السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اخواتي الحبيبات مجاهده واصيل اشكركن على حسن المتابعه وانا من اسبوع لم ادخل المنتدى
وذالك لوعكه صحيه المت بي ومازلت اعاني منها ولاتهدء اعصابي ولاارتاح واباشر اعمالي المنزليه الا بتناول اقوى المسكنات ارجوكم اخواتي ادعوا لي فانا بامس الحاجه لدعئكن
ايتها الحبيبات وانا والله كان باعتقادي ان الموضوع غير نتابع واذبي اجد ردودكن فحمسني
هذا لمتابعة المشوار الذي بدئته
اختكم ام عماره
لى المنفردة من جديد
إمضت قرابة ثلاثة أسابيع على وجودنا في المهجع الجماعي لنفاجأ صبيحة أحد الأيام بالسجان يفتح الباب ويطلب مجموعة من الشباب بأسمائهم . وعندما عادوا بعد فترة لم تطل سألناهم عم جرى فقالوا إنهم أمروهم أن يوقعوا على أوراق وحسب . ما الذي فيها ؟ لم يدر أحد . وتكرر الأمر وتتابع إخراج الشباب حتى شمل كل الذين اعترف عليهم سالم . وبعد يومين وما كدنا ننهي عشاءنا حتى جاءني الطلب مع ثلاثة أو أربعة إخوة آخرين ، فطمشونا وكبلونا من جديد ، ووجدناهم يقودون كل واحد منا إلى زنزانة منفردة ويقفلوا عليه .
مرت بضع ساعات علي أترقب أي جديد دون نتيجة . ولم يلبث البرد أن بدأ يزحف على جسدي ، وينخر مفاصلي وعظامي . ولم يكن في الزنزانة أية بطانية أو غطاء ، ساعتها افتقدت نعمة الإزدحام في المهجع التي أمنت
لنا الدفء على أقل تقدير ! ولم أكد أتكور على نفسي محاولاً بث الدفء من جزء من بدني إلى الجزء الآخر حتى أخذ القمل ينشط فيّ ويبدأ عضاته التي لا ترحم ولا تُتَّقى ! ولم تلبث أصوات أخ يعذب أن انطلقت تشق ظلمة الليل ، فأدركت أنني قريب من غرفة التعذيب التي لم نكن نحس بوجودها في المهجع . وازداد الصراخ ، وطال العذاب ، عذاب الأخ يليه الأخ وعذابي أنا . وأخذت الهواجس تطبق علي وتنهش نفسي المنهكة . وعدت إلى مخاوفي التي سكنت بعض الشيء بملاقاة الإخوة والإستئناس بهم في المهجع ، وها أنا ذا هنا من جديد لا أنيس حولي آنس به ولا جليس أشكو مرارة حالتي إليه .
ومضت الأيام علي أسير هذه الزنزانة الموحشة .. يفتح السجان الباب علي الآن ثلاث مرات في اليوم للخروج إلى الحمام .. وليته لم يكن يفعل . فتلك كانت فرصة مالك السجان الموتور وأمثاله ليسلخوا جلودنا بالكبلات من جديد ، ويفرغوا فينا من سموم أحقادهم ما وسعهم الجهد . فإذا عدت عادت إلي الأوجاع والبرد والجوع والكوابيس .. عرضة في أي وقت لنزوة سجان يفرغها في بدني المنهك من غير أي سبب أو تفسير . فلا أملك إلا البكاء والتضرع إلى الله تعالى أن يخفف عنا . وبعد مضي عدة أيام وجدتهم يستدعونني إلى غرفة التحقيق ويسألونني عن أسماء وأشخاص لم أكن أعرفهم بالفعل . فرفعوا الطماشة عن عيني وعرضوهم أمامي . فقلت لا أعرفهم . وتكرر الأمر ، ثم وجدتهم في المرة التالية يعرضونني أنا على أخ معتقل لا أعرفه ، لكنهم لما سألوه هل تعرفه قال نعم . ولقد علمت بعدها أن الأخ كان أحد من كشفتهم اعترافات سالم أيضاً ، لكنني لم أعرف لماذا قال أنه يعرفني رغم أنني لم أره من قبل بالتأكيد . ولم ألمه فيما قال وقدرت أن التعذيب لا بد وأن طاله مثلما طال البقية . لكن ذلك كان من أصعب الأمور حقاً . فالواحد لا يكاد يصدق أنه أغلق الأبواب عليه وانتهى من دوامة العذاب والتحقيقات ليأتي من يفتح عليه الباب ويعيده إلى مسلسل الرعب من جديد !
باب جديد !
وفتح الباب علي .. وعادت ليالي العذاب والجلد والسلخ والكهرباء . عشرة أيام أو ربما تزيد من التعذيب : أين هي المخابىء ؟ أين أماكن السلاح ؟ أين فلان ومن هو علان ؟ وأنا لا أعلم عما يتكلمون عنه شيئاً أبداً . والكبلات تأكل من جسدي وتشرب السياط من دمي ولا مغيث ! حتى أشرفت على الهلاك فعلاً ولم أعد أستطيع جذب النَفَس . ويبدو أنهم اقتنعوا ببراءتي هذه المرة وشعروا أنه ليس لدي شيء بالفعل فتركوني . وعدت إلى المنفردة ألعق جراحي وأستجمع كياني المحطم ثلاثة أو أربعة أيام تاليات ، لم يطلبوني فيهن إلى التحقيق أو يخرجوني إلى التعذيب .
ومن غير مقدمات وجدتهم في ليلة تالية نادوا علي ضمن قائمة مطولة من الأسماء أذكر منهم إذا أسعفتني الذاكرة الإخوة : هيثم ملا عثمان وجمال عيار من حلب . ووضاح الدن من قرى حلب كذلك . وقاسم موسى من مدينة تدمر . وحسين رشيد عثمان من الباب . ومحمد ثابت ناعس و نديم منصور من ادلب . ومحمد طاهر مصطفى وابراهيم أحمدو من أريحا . ومصطفى الشر من جسر الشغور . وشريف البعث من ادلب . وعمر الحيدر وحزين قاسم المحاميد من معرة النعمان . وابراهيم طوبل وعمر حمزة من المعرة أيضاً . وشاكر مومه وكمال أندورة من دمشق . وأخ من حماة هو شقيق محمد فخري .
وانتهت تلاوة الأسماء . وأمرونا أن نجهز أنفسنا جميعاً لرحيل جديد . إلى أين ؟ لم يقل أحد بالطبع . ولم يكن لأي منا القدرة حتى على الهمس . ووجدناهم يفتحون علينا الزنزانات ويسوقوننا تحت السياط ولسعات الكبل واللكمات ككل مرة إلى الذاتية ، فنستلم أماناتنا ، ونكمل تحت وابل اللكمات والركلات إلى سيارة النقل المغلقة ذاتها أو سيارة اللحمة كما كنا نسميها . فنكبل كالعادة ونطمش ، وتقيد رجل واحدنا برجل الآخر ويده بيده ، ويودع كل منا بلطمة أخيرة منتقاة ، لنجد أنفسنا أكثر من أربعين شخصاً محشورين في تلك العلبة المغلقة .. تتحرك بنا تحت جنح تلك الليلة نحو رحلة أخرى من المجهول !
الذاتية
وتوقف الضرب فجأة بإشارة من أبي جهل ، وأتاني صوته القبيح :
راسك بالأرض ولا وغمض عينيك .
وساد المكان سكون رعيب لبرهة من زمن . فلما أدرك أن الدرس الأول وصل المجموعة كلها صاح من جديد :
قل حاضر سيدي ولا .
قلت ورأسي في الأرض وعيناي مغمضتان : حاضر سيدي .
قال : كم عملية إنت عامل ولا عرص ؟
قلت : ولا عملية سيدي .
قال وكأنني أنا الذي أشتمه : ولا عرص .. بتكذب ؟
وانهالت الكبلات والسياط علي من جديد . وجعلت أتلوى على الأرض كالذبيحة لا أدري أين المفر . والإخوة وجوههم كلهم إلى الجدار وصياحي وعواء الشرطة من حولهم وحولي يفتت أعصابهم ويفري قلوبهم . ولم يلبث الدور أن تحول ونادى أبو جهل من جديد :
واحد واحد من هون يا خَوَن اطلعوا لبرة .
وساقتنا اللطمات والكرابيج من جديد إلى باحة أخرى تتصدرها غرفة الذاتية ، أجلسونا خمسة خمسة أمامها وبدأوا يدخلوننا واحداً تلو الآخر إليها ، والشرطة خلفنا يركلوننا بأرجلهم أو يصفعون رؤوسنا بأيديهم ويلسعون ظهورنا بالكرابيج والكبلات وهم لا يكفون عن شتمنا وتوعدنا وتهديدنا :
هلق بنفرجيكم يا خَوَن .. هلق بس تخلصو يا ويلكم .. والله لنعمل ... بأمهاتكم واخواتكم .. والله الموت مصيركم يا ..
ولم يكن الزبانية كاذبون في ذلك ، فلقد اعتادوا قتل الناس بأنفسهم وفعلوا ذلك مرات لا تعد . ووفوا وعدهم في المستقبل وأزهقوا من أرواح الإخوة من نفس الدفعة عدداً ربما فاق من بقي منهم على الحياة !
التعليم !
لم يكن الفجر قد طلع بعد ، والبرودة التي أطبقت علينا من كل اتجاه ونحن في ملابسنا الصيفية الخفيفة التي اعتقلنا بها زادت عليها برودة الإسمنت الذي أجلسونا فوقه ننتظر أن نلج غرفة الذاتية تلك . فلما حان دوري وقد كدت أتجمد رغم السياط التي أصابتني دخلت فوجدتهم يسألونني كالعادة عن اسمي وسني وعنواني .. وعلمت أثناء ذلك أننا اليوم في العاشر من شباط عام 1981 . فلما علموا أنني أردني الجنسية ثارت ثائرتهم وانتفضت أوداجهم وانهالوا علي ضرباً ولكماً وشتماً بأقذع الألفاظ . ولم يكن معنى ذلك أنها غضبة ساعة وحسب . فلقد تبين لنا لاحقاً أن الشخص الذي يلقى معاملة خاصة من هذا النوع ساعة استقباله في الذاتية فقد "تعلّم" . و"التعليم" معناه أن الشرطة قد ميزوه عن غيره لسبب ما .. وأنه محتم عليه بالتالي الهلاك لا محالة .. في العاجل أو في الآجل القريب . غير أن الله سبحانه قدر ولطف ، وحدث أن تغيرت النوبة التي استقبلتنا في تلك الأثناء .. وذهبت مجموعة الشرطة التي كانت علّمتني وقتذاك وحضر آخرون فاتتهم هذه الملاحظة عني .. فأنجاني الله من موت محقق !
المهجع 26
مضت ثلاث أو أربع ساعات على حفل استقبالنا هذا وسطعت علينا الشمس فهالنا أن نبصر أنفسنا وكأننا سرب طيور منتوفة الريش ! ومن قبل أن نلتقط أنفاسنا صاح بنا أحدهم أن نلبس ثيابنا ونمشي . ومشينا .. نازفي الجروح مطأطئي الرؤوس . لكن السياط والكبلات لم ترحمنا . ووجدنا أحدهم يهوي علينا بعصا لا أظنها والله إلا جذع شجرة .. إذا هوت على الظهر فلقته . فإذا أصابت الرأس أو الصدغ فالواحد ميت لا محالة !
وكان معنا أخ من ادلب اسمه نديم منصور أصيب أثناء اعتقاله بطلقات رصاص في ساقه وساعِدِهِ ولم يكن يستطيع السير . فتقدمت أنا وأخ من حلب اسمه جمال عيار وحملناه . أنا أمسكه من كتفيه وجمال يرفعه من رجليه . وركضنا وركض الشرطة وراءنا يضاعفون علينا العذاب .. وكدنا مرات عديدة أن نقع ويقع الأخ معنا . ولم نكن ندري إلى أين سينتهي هذا الجري بنا .
وجعلنا ندخل من باحة إلى أخرى ونعبر من باب إلى باب حتى وصلنا آخر الأمر إلى الباحة السادسة من السجن ، ووجدنا أنفسنا نساق إلى مهجع كبير فيها هو المهجع السادس والعشرون . وهناك وبعد أن اكتمل وصولنا وجدناهم يصفوننا على الجدار من جديد ، ومضى الشرطة فختموا لكل منا بضربة عصا على ظهره الدامي لتهد ما يمكن أن يكون تبقى من جََلَدٍ فيه . حتى إذا هدأت الأصوات وسكنت الحركات دخل المساعد أبو جهل المهجع .. وافتتح كلمة ترحيب جديدة حافلة بأقذع المسبات وألفاظ الكفر بالله .. وزف إلينا وسط عباراته الناضحة بشرى وصولنا سجن تدمر .. تدمر التي ستكون فيها نهايتنا .. نحن الخون العرصات العملاء ال.... .
وانتهت الكلمة الترحيبية بنا ، وخرج أبو جهل يتبعه الزبانية ، ووجدنا الباب يغلق علينا ، وصمت كصمت القبور يلفنا . وسرعان ما ألقى كل منا بدنه المنهك على الأرض .. يود لو أن مال الأرض كله بين يديه فيفتدي به ساعة من غير عذاب !
السخرة
ومضيت أتحسس جراحي وألملم بدني المنهك في سكون .. وانشغل كل منا بحاله فلا تسمع إلا اضطراب الأنفاس وأنات الألم تنطلق بين تارة وأخرى فلا يلبث صاحبها أن يكتمها ويشد على الجراح بصمت .
وانقضت ساعتان أو أكثر بقليل ، وفتح الباب فجأة ودلفت دفعة جديدة من المساجين الجدد تجاوز السبعين أغلبهم شباب في مقتبل العمر من طلاب الثانوية العامة أو الجامعة .. علمنا لاحقاً أنهم كلهم من مدينة حمص ، وأنهم نالوا مثل العذاب الذي نلنا ، ولكننا لم نسمع أصواتهم لأن إجراءات الإستقبال تمت كذلك بعيداً في الباحة الأولى مثلنا . غير أن الشرطة لم يحرمونا من أن نتنعم بسماع صيحات الألم والعذاب ، فلم يلبث أحدهم أن فتح الباب ونادى فينا وكأن له ثأر قديم يريد أن يشتفي منه :
وين المعلّم ولا ؟
فعلمنا أن الأمر جد إذاً ، وأن الأخ لا بد وأن ينال عقوبة تلك النظرة الخاطفة . وخرج المسكين وكان اسمه صالح الوقاع أستاذاً لمادة العلوم من مناطق دير الزور . وانهال عليه الشرطي لطماً وصفعاً وجلداً ، وصراخه يصم آذاننا ويشوي قلوبنا ولكننا لا نملك له إلا الدعاء .
ولم يكد هذا المشهد أن ينتهي حتى فتح الباب مرة أخرى ونادى عنصر من الشرطة فينا :
من كان منكم عسكري ولا .
غير أن أحداً منا لم يجب . أعاد السؤال فسكت الجميع . وفي المرة الثالثة رفع أحدنا يده وكان اسمه وضاح الدن من قرى حلب وقال :
أنا سيدي .
قال الشرطي : أنت عسكري ولا ؟
أجاب نعم سيدي .
قال الشرطي وهو يرمقه بقرف : ماشي الحال .. قدم الصف لأشوف .
فوقف الأخ وفق الإجراءات العسكرية ونادى فينا :
انتب......ه . است......رح . است......عد .
وفي الوقت الذي لفنا الإضطراب ولم نعلم بم نتصرف صاح الشرطي فيه :
بتقول استرح استعد المهجع جاهز للتفتيش حضرة الرقيب . تفعل ذلك كل ما سمعت أي حركة على الباب يا ...
فطور بالإكراه !
وخرج حضرة الرقيب .. وجعلنا نحوقل في سرائرنا ونسأل الله اللطف والستر .. ولم يلبث أن فتح الباب من أجل إدخال الفطور . وقفز الأخ من مكانه وصاح بنا اللازمة التي تعلمها :
انتب......ه . است......رح . است......عد .
ولكنه تلعثم قبل أن يعلن جاهزية المهجع للتفتيش فلم نكن قد عرفنا بعد كيف يكون ذلك أو كيف ننفذ هذا الأمر في هذه الظروف . ونادى الرقيب وهو يكاد يزمجر :
السخرة .. وين السخرة ولا ؟
ولم يكن قد مضى على وجودنا في المهجع وقت يكفي لنلتقط فيه الأنفاس فكيف لنا أن نفكر بالسخرة وبالطعام ! فلما وجد الرقيب الحالة لم تنضبط والأمر لم ينفذ سحب الأخ وضاح إلى الخارج وانهال عليه صفعاً وركلاً ، فلما انتهى رمى به إلى الداخل ونادى من جديد :
من كان منكم عسكري يا ...... ؟
في تلك المرة خرج الأخ جمال عيار وأجاب . وكان جمال أو أبو الفضل كما كنا نناديه خريج المدرسة الشرعية بحلب يخدم الجندية الإلزامية حين اعتقل . وكان رحمه الله ممتلىء الجسم قصير القامة ، فناداه الشرطي سائلاً :
انت عسكري ولا ؟
قال بثبات واحتراف : نعم سيدي .
قال له : أدخل الفطور الآن .
ودخل علينا جمال بطشت بلاستيكي فيه بعض قطع الجبن وأرغفة الخبز العسكري الجافة ذاتها . تبعها بسطل من الشاي يبعث منظرة على القرف . ولم يكن لأحد لا قدرة وقتها ولا شهية لتناول شيء ، لكننا وجدنا الشرطي ينادي من فتحة السقف فوقنا ويصيح :
الكل واقفاً ولا .
فانتفضنا وقوفاً كلنا .
وجهك عالحيط ولا .
استدرنا من غير أن ننسى هذه المرة أن نغمض أعيننا ونخفض رؤوسنا نحو الأرض .
رئيس المهجع . شيل قطعة الجبنة وطعميهن هالعرصات واحد واحد .
فأخذ أبو الفضل يطوف علينا ويدس في فم كل منا قضمة جبن . فلما انتهى ناداه الشرطي من جديد :
املأ قصعة الشاي وشرّب هال... بالتناوب .
ونفذ جمال ما أمر الشرطي به . وجلسنا من ثم في أماكننا صامتين واجمين . وقتذاك كانت الشمس قد سطعت وتسللت أشعتها الدافئة من نوافذ المهجع العليا فنشرت فينا الدفء والإرتياح لبرهة . غير أن الباب لم يلبث أن فتح من جديد فقفز جمال ونادى باللازمة . ودخل هذه المرة أبو جهل وبعض الزبانية حوله ونادى :
رئيس المهجع . ضب كل المساجين لجوه .
فاجتمعنا كلنا في زاوية داخل المهجع ، فيما دخل عدد من عناصر "البلدية" وفق مصطلح السجن الذي تعلمناه لاحقاً ، وهم المساجين غير السياسيين من العساكر الذين يقضون عقوباتهم في السجن . وأدخل أولئك كوماً من البطانيات المنتنة فكدسوها على مقربة من أقدام المساعد والشرطة العسكرية وخرجوا . فنادى أبو جهل من جديد :
الكل في صف واحد ولا .
فانتظمنا في صف واحد أخذ يمر أمامه وقد أغمضنا أعيننا كلنا وخفضنا هاماتنا . فجعل الشرطة يسلمون كلاً منا بطانيتين وكل اثنين منا عازلاً مشتركاً . والعازل عبارة عن خيمة بالية من خيام الجيش مغطاة بالبطانيات العتيقة . فلما تم الإستلام وفوق البَيْعَة ما لا يعد من اللعنات والشتائم قال أبو جهل يخاطب رئيس المهجع وبقية السامعين :
هذه البطانيات والعوازل عهدة .. وكل واحد مسؤول عن عهدته ولا .
وتلقينا العهدة والتعليمات والشتائم ونحن لا نزال مغمضي العيون خاشعي الحركة . وسمعنا المساعد وأزلامه ينسحبون ويغلقون الباب علينا .. فألقينا عهدتنا الثمينة تلك وألقينا فوقها أجسادنا المنهكة .. لا ندري ماذا نفعل أو نتوقع في الخطوة التالية .
التفقد
وبلغت الساعة حوالي الثانية بعد الظهر . ووجدنا الباب يفتح من جديد . وانتفض الأخ جمال فقدم الصف . ودخل الرقيب وصاح فيه :
صفهم خمسة خمسة للتفقد .
ولم يكن علينا إلا التنفيذ . لكن الفزع الذي غمرنا جميعاً جعلنا نتدافع مضطربين كل منا يتحاشى أن يأتي إلى طرف الشرطي ، فلما طال الأمر ولم ينتظم الصف دخل الشرطة علينا وأوسعونا ضرباً وجلداً ، وجمال رحمه الله يجهد في أن يساعدنا على الإنتظام في الصف قدر الإمكان . وتم الأمر أخيراً ، وعَدُّونا فكان العدد فوق المائة . وصار واضحاً لدينا الآن أن هناك جزءاً أساسياً في البرنامج اليومي يسمى التفقد ، الجلد والضرب والشتائم لوازم ضرورية لا بد وأن تلازمه .. مثلما هي لوازم لا تنفصل عن أي مناسبة أخرى تتاح للشرطة فيها أن يسفكوا دماءنا !
وخرج الشرطة .. وعدنا كل إلى ذاته مطرق الرأس مشتت الفؤاد . لا يكاد واحدنا يسمع أدنى حركة حول المهجع أو فوقه حتى ينتفض كالمحموم ! وكلما ود أحدنا أن يرفع الطرف لينظر حوله تذكر ما حل بالأخ صالح فيرتد إليه طرفه وهو حسير !
وهكذا مضى اليوم .. ومرت أيام أخر ، لا يجرؤ أحدنا أن يكلم جاره الذي ينام معه على عازل واحد ، أو يهمس حرفاً لأقرب الناس إليه . والبرنامج اليومي يتكرر كاللازمة : نستيقظ في السادسة ، فنضب العوازل والبطانيات ونقبع فوقها صامتين واجمين .. ولا يلبث أن يفتح الباب فننتفض جميعاً ونقف في حالة الإستعداد . وتخرج مجموعة منا لاستلام حفنة الطعام التي يعتبرونها الفطور مجازاً . فنزدردها بلا شهية ، أو نجمعها في ركن الحمام من غير أن يقربها أحد . وربما مرت على الواحد منا الوجبة والوجبتان والخمس وهو لا يمس من الطعام من قلة الشهية شيئاً . ولكم اضطر رئيس المهجع إلى رمي الطعام في الحمام لأن أحداً لم يأكله خشية أن يكتشف الشرطة ذلك فننال ما نحن بغنى عنه !
فإذا انتهى الفطور من غير مشاكل حان وقت التفقد . فنستعد ونأخذ حسبنا الله لساعة تعذيب لازم . وينال كل منا نصيبه المقدور .. ونعود إلى جلستنا مترقبين حذرين . ولا يلبث الشرطة أن ينادوا علينا للتنفس هذه المرة . فنخرج إلى الساحة مطرقي الرؤوس مغمضي العيون .. يمسك واحدنا أخاه الذي أمامه من وسطه ويتبعه كالأعمى .. لتتلقانا الكبلات والعصي فتقودنا بالإكراه إلى حيث يشاؤون . وترانا كقطيع مسعور نجري حول الساحة والكرابيج والكبلات والضربات تلاحقنا أنى اتجهنا . فإذا زلَّ أحدنا أو وقع تعثر به البقية وتكوم فوقه المتساقطون .. فتزداد فرصة الشرطة لزيادة الضرب ومضاعفة العذاب . ويعلو الصياح وأصوات الإستغاثة ، فتعلو عليها عبارات الكفر والشتائم البذيئة .
فإذا انتهى وقت التنفس وقادتنا الكَبْلات صوب المهجع من جديد ، تكون على الباب ملحمة أخرى دامية . فمائة ونيف من هؤلاء البؤساء ليست أمامهم إلا فتحة هذا الباب لينفذوا منها . عيونهم مغمضة فلا يستطيعون مشاهدة موطىء أقدامهم ، والسياط والهراوات تلاحقهم من كل حدب وصوب . فتنحشر الأكتاف والرؤوس ، ويسقط من يسقط تحت الأقدام ، ويشج البعض بعارضة الباب الحديدية . فلا تنتهي حفلة التنفس تلك إلا وقد دمي من بيننا أكثر ممن سلم ، وأصيب أضعاف من نجا .
طعام ومنام !
وهكذا كنا نعود إلى المهجع لنلعق جراحنا بصمت ، ونتأوه تخنقنا الحسرات والعبرات .. ويحين موعد الغداء بعد حين .. ولا يلبث أن يأتي من ثم العشاء . ونحصي إذا قدرنا نصيبنا الذي نلناه على مدار اليوم من الطعام فلا نراه يكفي لأن يسد رمق طفل صغير : صمونتان صغيرتان جافتان للوجبات الثلاث . ورشفة شاي على الفطور مع بضع حبات زيتون أو لحسة مربى أو حلاوة لا تملؤ ملعقة واحدة . ومرق أحمر للغداء لا يكاد يكفي لكي يبلل الصمونة التي فتتناها فيه . وبعض حبات الحمص المسلوق أو أجزاء من البطاطس المسلوقة للعشاء .. وحسب ! ولربما استُبْدِلَ البيض بالبطاطس مرات ، أو شوربة العدس بالحمص المسلوق . لكن قلة الكمية وسوء النوعية كانت تثير فينا الشعور بالجوع أكثر من أن تلبي حاجتنا إلى الشبع ! فنصيبنا من البيض إذا حضر لم يكن يتجاوز البيضة الواحدة لستة أشخاص . ومن الأرز ملعقة صغيرة واحدة للشخص . ومن اللحم أقل من رأس العصفور في المناسبات . وإذا أحضروا دجاجاً كان نصيب المهجع كله خمس أو ست دجاجات مقابل أكثر من مائة فم ! حتى أننا بتنا نعتبر الطعام نوعاً إضافياً من العذاب ليس إلا ! وصار اعتيادياً بيننا أن نأكل قشر البرتقال وقشر البيض والبطيخ ولا نرمي من الفضلات في القمامة شيئاً . ولكن النهار لا بد وأن ينتهي ، ويحل موعد النوم في السادسة ، لكنه النوم الذي يحرم على صاحبه أن يتنعم بالنوم فيه ! فالضوء داخل المهجع لا يطفؤ ليل نهار ، والشرطة على السطح يراقبوننا باستمرار . ولو نمى إلى سمعهم صوت همس أو حس حركة من بيننا علّموا صاحبها على الفور فكان نصيبه من العذاب في الصباح ما لا يسر !
ولقد كانت الصلاة وسط هذا الظرف نوعاً من التهلكة بالطبع ، ولكم أخرج الشرطة رئيس المهجع وانهالوا عليه ضرباً يسألونه عمن يصلي عنده من المساجين ليدلهم عليه . ولذلك كنا نصلي إيماء من أول يوم . كل بسرّه وحده من غير ركوع أو سجود . لكن النعمة التي وجدناها في ذلك المهجع كانت في الحمام . فلم يكن من رحمة الله للحمام شراقة تكشفه ، ولذلك كنا نتوضأ آمنين ، وننسحب إلى بطانياتنا فنستلقي تحتها ونصلي موميين بسكون وهدوء .
إلى الحلاق !
وانقضى قرابة أسبوع على هذه الحال .. وبدأنا نألف الوضع الجديد ونتأقلم معه . وأخذنا نجرؤ على النظر إلى بعضنا البعض والهمس فيما بيننا ولو بكليمات . وقام الأخ جمال رئيس المهجع فقسمنا إلى مجموعات صغيرة للسخرة ، فساعدنا ذلك على الخروج من حالة الوجوم تلك ، وبدأنا نتعرف على الأفراد المحيطين بنا من غير أن نجانب أقصى أسباب الحذر . لكننا وبعد أن ظننا أن البرنامج استقر على هذه الحال فوجئنا بهم ينادوننا للخروج من المهجع مرة واحدة في غير موعد التنفس . ووجدناهم يسوقوننا مغمضي العيون إلى زاوية من زوايا الباحة تلاحقنا الجلدات والسياط كالعادة . وهناك صفونا على الجدار وجعلوا يخرجوننا خمسة وراء خمسة في صف واحد ، لنجد في انتظارنا ثلاثة من السجناء العسكريين الذين يسمون "البلدية" بلغة السجن يقومون بدور الحلاقين . وغالباً ما يتم اختيار أولئك من أبناء طائفة النظام الذين يقضون عقوبة ما في سجن تدمر ، فلا يقلون حقداً ومكراً عن بقية السجانين من الشرطة العسكرية . وعندما يصل واحدنا إلى أول الحلاقين يأتيه الإيعاز بلهجة الأمر :
وراء دُرْ .
فيستدير .
ارفع راسك .
فيرفعه من غير أن يفتح عينيه . ويمر الحلاق بالفرشاة والصابون على الذقن فيطريها . ويرسله إلى الحلاق الآخر فيفعل ما فعل الأول . وينتهزها "البلدية" فرصة لينفثوا فينا أحقادهم الطائفية . فشتيمة من هنا ، ودس للفرشاة في الفم أو الأنف من هناك ، ولطمة أو صفعة هنالك .. وأما المسبات فكلها بالمجان وعلى الحساب ! وعندما نصل للحلاق الثالث على الشاكلة نفسها ، يمر بالموس على الذقن فيحلقها ، والشرطة من ورائنا يصيحون فيه :
اذبحه هذا الكلب .. أو اسلخه هالعرص .
فيلبي الحلاق الطلب بكل امتنان ، فيضيف على الوجه جرحاً أو أكثر . ولا يبخل بمزيد من الصفعات والمضايقات . فإذا انتهى انتقل الصف إلى حلاقة الشعر ، فيجثو السجين على ركبتيه ، يداه وراء ظهره وعيناه مغمضتان . وأؤكد هنا أنني طوال السنوات التي أمضيتها في تدمر لم أشاهد وجه الشخص الذي كان يحلق لي قط إلا خلسة .. وكنت دائماً مثل الآخرين مغمض العينين مطبق الجفنين ! وعندما تنتهي حلاقة الرأس واللحية والشاربين التي تستخدم بها ماكينة يدوية بالطبع ربما انتزعت الشعر بدل أن تحلقه ، أو أصابت الوجنات فأدمتها لتبهج الحلاق .. عندما تنتهي يأتي الإيعاز من الشرطة خلفنا :
منبطحاً .
فننبطح .. ويتقدم واحد منهم أو أكثر ليقدموا لنا ما كنا نسميه "نعيماً" الحلاقة ! فيبدأوا بالقفز فوق ظهورنا ، أو يوسعونها جلداً وركلاً ، ولا ينسوا نصيبنا وافراً من الشتائم والمسبات . فإذا انتهوا وقت أن يحلو لهم الإنتهاء ، عدنا محطمين إلى الجدار من غير أن يكف الشرطة عن جلدنا وضربنا وركلنا ونحن ننتظر أن ينتهي المهجع كله من الحلاقة .
ولقد كانت مفاجأة لنا أول مرة حينما عدنا بعد هذه المعمعة إلى المهجع وأقفلوا علينا الباب ، فوجدنا أنفسنا بالقرعة تلتمع رؤوسنا كثمر البطيخ .. فلم نتمالك أنفسنا من الضحك رغم الألم . ثم وجدنا أنفسنا بعد ذلك لا نألف إلا هذا الشكل فينا ، ولا نعرف إلا هذا النوع من الوجوه !
حمام الدم !
وبلغت الساعة حوالي الثانية بعد الظهر . ووجدنا الباب يفتح من جديد . وانتفض الأخ جمال فقدم الصف . ودخل الرقيب وصاح فيه :
صفهم خمسة خمسة للتفقد .
ولم يكن علينا إلا التنفيذ . لكن الفزع الذي غمرنا جميعاً جعلنا نتدافع مضطربين كل منا يتحاشى أن يأتي إلى طرف الشرطي ، فلما طال الأمر ولم ينتظم الصف دخل الشرطة علينا وأوسعونا ضرباً وجلداً ، وجمال رحمه الله يجهد في أن يساعدنا على الإنتظام في الصف قدر الإمكان . وتم الأمر أخيراً ، وعَدُّونا فكان العدد فوق المائة . وصار واضحاً لدينا الآن أن هناك جزءاً أساسياً في البرنامج اليومي يسمى التفقد ، الجلد والضرب والشتائم لوازم ضرورية لا بد وأن تلازمه .. مثلما هي لوازم لا تنفصل عن أي مناسبة أخرى تتاح للشرطة فيها أن يسفكوا دماءنا !
وخرج الشرطة .. وعدنا كل إلى ذاته مطرق الرأس مشتت الفؤاد . لا يكاد واحدنا يسمع أدنى حركة حول المهجع أو فوقه حتى ينتفض كالمحموم ! وكلما ود أحدنا أن يرفع الطرف لينظر حوله تذكر ما حل بالأخ صالح فيرتد إليه طرفه وهو حسير !
وهكذا مضى اليوم .. ومرت أيام أخر ، لا يجرؤ أحدنا أن يكلم جاره الذي ينام معه على عازل واحد ، أو يهمس حرفاً لأقرب الناس إليه . والبرنامج اليومي يتكرر كاللازمة : نستيقظ في السادسة ، فنضب العوازل والبطانيات ونقبع فوقها صامتين واجمين .. ولا يلبث أن يفتح الباب فننتفض جميعاً ونقف في حالة الإستعداد . وتخرج مجموعة منا لاستلام حفنة الطعام التي يعتبرونها الفطور مجازاً . فنزدردها بلا شهية ، أو نجمعها في ركن الحمام من غير أن يقربها أحد . وربما مرت على الواحد منا الوجبة والوجبتان والخمس وهو لا يمس من الطعام من قلة الشهية شيئاً . ولكم اضطر رئيس المهجع إلى رمي الطعام في الحمام لأن أحداً لم يأكله خشية أن يكتشف الشرطة ذلك فننال ما نحن بغنى عنه !
فإذا انتهى الفطور من غير مشاكل حان وقت التفقد . فنستعد ونأخذ حسبنا الله لساعة تعذيب لازم . وينال كل منا نصيبه المقدور .. ونعود إلى جلستنا مترقبين حذرين . ولا يلبث الشرطة أن ينادوا علينا للتنفس هذه المرة . فنخرج إلى الساحة مطرقي الرؤوس مغمضي العيون .. يمسك واحدنا أخاه الذي أمامه من وسطه ويتبعه كالأعمى .. لتتلقانا الكبلات والعصي فتقودنا بالإكراه إلى حيث يشاؤون . وترانا كقطيع مسعور نجري حول الساحة والكرابيج والكبلات والضربات تلاحقنا أنى اتجهنا . فإذا زلَّ أحدنا أو وقع تعثر به البقية وتكوم فوقه المتساقطون .. فتزداد فرصة الشرطة لزيادة الضرب ومضاعفة العذاب . ويعلو الصياح وأصوات الإستغاثة ، فتعلو عليها عبارات الكفر والشتائم البذيئة .
فإذا انتهى وقت التنفس وقادتنا الكَبْلات صوب المهجع من جديد ، تكون على الباب ملحمة أخرى دامية . فمائة ونيف من هؤلاء البؤساء ليست أمامهم إلا فتحة هذا الباب لينفذوا منها . عيونهم مغمضة فلا يستطيعون مشاهدة موطىء أقدامهم ، والسياط والهراوات تلاحقهم من كل حدب وصوب . فتنحشر الأكتاف والرؤوس ، ويسقط من يسقط تحت الأقدام ، ويشج البعض بعارضة الباب الحديدية . فلا تنتهي حفلة التنفس تلك إلا وقد دمي من بيننا أكثر ممن سلم ، وأصيب أضعاف من نجا .
طعام ومنام !
وهكذا كنا نعود إلى المهجع لنلعق جراحنا بصمت ، ونتأوه تخنقنا الحسرات والعبرات .. ويحين موعد الغداء بعد حين .. ولا يلبث أن يأتي من ثم العشاء . ونحصي إذا قدرنا نصيبنا الذي نلناه على مدار اليوم من الطعام فلا نراه يكفي لأن يسد رمق طفل صغير : صمونتان صغيرتان جافتان للوجبات الثلاث . ورشفة شاي على الفطور مع بضع حبات زيتون أو لحسة مربى أو حلاوة لا تملؤ ملعقة واحدة . ومرق أحمر للغداء لا يكاد يكفي لكي يبلل الصمونة التي فتتناها فيه . وبعض حبات الحمص المسلوق أو أجزاء من البطاطس المسلوقة للعشاء .. وحسب ! ولربما استُبْدِلَ البيض بالبطاطس مرات ، أو شوربة العدس بالحمص المسلوق . لكن قلة الكمية وسوء النوعية كانت تثير فينا الشعور بالجوع أكثر من أن تلبي حاجتنا إلى الشبع ! فنصيبنا من البيض إذا حضر لم يكن يتجاوز البيضة الواحدة لستة أشخاص . ومن الأرز ملعقة صغيرة واحدة للشخص . ومن اللحم أقل من رأس العصفور في المناسبات . وإذا أحضروا دجاجاً كان نصيب المهجع كله خمس أو ست دجاجات مقابل أكثر من مائة فم ! حتى أننا بتنا نعتبر الطعام نوعاً إضافياً من العذاب ليس إلا ! وصار اعتيادياً بيننا أن نأكل قشر البرتقال وقشر البيض والبطيخ ولا نرمي من الفضلات في القمامة شيئاً . ولكن النهار لا بد وأن ينتهي ، ويحل موعد النوم في السادسة ، لكنه النوم الذي يحرم على صاحبه أن يتنعم بالنوم فيه ! فالضوء داخل المهجع لا يطفؤ ليل نهار ، والشرطة على السطح يراقبوننا باستمرار . ولو نمى إلى سمعهم صوت همس أو حس حركة من بيننا علّموا صاحبها على الفور فكان نصيبه من العذاب في الصباح ما لا يسر !
ولقد كانت الصلاة وسط هذا الظرف نوعاً من التهلكة بالطبع ، ولكم أخرج الشرطة رئيس المهجع وانهالوا عليه ضرباً يسألونه عمن يصلي عنده من المساجين ليدلهم عليه . ولذلك كنا نصلي إيماء من أول يوم . كل بسرّه وحده من غير ركوع أو سجود . لكن النعمة التي وجدناها في ذلك المهجع كانت في الحمام . فلم يكن من رحمة الله للحمام شراقة تكشفه ، ولذلك كنا نتوضأ آمنين ، وننسحب إلى بطانياتنا فنستلقي تحتها ونصلي موميين بسكون وهدوء .
إلى الحلاق !
وانقضى قرابة أسبوع على هذه الحال .. وبدأنا نألف الوضع الجديد ونتأقلم معه . وأخذنا نجرؤ على النظر إلى بعضنا البعض والهمس فيما بيننا ولو بكليمات . وقام الأخ جمال رئيس المهجع فقسمنا إلى مجموعات صغيرة للسخرة ، فساعدنا ذلك على الخروج من حالة الوجوم تلك ، وبدأنا نتعرف على الأفراد المحيطين بنا من غير أن نجانب أقصى أسباب الحذر . لكننا وبعد أن ظننا أن البرنامج استقر على هذه الحال فوجئنا بهم ينادوننا للخروج من المهجع مرة واحدة في غير موعد التنفس . ووجدناهم يسوقوننا مغمضي العيون إلى زاوية من زوايا الباحة تلاحقنا الجلدات والسياط كالعادة . وهناك صفونا على الجدار وجعلوا يخرجوننا خمسة وراء خمسة في صف واحد ، لنجد في انتظارنا ثلاثة من السجناء العسكريين الذين يسمون "البلدية" بلغة السجن يقومون بدور الحلاقين . وغالباً ما يتم اختيار أولئك من أبناء طائفة النظام الذين يقضون عقوبة ما في سجن تدمر ، فلا يقلون حقداً ومكراً عن بقية السجانين من الشرطة العسكرية . وعندما يصل واحدنا إلى أول الحلاقين يأتيه الإيعاز بلهجة الأمر :
وراء دُرْ .
فيستدير .
ارفع راسك .
فيرفعه من غير أن يفتح عينيه . ويمر الحلاق بالفرشاة والصابون على الذقن فيطريها . ويرسله إلى الحلاق الآخر فيفعل ما فعل الأول . وينتهزها "البلدية" فرصة لينفثوا فينا أحقادهم الطائفية . فشتيمة من هنا ، ودس للفرشاة في الفم أو الأنف من هناك ، ولطمة أو صفعة هنالك .. وأما المسبات فكلها بالمجان وعلى الحساب ! وعندما نصل للحلاق الثالث على الشاكلة نفسها ، يمر بالموس على الذقن فيحلقها ، والشرطة من ورائنا يصيحون فيه :
اذبحه هذا الكلب .. أو اسلخه هالعرص .
فيلبي الحلاق الطلب بكل امتنان ، فيضيف على الوجه جرحاً أو أكثر . ولا يبخل بمزيد من الصفعات والمضايقات . فإذا انتهى انتقل الصف إلى حلاقة الشعر ، فيجثو السجين على ركبتيه ، يداه وراء ظهره وعيناه مغمضتان . وأؤكد هنا أنني طوال السنوات التي أمضيتها في تدمر لم أشاهد وجه الشخص الذي كان يحلق لي قط إلا خلسة .. وكنت دائماً مثل الآخرين مغمض العينين مطبق الجفنين ! وعندما تنتهي حلاقة الرأس واللحية والشاربين التي تستخدم بها ماكينة يدوية بالطبع ربما انتزعت الشعر بدل أن تحلقه ، أو أصابت الوجنات فأدمتها لتبهج الحلاق .. عندما تنتهي يأتي الإيعاز من الشرطة خلفنا :
منبطحاً .
فننبطح .. ويتقدم واحد منهم أو أكثر ليقدموا لنا ما كنا نسميه "نعيماً" الحلاقة ! فيبدأوا بالقفز فوق ظهورنا ، أو يوسعونها جلداً وركلاً ، ولا ينسوا نصيبنا وافراً من الشتائم والمسبات . فإذا انتهوا وقت أن يحلو لهم الإنتهاء ، عدنا محطمين إلى الجدار من غير أن يكف الشرطة عن جلدنا وضربنا وركلنا ونحن ننتظر أن ينتهي المهجع كله من الحلاقة .
ولقد كانت مفاجأة لنا أول مرة حينما عدنا بعد هذه المعمعة إلى المهجع وأقفلوا علينا الباب ، فوجدنا أنفسنا بالقرعة تلتمع رؤوسنا كثمر البطيخ .. فلم نتمالك أنفسنا من الضحك رغم الألم . ثم وجدنا أنفسنا بعد ذلك لا نألف إلا هذا الشكل فينا ، ولا نعرف إلا هذا النوع من الوجوه !
حمام الدم !
حمام الدم !
وانتهت الحلاقة ، لكن البرنامج لم ينته . ولم يلبث مناديهم أن نادى فينا :
الكل برة بالشورت ولا .
فظننا أنها حفلة تعذيب جديدة . وبدأنا نراجع أنفسنا علنا ندرك ما حدث . ووجدتنا نساق مغمضي الأعين عاريي الصدور مكشوفي الظهور حفاة نتبع واحداً من الشرطة كالنعاج لا صول لنا ولا قوة . تتناوشنا السياط من كل اتجاه ، وتهوي علينا الصفعات والركلات في كل خطوة . وعندما صادفنا "البلدية" الذين كانوا يوزعون الطعام على إحدى الباحات في طريقنا وجدناهم يهجمون علينا فكأننا الطريدة العاجزة أمام كلاب الصيد ! وانتهت بنا المسيرة بعد قرابة الربع ساعة إلى الباحة الأولى ليعلموننا هناك أنها ساعة الحمام أتت .
وعندما يذكر الحمام عادة يتبادر إلى الذهن الماء الدافىء أول ما يتبادر .. والصابون والطيب والإسترخاء .. لكن الأمر لم يطل بنا لنعرف الحقيقة . ووجدناهم يقسموننا قسمين : أبقوا الأول في الباحة وأمروهم أن يجلسوا جاثياً ، رأسهم إلى الأرض وظهرهم العاري مكشوف للشرطة ، وساقوني مع القسم الثاني إلى الحمام .
ودلفنا أكثر من خمسين شخصاً على عدد من المقصورات لا يتجاوز عدد أصابع اليدين ، وجاءنا الإيعاز بالدخول تحت الدشات ، فكنا ستة أو سبعة أو ربما أكثر كلنا تحت دش واحد ! وانصب علينا الماء البارد مرة واحدة ، لكن صوت السياط التي أخذت تجلد ظهور إخواننا الذين في الخارج أنستنا وكأنها طلقات الرصاص أحاسيس التجمد ، وأبدلت قشعريرة البرد التي سرت فينا رجفة الخوف من المصير المرتقب ! وجعل بعض أفراد الشرطة يدخلون وراءنا فينعمون علينا بلسعات الكرابيج مقدماً . وأمرنا بعضهم أن نخلع سراويلنا ونكشف عوراتنا زيادة لنا في الإهانة والعذاب .. ولم نجد بداً إلا أن ننفذ .. والزبانية بين ضاحك وساخر وشاتم .
وانتهى الأمر خلال خمس دقائق .. وخرجنا تتقاطر منا المياه لتتلقانا السياط التي سبق ونالت من ظهور الإخوة قبلنا . وزادنا ألماً وعذاباً أن عبرنا فوق مجاري الحمام المفتوحة فتعثر فيها من تعثر وارتطم بحوافها القاسية من كان له نصيب لم ينته من البلاء .. فلما انتهت الدفعة الثانية خلنا أن دهراً بأكمله انقضى .. ومضينا تدفعنا السياط والصفعات إلى المهجع مغمضي العينين كما أتينا . وتدافعنا على الباب ككل مرة ، فتعثر من تعثر .. وشج من شج .. وارتض من ارتض . وكان الحمام حقيقة الأمر حمام دم بكل معنى الكلمة .
وارتمينا بعدما أغلق الباب علينا كالقتلى على الأرض . ما منا إلا من يئن أو يتأوه .. وليس فينا إلا جريح أو معنّى . لكن المأساة لم تكن انتهت بعد .. والمهزلة كانت تنتظر فصلها المضحك للختام . فما هي إلا دقائق حتى فُتِحَ الباب ، ودخل الشرطة فأبلغوا رئيس المهجع أن علينا أن ندفع أجرة الحلاقة والحمام .. فوراً وفي الحال !
وأتى الأخ ينتظر منا الجواب .. وليس لدينا من جواب إلا التسليم في كل مرة .. وتقدم من سَلِمَتْ نقوده في الأمانات فدفع .. واندفعنا بعدما هدأ الحال إلى حمام مهجعنا لنغسل ما كسى أجسادنا من دم وشعر وتراب ، فما كدنا ننتهي حتى كان اليوم قد انتهى .. وانتهت فينا كل ذرة من طاقة وجَلَد .. فارتمينا على بطانياتنا الرثة نلتمس ساعة نوم هادئ قبل أن تدهمنا مفاجأة جديدة .. أو تحل علينا من القوم نازلة لم تكن في الحسبان !
ولقد استمر نظام الحمام البئيس هذا مرة كل أسبوع حتي عام 1984 حيث صدرت الأوامر وقتها بأن يتم الإستحمام في حمام المهجع نفسه . وأما الحلاقة فاستمرت حتى عام 1986 حيث انتشر مرض اليرقان - كما سيأتي بأذن الله - فكان ذلك البلاء سبباً في رفع هذا البلاء !
جروح وقروح
ولقد كان من أكثر سكان مهجعنا سوءاً في حالته الصحية الأخ نديم منصور الذي حملته أنا وجمال عيار ساعة وصولنا كما ذكرت . وكان المسكين قد أصيب أثناء اعتقاله برصاصة في ساقه وأخرى في يده . وكان ثمة أخ آخر هو هيثم ملا عثمان مصاباً بالرصاص أيضاً في رجله . وهو أحد الإخوة السبعة عشر الذين هربوا من سجن كفر سوسة ثم اعتقل من جديد وأصيب أثناء ذلك . وتنقل الأخَوَان من فرع مخابرات إلى آخر حتى وصلوا تدمر من غير أن ينالا من العلاج شيء ! وكان أمراً عجيباً أن ظلا على قيد الحياة فعلاً . فالرصاصات التي مزقت اللحم وهشمت العظام استقرت هناك . وتقطعت كما يبدو أعصاب المنطقة فلم تعد الأعضاء تتحرك . ونمت العظام من جديد والتأمت بقدرة الله ولكن على غير وضعها السوي . ولذلك فلم يكن نديم أو هيثم يقدران على السير مطلقاً . وكنا نتعهدهما بأنفسنا في الحركة والسكنة . ولم يكن أمامنا ساعة التنفس أو الحمام إلا أن نتركهما في المهجع بعد الإستئذان من الرقيب . فإذا تلاءم ورفض حسب المزاج كان علينا أن نحملهما حملاً . وظل المسكينان في معاناة دائمة حتى كان إعدامهما عام 1984 .
كذلك لم تكن معاناة الأخ حسين عثمان نتيجة تعذيبه بالكرسي الألماني أخف كما ذكرت . وكان رحمه الله دائم الإستلقاء منعدم الراحة . ولم يسلم برغم ذلك من التعذيب كما سيأتي .. حتى اختاره الله إليه ونال شرف الشهادة عام 1982 .
وأما بقية الإخوة ، ورغم أنهم كانوا في حالة أفضل أو إصابات أخف ، إلا أن آلامهم لم تكن لتكف ، وجروح بعضهم التي خلفتها حفلات التعذيب الأولى في فروع المخابرات أو تلك التي زادت عليها في حفل الإستقبال بتدمر لم تشف إلا بعد شهور . وزاد علينا القمل الذي حملناه في أجسامنا من فروع المخابرات إلى تدمر ، فانتشر في المهجع وتفشى بين الجميع .. ولجأنا إلى نظام التفلية من جديد كإجراء وحيد نخفف منه من شر هذا البلاء !
كعبة الزبانية !
وبدأت نفوسنا تعتاد هذه الحياة القاسية يوماً بعد يوم . وجعلنا في حسابنا أمر التفقد وما يصاحبه من عذاب الإستفتاح كل يوم .. والتنفس والحلاقة والحمام . وجعل الإخوة الشباب الأصحاء يحرصون أن يقفوا من ناحية الشرطة ليفتدوا إخوانهم المسنين والضعفاء ويحمونهم من أن تطالهم سطوة الظالمين . وكان معنا عدد من المعتقلين ممن جاوزوا الستين والخامسة والستين ، أذكر منهم شريف البعث والحاج محمد غرير وكلاهما من ادلب ، وابراهيم طوبل وعمر حيدر الذي توفي رحمه الله بالسكتة القلبية عام 1986 والرجلان من المعرة . كذلك كان معنا الحاج أحمد البربور من أريحا . وكان الزبانية يحرصون على تعذيب هؤلاء الرجال أكثر ويظنونهم لكبر سنهم ولإصابة بعضهم بالصلع الطبيعي أنهم من قيادات الإخوان ! فكنا نجنبهم التعرض للعذاب قدر الإمكان ، ونأخذ عنهم دورهم في سخرة الطعام . فينال الأخ المتطوع الجلدات واللطمات ويضحي بما قد يكون حياته ذاتها فداء لإخوانه .
وكان الأخ جمال رئيس المهجع قد قسمنا إلى مجموعات كما ذكرت ، فكان ذلك سبباً في ضبط المهجع وتقليل المشاكل مع الشرطة من جهة ، وعاملاً في تآلفنا وتعارفنا من جهة أخرى . حتى بتنا كأبناء أسرة واحدة يواسي بعضنا بعضاً ، ويساند أقوانا الضعيف فينا .. ويدخر كل منا وسعه للتخفيف عن أخيه . ولا أزال أذكر ممن كان في مجموعتي الأولى الأخ أبا رشيد حسين عثمان . وأخاً آخر من حمص اسمه أمجد طيارة . والأخوين ابراهيم أحمدو ومحمد طاهر مصطفى من أريحا .
وإذا كانت الأحداث المرة وتعاقب السنين قد أنستني من الأسماء والحوادث الكثير فإنه مما لا ينسى عن أحداث تلك الأيام وذكريات هؤلاء الإخوة المسنين يوم أن عرف واحد من الشرطة اسمه شحادة الذي ينتمي إلى طائفة النظام أيضاً أن الحاج أحمد غرير قد ذهب لحج بيت الله في يوم ما ، فمد الزنيم قدمه أمام الناس وقال لهم هذه هي الكعبة . وأمر الرجل أن يقبل حذاءه مثلما قبّل الكعبة هناك . ولم يكن للمسكين إلا أن يطيع خشية ما لا تحمد عقباه .
همجية التعذيب
وانقضى أسبوع آخر .. ودخلنا أسبوعنا الثالث على تلك الحال . وفوجئنا ضحى أحد الأيام بدفعة جديدة من السجناء تجاوز الستين تدخل إلى المهجع قادمين من حلب هذه المرة . يحضرني الآن من أسمائهم الإخوة رياض الشاوي وحسين ألطُنْجي وكلاهما من حلب . الأول مهندس مدني والثاني طالب ثانوي . وأحمد عنعن طالب هندسة مدنية ، وأحمد حمزة وهذان من من مدينة الباب . وكان الأخير مدرساً . فوصل عددنا الكلي قرابة المائة والثمانين .. وأصبحت حصة كل منا في النوم شبراً وأربع أصابع وحسب ! فكان الواحد منا إذا أراد التحرك في الليل أيقظ بحركته أكثر أهل المهجع . ولو أحس الشرطي فوقنا بأدنى حركة بيننا في الليل خاصة كان ذلك كافياً ليعلّم من يشاء ويخرجه في الصباح التالي لينال نصيبه من القتل والتعذيب .
لكن وصول الإخوة الجدد كان نوعاً من التسرية المؤقتة لنا ، مثلما كان وجودنا من قبلهم عوناً لهم على تفهم الوضع وتعلم الأنظمة الجائرة تجنباً لأي مزيد من العذاب . وسرعان ما انضم القادمون إلى مجموعات السخرة والطعام .. وجعلنا نسمع منهم أخبار الحياة خارج هذه الأسوار .. ويسمعون منا ما وجدناه منذ وصولنا هنا .. فشغلتنا الأحاديث ونشطتنا .. ووثقت بيننا العرى وألفت بيننا . وكشفت لنا في نفس الوقت أوجهاً أخرى من جرائم النظام وممارسات مخابراته الوحشية ، وأطلعتنا على أساليب من التعذيب يمارسها أولئك الزبانية عافانا الله نحن منها وابتلى بها إخواننا في حلب . رأيت بنفسي نموذجين منها كان الأول هو الأخ حسين ألطنجي الذي استخداموا معه في فرع المخابرات بحلب الضرب المباشر بالبلطة على مشط قدمه لإجباره على الإعتراف السريع ، فكادت أن تقطعها ، وظل رحمه الله يتألم منها ولا يستطيع المشي عليها حتى إعدامه بعد عدة شهور . واستخدموا مع الآخر أسلوب الحرق بالمدفأة الكهربائية ، والتي بقيت آثارها محفورة على ظهره شاهداً على همجية هؤلاء الزبانية .. وكان طالباً اسمه مأمون كردي من حماة أعدم هو الآخر بعد مدة رحمه الله .
مع كتاب الله
انقضت أحاديث التعارف وروايات المعاناة وقصص الداخل والخارج واتجهنا قدر الإمكان إلى تنظيم أمور حياتنا بما يفيد . فالسجن الذي كتبه الله لنا يظل على فظاعته فترة انتقالية لا بد وأن تنتهي ، سواء بانتهاء الحياة أو بالفرج . وليس ثمة شيء نتزود منه أجلّ من كتاب الله تعالى . ولذلك دب فينا نشاط عجيب لحفظ أكبر قدر من القرآن الكريم ، حتى إذا شاءت إرادة الله ووافنا الأجل كان آخر عهدنا في هذه الدنيا مع كتابه الكريم . وسرعان ما نشأت بيننا حلقات الحفظ بالتلقي .. فلا مصاحف لدينا بالطبع نحفظ منها . ولذلك كنا نتبادل حفظ السور من بعضنا البعض ، فيجلس أحدنا إلى أخيه إذا هدأت الأمور وانتهت حفلات العذاب ليسمع منه ما يحفظ ، ويظل يردد وراءه الآية بعد الآية هامساً ويَعُدُّهُنَّ على سُلامات الأصابع . فإذا أنهى خمساً منهن وثبتهن في ذهنه عاد فأخذ خمساً تاليات . حتى إذا انتهى اليوم وحل الليل وهجع الخلق رأيتنا نتعاقب على الحمام خلسة فنتوضأ ونعود لنصلي ونحن مستلقين تحت البطانيات إيماءاً منفردين .. نعيد تلاوة ما حفظنا في النهار .
وعلاوة على ذلك وإذا سنحت الفرصة أخذنا نحاول أن نستفيد من كل علم يعلمه أخ بيننا ، أو رأي أو موضوع له فيه اطلاع . لكن ذلك ما كان يتم إلا بشكل فردي .. أو ربما بين أفراد المجموعة الواحدة وبمنتهى الحرص والحذر .
الكوليرا
ولم تكن بلاءات هذا المكان المريع لتتوقف .. فذات صباح في صيف عام 1981 استيقظنا على أصوات التقيؤ وصيحات الألم المكتومة في المهجع .. ووجدنا حالة من الإسهال الشديد أصابت الكثيرين بيننا . وأخذت العدوى تنتشر يوماً بعد يوم ، وجعل الإخوة يتساقطون من الإعياء داخل المهجع أو في وقت التنفس . وكانت الفاجعة بأنها الكوليرا قد سرت . ولم نلبث وقد استشرى الأمر أن وجدنا طبيب السجن محمد يونس العلي يمر على المهاجع ويسأل عن عدد المصابين ويسجل ذلك عنده . وبعد ساعتين أو ثلاث عاد الشرطة وطلبوا من رئيس المهجع أن يخرج هؤلاء المصابين جميعاً لينتقلوا إلى مهجع 13 في الباحة الثالثة فتحوه للمصابين . فخرج من مهجعنا وحده حوالي الأربعين . وأمضى الإخوة في العزل عدة أسابيع قدمت لهم إدارة السجن وقتها علاجات مباشرة خشية أن ينتشر المرض فيشمل الشرطة والسجانين أنفسهم . أو أن يتعدى حدود السجن فينتقل عبر المجاري التي كانت تتصل مع شبكة مجاري بلدة تدمر وتنتهي في حقول المزارعين لترويها !
لكن المثير في الأمر أن هذه الحركة ساعدت العديدين على الإلتقاء بأقارب لهم أو أصدقاء كانوا في مهاجع أخرى والإطمئنان على أحوالهم . وكانت كذلك سبباً في وصول أخبار جديدة إلينا وتسريب أخبارنا إلى بقية الإخوة . ولقد بلغنا وقتها أن السجناء في بعض المهاجع اكتشفوا آثار إطلاق الرصاص وبقايا دم آدمي لا تزال موجودة على السقف والجدران من أيام مجزرة تدمر الكبرى في شهر حزيران من عام 1980 . لكن الأهم من ذلك بالنسبة لنا كان تمكن عدد منا من حفظ آيات وسور من القرآن الكريم لم تكن في مهجعنا . علاوة على انخفاض نسبة التعذيب واعتداءات الشرطة الذين باتوا يتجنبون الإحتكاك بنا خشية العدوى ! ولقد علمنا بعد عودة الإخوة أن وفيات حدثت بالفعل بين مصابين من مهاجع أخرى ، أذكر من أسمائهم الأخ ناصح شنيطي من دمشق . لكن لطف الله تعالى ورحمته كانت واضحة في هذه المحنة . وبرغم انعدام العناية الصحية اللازمة وقلة التغذية وسوء الأحوال فقد مرت الأزمة بأقل الخسائر وقد كنا نتوقع أن تودي بحياة المئات .
مهجع النساء
لم يطل المقام بنا كثيراً في تدمر حتى تأكد لنا أن هذا المكان الرهيب يضم بين جدرانه أخوات سجينات أيضاً خصصوا لهن غرفة المستوصف السابقة وحولوها إلى مهجع للنساء .
ولقد تأكد لنا الأمر أول مرة حينما استدعوا إلى التحقيق أخاً من مهجعنا اسمه بسام سفُّور من حمص كانت تهمته تأمين جواز سفر لبعض الأشخاص الملاحقين . ويبدو أن امرأة غير مسلمة اسمها أم طوني كانت قد باعته الجواز أو شاركت في عملية تزويره ثم اعترفت عليه . فلما استدعوه للتحقيق في السجن نفسه واجهوه بها . واستطاع بعدما انتهى التحقيق أن يراهم يدخلونها غرفة المستوصف التي سجنوا فيها النساء . وفي مرة تالية وبينما كنا في التنفس استطعنا أن نلمح عدداً من النساء المحجبات في ذلك الجانب من الباحة فتأكد لنا وجودهن هناك . لكننا لم يكن ممكناً لنا أن نعرف عنهن أكثر أو أن نقدم لهن أي عون .
الإعدام
واستيقظنا في يوم من تلك الأيام ننتظر أن نبدأ البرنامج الذي اعتدنا عليه وتأقلمنا معه إلى حد كبير .. وبدأنا نضب بطانياتنا ونجمع العوازل من تحتها حين نادى علينا الشرطة من شراقة الباب فجأة وبشكل إيعاز :
الكل ضبوا لجوة ولا .
فسارعنا ونفذنا الأمر وتجمعنا كلنا في أقصى المهجع نستعيذ بالله من شر ما خلق ! وإن هي إلا برهة حتى بلغتنا من الباحة أصوات وضجيج غير مألوف .. وأحسسنا وكأنما هناك حمولة من الخشب ترمى على الأرض .. والنوافذ عالية لانستطيع أن نطل منها .. وبيننا وبين الباب مسافة لم نجرؤ أن نغادر زاويتنا ونسترق النظر من شقوق فيه خشية أن يرانا الشرطة من الشراقة فوق المهجع فيعاقبونا بما نحن في غنى عنه .
لكن الجلبة استمرت .. وتتابع صوت ارتطام الخشب بأرض الباحة الإسمنتية .. ورأينا ظلال الشرطة على جدران المهجع تعبر من النوافذ العليا كالأشباح .. فشعرنا بقلق وانقباض .. وبدأنا نتوقع شر الإحتمالات .. ونحسب أنهم سيدخلون الآن ويطلقون علينا النار كلنا كما فعلوا قبل أقل من عام في نفس المكان . ولم يطل بنا الإنتظار كثيراً .. فما هي إلا برهة حتى سمعنا أصوات التكبير تتعالى .. وسجناء ينادون أسماءهم ويقولون أخوكم فلان يوحد الله . ومن بين هؤلاء لا أزال أذكر اسم الأخ محمد ناصر البيك من حمص ، الذي بلغتنا تكبيراته وعبارته الأخيرة يقول :
أخوكم محمد ناصر البيك يوحد الله .
فعرفه إخوة من مدينته في المهجع معنا . وأيقنا أنها عملية إعدامات تجري الآن . وأن مجموعة من السجناء يعلقون على المشانق بالفعل . فاحتبست أنفاسنا جميعاً .. واختنقت فينا العبرات .. وتجمدت على ألسنتنا العبارات .. ولم تنقض أكثر من عشر دقائق حتى خفتت الأصوات .. وسكنت الحركة .. وبدأت الأمور خارج المهجع تعود إلى طبيعتها بالتدريج .. لكن التفقد تأخر وألغي التنفس في ذلك اليوم .. وأحضر الشرطة الطعام من غير أن يشيروا إلى ذاك الذي حدث بشيء .
وأغلق الباب علينا بعد ذلك لتلفنا دوامة القلق والتساؤلات . فها نحن الآن أمام الموت وجهاً لوجه .. والإعدامات التي كنا نسمع عنها ونتخوف منها حدثت على بعد خطوات منا وحسب .. وإذا كان شهداء المجزرة الكبرى قبل عام قد قضوا نتيجة نزوة كما ظن البعض أو ثأر بعد محاولة اغتيال رأس النظام ، فإن ما نراه الآن ونسمعه يجعلنا نحس أن الأمر منظم في الحقيقة ومقرر ، وأن هناك برنامجاً لتصفية السجناء إذاً . ولم يعد مستبعداً بعد الآن أن نقف أنفسنا هذا الموقف وتلتف حبال المشنقة على أعناقنا نحن بعد حين !
تساؤلات .. وتأويلات
وانتهت الحلاقة ، لكن البرنامج لم ينته . ولم يلبث مناديهم أن نادى فينا :
الكل برة بالشورت ولا .
فظننا أنها حفلة تعذيب جديدة . وبدأنا نراجع أنفسنا علنا ندرك ما حدث . ووجدتنا نساق مغمضي الأعين عاريي الصدور مكشوفي الظهور حفاة نتبع واحداً من الشرطة كالنعاج لا صول لنا ولا قوة . تتناوشنا السياط من كل اتجاه ، وتهوي علينا الصفعات والركلات في كل خطوة . وعندما صادفنا "البلدية" الذين كانوا يوزعون الطعام على إحدى الباحات في طريقنا وجدناهم يهجمون علينا فكأننا الطريدة العاجزة أمام كلاب الصيد ! وانتهت بنا المسيرة بعد قرابة الربع ساعة إلى الباحة الأولى ليعلموننا هناك أنها ساعة الحمام أتت .
وعندما يذكر الحمام عادة يتبادر إلى الذهن الماء الدافىء أول ما يتبادر .. والصابون والطيب والإسترخاء .. لكن الأمر لم يطل بنا لنعرف الحقيقة . ووجدناهم يقسموننا قسمين : أبقوا الأول في الباحة وأمروهم أن يجلسوا جاثياً ، رأسهم إلى الأرض وظهرهم العاري مكشوف للشرطة ، وساقوني مع القسم الثاني إلى الحمام .
ودلفنا أكثر من خمسين شخصاً على عدد من المقصورات لا يتجاوز عدد أصابع اليدين ، وجاءنا الإيعاز بالدخول تحت الدشات ، فكنا ستة أو سبعة أو ربما أكثر كلنا تحت دش واحد ! وانصب علينا الماء البارد مرة واحدة ، لكن صوت السياط التي أخذت تجلد ظهور إخواننا الذين في الخارج أنستنا وكأنها طلقات الرصاص أحاسيس التجمد ، وأبدلت قشعريرة البرد التي سرت فينا رجفة الخوف من المصير المرتقب ! وجعل بعض أفراد الشرطة يدخلون وراءنا فينعمون علينا بلسعات الكرابيج مقدماً . وأمرنا بعضهم أن نخلع سراويلنا ونكشف عوراتنا زيادة لنا في الإهانة والعذاب .. ولم نجد بداً إلا أن ننفذ .. والزبانية بين ضاحك وساخر وشاتم .
وانتهى الأمر خلال خمس دقائق .. وخرجنا تتقاطر منا المياه لتتلقانا السياط التي سبق ونالت من ظهور الإخوة قبلنا . وزادنا ألماً وعذاباً أن عبرنا فوق مجاري الحمام المفتوحة فتعثر فيها من تعثر وارتطم بحوافها القاسية من كان له نصيب لم ينته من البلاء .. فلما انتهت الدفعة الثانية خلنا أن دهراً بأكمله انقضى .. ومضينا تدفعنا السياط والصفعات إلى المهجع مغمضي العينين كما أتينا . وتدافعنا على الباب ككل مرة ، فتعثر من تعثر .. وشج من شج .. وارتض من ارتض . وكان الحمام حقيقة الأمر حمام دم بكل معنى الكلمة .
وارتمينا بعدما أغلق الباب علينا كالقتلى على الأرض . ما منا إلا من يئن أو يتأوه .. وليس فينا إلا جريح أو معنّى . لكن المأساة لم تكن انتهت بعد .. والمهزلة كانت تنتظر فصلها المضحك للختام . فما هي إلا دقائق حتى فُتِحَ الباب ، ودخل الشرطة فأبلغوا رئيس المهجع أن علينا أن ندفع أجرة الحلاقة والحمام .. فوراً وفي الحال !
وأتى الأخ ينتظر منا الجواب .. وليس لدينا من جواب إلا التسليم في كل مرة .. وتقدم من سَلِمَتْ نقوده في الأمانات فدفع .. واندفعنا بعدما هدأ الحال إلى حمام مهجعنا لنغسل ما كسى أجسادنا من دم وشعر وتراب ، فما كدنا ننتهي حتى كان اليوم قد انتهى .. وانتهت فينا كل ذرة من طاقة وجَلَد .. فارتمينا على بطانياتنا الرثة نلتمس ساعة نوم هادئ قبل أن تدهمنا مفاجأة جديدة .. أو تحل علينا من القوم نازلة لم تكن في الحسبان !
ولقد استمر نظام الحمام البئيس هذا مرة كل أسبوع حتي عام 1984 حيث صدرت الأوامر وقتها بأن يتم الإستحمام في حمام المهجع نفسه . وأما الحلاقة فاستمرت حتى عام 1986 حيث انتشر مرض اليرقان - كما سيأتي بأذن الله - فكان ذلك البلاء سبباً في رفع هذا البلاء !
جروح وقروح
ولقد كان من أكثر سكان مهجعنا سوءاً في حالته الصحية الأخ نديم منصور الذي حملته أنا وجمال عيار ساعة وصولنا كما ذكرت . وكان المسكين قد أصيب أثناء اعتقاله برصاصة في ساقه وأخرى في يده . وكان ثمة أخ آخر هو هيثم ملا عثمان مصاباً بالرصاص أيضاً في رجله . وهو أحد الإخوة السبعة عشر الذين هربوا من سجن كفر سوسة ثم اعتقل من جديد وأصيب أثناء ذلك . وتنقل الأخَوَان من فرع مخابرات إلى آخر حتى وصلوا تدمر من غير أن ينالا من العلاج شيء ! وكان أمراً عجيباً أن ظلا على قيد الحياة فعلاً . فالرصاصات التي مزقت اللحم وهشمت العظام استقرت هناك . وتقطعت كما يبدو أعصاب المنطقة فلم تعد الأعضاء تتحرك . ونمت العظام من جديد والتأمت بقدرة الله ولكن على غير وضعها السوي . ولذلك فلم يكن نديم أو هيثم يقدران على السير مطلقاً . وكنا نتعهدهما بأنفسنا في الحركة والسكنة . ولم يكن أمامنا ساعة التنفس أو الحمام إلا أن نتركهما في المهجع بعد الإستئذان من الرقيب . فإذا تلاءم ورفض حسب المزاج كان علينا أن نحملهما حملاً . وظل المسكينان في معاناة دائمة حتى كان إعدامهما عام 1984 .
كذلك لم تكن معاناة الأخ حسين عثمان نتيجة تعذيبه بالكرسي الألماني أخف كما ذكرت . وكان رحمه الله دائم الإستلقاء منعدم الراحة . ولم يسلم برغم ذلك من التعذيب كما سيأتي .. حتى اختاره الله إليه ونال شرف الشهادة عام 1982 .
وأما بقية الإخوة ، ورغم أنهم كانوا في حالة أفضل أو إصابات أخف ، إلا أن آلامهم لم تكن لتكف ، وجروح بعضهم التي خلفتها حفلات التعذيب الأولى في فروع المخابرات أو تلك التي زادت عليها في حفل الإستقبال بتدمر لم تشف إلا بعد شهور . وزاد علينا القمل الذي حملناه في أجسامنا من فروع المخابرات إلى تدمر ، فانتشر في المهجع وتفشى بين الجميع .. ولجأنا إلى نظام التفلية من جديد كإجراء وحيد نخفف منه من شر هذا البلاء !
كعبة الزبانية !
وبدأت نفوسنا تعتاد هذه الحياة القاسية يوماً بعد يوم . وجعلنا في حسابنا أمر التفقد وما يصاحبه من عذاب الإستفتاح كل يوم .. والتنفس والحلاقة والحمام . وجعل الإخوة الشباب الأصحاء يحرصون أن يقفوا من ناحية الشرطة ليفتدوا إخوانهم المسنين والضعفاء ويحمونهم من أن تطالهم سطوة الظالمين . وكان معنا عدد من المعتقلين ممن جاوزوا الستين والخامسة والستين ، أذكر منهم شريف البعث والحاج محمد غرير وكلاهما من ادلب ، وابراهيم طوبل وعمر حيدر الذي توفي رحمه الله بالسكتة القلبية عام 1986 والرجلان من المعرة . كذلك كان معنا الحاج أحمد البربور من أريحا . وكان الزبانية يحرصون على تعذيب هؤلاء الرجال أكثر ويظنونهم لكبر سنهم ولإصابة بعضهم بالصلع الطبيعي أنهم من قيادات الإخوان ! فكنا نجنبهم التعرض للعذاب قدر الإمكان ، ونأخذ عنهم دورهم في سخرة الطعام . فينال الأخ المتطوع الجلدات واللطمات ويضحي بما قد يكون حياته ذاتها فداء لإخوانه .
وكان الأخ جمال رئيس المهجع قد قسمنا إلى مجموعات كما ذكرت ، فكان ذلك سبباً في ضبط المهجع وتقليل المشاكل مع الشرطة من جهة ، وعاملاً في تآلفنا وتعارفنا من جهة أخرى . حتى بتنا كأبناء أسرة واحدة يواسي بعضنا بعضاً ، ويساند أقوانا الضعيف فينا .. ويدخر كل منا وسعه للتخفيف عن أخيه . ولا أزال أذكر ممن كان في مجموعتي الأولى الأخ أبا رشيد حسين عثمان . وأخاً آخر من حمص اسمه أمجد طيارة . والأخوين ابراهيم أحمدو ومحمد طاهر مصطفى من أريحا .
وإذا كانت الأحداث المرة وتعاقب السنين قد أنستني من الأسماء والحوادث الكثير فإنه مما لا ينسى عن أحداث تلك الأيام وذكريات هؤلاء الإخوة المسنين يوم أن عرف واحد من الشرطة اسمه شحادة الذي ينتمي إلى طائفة النظام أيضاً أن الحاج أحمد غرير قد ذهب لحج بيت الله في يوم ما ، فمد الزنيم قدمه أمام الناس وقال لهم هذه هي الكعبة . وأمر الرجل أن يقبل حذاءه مثلما قبّل الكعبة هناك . ولم يكن للمسكين إلا أن يطيع خشية ما لا تحمد عقباه .
همجية التعذيب
وانقضى أسبوع آخر .. ودخلنا أسبوعنا الثالث على تلك الحال . وفوجئنا ضحى أحد الأيام بدفعة جديدة من السجناء تجاوز الستين تدخل إلى المهجع قادمين من حلب هذه المرة . يحضرني الآن من أسمائهم الإخوة رياض الشاوي وحسين ألطُنْجي وكلاهما من حلب . الأول مهندس مدني والثاني طالب ثانوي . وأحمد عنعن طالب هندسة مدنية ، وأحمد حمزة وهذان من من مدينة الباب . وكان الأخير مدرساً . فوصل عددنا الكلي قرابة المائة والثمانين .. وأصبحت حصة كل منا في النوم شبراً وأربع أصابع وحسب ! فكان الواحد منا إذا أراد التحرك في الليل أيقظ بحركته أكثر أهل المهجع . ولو أحس الشرطي فوقنا بأدنى حركة بيننا في الليل خاصة كان ذلك كافياً ليعلّم من يشاء ويخرجه في الصباح التالي لينال نصيبه من القتل والتعذيب .
لكن وصول الإخوة الجدد كان نوعاً من التسرية المؤقتة لنا ، مثلما كان وجودنا من قبلهم عوناً لهم على تفهم الوضع وتعلم الأنظمة الجائرة تجنباً لأي مزيد من العذاب . وسرعان ما انضم القادمون إلى مجموعات السخرة والطعام .. وجعلنا نسمع منهم أخبار الحياة خارج هذه الأسوار .. ويسمعون منا ما وجدناه منذ وصولنا هنا .. فشغلتنا الأحاديث ونشطتنا .. ووثقت بيننا العرى وألفت بيننا . وكشفت لنا في نفس الوقت أوجهاً أخرى من جرائم النظام وممارسات مخابراته الوحشية ، وأطلعتنا على أساليب من التعذيب يمارسها أولئك الزبانية عافانا الله نحن منها وابتلى بها إخواننا في حلب . رأيت بنفسي نموذجين منها كان الأول هو الأخ حسين ألطنجي الذي استخداموا معه في فرع المخابرات بحلب الضرب المباشر بالبلطة على مشط قدمه لإجباره على الإعتراف السريع ، فكادت أن تقطعها ، وظل رحمه الله يتألم منها ولا يستطيع المشي عليها حتى إعدامه بعد عدة شهور . واستخدموا مع الآخر أسلوب الحرق بالمدفأة الكهربائية ، والتي بقيت آثارها محفورة على ظهره شاهداً على همجية هؤلاء الزبانية .. وكان طالباً اسمه مأمون كردي من حماة أعدم هو الآخر بعد مدة رحمه الله .
مع كتاب الله
انقضت أحاديث التعارف وروايات المعاناة وقصص الداخل والخارج واتجهنا قدر الإمكان إلى تنظيم أمور حياتنا بما يفيد . فالسجن الذي كتبه الله لنا يظل على فظاعته فترة انتقالية لا بد وأن تنتهي ، سواء بانتهاء الحياة أو بالفرج . وليس ثمة شيء نتزود منه أجلّ من كتاب الله تعالى . ولذلك دب فينا نشاط عجيب لحفظ أكبر قدر من القرآن الكريم ، حتى إذا شاءت إرادة الله ووافنا الأجل كان آخر عهدنا في هذه الدنيا مع كتابه الكريم . وسرعان ما نشأت بيننا حلقات الحفظ بالتلقي .. فلا مصاحف لدينا بالطبع نحفظ منها . ولذلك كنا نتبادل حفظ السور من بعضنا البعض ، فيجلس أحدنا إلى أخيه إذا هدأت الأمور وانتهت حفلات العذاب ليسمع منه ما يحفظ ، ويظل يردد وراءه الآية بعد الآية هامساً ويَعُدُّهُنَّ على سُلامات الأصابع . فإذا أنهى خمساً منهن وثبتهن في ذهنه عاد فأخذ خمساً تاليات . حتى إذا انتهى اليوم وحل الليل وهجع الخلق رأيتنا نتعاقب على الحمام خلسة فنتوضأ ونعود لنصلي ونحن مستلقين تحت البطانيات إيماءاً منفردين .. نعيد تلاوة ما حفظنا في النهار .
وعلاوة على ذلك وإذا سنحت الفرصة أخذنا نحاول أن نستفيد من كل علم يعلمه أخ بيننا ، أو رأي أو موضوع له فيه اطلاع . لكن ذلك ما كان يتم إلا بشكل فردي .. أو ربما بين أفراد المجموعة الواحدة وبمنتهى الحرص والحذر .
الكوليرا
ولم تكن بلاءات هذا المكان المريع لتتوقف .. فذات صباح في صيف عام 1981 استيقظنا على أصوات التقيؤ وصيحات الألم المكتومة في المهجع .. ووجدنا حالة من الإسهال الشديد أصابت الكثيرين بيننا . وأخذت العدوى تنتشر يوماً بعد يوم ، وجعل الإخوة يتساقطون من الإعياء داخل المهجع أو في وقت التنفس . وكانت الفاجعة بأنها الكوليرا قد سرت . ولم نلبث وقد استشرى الأمر أن وجدنا طبيب السجن محمد يونس العلي يمر على المهاجع ويسأل عن عدد المصابين ويسجل ذلك عنده . وبعد ساعتين أو ثلاث عاد الشرطة وطلبوا من رئيس المهجع أن يخرج هؤلاء المصابين جميعاً لينتقلوا إلى مهجع 13 في الباحة الثالثة فتحوه للمصابين . فخرج من مهجعنا وحده حوالي الأربعين . وأمضى الإخوة في العزل عدة أسابيع قدمت لهم إدارة السجن وقتها علاجات مباشرة خشية أن ينتشر المرض فيشمل الشرطة والسجانين أنفسهم . أو أن يتعدى حدود السجن فينتقل عبر المجاري التي كانت تتصل مع شبكة مجاري بلدة تدمر وتنتهي في حقول المزارعين لترويها !
لكن المثير في الأمر أن هذه الحركة ساعدت العديدين على الإلتقاء بأقارب لهم أو أصدقاء كانوا في مهاجع أخرى والإطمئنان على أحوالهم . وكانت كذلك سبباً في وصول أخبار جديدة إلينا وتسريب أخبارنا إلى بقية الإخوة . ولقد بلغنا وقتها أن السجناء في بعض المهاجع اكتشفوا آثار إطلاق الرصاص وبقايا دم آدمي لا تزال موجودة على السقف والجدران من أيام مجزرة تدمر الكبرى في شهر حزيران من عام 1980 . لكن الأهم من ذلك بالنسبة لنا كان تمكن عدد منا من حفظ آيات وسور من القرآن الكريم لم تكن في مهجعنا . علاوة على انخفاض نسبة التعذيب واعتداءات الشرطة الذين باتوا يتجنبون الإحتكاك بنا خشية العدوى ! ولقد علمنا بعد عودة الإخوة أن وفيات حدثت بالفعل بين مصابين من مهاجع أخرى ، أذكر من أسمائهم الأخ ناصح شنيطي من دمشق . لكن لطف الله تعالى ورحمته كانت واضحة في هذه المحنة . وبرغم انعدام العناية الصحية اللازمة وقلة التغذية وسوء الأحوال فقد مرت الأزمة بأقل الخسائر وقد كنا نتوقع أن تودي بحياة المئات .
مهجع النساء
لم يطل المقام بنا كثيراً في تدمر حتى تأكد لنا أن هذا المكان الرهيب يضم بين جدرانه أخوات سجينات أيضاً خصصوا لهن غرفة المستوصف السابقة وحولوها إلى مهجع للنساء .
ولقد تأكد لنا الأمر أول مرة حينما استدعوا إلى التحقيق أخاً من مهجعنا اسمه بسام سفُّور من حمص كانت تهمته تأمين جواز سفر لبعض الأشخاص الملاحقين . ويبدو أن امرأة غير مسلمة اسمها أم طوني كانت قد باعته الجواز أو شاركت في عملية تزويره ثم اعترفت عليه . فلما استدعوه للتحقيق في السجن نفسه واجهوه بها . واستطاع بعدما انتهى التحقيق أن يراهم يدخلونها غرفة المستوصف التي سجنوا فيها النساء . وفي مرة تالية وبينما كنا في التنفس استطعنا أن نلمح عدداً من النساء المحجبات في ذلك الجانب من الباحة فتأكد لنا وجودهن هناك . لكننا لم يكن ممكناً لنا أن نعرف عنهن أكثر أو أن نقدم لهن أي عون .
الإعدام
واستيقظنا في يوم من تلك الأيام ننتظر أن نبدأ البرنامج الذي اعتدنا عليه وتأقلمنا معه إلى حد كبير .. وبدأنا نضب بطانياتنا ونجمع العوازل من تحتها حين نادى علينا الشرطة من شراقة الباب فجأة وبشكل إيعاز :
الكل ضبوا لجوة ولا .
فسارعنا ونفذنا الأمر وتجمعنا كلنا في أقصى المهجع نستعيذ بالله من شر ما خلق ! وإن هي إلا برهة حتى بلغتنا من الباحة أصوات وضجيج غير مألوف .. وأحسسنا وكأنما هناك حمولة من الخشب ترمى على الأرض .. والنوافذ عالية لانستطيع أن نطل منها .. وبيننا وبين الباب مسافة لم نجرؤ أن نغادر زاويتنا ونسترق النظر من شقوق فيه خشية أن يرانا الشرطة من الشراقة فوق المهجع فيعاقبونا بما نحن في غنى عنه .
لكن الجلبة استمرت .. وتتابع صوت ارتطام الخشب بأرض الباحة الإسمنتية .. ورأينا ظلال الشرطة على جدران المهجع تعبر من النوافذ العليا كالأشباح .. فشعرنا بقلق وانقباض .. وبدأنا نتوقع شر الإحتمالات .. ونحسب أنهم سيدخلون الآن ويطلقون علينا النار كلنا كما فعلوا قبل أقل من عام في نفس المكان . ولم يطل بنا الإنتظار كثيراً .. فما هي إلا برهة حتى سمعنا أصوات التكبير تتعالى .. وسجناء ينادون أسماءهم ويقولون أخوكم فلان يوحد الله . ومن بين هؤلاء لا أزال أذكر اسم الأخ محمد ناصر البيك من حمص ، الذي بلغتنا تكبيراته وعبارته الأخيرة يقول :
أخوكم محمد ناصر البيك يوحد الله .
فعرفه إخوة من مدينته في المهجع معنا . وأيقنا أنها عملية إعدامات تجري الآن . وأن مجموعة من السجناء يعلقون على المشانق بالفعل . فاحتبست أنفاسنا جميعاً .. واختنقت فينا العبرات .. وتجمدت على ألسنتنا العبارات .. ولم تنقض أكثر من عشر دقائق حتى خفتت الأصوات .. وسكنت الحركة .. وبدأت الأمور خارج المهجع تعود إلى طبيعتها بالتدريج .. لكن التفقد تأخر وألغي التنفس في ذلك اليوم .. وأحضر الشرطة الطعام من غير أن يشيروا إلى ذاك الذي حدث بشيء .
وأغلق الباب علينا بعد ذلك لتلفنا دوامة القلق والتساؤلات . فها نحن الآن أمام الموت وجهاً لوجه .. والإعدامات التي كنا نسمع عنها ونتخوف منها حدثت على بعد خطوات منا وحسب .. وإذا كان شهداء المجزرة الكبرى قبل عام قد قضوا نتيجة نزوة كما ظن البعض أو ثأر بعد محاولة اغتيال رأس النظام ، فإن ما نراه الآن ونسمعه يجعلنا نحس أن الأمر منظم في الحقيقة ومقرر ، وأن هناك برنامجاً لتصفية السجناء إذاً . ولم يعد مستبعداً بعد الآن أن نقف أنفسنا هذا الموقف وتلتف حبال المشنقة على أعناقنا نحن بعد حين !
تساؤلات .. وتأويلات
تساؤلات .. وتأويلات
وأخذت التساؤلات تغادر السرائر بالتدريج وترتسم على شفاهنا تباعاً ، فتنتقل من فرد إلى آخر ومن مجموعة إلى غيرها .. وترسم معها معالم مختلف الناس الذين ضمتهم المحنة وجمعهم هذا المكان الرعيب . ورغم أن الحادثة هزتنا جميعاً إلا أن أكثر من اهتز حقيقة كان أولئك الذين لم يكونوا أهل انتماء بالأصل ، وجرفتهم المصلحة أو الحماسة فشاركوا بعمل ما وألقي القبض عليهم واعتبروا في منزلة واحدة كالمنظمين والمسلحين .. ومن هؤلاء كان بضعة نفر من المهربين وتجار السلاح .. ممن لم يكونوا مهيئين نفسياً لا للمحنة ولا للإعدام والموت ! وانتشرت بناء على حال كل فئة تأويلات المتأولين وتحليلات المحللين .. فاجتمع رأي البعض على أن الإعدامات إنما تنفذ في المسلحين الذين شاركوا في عمليات حقيقية وأدينوا فيها .. وأما المنظمون من غيرهم فمثلهم كمثل تلاميذ المشايخ لا خطر منهم ولا تثريب عليهم ! وذهب نفر إلى أن المسلحين أنفسهم قسمان : قسم تسلح ولكنه لم يَقْتُل أو يقاتل .. وهؤلاء أقرب للفئة السابقة إذاً . وفئة أخرى قاتلت وقَتَلت وثبت عليها العمل العسكري .. وهؤلاء هم الذين تنفذ فيهم الإعدامات وحسب .
وأحدثت هذه التقسيمات خلخلة غير منتظرة في الصفوف .. وظهرت بسبب هذه التخمينات مشادات وأخذ ورد .. ونادى العقلاء بأن الأمور بيد المولى سبحانه والأعمار مقدرة في علمه الأزلي لا تنقص ولا تزيد .. وقال الإخوة الذين أدينوا بالعمل العسكري بأن الشهادة شرف لكل مسلم .. فإذا كانت قد دنت فمرحباً بها .. ولكننا هنا جميعاً في نظر النظام أعداء .. وهم لا يفرقون بيننا لا في عذاب ولا في إعدام .
وحل الشتاء !
ومضت الأيام وحل الشتاء .. شتاء الصحراء الذي لا يرحم .. ونحن في مهجعنا لا نملك إلا بطانياتنا البالية ذاتها ، والنوافذ والشراقات فوقنا مفتوحة على حالها ، ويا بؤس من بات ليلته تحتها .. ويا سوء حظ من تأفف من مطر السماء حتى ولو انصب عليه طوال الليل ! ولذلك وبسبب هذه البرودة والرطوبة وسوء التغذية تفشت بيننا أمراض الزكام والروماتيزم والتهابات المفاصل .. ثم لم يلبث أن ظهر السل فينا بعد أقل من عام .. أو أنه كان قد ظهر بالفعل ولكننا لم نكتشفه إلا وقد استشرى وعم !
وهكذا عدنا إلى برنامج المعاناة نفسه .. أسرى جدران المهجع 26 نتقلب بين عذاب وعذاب .. وتفقد وتنفس .. وحلاقة وحمام .. ولكننا كنا نغالب ذلك كله بحفظ كتاب الله وتلاوة آياته ما وسعنا الجهد . ولم يكن ذلك هيناً في هذا الجو العصيب ، لكننا ثابرنا بحمد الله وتابعنا . ولم يكن فقه السجون قد تبلور لدينا في تلك الفترة بعد ، فكان بعضنا يخاطر بالقيام للوضوء مع كل صلاة رغم أن التيمم كان مرخصاً لنا . وكان احتمال أن يكتشف الشرطة حركتنا في الليل خاصة معناه عذاب محقق في الصباح التالي ربما كلف المرء حياته ! كذلك كنا نغتسل من الجنابة بالماء البارد مع برودة الجو رغم أن التيمم كان وارداً أيضاً ، ونظن أنه لا حل لنا إلا بذاك . لكننا أخذنا من بعد نتتبع الرخص الشرعية ونخفف عن أنفسنا قدر المستطاع . ولم نعدم أن نجد بيننا من ظل يتشدد ويصر على الإغتسال وعلى الوضوء في كل مرة وعلى أداء الصلاة وقوفاً والمجاهرة بالصيام حينما منع في السنوات اللاحقة ، برغم المخاطر واحتمالات الأذى له وللآخرين .
محكمة !
وذات يوم .. وكان قد مضى على حادث الإعدام بضعة أسابيع دخل علينا الشرطة وسألوا عن أسماء بعينها ، ولم نكن قد عهدناهم ينادون أحداً باسمه من قبل . لكن أياً من هذه الأسماء لم يكن بيننا . وتكرر الأمر مرة بعد مرة .. فأحسسنا أن ثمة شيئاً مريباً يدور .. حتى كان صبيحة يوم جديد ، حينما دخل الحرس ونادوا مجموعة أسماء من مهجعنا هذه المرة وقادوهم معهم . وكانوا قرابة الخمسة عشر شخصاً كلهم من حمص .
ومضت حوالي خمس أو ست ساعات أحضر الشرطة خلالها الفطور والغداء معاً وأغلقوا الباب علينا من غير تفقد أو تنفس .. فلما عاد الإخوة وسألناهم أين كنتم قالوا في المحكمة . فتيقنا ساعتها أنها جد إذاً . وعلمنا منهم أن أحكاماً صدرت بالإعدام على أكثرهم . وسرعان ما وجدنا الإخوة المحكوم عليهم بالإعدام قد تغير حالهم .. وانصرفوا عن كل شؤون الدنيا انصرافاً تاماً .. وتوجهوا إلى الله سبحانه بكلياتهم يهيؤون أنفسهم للقاء رب العالمين حتى كأن أحدهم لم يكن من أهل هذه الدنيا أبداً . ولم ينقض شهران بعدها حتى طُلِبَ هؤلاء الإخوة للإعدام .. فكانت أول كوكبة من أهل الجنان إن شاء الله نودعهم من مهجعنا .. سائلين الله تعالى أن ينتقم لهم ويتقبلهم ويجعلهم في أعلى عليين .
مرحباً بلقاء الله
دخل الشرطة صبيحة ذلك اليوم المرير وقرؤوا أسماء المطلوبين فيما كانت إجراءات نصب المشانق وتهيئة مراسم الإعدام تتم في الباحة أمام مهجعنا مباشرة . وكانت مفاجأة لنا أن عدداً ممن تليت أسماؤهم كانوا قد خرجوا إلى المحكمة وقتها ولم يبلغونهم كالآخرين أنهم حكموا بالإعدام . فلما سمع الإخوة أسماءهم وأيقنوا المصير تراكضوا إلى الحمام فتوضؤوا ومدوا شيئاً هناك وصلوا عليه تخفياً من الشرطة خشية علينا نحن لا على أنفسهم . وخرج الركب أكثر من عشرة كأنهم غير الذين عرفنا كل هذه الأيام .. مطمئني النفوس .. مشرقي القسمات .. مقبلين بكل جوارحهم على الله راضين بقضائه . واستطاع بعضنا أن يعانق عدداً منهم .. وخرج الآخرون حتى من غير كلمة وداع . لا زلت أذكر من أسماء تلك الدفعة الإخوة حسن الصغير ، وعبد الغني الدباغ ، وبسام كالو وكلهم من حمص . ولا زلت أذكر كأنه الساعة كيف أن الأخ بسام استيقظ صباح ذلك اليوم مبكراً وقال لإخوة حوله : رأيت اليوم مناماً . سألوه : خيراً إن شاء الله .. ماذا رأيت ؟ قال : رأيت قول الله تعالى في القرآن الكريم ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ) . ولم يلبث أن نودي للإعدام رحمه الله بعد ساعة أو أقل ، فأحسسنا أن الله سبحانه حقق له منامه وتقبله وغفر له وأنزله الجنان إن شاء الله .
أرجوحة الشهداء
وأقفل الجلاوزة الباب .. وساقوا الإخوة أول الأمر إلى مهجع في أقصى الباحة يسمى "الورشة" . وعلمنا من بعد أن سليمان الخطيب يأتي بنفسه ليتأكد من الأسماء والأشخاص ويتلو عليهم ديباجة الحكم ، ويأتي معه أو يتبعه مدير السجن الذي كنا نحس بقدومه من صوت المساعد يقدمه بالازمة المعتادة قائلاً :
است.....رح .. استع......د . الباحة جاهزة للتفتيش سيدي اللواء أو سيدي العقيد .
وبعد هذا الإجراء يبدأ الشرطة بسوق الإخوة إلى المشانق تباعاً . وعندما بدأ ذلك هرعت من فوري إلى شق صغير في باب مهجعنا فرأيت المشانق منصوبة على امتداد الباحة .. والإخوة الآن وقد باتوا على حافة الردى يكبرون بأعلى صوتهم ويهللون .. ويساق أحدهم بعد الآخر مغمض العينين مكبل اليدين إلى المشنقة التي انتصبت على قوائمها الثلاث .. يتدلى منها حبل كحبال الغسيل البلاستيكية .. يخالف في هذه المواصفات وتلك الوضعية أبسط الشروط التي يفترض أن تتوفر في مشنقة الإعدام المخصصة للمجرمين ! ورغم ذلك يؤمر الأخ بالجثو أمام المشنقة دون أن يدري ماذا أمامه ، وعن جانبيه اثنان من "البلدية" ينتظران الإيعاز من الشرطي الذي يقف في مقابل الأخ . فإذا أشار إليهما تناولا حبل المشنقة فطوقا به رقبة السجين .. ثم تأخرا إلى الوراء فأمسكا بقائمة المشنقة . ولا يلبث الشرطي أن يصدر الإيعاز الأخير .. فيشد "البلدية" الخشبة .. وتنتصب المشنقة .. فيرتفع الأخ في الهواء بلمحة عين .. ويشهق شهقته الأخيرة وتزهق روحه خلال لحظات . فإذا بدت منه حركة تدل على احتمال استمرار الحياة فيه تقدم عنصرا "البلدية" ثانية فجذبا الأخ وتعلقا به حتى يشتد إطباق الحبل على رقبته إلى أبعد مدى .
ولا يلبث الطبيب يونس العلي أن يتقدم فيجس النبض ، ويتأكد من الوفاة .. فتعاد المشنقة إلى وضعها ، ويفك الحبل عن رقبة الشهيد .. ويرمي به القتلة جانباً بدم بارد ، فيما يعد الشرطة الأخ التالي للإعدام . حتى إذا اكتمل العدد ونفذت الجريمة وتكومت الجثث ، دخلت الساحة شاحنة عسكرية ، وتقدم "البلدية" فحملوا أجساد الإخوة واحداً بعد الآخر وقذفوهم فيها .. لتمضي إلى حيث لا يعرف بمصيرهم أحد إلا الله . وفي هذه الدفعة قدرت أن أكثر من خمسين أخاً قضوا نحبهم .. نحتسبهم في عداد الشهداء الأبرار إن شاء الله .
العزاء
غادر الإخوة إلى لقاء الله ، وبقينا نحن في كربتنا ووحشتنا تلفنا حالة من الكآبة خانقة ، والناس وكأن على رؤوسهم الطير .. ليس لنا إلا العبرات الحرى نطلقها بصمت وألم .. والتضرع إلى الله نرسله خافتاً مرتعشاً مع الزفرات .
وغاص كل منا في خواطر شتى .. فهؤلاء الذين كنا نأكل معهم قبل ليلة خلت .. ونصلي وإياهم الفجر قبل برهة . هؤلاء الذين كنا وإياهم في سباق على حفظ كتاب الله .. نسمع منهم أو يسمعوا لنا . وربما كان واحدهم قد بات ليلته الأخيرة بجانبنا ، أو أرسل آخر ابتسامة له من وجهه الطلق وغادر وتركنا . هؤلاء الذين نمت بيننا العلاقة عن غير سابق معرفة من قبل في أحلك الظروف وأقساها .. شهرين أو ثلاثة نتناوب على تلقي العذاب ومواجهة الهول معاً .. فكنا على قصر الأيام أكثر من إخوة وألصق من أشقاء . هؤلاء جميعاً خرجوا من بيننا ولن يعودوا أبداً . وغادروا الدنيا ولن نلقاهم إلى يوم الدين .
وترتد الخواطر إلى ذواتنا سريعاً ، ونبدأ نسترجع شريط حياتنا نحن الذين لا نزال أحياء . من طفولتنا البريئة .. إلى شبابنا الذي ما أن بدأ يزهر فينا حتى اقتطفته يد الظلمة من غير ما إنذار . ويتجه الحوار في ذواتنا إلى المستقبل الآتي .. وأي مستقبل ذاك والمشانق ها هي لم تُحَلَّ حبالها بعد ! وتختلط فينا مشاعر الشفقة بالشوق .. واللوعة بالخوف .. والإحباط بالرجاء . ولا نجد في خاتمة المطاف ما نعزي به أنفسنا ونواسي جراحنا ونخفف من هول المصيبة علينا إلا الإلتجاء إلى الرحمن الرحيم ، والرجاء بأن يكون ذلك في سبيله فيقبلنا في الآخرة ويعفو عنا .
مع كتاب الله
وترانا نهرع من جديد إلى كتابه جل وعلا أنيسنا وبلسم جروحنا ننكب عليه ونلتجىء إليه . ولقد أكرمنا سبحانه بعد أسابيع لم تطل بأخ حافظ لكتاب الله قدم إلينا مع حوالي خمسة عشر أخاً من دمشق كلهم من جماعة مسجد زيد بن ثابت . والأخ الحافظ اسمه محمد صنوبر من بلدة جديدة الذيباني قرب دمشق . فكان سرورنا به أكبر من أن يوصف . وأقبلنا نتلقى منه السور والآيات ونحفظها . وكنت أنا والأخ هيثم عثمان برغم إصابته الشديدة نحفظ معاً .. ونراجع ما حفظنا باستمرار .. حتى بات كتاب الله شغلنا الشاغل . ومن شدة همتنا وعزيمتنا أذكر أنني بتوفيق الله حفظت سورة الأنعام كلها في أربعة أيام .. وكنت من قبل أن أعتقل أحفظ جزء عم وبعضاً من الجزء التاسع والعشرين وحسب . فلما رأينا الإعدامات وقدرنا أن المنية قد دنت أحببنا أن ننهي الحفظ فنلاقي به وجه ربنا . وفي عام 1982 أنهيت والأخ هيثم ولله الحمد حفظ القرآن الكريم كله . وكنا أول من ينهي الحفظ من مهجعنا بفضل الله .
مؤامرة !
ومرت الأيام .. وفوجئنا بواحد من الشرطة العسكرية صبيحة يوم تال يطلب أبا رشيد ويمضي به إلى حيث لا ندري . وعندما عاد بعد بضع ساعات كان في حالة يُرثى لها من أثر التعذيب . ولم يكن من طبع أبي رشيد الإكثار من الحديث ، لكنه خصني رحمه الله بذكر ما جرى بحكم معرفتي السابقة به وصلتي الوثيقة معه . ووقتها أخبرني أن ضباطاً من المخابرات أتوا للتحقيق معه حول علاقته برئيس الأركان حكمت الشهابي الذي حضر إلى فرع المخابرات من قبل - كما ذكرت - وحاول دفعه للإعتراف ووعده بالمساعدة . وكانت إعادة التحقيق مع السجين من أصعب الأمور عليه وقد ظن أنه انتهى من هذه المرحلة وطويت أوراق ملفه . ورغم أن الشهابي حاول حقيقة الأمر أن يوقع أبا رشيد ويعين المخابرات عليه إلا أنه رفض الإعتراف بأمر يضره . ولعب المحققون لعبة الإغراء ثانية معه ووعدوه بأن ينقذوه من الإعدام إذا اعترف بوجود صلة للشهابي معه فأبى . وعذبوه على ذلك أشنع العذاب فأصر على موقفه .. وأحس أن ثمة مؤامرة داخل أجنحة النظام تريد استغلاله لتصفية خصومات بينهم .. فأبى بنزاهة المسلم أن يظلم حتى عدوه ، وتحمل في سبيل ذلك أشد العذاب .
اليوم المقدور
وانقضت شهور أخر . وتحسنت صحة أبي رشيد والتأمت جراح حفلة التعذيب تلك .. ومضت حياتنا على نفس المنوال لا نخرج من هم حتى نقع في هم أشد .. ولا ننجو من تعذيب حتى يطولنا حفل تعذيب أشنع .. وفي شهر تشرين الأول أو تشرين الثاني من عام 1981 تم استدعاء دفعة جديدة للمحكمة الهزلية التي كانت أحد فصول التعذيب النفسي والجسدي معاً . وخرج في هذه الدفعة أبو رشيد ضمن حوالي أربعين أخاً من مهجعنا . ورغم أنه رجع من غير أن يبلغونه بالحكم إلا أنه أدرك أن الأمر انتهى .. واستشف ذلك من كلام سليمان الخطيب الذي تربع على كرسي القضاء جوراً وظلماً .. خاصة وأنه عاد وألح عليه لتوريط الشهابي .. ووعده بإنقاذه من الإعدام إن فعل .. وأصر أبو رشيد وقتها على الرفض مهما كانت النتيجة .
وعاد أبو رشيد من المحكمة وقد نوى أن يبدأ الصيام من ساعتها وإلى أن يلاقي ربه . وقال بأنه لن يفطر حتى يخرج إلى الإعدام . وعندما حل ذلك اليوم المقدور بعد قرابة الشهرين كنت قد رفعت له شاياً وبعض الطعام من وجبة الفطور ليتناولها عند الغروب . فلما دخلوا ونادوا على أسماء المطلوبين للإعدام من دفعته لم يذكروا اسمه .. وتدافع الإخوة لوداع الأحبة وأغلق من ثم الباب .. وبينما نحن نترقب ناداني أبو رشيد رحمه الله وقال لي :
أخي أبو سليم .. أراني اليوم متعباً .. هات ناولني الشاي والطعام لأفطر .
قلت له : هاك وتوكل على الله .
ووالله الذي لا إله إلا هو ، لم يرشف أبو رشيد من الشاي رشفة وبدأ بالثانية حتى فُتِحَ الباب من جديد ونادى الشرطي فينا :
حسين رشيد عثمان .
حاضر .
رد أبو رشيد وكأس الشاي لا يزال بين شفتيه .. فأيقنا سبحان الله كيف أن رزق الإنسان المقسوم لا بد وأن يبلغه .. وأنه كان لا بد وأن يأخذ رشفتي الشاي هاتين لا تزيدان ولا تنقصان !
ولم يلبث أن قفز رحمه الله إلى زاوية من زوايا المهجع وبدأ يخلع عنه ملابسه وهو يكبر ويهلل .. وحينما لم يبق عليه إلا الشورت والشرطة على الباب يكادون يجنون مما يفعل ألقى إلينا بكل ما كان يرتدي لنستفيد منه .. وخرج إلى الإعدام رحمه الله . ولم أستطع هذه المرة التلصص من ثقب الباب بعد الذي حصل . وسرعان ما انتهى تنفيذ الإعدام ، ودخل الشرطة علينا فأخرجونا إلى الساحة وأشبعونا جلداً ولطماً حتى يمسحوا عنا أي أثر إيجابي تركته فينا تكبيرات أبي رشيد رحمه الله .
احتياطات !
وأخذت التساؤلات تغادر السرائر بالتدريج وترتسم على شفاهنا تباعاً ، فتنتقل من فرد إلى آخر ومن مجموعة إلى غيرها .. وترسم معها معالم مختلف الناس الذين ضمتهم المحنة وجمعهم هذا المكان الرعيب . ورغم أن الحادثة هزتنا جميعاً إلا أن أكثر من اهتز حقيقة كان أولئك الذين لم يكونوا أهل انتماء بالأصل ، وجرفتهم المصلحة أو الحماسة فشاركوا بعمل ما وألقي القبض عليهم واعتبروا في منزلة واحدة كالمنظمين والمسلحين .. ومن هؤلاء كان بضعة نفر من المهربين وتجار السلاح .. ممن لم يكونوا مهيئين نفسياً لا للمحنة ولا للإعدام والموت ! وانتشرت بناء على حال كل فئة تأويلات المتأولين وتحليلات المحللين .. فاجتمع رأي البعض على أن الإعدامات إنما تنفذ في المسلحين الذين شاركوا في عمليات حقيقية وأدينوا فيها .. وأما المنظمون من غيرهم فمثلهم كمثل تلاميذ المشايخ لا خطر منهم ولا تثريب عليهم ! وذهب نفر إلى أن المسلحين أنفسهم قسمان : قسم تسلح ولكنه لم يَقْتُل أو يقاتل .. وهؤلاء أقرب للفئة السابقة إذاً . وفئة أخرى قاتلت وقَتَلت وثبت عليها العمل العسكري .. وهؤلاء هم الذين تنفذ فيهم الإعدامات وحسب .
وأحدثت هذه التقسيمات خلخلة غير منتظرة في الصفوف .. وظهرت بسبب هذه التخمينات مشادات وأخذ ورد .. ونادى العقلاء بأن الأمور بيد المولى سبحانه والأعمار مقدرة في علمه الأزلي لا تنقص ولا تزيد .. وقال الإخوة الذين أدينوا بالعمل العسكري بأن الشهادة شرف لكل مسلم .. فإذا كانت قد دنت فمرحباً بها .. ولكننا هنا جميعاً في نظر النظام أعداء .. وهم لا يفرقون بيننا لا في عذاب ولا في إعدام .
وحل الشتاء !
ومضت الأيام وحل الشتاء .. شتاء الصحراء الذي لا يرحم .. ونحن في مهجعنا لا نملك إلا بطانياتنا البالية ذاتها ، والنوافذ والشراقات فوقنا مفتوحة على حالها ، ويا بؤس من بات ليلته تحتها .. ويا سوء حظ من تأفف من مطر السماء حتى ولو انصب عليه طوال الليل ! ولذلك وبسبب هذه البرودة والرطوبة وسوء التغذية تفشت بيننا أمراض الزكام والروماتيزم والتهابات المفاصل .. ثم لم يلبث أن ظهر السل فينا بعد أقل من عام .. أو أنه كان قد ظهر بالفعل ولكننا لم نكتشفه إلا وقد استشرى وعم !
وهكذا عدنا إلى برنامج المعاناة نفسه .. أسرى جدران المهجع 26 نتقلب بين عذاب وعذاب .. وتفقد وتنفس .. وحلاقة وحمام .. ولكننا كنا نغالب ذلك كله بحفظ كتاب الله وتلاوة آياته ما وسعنا الجهد . ولم يكن ذلك هيناً في هذا الجو العصيب ، لكننا ثابرنا بحمد الله وتابعنا . ولم يكن فقه السجون قد تبلور لدينا في تلك الفترة بعد ، فكان بعضنا يخاطر بالقيام للوضوء مع كل صلاة رغم أن التيمم كان مرخصاً لنا . وكان احتمال أن يكتشف الشرطة حركتنا في الليل خاصة معناه عذاب محقق في الصباح التالي ربما كلف المرء حياته ! كذلك كنا نغتسل من الجنابة بالماء البارد مع برودة الجو رغم أن التيمم كان وارداً أيضاً ، ونظن أنه لا حل لنا إلا بذاك . لكننا أخذنا من بعد نتتبع الرخص الشرعية ونخفف عن أنفسنا قدر المستطاع . ولم نعدم أن نجد بيننا من ظل يتشدد ويصر على الإغتسال وعلى الوضوء في كل مرة وعلى أداء الصلاة وقوفاً والمجاهرة بالصيام حينما منع في السنوات اللاحقة ، برغم المخاطر واحتمالات الأذى له وللآخرين .
محكمة !
وذات يوم .. وكان قد مضى على حادث الإعدام بضعة أسابيع دخل علينا الشرطة وسألوا عن أسماء بعينها ، ولم نكن قد عهدناهم ينادون أحداً باسمه من قبل . لكن أياً من هذه الأسماء لم يكن بيننا . وتكرر الأمر مرة بعد مرة .. فأحسسنا أن ثمة شيئاً مريباً يدور .. حتى كان صبيحة يوم جديد ، حينما دخل الحرس ونادوا مجموعة أسماء من مهجعنا هذه المرة وقادوهم معهم . وكانوا قرابة الخمسة عشر شخصاً كلهم من حمص .
ومضت حوالي خمس أو ست ساعات أحضر الشرطة خلالها الفطور والغداء معاً وأغلقوا الباب علينا من غير تفقد أو تنفس .. فلما عاد الإخوة وسألناهم أين كنتم قالوا في المحكمة . فتيقنا ساعتها أنها جد إذاً . وعلمنا منهم أن أحكاماً صدرت بالإعدام على أكثرهم . وسرعان ما وجدنا الإخوة المحكوم عليهم بالإعدام قد تغير حالهم .. وانصرفوا عن كل شؤون الدنيا انصرافاً تاماً .. وتوجهوا إلى الله سبحانه بكلياتهم يهيؤون أنفسهم للقاء رب العالمين حتى كأن أحدهم لم يكن من أهل هذه الدنيا أبداً . ولم ينقض شهران بعدها حتى طُلِبَ هؤلاء الإخوة للإعدام .. فكانت أول كوكبة من أهل الجنان إن شاء الله نودعهم من مهجعنا .. سائلين الله تعالى أن ينتقم لهم ويتقبلهم ويجعلهم في أعلى عليين .
مرحباً بلقاء الله
دخل الشرطة صبيحة ذلك اليوم المرير وقرؤوا أسماء المطلوبين فيما كانت إجراءات نصب المشانق وتهيئة مراسم الإعدام تتم في الباحة أمام مهجعنا مباشرة . وكانت مفاجأة لنا أن عدداً ممن تليت أسماؤهم كانوا قد خرجوا إلى المحكمة وقتها ولم يبلغونهم كالآخرين أنهم حكموا بالإعدام . فلما سمع الإخوة أسماءهم وأيقنوا المصير تراكضوا إلى الحمام فتوضؤوا ومدوا شيئاً هناك وصلوا عليه تخفياً من الشرطة خشية علينا نحن لا على أنفسهم . وخرج الركب أكثر من عشرة كأنهم غير الذين عرفنا كل هذه الأيام .. مطمئني النفوس .. مشرقي القسمات .. مقبلين بكل جوارحهم على الله راضين بقضائه . واستطاع بعضنا أن يعانق عدداً منهم .. وخرج الآخرون حتى من غير كلمة وداع . لا زلت أذكر من أسماء تلك الدفعة الإخوة حسن الصغير ، وعبد الغني الدباغ ، وبسام كالو وكلهم من حمص . ولا زلت أذكر كأنه الساعة كيف أن الأخ بسام استيقظ صباح ذلك اليوم مبكراً وقال لإخوة حوله : رأيت اليوم مناماً . سألوه : خيراً إن شاء الله .. ماذا رأيت ؟ قال : رأيت قول الله تعالى في القرآن الكريم ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ) . ولم يلبث أن نودي للإعدام رحمه الله بعد ساعة أو أقل ، فأحسسنا أن الله سبحانه حقق له منامه وتقبله وغفر له وأنزله الجنان إن شاء الله .
أرجوحة الشهداء
وأقفل الجلاوزة الباب .. وساقوا الإخوة أول الأمر إلى مهجع في أقصى الباحة يسمى "الورشة" . وعلمنا من بعد أن سليمان الخطيب يأتي بنفسه ليتأكد من الأسماء والأشخاص ويتلو عليهم ديباجة الحكم ، ويأتي معه أو يتبعه مدير السجن الذي كنا نحس بقدومه من صوت المساعد يقدمه بالازمة المعتادة قائلاً :
است.....رح .. استع......د . الباحة جاهزة للتفتيش سيدي اللواء أو سيدي العقيد .
وبعد هذا الإجراء يبدأ الشرطة بسوق الإخوة إلى المشانق تباعاً . وعندما بدأ ذلك هرعت من فوري إلى شق صغير في باب مهجعنا فرأيت المشانق منصوبة على امتداد الباحة .. والإخوة الآن وقد باتوا على حافة الردى يكبرون بأعلى صوتهم ويهللون .. ويساق أحدهم بعد الآخر مغمض العينين مكبل اليدين إلى المشنقة التي انتصبت على قوائمها الثلاث .. يتدلى منها حبل كحبال الغسيل البلاستيكية .. يخالف في هذه المواصفات وتلك الوضعية أبسط الشروط التي يفترض أن تتوفر في مشنقة الإعدام المخصصة للمجرمين ! ورغم ذلك يؤمر الأخ بالجثو أمام المشنقة دون أن يدري ماذا أمامه ، وعن جانبيه اثنان من "البلدية" ينتظران الإيعاز من الشرطي الذي يقف في مقابل الأخ . فإذا أشار إليهما تناولا حبل المشنقة فطوقا به رقبة السجين .. ثم تأخرا إلى الوراء فأمسكا بقائمة المشنقة . ولا يلبث الشرطي أن يصدر الإيعاز الأخير .. فيشد "البلدية" الخشبة .. وتنتصب المشنقة .. فيرتفع الأخ في الهواء بلمحة عين .. ويشهق شهقته الأخيرة وتزهق روحه خلال لحظات . فإذا بدت منه حركة تدل على احتمال استمرار الحياة فيه تقدم عنصرا "البلدية" ثانية فجذبا الأخ وتعلقا به حتى يشتد إطباق الحبل على رقبته إلى أبعد مدى .
ولا يلبث الطبيب يونس العلي أن يتقدم فيجس النبض ، ويتأكد من الوفاة .. فتعاد المشنقة إلى وضعها ، ويفك الحبل عن رقبة الشهيد .. ويرمي به القتلة جانباً بدم بارد ، فيما يعد الشرطة الأخ التالي للإعدام . حتى إذا اكتمل العدد ونفذت الجريمة وتكومت الجثث ، دخلت الساحة شاحنة عسكرية ، وتقدم "البلدية" فحملوا أجساد الإخوة واحداً بعد الآخر وقذفوهم فيها .. لتمضي إلى حيث لا يعرف بمصيرهم أحد إلا الله . وفي هذه الدفعة قدرت أن أكثر من خمسين أخاً قضوا نحبهم .. نحتسبهم في عداد الشهداء الأبرار إن شاء الله .
العزاء
غادر الإخوة إلى لقاء الله ، وبقينا نحن في كربتنا ووحشتنا تلفنا حالة من الكآبة خانقة ، والناس وكأن على رؤوسهم الطير .. ليس لنا إلا العبرات الحرى نطلقها بصمت وألم .. والتضرع إلى الله نرسله خافتاً مرتعشاً مع الزفرات .
وغاص كل منا في خواطر شتى .. فهؤلاء الذين كنا نأكل معهم قبل ليلة خلت .. ونصلي وإياهم الفجر قبل برهة . هؤلاء الذين كنا وإياهم في سباق على حفظ كتاب الله .. نسمع منهم أو يسمعوا لنا . وربما كان واحدهم قد بات ليلته الأخيرة بجانبنا ، أو أرسل آخر ابتسامة له من وجهه الطلق وغادر وتركنا . هؤلاء الذين نمت بيننا العلاقة عن غير سابق معرفة من قبل في أحلك الظروف وأقساها .. شهرين أو ثلاثة نتناوب على تلقي العذاب ومواجهة الهول معاً .. فكنا على قصر الأيام أكثر من إخوة وألصق من أشقاء . هؤلاء جميعاً خرجوا من بيننا ولن يعودوا أبداً . وغادروا الدنيا ولن نلقاهم إلى يوم الدين .
وترتد الخواطر إلى ذواتنا سريعاً ، ونبدأ نسترجع شريط حياتنا نحن الذين لا نزال أحياء . من طفولتنا البريئة .. إلى شبابنا الذي ما أن بدأ يزهر فينا حتى اقتطفته يد الظلمة من غير ما إنذار . ويتجه الحوار في ذواتنا إلى المستقبل الآتي .. وأي مستقبل ذاك والمشانق ها هي لم تُحَلَّ حبالها بعد ! وتختلط فينا مشاعر الشفقة بالشوق .. واللوعة بالخوف .. والإحباط بالرجاء . ولا نجد في خاتمة المطاف ما نعزي به أنفسنا ونواسي جراحنا ونخفف من هول المصيبة علينا إلا الإلتجاء إلى الرحمن الرحيم ، والرجاء بأن يكون ذلك في سبيله فيقبلنا في الآخرة ويعفو عنا .
مع كتاب الله
وترانا نهرع من جديد إلى كتابه جل وعلا أنيسنا وبلسم جروحنا ننكب عليه ونلتجىء إليه . ولقد أكرمنا سبحانه بعد أسابيع لم تطل بأخ حافظ لكتاب الله قدم إلينا مع حوالي خمسة عشر أخاً من دمشق كلهم من جماعة مسجد زيد بن ثابت . والأخ الحافظ اسمه محمد صنوبر من بلدة جديدة الذيباني قرب دمشق . فكان سرورنا به أكبر من أن يوصف . وأقبلنا نتلقى منه السور والآيات ونحفظها . وكنت أنا والأخ هيثم عثمان برغم إصابته الشديدة نحفظ معاً .. ونراجع ما حفظنا باستمرار .. حتى بات كتاب الله شغلنا الشاغل . ومن شدة همتنا وعزيمتنا أذكر أنني بتوفيق الله حفظت سورة الأنعام كلها في أربعة أيام .. وكنت من قبل أن أعتقل أحفظ جزء عم وبعضاً من الجزء التاسع والعشرين وحسب . فلما رأينا الإعدامات وقدرنا أن المنية قد دنت أحببنا أن ننهي الحفظ فنلاقي به وجه ربنا . وفي عام 1982 أنهيت والأخ هيثم ولله الحمد حفظ القرآن الكريم كله . وكنا أول من ينهي الحفظ من مهجعنا بفضل الله .
مؤامرة !
ومرت الأيام .. وفوجئنا بواحد من الشرطة العسكرية صبيحة يوم تال يطلب أبا رشيد ويمضي به إلى حيث لا ندري . وعندما عاد بعد بضع ساعات كان في حالة يُرثى لها من أثر التعذيب . ولم يكن من طبع أبي رشيد الإكثار من الحديث ، لكنه خصني رحمه الله بذكر ما جرى بحكم معرفتي السابقة به وصلتي الوثيقة معه . ووقتها أخبرني أن ضباطاً من المخابرات أتوا للتحقيق معه حول علاقته برئيس الأركان حكمت الشهابي الذي حضر إلى فرع المخابرات من قبل - كما ذكرت - وحاول دفعه للإعتراف ووعده بالمساعدة . وكانت إعادة التحقيق مع السجين من أصعب الأمور عليه وقد ظن أنه انتهى من هذه المرحلة وطويت أوراق ملفه . ورغم أن الشهابي حاول حقيقة الأمر أن يوقع أبا رشيد ويعين المخابرات عليه إلا أنه رفض الإعتراف بأمر يضره . ولعب المحققون لعبة الإغراء ثانية معه ووعدوه بأن ينقذوه من الإعدام إذا اعترف بوجود صلة للشهابي معه فأبى . وعذبوه على ذلك أشنع العذاب فأصر على موقفه .. وأحس أن ثمة مؤامرة داخل أجنحة النظام تريد استغلاله لتصفية خصومات بينهم .. فأبى بنزاهة المسلم أن يظلم حتى عدوه ، وتحمل في سبيل ذلك أشد العذاب .
اليوم المقدور
وانقضت شهور أخر . وتحسنت صحة أبي رشيد والتأمت جراح حفلة التعذيب تلك .. ومضت حياتنا على نفس المنوال لا نخرج من هم حتى نقع في هم أشد .. ولا ننجو من تعذيب حتى يطولنا حفل تعذيب أشنع .. وفي شهر تشرين الأول أو تشرين الثاني من عام 1981 تم استدعاء دفعة جديدة للمحكمة الهزلية التي كانت أحد فصول التعذيب النفسي والجسدي معاً . وخرج في هذه الدفعة أبو رشيد ضمن حوالي أربعين أخاً من مهجعنا . ورغم أنه رجع من غير أن يبلغونه بالحكم إلا أنه أدرك أن الأمر انتهى .. واستشف ذلك من كلام سليمان الخطيب الذي تربع على كرسي القضاء جوراً وظلماً .. خاصة وأنه عاد وألح عليه لتوريط الشهابي .. ووعده بإنقاذه من الإعدام إن فعل .. وأصر أبو رشيد وقتها على الرفض مهما كانت النتيجة .
وعاد أبو رشيد من المحكمة وقد نوى أن يبدأ الصيام من ساعتها وإلى أن يلاقي ربه . وقال بأنه لن يفطر حتى يخرج إلى الإعدام . وعندما حل ذلك اليوم المقدور بعد قرابة الشهرين كنت قد رفعت له شاياً وبعض الطعام من وجبة الفطور ليتناولها عند الغروب . فلما دخلوا ونادوا على أسماء المطلوبين للإعدام من دفعته لم يذكروا اسمه .. وتدافع الإخوة لوداع الأحبة وأغلق من ثم الباب .. وبينما نحن نترقب ناداني أبو رشيد رحمه الله وقال لي :
أخي أبو سليم .. أراني اليوم متعباً .. هات ناولني الشاي والطعام لأفطر .
قلت له : هاك وتوكل على الله .
ووالله الذي لا إله إلا هو ، لم يرشف أبو رشيد من الشاي رشفة وبدأ بالثانية حتى فُتِحَ الباب من جديد ونادى الشرطي فينا :
حسين رشيد عثمان .
حاضر .
رد أبو رشيد وكأس الشاي لا يزال بين شفتيه .. فأيقنا سبحان الله كيف أن رزق الإنسان المقسوم لا بد وأن يبلغه .. وأنه كان لا بد وأن يأخذ رشفتي الشاي هاتين لا تزيدان ولا تنقصان !
ولم يلبث أن قفز رحمه الله إلى زاوية من زوايا المهجع وبدأ يخلع عنه ملابسه وهو يكبر ويهلل .. وحينما لم يبق عليه إلا الشورت والشرطة على الباب يكادون يجنون مما يفعل ألقى إلينا بكل ما كان يرتدي لنستفيد منه .. وخرج إلى الإعدام رحمه الله . ولم أستطع هذه المرة التلصص من ثقب الباب بعد الذي حصل . وسرعان ما انتهى تنفيذ الإعدام ، ودخل الشرطة علينا فأخرجونا إلى الساحة وأشبعونا جلداً ولطماً حتى يمسحوا عنا أي أثر إيجابي تركته فينا تكبيرات أبي رشيد رحمه الله .
احتياطات !
الصفحة الأخيرة
الف شكر على المشاركة ولا أرررررررررررررررروع
يسلمووووووووو