بالعظام ورابع وخامس . ولم يكن في مهجعنا حتى تلك الفترة الطبيب المتخصص الذي يقدر على تشخيص الداء ، مثلما لم يكن لدينا العلاج المطلوب حتى إذا علمنا به واكتشفناه .
وواقع الأمر فإن مرض السل تم اكتشافه منذ عام 1982 في المهجع 5-6 بالباحة الأولى . وهو واحد من أقدم مهاجع سجن تدمر . كبير المساحة مظلم الجنبات شديد الرطوبة . ولقد قدر أن يكون أحد نزلائه الطبيب محمود العابد من حماة ، الذي كان أحد أطباء قسم الأمراض الصدرية في إحدى مستشفيات حلب . لكن الإخوة وقتها ومن خوفهم من بطش الشرطة وإحساسهم بانعدام التجاوب أو الإهتمام لم يبلّغوا عن المرض . فلما لاحظت إدارة السجن ازدياد الوفيات وتوافق ذلك مع حالة الإنفراج العامة تلك فتحوا للمسلولين مهجعاً خاصاً في الباحة الرابعة هو المهجع 23 .
ونعود إلى مهجعنا 26 الذي بات الآن في عهد ولاية أبي عوض القسرية عليه أحد مهاجع السجن الخاصة إن لم يكن أخصها جميعاً . وأما السبب فكان - كما ذكرت - اتفاق إدارة السجن مع أبي عوض على تحويل السجناء الموسرين وأصحاب الزيارات والواسطات إلى مهجعنا ليكونوا تحت عينه ورقابته الدائمة .. وتكون الزيارات والنقود التي يرسلها أهاليهم المساكين أدنى إلى جيب أبي عوض وأسياده من جيوب أصحابها أنفسهم !
وفي هذا السياق وضمن عمليات النقل والتحويل جاء إلى مهجعنا مجموعة من الإخوة الدمشقيين أذكر منهم محمد الحوراني ، وسليم الأسد ، وعدنان المؤيد ، وأخ من بيت دبش وغيرهم . وكان سليم الأسد طبيباً من دمشق نقل من مهجع 5-6 بعد أن تعلم من الدكتور محمود العابد هناك فحص المسلولين وتشخيص إصابتهم . ونقل لنا وقتها نبأ اكتشاف إصابات سلية بين السجناء . وأخبرنا عن تخصيص مهجع 23 للمسلولين ، وأن أخاً آخر هو زاهي عبادي من دير الزور والذي كان في سنته الرابعة بكلية الطب تطوع للذهاب إلى نفس المهجع والإشراف على إخوانه المسلولين ، ثم لم يلبث رحمه الله أن أصيب نفسه بالمرض عن طريق العدوى .
وفي يوم من الأيام كنا في التنفس أنا والأخ صبحي بركات أحد أفراد مجموعتي ففوجئت به يستند إلى ذراعي بادي الإجهاد ، وقال لي وهو لا يقوى على إخراج الكلمات أنه يحس بالغثيان وبالدوار ولا يقوى على الحركة . فطلبنا له من الرقيب إذناً بدخول المهجع . وهناك لم يلبث الأخ صبحي أن تقيأ وسقط محلول القوى . وعندما عدنا من التنفس فحصه الأخ سليم فتبين له أنه السل . وعندما حضر الشرطة وأخبرناهم أسرعوا ونقلوه إلى المهجع 35 في الباحة السابعة والذي خصص بدوره في تلك الفترة للمسلولين بعدما ضاق بهم مهجع 23 .
ومر شهر آخر وإذ بي أجدني أعاني من الأعراض نفسها : ارتفاع في الحرارة ، وقلة شهية للطعام .. وسعال وتعرق وإجهاد متزايد . وبعد أسبوع من المعاناة فحصني الأخ الطبيب سليم أسد فوجدني أصبت بالسل أيضاً . وعندما أخبر إدارة السجن بذلك نقلوني بدوري إلى مهجع السل ، وكان ذلك في الشهر السادس من عام 1983 وبعد أيام قليلة من محاضرة فيصل الغانم العامة أمام السجناء .


جرعة العذاب !
دخلت المهجع 35 في الباحة السابعة فوجدت ويا لهول ما وجدت ! أكثر من مائة من الإخوة ألقى المرض بكلكله عليهم فسلبهم نضارة الحياة وسمت العافية . فهذا لا يكف عن السعال وفي يده علبة صفيح صدئة يبصق فيها البلغم والدم . وذاك يتقيأ بين فينة وأخرى ولا يستطيع أن يمسك نفسه . وثالث أصاب السل كليتيه فانتفخ جوفه وكأنه امرأة حامل ! ووجدت المصاب بسل الخصيتين ، وسل العظام ، وسل السحايا ، وسل الرئتين .. وكان على كل أولئك وعلي أن نستخدم الحمام نفسه وأن ننام متجاورين نتبادل العدوى ونتلقاها شئنا أو أبينا .
ولقد كنت أظن أو أؤمل أن تكون ظروف مهجع المسلولين أفضل من غيرها ، لكنني وجدت الأمور كأنها لم تتغير . فالبطانيتان اليتيمتان والعازل على حالهم .. والشراقة والنوافذ المفتوحة كتلك التي في بقية المهاجع . والحرس على الباب وفوق المهجع يروحون ويغدون . وهناك برنامج غير منقوص من التفقد إلى التنفس إلى سوء الطعام ورداءة الظروف . وعندما نكون في الساحة أو يرى الشرطة منا ما لا يسرهم كنا ننال من الضرب والجلد والعذاب ما لم يختلف عن ذاك الذي يناله الإخوة الأصحاء في مهاجع أخرى . ولعل ميزة المهجع الوحيدة كانت في نزلائه المسلولين جميعاً .. وفي جرعة الدواء التي خصونا بها وحسب ! وحتى جرعة الدواء تلك كانت أداة تعذيب وابتزاز لنا .. فلا يكاد ينقضي شهر على توفرها حتى تنقطع وتغيب أسبوعين أو عشرة أيام . فإذا عادت جعلنا نتخوف انقطاعها ونترقب وصولها فنزداد قلقاً على قلق وعذاباً على عذاب .
وهكذا ، ومع اضطراب تعاطي الدواء واستمرار سوء التغذية وقساوة الظروف استمر الإخوة يتساقطون موتى واحداً بعد الآخر حتى عددت أكثر من عشرين أخاً ماتوا من مهجعنا نحن فقط . ومن هؤلاء أذكر الآن أخاً من حمص اسمه عبد الرحمن فليطاني ، وآخر اسمه عبد الساتر مصطفى من نفس المدينة . ومصطفى المصطفى من قرية منخ قرب مدينة حلب . وآخر اسمه الأول مصطفى من حلب أيضاً .

نوبة قلبية
ومن شهداء مهجع السل أيضاً تحضرني قصة الأخ محمد حسن عجعوج من حماة الذي كان من جماعة الشيخ مروان حديد الأوائل . والذي قامت المخابرات السورية باعتقاله من لبنان بعيد اعتقال الشيخ مروان ، وأودع سجن المزة مع بقية من اعتقل وقتها . ومع تطور الأحداث وتصاعد موجات الإعتقال في بداية الثمانينات نقل الأخ حسن إلى سجن تدمر بعد المجزرة الكبرى التي حدثت هناك . وتنقل من مهجع 9 إلى مهجع 11 لألتقيه وقد أصابه السل آخر الأمر في مهجع 35 .
وهناك وفي يوم من الأيام وصل محمد حسن عجعوج نبأ استشهاد أسرته جميعاً أثناء أحداث حماة قبل أقل من عام . وسمع بأن واحداً من اخوته سُحِلَ في شوارع المدينة سحلاً . فلم يتمالك رحمه الله وأصيب بنوبة قلبية قضت عليه .
وصار أمراً اعتيادياً بيننا أن ننادي الشرطي صباح كل بضعة أيام ونخبره بوفاة أحد المرضى ، ثم نلتفت إلى برنامجنا ذاته نكاد لا نحس تجاه الأخ الفقيد بالحسرة قدرإحساسنا بالغبطة أن قبضه الله إليه فاستراح من هذا العذاب !


مغادرون .. وقادمون !
ولم تطل إقامتي في مهجع 28 كذلك ، فلم ألبث أن نقلت من جديد إلى مهجع السل 18 في الباحة الرابعة فكانت محطة قصيرة أخرى ، حدث خلالها أن قامت إدارة السجن بنقل الشيوعيين ومجموعة أخرى من السجناء الأحداث إلى سجن صيدنايا الذي بني حديثاً وقتها . فلما خلا المستوصف من الشيوعيين نُقلت إليه مع مجموعة من السجناء الآخرين . ثم لم نلبث في هذه الفترة العصيبة أن تناهى لأسماعنا وصول دفعة جديدة من المعتقلين حلوا بدلاً عن المغادرين إلى صيدنايا . ولقد بلغنا أن الوافدين الجدد اتهموا بحوادث تفجير باصات وقطارات وقتها ، وأن عددهم كان بين الستين والسبعين ، عزلوهم كلهم في مهجع مستقل وسلطوا عليهم أشد أنواع العذاب حتى قضى عدد منهم حتفه . ولقد كنا نسمع أصواتهم وهم يعذبون ونتلقى نتفاً من أخبارهم من هنا وهناك ، غير أننا لم نلتق بهم ولم نعرف عن مصيرهم شيئاً مؤكداً بعد ذلك .
وبعد أن مكثت هناك فترة تم نقلي ثانية إلى مهجع 29 . ثم لم ألبث أن نقلت مرة أخرى إلى مهجع 28 . وبعد حوالي خمسة أو ستة أشهر تالية نقلت من جديد إلى مهجع 22 في الباحة الرابعة . وفي هذا المكان تعرضت إلى محنة جديدة كدت أن أفقد حياتي بسببها وقتذاك . ورأيت من الأهوال هناك ما كاد ينسيني كل هذا الذي رأيت وعانيت من قبل !


حتى في المنام !
كانت الأسابيع الأولى التي أمضيتها في مهجع 22 كالواحة التي فاجأت عابراً أنهكه العطش وهدّه التعب في صحراء قاحلة . فمن قبل كنا في المهاجع الأخرى معرضين ليل نهار لمراقبة الشرطة من فوق الشراقات . ولم نكن بذلك نأمن شرورهم بسبب كان أو من غير سبب . فلما جئت مهجع 22 وجدته من غير شراقات . ووجدتنا على الرغم من الشدة المحيطة وسوء الأحوال نغتنم هذه الفرصة ونتنعم بها أيما تنعم . فوقتها استطعنا من أن نعود إلى صلاة الجماعة ونؤديها بشكل طبيعي بعد أن حرمنا ذلك كل هاتيك السنين . وصار أحدنا إذا أراد أن يتحدث في الأوقات التي لا يتردد الشرطة فيها علينا وقف وتكلم وأنصت له الباقون وحاوروه وشاركوه .
كذلك كانت تلك الفترة استثنائية بالنسبة لتوفر الطعام أيضاً . فلم يكن عددنا قد جاوز الستين ولكننا كنا نتلقى طعاماً مخصصاً لحوالي المائة والخمسين وفق ما اعتاد الشرطة أن يحشروا في هذا المهجع وفي سواه . ولقد تم اختياري رئيساً للمهجع 22 أيضاً من أول ما وصلت إليه .
لكن هذه النعم لم تطل . ومع اشتداد الأحوال في السجن عام 1988 وازدياد الأوامر صرامة وقسوة فوجئنا بالإدارة تقرر فتح شراقتين في سقف المهجع 22 أسوة ببقية المهاجع الأخرى . وعاد التنفس ليصبح مرتين في الصبح وفي المساء . ومع كل موعد تنفس حفل تعذيب .. ومع كل فتحة باب للتفقد أو لإدخال الطعام حفل آخر . ولم تلبث أن صدرت إلينا الأوامر لأول مرة خلال فترة سجننا بالكامل أن نغطي أعيننا ونحن نيام ! وألزمونا أن يحتفظ كل منا بطماشة دائمة معه ليغطي بها عينيه حين النوم . علاوة على أن يكون النائم دائماً على جنبه باستمرار . فعدنا بذلك إلى وضعية الإنكشاف المستمر للشرطة الذين يتجولون فوق المهاجع باستمرار . وصار واحدهم إذا شاهد من الشراقة أحداً منا يتقلب في الليل خلال نومه أو يتحرك حتى ولو من غير إرادته صاح بالحرس الليلي أن يوقظه ويعلّمه . فإذا أصبح المسكين كان الشرطي وعذاب لا يعلمه إلا الله في انتظاره !
ولكم كان الشرطي يطل على المهجع بعد منتصف الليل يتصيد أحداً يشبع فيه تشهيه للقتل والتعذيب . فإن لم يجد كان أسهل ما يكون عليه أن ينادي على الحرس الليلي ويأمره أن يعلّم نفسه ! بل إنهم كانوا يحضرون في الصباح ويسألون رئيس المهجع أين المعلَّم . فإن لم يكن الشرطي قد علّم أحداً ليلتها قالوا له : أخرج الحرس الليلي من ساعة الثانية عشرة إلى الواحدة مثلاً . فيخرجونه ويتسلون بتعذيبه وضربه من غير أي سبب .
وضاعف الشرطة من ترصدهم للمصلين . وصار أمراً اعتيادياً أن يخرجوا رئيس المهجع ويسألونه عن أسماء الذين لا يزالون يصلون عنده . ولقد حدث ذلك معي مرات عديدة . فأخرجوني وسألوني وضربوني لأقدم لهم أسماء من يصلي أو يُدَرِّس في المهجع !


طلاق بالإكراه
أم عمارة 2
أم عمارة 2
طلاق بالإكراه
ومن مشاهد تلك الفترة التي لا تزال تحضرني قصة طبيب أسنان من دمشق اسمه رضوان العمر استدعوه بعد حوالي تسع سنوات مضت على اعتقاله وأمروه في الذاتية أن يوقع على ورقة طلاق زوجته . وذعر الأخ .. ورفض أن يفعل . لكن جلسة التعذيب التي أتبعت رفضه جعلته يوافق مكرهاً . فكانت من ثم القاصمة له . ووجد نفسه بعد هذي السنوات يفقد زوجه وطفله من غير إرادته ومن دون أن يعرف السبب ، ومن قبلهما فقد شبابه وحريته مع ألوف من خيرة أبناء الوطن مثله . ولا أدري ما الذي حل بالأخ بعدها ، لكن آثار محنته الأخيرة تلك نزلت عليه كانت أثقل ربما من كل ما نزل به طوال سني اعتقاله . ولم يكن له ولا لنا أمام ذلك كله إلا التسليم والإحتساب .

الفأرة !
ولقد كان أمراً شائعاً منذ بدايات أيامنا في تدمر أن يأمرنا الجلادون بتناول بقايا الطعام من بين القمامة وأكلها عنوة ، أو التقاط ذبابة أو صرصار يصادفنا في الباحة وابتلاعه . ولم يكن بعضهم ليتورع عن البصاق على الأرض وإجبار واحد من السجناء على لحس بصاقه بعده . لكننا وعندما حان موعد الطعام في يوم من أيام عام 1989 ووصل الدور على مهجع 18 المقابل لمهجعنا على الباحة الرابعة سمعنا لغطاً من هناك أثار انتباهنا . فأسرعت كعادتي وجعلت أسترق النظر من شق في باب المهجع أستطلع الأمر . فرأيت الشرطة منكبين على رئيس المهجع من بيت خريطة من الزبداني - وكان نقيباً في الجيش قبل اعتقاله - يضربونه ويركلونه وهو عاري الصدر بين أيديهم ويأمرونه بابتلاع شيء بالإكراه يحمله بيده . فلما دققت النظر وجدتها فأرة ميتة ينهالون عليه ضرباً ويجلدونه واحداً بعد الآخر وهم يأمرونه أن يبتلعها . والأخ المسكين برغم كل هذا العذاب لا يستطيع أن يفعل . حتى إذا اشتد عليه الضرب وأرهقه الجلد وخارت قواه دسوا الفأرة في فمه دساً وبلعوه إياها ورموا به في المهجع . وكان يتولى كبر هذه العملية شرطي منهم كان يسمي نفسه أبا غضب . وكان أشد ما يحلو له أن يصفع الواحد منا بكفه التي تملؤ قدراً وتفيض فيكاد يخرق له طبلة أذنه وهو يقول بانتشاء : خذها من أبي غضب ولا !
ولم تمض من الزمن برهة حتى دق رئيس مهجع 18 الباب وأخبر الشرطة بشيء لم أفهمه تماماً . لكنني عدت وسمعت أصداء حديث يدور حول الفأرة . وفي المساء حضر أبو غضب إلى مهجعنا ونادى على المسؤول الصحي لدينا وكان الأخ غسان عبد الباقي من حماة ، وسأله ما الذي يمكن أن يحدث للإنسان إذا أكل فأرة .. هل يموت ؟ وقتها لم يجد الأخ إلا أن يتملص من الإجابة ويقول له لا . قال له أبو غضب : انقلع . وأقفل الباب ومضى . ولم نتبين ما الذي جرى للأخ بالتحديد ، لكننا أدركنا أن ضرراً أصابه ، وأنه لم يكن بالضرر المعتاد . الأمر الذي جعلهم يعطون الأمر بعض الأهمية فيسألون ويستفسرون !


لى المزبلة !
إوهكذا لم ينقطع العذاب أبداً . ولم يتوقف الإرهاب والضغوطات النفسية لا في الليل ولا في النهار . ولم يعد واحدنا ينعم بأدنى حد من الراحة حتى ولو في المنام . فكادت النفوس أن تنهار ، وبلغ الصبر فينا منتهاه . وانتهى الحال ببعضنا أن فقد عقله أو كاد . وفي ليلة باردة من ليالي شهر كانون الأول من عام 1989 صحونا على صوت أحد السجناء من مهجع 20 القريب يصيح ويشتم الشرطي بملء فمه . وسرعان ما حضر عدد من الشرطة العسكرية نحس وقع أقدامهم ونسمع أصواتهم ونادوا عليه يسألونه :
شو مالك ولا ؟
ولم يكن الحوار كله واضحاً لنا ، لكننا سمعناهم يأمرون رئيس المهجع أن يربط الأخ ويضعه في "البخشة" وهو الحمام كما كانوا يطلقون عليه . وفي الصباح جاء مساعد السجن محمد نعمة فأخرجه ورماه إلى الزبانية الذين وضعوه في الدولاب أمام المهجع وانهالوا عليه ضرباً جعله يهز الباحة بصراخه واستغاثته . وعندما أتى وقت التفقد أخرجوه مرة ثانية وجعلوا يضربونه ويعفسونه حتى لم يعد يبلغنا منه لا صوت ولا حركة . ثم أمروا رئيس المهجع أن يدخله . وبعد قليل قرع رئيس المهجع الباب وأبلغهم - ونحن نسمعه بآذاننا - أن واحداً في مهجعه قد توفي . فلم يزيدوا أن قالوا له - والله - :
خذوه وكبوه في الزبالة !
ورأيتهم من شق الباب يسحبون الأخ ويمضون به .. فيما مضى القتلة إلى برنامجهم المعتاد من غير أن يهتز لهم طرف أو تختلج فيهم عضلة !




انهيار
ومع تزايد الضغوط وبلوغ البطش الذي نناله من الشرطة حداً لا يوصف ظهرت بيننا حقيقة الأمر حالات من الإنهيار النفسي لم تكن تدل على ضعف أصحابها قدر دلالتها على درجة التعذيب الوحشي والمعاناة المرة التي تتنزل علينا جميعاً حتى تفتن منا عن دينهم . وفي هذا الصدد أذكر تماماً أن واحداً من السجناء رفض ذات صباح أيقظوه فيه للصلاة أن يفعل . وأخذ الأخ - غفر الله له - الأمر موقفاً من يومها . وصار على الرغم من خلفيته الثقافية العالية يجيب سائليه بأن الله قال ( إن تنصروا الله ينصركم ) . وها نحن نصرناه فلم يجبنا وينتصر لنا فلماذا الصلاة إذاً ؟
وعلى الرغم من فظاعة القول وما تبعه ، ومع أن كل الذين لم يتزلزلوا عن إيمانهم بالله ولم يحيدوا عن إسلامهم كانوا يعانون نفس معاناة ذلك الأخ ويعيشون المحنة مثله ، إلا أننا عذرناه ودعونا له بالثبات والهداية . فإذا كان الفقر وحده كفراً أو يكاد ، فكيف بكل نوازل الفقر والقهر والعذاب والجوع والرعب تتنزل على تلك الفئة العزلاء من غير حول لها ولا قوة طيلة عشر سنوات !



جلدة !
350 لم يمض أسبوع على الجريمة الأخيرة للزبانية في مهجع 20 حتى وقعت محنتي أنا . فبينما كنت وباقي الإخوة في المهجع حوالي الساعة العاشرة صباحاً من يوم 20/12/89 حضر واحد من الشرطة العسكرية وناداني وقال :
رئيس المهجع لهون .
قلت : حاضر سيدي .
قال : شو هالصوت عندك ولا ؟
قلت : ما في عندي صوت سيدي .
قال : لأ الصوت عالي عندك .
قلت : حاضر سيدي بِنْوَطي الصوت .
ومن غير أن يزيد الكلام عن هذه العبارات حرفاً واحداً وجدته يبادرني ويقول :
أنا بدي أعمل هيك وهيك من أمك . شو ؟
فلما أردت أن ألتزم الصمت وأدع الإستفزاز يمر عاد وسألني باستفزاز أشد يريدني أن أجيب فأقع في حبال مكره :
شو ؟
قلت ولم يعد أمامي بد من الإجابة مكرراً ما قال حرفياً : أنا بدي أعمل هيك وهيك من أمك .
فصعق الزنيم وصاح وهو لا يكاد يصدق ما يسمع : أنت عم بتسبني يا ....
قلت أحاول أن أطفىء جهنم هذه التي اشتعلت في قلبه الأسود : لا سيدي . أنت قلت لي أن أعيد وراءك ففعلت !
فتركني هكذا مكاني وذهب مهرولاً إلى الذاتية ، ليعود بعد بضع دقائق ومعه المساعد وجمع من الشرطة يحمل أحدهم الدولاب . وتقدم الرقيب مني وسألني عم حدث فأخبرته . فقال لي مستهزئاً :
انزل في الدولاب إذاً فهذا لن يضرك .
فلم أجد مفراً من الإنصياع . وما أن نزلت في الدولاب حتى نزلت العصي والسياط علي . وبدأت أصيح وأصيح وأصيح .. والألم ينهش جلدي ولحم قدمي اللتين تفتحتا تحت الضرب حتى لم أعد أحس بهما آخر الأمر . وعندما بلغت الضربات حوالي 350 جلدة أطلقوني . فلم أستطع العودة إلى المهجع إلا زحفاً . وارتميت على أقرب جدار وصلت إليه وأنا أكاد أغيب عن الوعي .


فرخ راتب" !
"غير أن وقت التفقد في المهجع لم يلبث أن حان . وكان المفروض أن أنهض وأقدم الصف باعتباري رئيس المهجع . فلما لم أقدر تولى نائبي الأخ عماد ذلك وقدم الصف . لكنهم ولما لم يجدوني أمامهم سألوه عني فأخبرهم أنني مريض . فأمروه أن يخرجني إليهم . فحملني الإخوة حملاً ووضعوني أمام الشرطة لينهال الزبانية علي ضرباً وركلاً من جديد . ويأمرونني أن أخرج لمثل هذا اللقاء كل يوم .
ومن يومها صار لزاماً علي أن أنال ثلاث وجبات من العذاب يومياً على أقل تقدير . وفق عدد المرات التي يفتح علينا الباب فيها . وعدا ذلك تولى في الليل أمري شرطي آخر كنا نسميه "فرخ راتب" لأنه أتى في صوته وشراسته على شاكلة شرطي آخر سبق وعانينا من عدوانيته وجبروته عام 84 اسمه راتب . فجاء "فرخ راتب" هذا أول ما جاء ليلتها وسأل أين رئيس المهجع . فقالوا له أنه مريض ونائم . فأمرهم بإيقاظي . فلما وقفت بين يديه أمرني أن أتولى الحراسة الليلية حتى الصباح . وكانت العادة أن يوزع رئيس كل مهجع هذه المهمة على عدد من السجناء ليكون نصيب الواحد منهم ساعة أو ساعتين من الحراسة وحسب . لكنه ألزمني بتولي المهمة كلها طوال الليل . وانتهت نوبة "فرخ راتب" عند الساعة الواحدة بعد منتصف الليل . وبقيت أنا أغالب النوم وأجتر الألم وأسأل الله الفرج . وعند الساعة الرابعة حضر "فرخ راتب" لنوبته الجديدة ونادى :
حرس ليلي .
فقفز قلبي من مكانه وناديت مجيباً : حاضر .
قال : اشلح بالشورت .
ففعلت وأنا أستعيذ الله بسري من شره ومكره . فلما فعلت أمرني أن أوقظ مساعدي ، فأيقظته . فقال "فرخ راتب" لي :
اجلس جاثياً .
فجلست . وأمر نائبي عماد أن يملأ بيدوناً بالماء ويصبه فوقي . فلم يجد الأخ إلا أن يطيع . وتكرر الأمر ، ونفّذ الأخ . وفي تلك الليلة الباردة من شهر كانون الثاني صب "فرخ راتب" علي سبعة بيدونات من الماء البارد ملأت أرض المهجع وبللت بطانيات كل من كان قريباً من مكاني . فلما انتهى أمرني أن أعاود الحراسة حتى الصباح فنفذت الأمر . وعند الساعة السادسة صباحاً سلم "فرخ راتب" نوبته ومضى . ولم يلبث أن عاد في السابعة وفتح الباب . وأمرني أن أبقى مكاني بالشورت حتى يطلبني من جديد .
وعندما حان وقت الإفطار ناداني إلى الخارج وانهال علي جلداً بالسوط حتى كاد يهلكني . ولم يخفف صراخي ورجاءاتي وتوسلاتي من الأمر شيء . حتى إذا أحس أنه أطفأ ظمأ الهمجية التي لديه أرسلني . فزحفت إلى المهجع زحفاً . وارتميت على الأرض أقرب للغيبوبة مني إلى الصحو . غير أن وقت التفقد لم يلبث أن حل . وخرج مساعدي يريد أن ينوب عني من جديد . لكنهم عادوا وسألوه عني . فلما أخبرهم أنني مريض ضربوه هو الآخر وأمروه أن يناديني لأقدم الصف .
وهكذا مضت الأيام والليالي على هذه الشاكلة أربعة أشهر أو ربما أكثر . حاول الإخوة خلالها أن يساعدونني في مناوبة الليل . فكنت إذا دنت نوبة "فرخ راتب" قمت وحرست . فإذا انتهى قام أحد غيري وسد مكاني . فإذا عادت نوبته أيقظوني لأقف من جديد . لكن الخبيث أرسل في يوم من الأيام شرطياً آخر ليتأكد من سهري . فلما وجد سجيناً غيري يقوم بالمهمة أخرجني وأخرج الحرس الليلي كلهم وجلدنا جميعاً . فصرت أضطر للوقوف الليل كله من جديد . وعندما وجدتهم قد علقوا على الأخ عماد أيضاً وكادوا أن يُجْمِلُونَه بالعذاب معي رأيتني أولى بذلك منه لأنني أنا الذي شتمت الشرطي . فصرت أخرج أغلب الأحيان إلى التفقد وتقدم الصف وتناول نصيبي المقدر من الضرب والتعذيب . حتى ساءت حالتي وأُنْهِكَ بدني وعدت فانتكست بالسل بعد أن شفيت منه . فكان ذلك - سبحان الله - الضارة النافعة . إذ لم يلبث المسؤول الصحي زاهي عبادي أن حضر للكشف على المرضى ، فلما رأى حالتي تلك طلب نقلي إلى مهجع المسلولين . فتم ذلك في شهر نيسان من عام 1990 وأنجاني الله من هذه المحنة وأنا على آخر نفس !


مزيد من المعلومات !
ومما هو جدير بالتسجيل عن عام 1990 هذا أن إدارة السجن أرسلت في شهر شباط تسأل في المهاجع عن آخر شخص جاءته زيارة من أهله أو أقاربه ، فأخبر كل مهجع عن الشخص المقصود . وفي اليوم التالي تم استدعاء هؤلاء جميعاً إلى الإدارة وعُرِضَ عليهم استئناف الزيارات وبعض الميزات مقابل التعامل مع الإدارة بشكل واضح . وطلبوا منهم معلومات محددة عن حال السجناء في كل مهجع ، وعن الأفكار التي يتداولونها ، والقناعات التي لا زالوا يحملونها ، وهل ثمة من يدعو إلى الجهاد من بينهم ، وما مدى استعدادهم للتعامل مع قياداتهم السابقة ، ورأي كل منهم في هذه القيادات . ورغم أن الحدث كان مثيراً وقتها ، وعلى الرغم من بعض اللغط الخافت الذي ساد حينذاك ، إلا أن محن السنين الخوالي جعلتنا نألف أي جديد ونتقبل كل قضاء نازل بالصبر وبالإستسلام .


وفاة زاهي عبادي
عدت إلى مهجع السل 35 مرة أخرى فابتعدت عن "فرخ راتب" ومكره وعن العذاب والقهر بعض الشيىء . وبدأت أتلقى علاج السل المتاح من جديد . حتى إذا تحسنت حالتي واستعدت قواي نقلت ثانية إلى مهجع 28 مع الأصحاء . ولم نلبث أن بلغنا على غير موعد نبأ مفاجىء بوفاة الأخ الحبيب زاهي عبادي بعد كل هذه السنوات التي أمضاها في خدمة إخوانه المسلولين والمعلولين صابراً محتسباً . وكانت الرواية التي بلغتنا أنه أصيب بخراج مفاجىء في قدمه فأخذوه إلى مستشفى خارج تدمر فعاد ميتاً ! لكن ذلك زاد الأمر غموضاً ، وجعلنا نرجح أنه قتل عمداً بعدما أمضى كل هاتيك السنوات متنقلاً بين المهاجع واطلع على الكثير من حالات السجن والسجناء . ولم يكن أي شيء في تلك الغابة مستغرباً .. ولم يكن أي حادث بشع أمراً مستبعداً بين قوم أسهل ما اعتادوا عليه سفك الدماء !


شاهد على مجزرة تدمر
قلت أن بعضاً من المهاجع كانت حينما وصلنا تدمر قبل أكثر من عشر سنوات لا تزال تحتفظ على جدرانها وأسقفها بآثار من مجزرة تدمر الكبرى في حزيران عام 1980 . ولقد حدث فعلاً وأن سمعت كباقي الناس عن المجزرة وأنا لا أزال في دمشق قبل اعتقالي ببضعة أشهر . ولقد تمكن وقتها أحد الإخوة من بيت وطفة من دمشق من أن يحصل على قائمة بأسماء الضحايا من ملفات وزارة الدفاع حيث كان يخدم جنديته الإلزامية ، وأوصلها للإخوة في قيادة دمشق الناشئة وقتذاك . وتم كشف الأخ من بعد وإعدامه في سجن تدمر نفسه . وكان العدد الرسمي كما أذكر في حدود الثمانمائة قتيل . لكنني طوال السنوات التي أمضيتها في سجن تدمر لم أجد بنفسي شاهداً على المجزرة ، حتى جمعتني الأقدار في تلك الفترة بسجين يميني من حماة توطدت علاقتي معه . فقص علي أنه كان معتقلاً منذ عام 1980 مع مجموعة من البعثيين العراقيين . وأن إدارة السجن فرزتهم منذ ذاك ووضعته في أحد مهاجع الباحة الرابعة بشكل منفصل عن سجناء الإخوان أو الإتجاه الإسلامي .
وذات ليلة صدرت الأوامر إليهم كلهم لينقلوا إلى مهجع 29 في الباحة السابعة بشكل مفاجىء . وصبيحة اليوم التالي بلغت أسماعهم أصوات طائرات مروحية تحلق فوق المهاجع وتنزل في مكان قريب . ولم تمض برهة حتى بدأوا يسمعون أصوات الرصاص وانفجارات القنابل وصيحات التكبير في الباحات المجاورة . ثم لم تلبث الأصوات أن هدأت . وعادت المروحيات فغادرت المكان . ولم يتمكن أي من السجناء الآخرين وقتها من معرفة ما حدث . حتى تسربت أخبار المجزرة إليهم مع سجناء جدد حضروا بعدها وسمعوا بها من خارج الأسوار قبل اعتقالهم . وظل هذا الشخص على قيد الحياة حتى قدر لي أن ألقاه وأسمع شهادته . ورغم أنني لا أدري ما الذي حل بهذا الأخ ، إلا أنني أتمنى أن أراه يوماً على منصة الشهادة يروي قصته أمام محكمة عادلة . تعيد فتح ملفات الفظائع التي شهدتها جدران مهاجع تدمر وبقية أوكار المخابرات وسجونها وأقبيتها ، وتطبق في كل الجناة حكم الحق . عل أرواح الأبرياء التي أزهقت من غير ذنب تقر .. وترتفع عن هذا الوطن غباشة الطائفية المقيتة والظلم والجبروت .


هستيريا
أم عمارة 2
أم عمارة 2
هستيريا
ومن مشاهد مهجع السل التي لا تنسى مشهد الأخ بسام الحافظ من حمص الذي فقد القدرة آخر الأمر على تحمل كل هذه العذابات والضغوطات النفسية وما عاد يقدر على تلقي المزيد . فوجدناه في ليلة من الليالي ينهض وسطنا وقد احمرت عيناه فكأنما هما من دم أو نار وراح يطلق عقيرته بالصراخ والعويل . وكان الإخوة كلما حاولوا تهدأته ازداد انفعالاً وتأزماً .
ودخل الشرطي المناوب يستطلع الأمر ، وأمر المسؤول الصحي الأخ زاهي عبادي أن يسكته بالقوة . فلم يجد الأخ إلا أن يعطيه إبرة مسكنة هدأته بالتدريج . وفي الصباح نادى الشرطي المسؤول الصحي ليخرج هذا الأخ إليه . فلما خرج المسكين انهال الشرطة عليه ضرباً وجلداً وأعادوه يكاد يسلم الروح . لكنه وعندما حل المساء عاد وانتفض وكرر ما حدث ليلة الأمس . فعاد الأخ زاهي وأعطاه إبرة ثانية مهدئة . وعندما أتى الشرطي من جديد رجاه أن هذا السجين مصاب بالهستيريا ولا يملك من أمره شيئاً . ووعده أن يبذل أقصى جهده لتهدأته وعلاجه . بعدها طلب زاهي منا أن نكف عن محادثة الأخ بسام . ونصبوا له في زاوية من زوايا المهجع ما يشبه الخيمة وأجلسوه فيها . وظل المسكين قرابة الشهرين معزولاً عنا لا يكلمنا ولا نكلمه بشيء .. أخذ خلالها يتحسن بالتدريج . ثم جرى نقله بعدها إلى مهجع آخر ولم نعد ندري ما الذي انتهت به الحال إليه .


ألفية ابن مالك !
ومضت مسيرة العذاب .. تنهش المحنة من أجسادنا المنهكة وتقتات واحداً منا بعد الآخر ولا تشبع . ولم يكن أمامنا من باب نلتجىء إليه غير المولى تبارك وتعالى .. نتقوى به على محنتنا ونتعالى بالإلتجاء إليه على كل الجراح والعذابات .
ولقد كانت النفوس تضعف حيناً ، وتتقوى من ثم أحياناً أخر . لكن نفسياتنا تفوقت على أجسادنا ولله الحمد . وتمكنت من الثبات أغلب الأحيان حتى ولو انهارت الأبدان وتهتكت الأجساد . فكنا كلما خبت الهمم أو انتكأت الجراح نشد من عزم بعضنا البعض بالدعاء والصلاة والتبتل إلى الله سبحانه وتعالى . ندعوه مع كل فتحة باب ، ونشكره كلما أغلقوا علينا الباب نفسه وبقينا سالمين ! وبعدها وإذا أحسسنا ببعض الأمان عدنا إلى برامجنا التي باتت غذاء أرواحنا ورواء قلوبنا .. درّتها كتاب الله الكريم . حتى إذا أتقن واحدنا حفظه التفت إلى من حوله من إخوانه فتعلم منه ما لديه من علم مفيد . فقه كان أو تجويد أو لغة عربية أو متون . فإذا أنهاها مضى يلتمس تعلم اللغة الإنجليزية أو الفيزياء أو الكيمياء .. وكل ذلك عن طريق المشافهة .
وأما أنا وبعد أن أتقنت حفظ القرآن الكريم كله بفضل الله عكفت على دراسة المتون ، وكان شيخي في ذلك أخ من حلب جزاه الله خيراً كان متقناً لحفظ المتون . فأخذت عنه البيقونية والجزرية والرحبية .. ومن ألفية ابن مالك حفظت حوالي 650 بيتاً ولله الحمد . وظهرت في هذا السياق مواهب وعجائب .. فكان بعض الإخوة يحفظون سيرة ابن هشام ويدرسونها لإخوانهم الآخرين . فلما اتقنها جمع منهم حولوها إلى منظومة أيضاً بالغة الإتقان .


التدمري الشهيد
ومن المواهب الفذة التي ظهرت بين السجناء أخ شاعر نظم مجموعة من القصائد الرائعة كنا نتناقلها بين المهاجع ونحفظها عن ظهر غيب . ولقد بلغنا أن الأخ حكم عليه بالإعدام ونفذ الحكم في كل المجموعة التي حوكمت معه ولم يصل الدور إليه .. ففجر ذلك كما يبدو موهبته الكامنة ، وجعله ينطق بمعاناتنا جميعاً من خلال قصائده الرائعة . ومما لا أنساه من تلك القصائد واحدة أهداها إلى إخوانه في مهجع السل يقول فيها :
سيشرق وجهك خلف الظلام
وصدرك ينزف خلف الحديد
وما كاد يثنيك حقد اللئام
فيا أيها التدمري الشهيد
عليك السلام عليك السلام
. . .
أخي إنا بعد الأذى والهوان
سنعلو على الخلق إنساً وجان
لنا الصدر أو منزل في الجنان
وبعد الأعاصير والزلزلة
كأن فؤادي غدا قنبلة !


راحل عنك ..
كذلك فجرت المحنة موهبة شعرية أخرى في أخ من حلب كتب قصيدة يناجي فيها والدته من خلف القضبان . فتلقاها أخ آخر من مهجعنا برزت موهبته الفذة في تلحين القصائد وإنشادها . فصارت القصيدة لحناً يتنقل على شفاه السجناء من مهجع إلى آخر ومن قيد إلى قيد .. فتشتد بها العزائم وتعلو بكلماتها النفوس :
عندما جاءت يفيض الود منها والحنين
تطرق الباب وفي دقاتها لحن حزين
أتراها تطلب الوصل وترجو أن ألين
أم تراها ظنت القيد يهز الصامدين ؟
. . .
قلت والثورة في نفسي أعاصير تجول
حسبي الله ربي ونعم الوكيل
وحملت الزاد والرشاش وقررت الرحيل
وعلى الباب بقايا من عبارات تقول
راحل عنك أقاسي من جراحي وأسافر
لا أبالي بالمنايا وعلى الطغيان ثائر
أتحدى ظلمة الليل وأحيا لأقاتل
علمتني صحبة القيد وأنغام السلاسل
أن دين الله لا ينهض إلا بالقنابل
راحل عنك أغني للسواقي والبيادر
أملؤ البيداء نوراً ونشيداً وبشائر
ورصاصي للطواغيت إلى النار تذاكر
في سبيل الله ماض تابعاً نهج الأوئل
علمتني صحبة القيد وأنغام السلاسل
أن دين الله لا ينهض إلا بالقنابل .



أنا بعثي !
ولقد كان من ميزات مهجع السل أيضاً اختلاط انتماءات نزلائه وتعدد الإتجاهات التنظيمية والسياسية فيه . فبعد أن كان سجناء مهجع 26 من تنظيمات إسلامية أو من المحسوبين عليهم جميعاً وجدنا أنفسنا في مهجع السل 35 متجاورين مع سجناء من تنظيمات يمينية موالية للبعث العراقي . ورغم أنني وبقية الإخوة كنا ولا نزال نتعاطف مع أي مظلوم امتدت سطوة النظام فسلبته حقاً أو زادته رهقاً ، إلا أنني رأيت أولاء البعثيين في أغلبهم مجرد منتفعين مصلحيين من فلاحي منطقة الجزيرة . جاء البعثيون العراقيون إليهم فاستغلوا فقرهم وحاجتهم وبساطتهم وأمدوهم بالمال فأصبحوا يعبدون رب هذا المال ليس إلا ! ولقد تسبب لنا هؤلاء للأسف بمزيد من المعاناة ، وكانوا مصدر إزعاج حقيقي لبقية المهجع . ورغم أن عددهم تراوح بين عشرة وخمسة عشر إلا أنهم أساؤوا للمجموع مرات كثيرة . فرغم المحنة التي أصابتنا جميعاً إلا أنهم كانوا لا يكفون عن النظر إلينا والتعامل معنا كأعداء تاريخيين .. وكانوا لا يتورعون عن وصفنا رغم كل الذي حصل ويحصل بالرجعية ! ولذلك استباحوا أن يفسدوا علينا للشرطة وإلى حد الإفتراء . فكان أحدهم إذا عنّ له خرج من المهجع وتوجه إلى الرقيب أو الشرطي وابتدره بالقول:
سيدي أنا بعثي
وجعل بعد ذلك يخبره أننا ننظم داخل المهجع دروساً ولنا من بيننا شيخ نتبعه .. وأننا ندعو في دروسنا في المهجع إلى الجهاد ! ولطالما تسبب ذلك في إخراجنا جميعاً إلى الباحة لننال عقوبة جماعية بسبب هذه الإفتراءات .
ولا زلت أذكر من أسماء أولئك اليمينيين واحدا اسمه حسين الحافظ ، وآخر اسمه يعقوب يعقوب ، وثالث لقبه أبو علي .. كانوا كلهم من هذه الشاكلة . وأما من كان صاحب فكر ووعي من اليمينيين على قلته فقد تحول إلى الحق وأعرض عن سفاسف مجموعته منحازاً إلى الإسلام ، وشهدنا منهم من هذا النموذج من أحجم عن ذكر اسمه الآن سائلاً الله له السلامة و الثبات .


الشيوعيون المدللون !
وإذا كان هذا هو حال البعثيين العراقيين معنا فإن الشيوعيين الذين أحسسنا بوجودهم عام 84 كانوا في منزلة أخرى . ففي ذلك العام تم نقل الأخوات السجينات في مهجع المستوصف إلى سجن آخر . ولقد أحسسنا ذلك من خلال توزيع السخرة . فوقتذاك وفي ظل الإنفراج النسبي أوكلت إلينا مهمة توزيع الطعام على مهاجع الباحتين السادسة والسابعة ، وكان المستوصف ضمن هذا النطاق . لكن "البلدية" الموكلين بجلب الطعام أعلمونا في يوم من الأيام بالتوقف عن تقديم السخرة لمهجع المستوصف . وكنا قبل يوم مضى قد لمحنا رتلاً من النساء يغادر المهجع وقد قارب عددهن العشرين أو زاد عليه ، فأدركنا أنهن غادرن هذا المكان ، وسألنا الله تعالى لهن ولنا الفرج والنجاة . فلما خلا المكان أتوا بالشيوعيين إليه . فكنا نلمحهم بعض الأحيان ونسمع بوجودهم . ولما انتقلت إلى مهجع 29 لاحقاً صرنا متجاورين على باحة واحدة . وأصبح من الممكن لي أن أراهم بشكل متواصل وأطلع على وضعهم مباشرة . وكان أمراً مثيراً للعجب أن حالتهم كانت تختلف عن كل بقية السجناء تمام الإختلاف . فكانوا يطلقون شعورهم .. ويخرجون للتنفس بشكل دائم . ويتحدثون فيما بينهم ومع الشرطة بحرية كاملة .. ويدخنون ويطبخون ويستقبلون الزيارات بشكل متواصل . ولم نرهم يعذبونهم أو يضربونهم أبداً .. ولم نسمع بتنفيذ أحكام بالإعدام فيهم . ولم يكن عددهم يجاوز الأربعين .


مصيدة الطليعة !
ومضت الأيام ظاهرها الإنفراج وحقيقتها لؤم صرف وجشع وخسة تعصرنا من كل جنب عصراً . وخلال ذلك لم تتوقف دفعات القادمين الجدد إلى المهاجع مثلما لم تتوقف عمليات الإعدام . وكلما أخذوا من السجناء مجموعة للإعدام أحضروا مجموعة من المعتقلين الجدد بدلاً عنهم . لكن الحدث الجديد الذي زاد الطين بلة والعذاب عذاباً وقتها كان نجاح النظام في استدراج مجوعات من تنظيم الطليعة إلى سورية واعتقالهم جميعاً في خطة محكمة أوقعت عدنان عقلة نفسه بين أيدي المخابرات .
وكان استقبال شباب الطليعة غاية في الوحشية والفظاعة . وفي البداية تم عزلهم في مهجع خاص بهم صبوا عليهم فيه ما لا يوصف من العذاب .. حتى سلخوا جلودهم وهشموا أطرافهم وتركوهم من غير علاج يعانون أشد المعاناة .. إلى أن تعفنت أرجلهم المتقيحة وتفتحت جروحهم المتعفنة وسرت فيهم الغانغرينا فقضت على عدد غير قليل منهم . وبعد مدة وزعوا من بقي من هؤلاء الإخوة على بقية المهاجع ، كان منهم أخ من حلب التقيته اسمه أيمن عنجريني تم إعدامه فيما بعد . وآخر لم ألتقه ولكنني سمعت عنه وبلغني أنه أعدم بعدها وهو طاهر العلو من قرى حلب . ومن هؤلاء سمعنا بما جرى .. وبلغتنا أخبار الأحداث بالترتيب .. بدءاً بالشَرَك الذي أوقعهم فيه النظام عبر عميل مدسوس في صفوف التنظيم اسمه محمد جاهد دندش ، وانتهاء بوحشية التعذيب الذي لاقوه قبل أن ينقلوا إلى مهاجعنا .
وملخص ما حدث مع تنظيم الطليعة الذي توزع أكثر أعضائه بين الأردن العراق بعد أحداث حماة أن قيادته قررت العودة إلى الداخل لمعاودة بناء قواعدها وبدء مواجهة جديدة مع النظام . فالتقط جاهد دندش هذا الخيط وأوحى للطليعة أنه قد أمن لهم الطريق الآمنة والأدلاء الخبراء لإيصال العناصر إلى حلب . وبدء نزول الشباب عن طريق الحدود التركية السورية مجموعة بعد أخرى يتقدمهم عدنان نفسه . كان جاهد والمخابرات السورية يستقبلونهم أولاً بأول دفعة وراء دفعة ويرسلوا إلى قيادة الطليعة في الخارج الإشارة المتفق عليها فيما بين النازلين والقيادة إشعاراً بسلامة الوصول . حتى اكتمل نزول قرابة السبعين أخاً سقطوا جميعاً بين أيدي النظام لا حول لهم ولا قوة .
ولم نعلم عن مصير عدنان عقلة نفسه شيئاً مؤكداً ، إلا أن بقية الإخوة تنقلوا من فرع العدوي إلى التحقيق العسكري فتدمر . وزاد من معاناتهم ومعاناتنا معاً أنهم كانوا شديدي الإنغلاق على أنفسهم مثلما كانوا شديدين وجريئين في أحكامهم على قيادات الإخوان وتقييمهم لهم . وكانوا بعد هذا الإحباط الذي أصابهم والمشاكل التي عانوا منها من قَبْل مع قيادة الإخوان لا يتورعون عن وصمهم بالخيانة والعمالة ، ويحملونهم مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في حماة وفيما قبلها وبعدها . الأمر الذي استفز عناصر الإخوان في المهجع وهم يرون قياداتهم التاريخية ورموز تنظيمهم تجرّح على الملأ ، وأحدث بيننا سبباً جديداً للقلق وللتوترات .


أين الخلل ؟
وتسبب هذا اللغط بحدوث فجوة كبيرة حقيقة الأمر بين أهل المهجع .. وطفت على السطح لأول مرة خلافات التنظيمين بهذا العمق لتنعكس علينا ونحن كلنا أسرى المحنة نفسها . لكن الأخطر من ذلك انعكاس هذه المهاترات على نفوسنا وقناعاتنا الداخلية . فمن قبل لم نكن نعرف عن هذا الخلاف الكثير .. وأكثر ما كان يبلغ أسماعنا في السابق الحديث عن الخلاف بين جماعة الأستاذ عصام العطار والقيادات الأخرى . وكان الخلاف يبدو لنا فكرياً محضاً .. لم يتسبب في إراقة دماء أو وقوع أحد في براثن النظام . ولم يكن الحديث عن ذلك الخلاف يصل بين أطرافه إلى هذا الحد من الإحتداد . أما الآن وبعد أن رأينا الذي رأينا وسمعنا اللغط والإتهامات التي سمعنا صرنا نتساءل في سرائرنا عن حقيقة ما حدث . ونراجع حساباتنا ونقلب دفاترنا العتيقة في خبايانا ونتساءل : هل كان الناس الذين مشينا وراءهم من هؤلاء أو أولئك على هذه الحال فعلاً ؟ هل هناك عملاء ومدسوسون في تلك القيادات التاريخية بالفعل ؟ هل هو دخان من غير نار .. أو أن الأمر مجرد مبالغات وردود فعل وحسب ؟ وإذاً فما مقدار الخلل الحقيقي .. وأين موقعه .. ومن المسؤول عنه ؟
ولقد زاد من تشابك الموضوع وتعقيده أن الذين أخذوا يشاركون فيه لم يكونوا كلهم من أهل الإنتماء بالأصل . ولم يكن لدى الجميع قدر واحد من التربية ومن المعرفة أو من الحكمة .
وواقع الأمر فقد أدى فتح الجروحات العتيقة تلك بعد هذه السنوات المريرة من العذاب والقتل والموت إلى إحباط نفسي لدينا ، وأوقعنا في فتنة جديدة كنا أشد الناس حاجة للبعد عنها ، وأحدث في صفوفنا شرخاً كبيراً ترك أثره العميق فينا .. وبقيت ظلاله الداكنة تحز في القلوب إلى يومنا هذا .. وتوجع كلما تحركت أكثر مما أوجعت كل عذابات الجلادين الظلمة .. وتؤلم أشد من ألم السياط بكثير .


تصفيات جماعية
وما لا ينسى من أيام عام 1984 المريرة أننا شهدنا فيها أحد أكبر عمليات الإعدام الجماعي إن لم تكن أكبرها على الإطلاق . فبعد انقطاع تنفيذ الأحكام عدة أشهر في تلك الفترة فوجئنا بالمشانق تنصب ذات يوم في الساحة السادسة بأعداد كبيرة ،وراح الزبانية يخرجون من الإخوة المعتقلين فوجاً إثر فوج إلى حتفهم . يومها قدّر الإخوة الذين تمكنوا من مشاهدة جانب مما يجري من خلال شق في الباب عدد الذين أعدموا بمائتين من غير مبالغة ، كان من بينهم كما بلغنا الأخ يوسف عبيد من دمشق . ومع تسرب الأخبار فيما بعد قدرنا أن تلك الإعدامات ترافقت مع حالة النزاع التي حصلت بين رأسي النظام حافظ الأسد وأخيه رفعت ، والتي شهدت حشودات عسكرية حقيقية بينهما . وفسرنا ما حدث بأن رفعت كان يهيؤ نفسه لاستلام الحكم بعد المرض الذي ألم بأخيه ، ولذلك أراد أن يصفي أكبر قدر ممكن من السجناء وينهي كل خطر مستقبلي محتمل



المدير الجديد !
ولكن الأخ الأكبر تعافى بقدرة قادر ، وعاد يمارس سطوته على البلاد والعباد ، وهاله أن يجد النخر دبَّ في أركان النظام وبين رؤوسه المقربين ، فبدأ - مثلما تسرّب بعد ذاك - حملة تطهير وإعادة توزيع للأدوار . وفي هذا السياق طالت التغييرات إدارة سجن تدمر ، ووجدنا الشرطة العسكريين يطلبون رؤساء المهاجع لاجتماع مشترك في شهر تشرين الأول من عام 1984 . وذهب رئيس مهجعنا فيمن ذهب ، فلما عاد بعد قليل ونحن متلهفون لسماع الأخبار أخبرنا أن مدير السجن قد تغير ، ورحل معه مساعد الإنضباط وسمسار الضحايا محمد الخازم . وأن المدير الجديد هو مساعده ونائبه النقيب زكريا العش . وأنه اجتمع بهم وهم مغمضو العيون وحذرهم من أن التراخي الذي ساد في الفترة الماضية قد انتهى .. وعاد النظام الآن وعاد الإنضباط . ورجع نظام إقفال العيون أمام الشرطة .. والويل كل الويل للمخالفين !
ولم تمض برهة من الوقت ونحن لم نكد ننتهي من أسئلتنا وتساؤلاتنا بعد حتى حضر الشرطة لأخذ التفقد . فصاحوا فينا فور دخولهم أن نغمض أعيننا ونقف بوضع الإستعداد . وما لبثوا أن ساقونا إلى خارج المهجع وانقضوا علينا ضرباً وصفعاً وجلداً حتى سلخوا جلودنا . وبدأنا من يومها مرحلة جديدة من الشدة والعذاب . وعاد التفقد الصارم والتنفس المقيت والقتل والتعذيب والإهانات . وكان الإعفاء الوحيد للمسلولين من الحمام رحمة تقينا عذاب تلك الساعة ، لكنهم سرعان ما عوضوها بمضاعفة العذاب علينا في التنفس !
وتوقف بث الإذاعة عنا من حينها . وصدر الأمر من ذلك الوقت بتكميم أفواه الخارجين للإعدام فلم يعد يسمع لواحدهم قبل أن يطوق عنقه حبل المشنقة صوت ولا تكبير . وعاد البطش أشد علينا من السابق . ثم لم يلبث أن اشتد أكثر وتضاعف بحضور المدير الجديد اللواء غازي الجهني لاستلام منصبه بعد قرابة شهرين . فارتفعت وتيرة البطش إلى أقصى درجاتها . وعاد الشرطة إلى ممارسة التعذيب الوحشي من جديد . حتى أنهم أخرجونا في أحد الأيام للتنفس مغمضي العينين كالعادة تلاحقنا السياط والعصي والكرابيج . فكان قدر أخ من حلب اسمه عبد الباسط دشق أن تصيبه ضربة من هؤلاء الزبانية على عينه مباشرة فتفقأها . فعاد المسكين عندما عدنا تغطي الدماء وجهه ، وهو لا يكف عن التقيؤ من شدة ألمه . وعندما دق مسؤول مهجعنا الصحي وقتها الأخ علي عباس من ادلب ليخبر الشرطة بحال الأخ ، لم يجرؤ أن يقول لهم أن أحداً منهم أنفسهم فقأ عينه ، بل اعتذر وسألهم العفو وهو يقول لهم بأن أحداً من مهجعه سقط في الحمام ففقئت عينه !
لكن أحداً لم يبال ، ولم تسفر المحاولات المتكررة عن شيء . وحينما تكرم طبيب السجن وحضر لمعرفة سبب شكواه بعد يومين أو ثلاثة لم يزد عن أن أعطاه بضع حبوب مسكنة ومضى . وظل المسكين يعاني عذاباً لا يوصف شهوراً عديدة من غير أن يهتم به من هؤلاء الزبانية أحد .


تأديب !
وعلى الرغم من هذا البطش أو ربما بسببه قام واحد من المعتقلين اليافعين من ادلب من بيت سيد عيسى نزيل مهجع الأحداث 36 بالتصدي ذات يوم لواحد من الشرطة آذاه كما يبدو في الباحة أثناء التنفس فهجم عليه الشاب وضربه . ورغم أن الحادثة كانت عفوية لا تعدو أن تكون ردة فعل انفعالية وحسب ، وعلى الرغم من أن الشرطي رد عليه وقتها وأشبعه ضرباً ، إلا أن الأمر أخذ بعداً كبيراً . فأدخلوا السجناء إلى المهاجع كلهم ، وحضر مساعد السجن الجديد محمد نعمة بنفسه يحقق في الأمر . وأخرجوا الأخ المسكين فأجلسوه في الدولاب وانهالوا عليه ضرباً وجلداً حتى كادوا يزهقون روحه . وبعدما انتهوا أخرجونا نحن سجناء الباحة السابعة كلنا وضربونا ضرباً مبرحاً حتى يؤدبوننا ويقتلون فينا أي مشاعر محتملة بالتمرد . ولذلك لم يكن الإخوة يردون على أذى الشرطة واعتداءات جلادينا لسببين : فهم يعلمون أولاً أن النتيجة محدودة إن لم تكن منعدمة ، فيما سيكون الخطر متحققاً وغير محدود ، وربما أفضى بالشخص إلى الهلاك . ولخشيتهم ثانياً أن تتسبب أعمال كهذه في إيقاع الأذى ببقية السجناء من غير سبب ولا حاجة . وكان الشعور السائد أننا وقعنا بأيدي الظلمة بقدر الله ، وأننا إذا احتسبنا وصبرنا فهو خير لنا من أن نتسبب لنا ولمن حولنا بمزيد من المفسدة والأذى


آية الله في أبي عوض !