آخر الوافدين !
مضت الأمور في السجن بعمومها نحو الهدوء النسبي . فالتعذيب الجماعي خفت حدته ، والضرب الوحشي قلت نسبته . ثم لم نلبث أن وجدنا الإدارة تقوم بفرز جديد للسجناء في شهر نيسان 1991 تم بموجبها تقسيمنا وتوزيعنا على مهاجع جديدة وباحات مختلفة . ووجدتني في هذا السياق أنقل هذه المرة إلى مهجع رقم 7 في الباحة الرابعة . وهناك أمضيت قرابة سنة أخرى خفت فيها المعاناة نوعاً ما ، وبدأنا نلحظ خلالها تحسناً نسبياً في الطعام ، كانت مادته الأساسية زيادة كمية الثوم !
ومن باحة مهجعنا السابع تلك كان على لجنة الإعدامات التي لم تتوقف أعمالها أبداً أن تمر من أمامنا مضياً في طريقها إلى الباحة السادسة لتنفذ الأحكام . وكنا نسمع أصواتهم ونتمكن أحياناً من التلصص عليهم من شقوق الباب . وفي نفس الوقت كنا نحس وصول الدفعات الجديدة من المعتقلين التي لم تتوقف أيضاً ونسمع أصوات استغاثاتهم وصياحهم من ساحة الذاتية المجاورة والباحة الأولى القريبة منا . وفي شهر تشرين الثاني عام 1991 كانت آخر دفعة جديدة من السجناء تصل تدمر على عهدي لتستقبلهم حفلة الاستقبال الرهيبة ذاتها .. وتبلغنا أصوات استغاثاتهم وصيحات الألم تزلزل المكان ولا تحرك في قلوب الزبانية شعرة ! وحتى لا تنتقل الأخبار ويطلع السجناء القدامى على مستجدات الأحداث في الخارج كان يتم عزل السجناء الجدد في مهاجع مستقلة فلا نلتقيهم ولا يلتقونا ، ولكن أصوات استغاثاتهم كانت أكثر من كافية لنعلم بوصولهم إلى هذا المكان الرهيب .
نعم للقائد !!
وذات يوم من نهايات تشرين الثاني أو بدايات كانون الأول عام 1991 . وبينما نحن في المهجع نجرع الأسى ونغص بالحسرات أقبل علينا مساعد السجن محمد نعمة وأبلغنا أن انتخابات لرئيس الدولة أوشكت أن تجري خلال أيام .. وأن علينا أن نظهر محبتنا وتقديرنا للقائد الأسد فنقول له "نعم" بالفم الملآن والصوت العالي .
ولم يكن من خيار أمام أحد في كل سورية إلا أن يقول تلك ال"نعم" . تماماً كتلك التي قلناها لسليمان الخطيب حين أبلغنا بأحكام الإعدام أمام محكمته الهزلية . أو كتلك التي قالها الطبيب المسكين بعد حفل العذاب ليطلق زوجته . أو كالنعم التي كنا نقولها للشرطي إذا قال لنا أنه يريد أن يفعل كذا وكذا بأمهاتنا وأخواتنا . أو كآلاف وآلاف مثلها يقولها كل مواطن مقهور لا يملك لرد ظلم زبانية النظام وسفاهاتهم عونآً ولا سنداً .
وكتب رئيس المهجع قائمة بأسمائنا كلنا . ووقعنا وقلنا "نعم" . وكان الأنكى أن قام بعض من هدته المحنة وأنهكته المعاناة فاقترح أن نكتب العبارة "نعم للقائد" على واحد من قمصاننا البيضاء لا بالحبر أو بالدهان وإنما بدمنا ! وهرع البعض فاستجابوا وأحضروا من مسؤول المهجع الصحي إبرة وجعلوا يسحبون من أوردتهم ما يكفي من الدم ليكتبوا به على القميص
بشارات !
وفي ليلة من ليالي شهر كانون الأول من عام 1991 وجدتني أستغرق في النوم فأرى في المنام الشرطة العسكرية يدخلون علينا في المهجع بملابسهم الكاكية وطاقياتهم الحمراء وسحناتهم البغيضة ويخبروننا بقرار انتقالنا من هذا المكان . ورأيتني أمضي إلى زاوية من زوايا المهجع اعتدنا أن نكدس فيها حقائبنا البالية فأحمل من بين الأكداس حقيبتي وتأتي مجموعة من الشباب فيفعلون ما فعلت . ورأيت علي دوبا رئيس فرع المخابرات العسكرية يمضي معنا أو نمضي معه فننطلق إلى باص كان بانتظارنا ونركب فيه جميعنا ونمضي . وبعد أن غادر الباص سجن تدمر وقطعناه بمسافة بعيدة انتهى المنام . فلما استيقظت وقصصت الرؤيا على الشباب حولي تفاءلوا وقالوا لي إن شاء الله يفرجها الله عليك .
ولم يمض يومان فقط حتى وجدت الشرطة ينادون اسمي بعد صلاة العصر وكان يوم أربعاء . فلما خرجت إليهم سألوني عن اسمي الكامل واسم أبي وأمي فأجبتهم . فلم يزيدوا أن قالوا لي من غير أي تعليق :
ضب أغراضك وجهز حالك لبرة .
وكنا جميعاً متعودين أن يأتينا مثل هذا الإيعاز في أي لحظة . سواء للإنتقال من مهجع إلى آخر أو للخروج إلى الإعدام ! ووجدت الإخوة يلتفون حولي ويودعونني ولا يدري أحد منا إلى أين المصير . وخرجت وقد وضعت الطماشة على عيني وعقدت يدي خلف ظهري كالعادة ومضيت أتبعهم . فأدركت أنهم يقودونني باتجاه الساحة السادسة التي تنفذ فيها أحكام الإعدام . فجعلت أتقلب بين هواجس اقتراب النهاية وأحاسيس غامضة تبشرني من أعماقي بدنو الفرج . وجعلت أتساءل بيني وبين نفسي عن سبب اقتيادي إلى الباحة السادسة إذا كان هناك إفراج . ولماذا لم يأخذونني إلى الذاتية في الباحة الأولى لأخرج من حيث دخلت قبل عشرة أعوام أو أكثر !
ولم تطل بي التساؤلات التي قطعها توقف الركب وصوت باب يفتح ونداء واحد من الشرطة يقول لي :
أدخل ولا .
وأغلق الباب ورائي .. وأحسست أن الشرطة تركوني وذهبوا .. وأن ثمة من يشاركني هذا المكان الجديد ويهمهم حولي . وبحذر شديد أرسلت يدي من وراء ظهري إلى وسطي . فلما تأكدت أن أحداً لم ينتهرني أو يصرخ في رفعتهما إلى وجهي وفككت الطماشة عن عيني . فوجدتني محاطاً بعدد من السجناء يتطلعون في وأتطلع فيهم .
خير يا شباب شو في ؟
سألتهم متوجساً ومستغرباً .. فقالوا ببشاشة وبشر :
ان شاء الله خير . هناك إخلاء سبيل .
ماذا ؟
قلتها وأنا لا أكاد أصدق أو أستوعب ما قالوا . فكرروا علي وأكدوا لي . ولم يلبث أن أطل علينا من فوق الشراقة أحد الشرطة وقال لنا من غير أن نعرف السبب الشيء نفسه . ولم تمض نصف ساعة أخرى حتى فتح الباب من جديد فهرعنا من فورنا حسب العادة واتجهنا برؤوسنا إلى الجدار . وتقدم واحد ممن سبقوني فقدم الصف . وأحسسنا بدخول أشخاص عديدين وراءنا ، فتوجست خيفة وأنا أتوقع كل شر ولا أستغربه . وأتانا الإيعاز مرة واحدة :
وراء در .
فاستدرنا وعيوننا لا تزال مغمضة حسب التعليمات . لكن الإيعاز أتانا مرة أخرى يقول :
ارفع راسك ولا وفتح عينيك .
مفاجآت !
فتحت عيني يكاد يشلهما الخوف فراعني أن أنظر فأرى لأول مرة طوال تلك السنوات سحنة جلادينا بوجوه آدمية من لحم ودم . ولم يكن مألوفاً لي ولا لأحد ممن معي أبداً أن نبصر شخصاً في هذا المكان معافى في بدنه متأنقاً في ملبسه ، نبت الشعر في رأسه وشاربيه بشكل طبيعي وطال من غير أن تجرده آلة الحلاقة أو تشوهه الصفعات واللطمات !
وأمعنا النظر ونحن كالطفل الذي يطلع على العالم من حوله لأول مرة فرأينا مساعد السجن محمد نعمة ورئيس السجن نفسه غازي الجهني يقفان في مواجهتنا ومن ورائهما وعن أيمانهما وشمائلهما الزبانية يترصدوننا بنظراتهم الماكرة . وبعبارات مقتضبة أخبرنا العقيد الجهني أن سيادة رئيس الدولة أصدر عفواً عنكم .. وإن هي إلا أيام وتكونوا بين أهليكم . وأمرنا من ثم أن نخلع ملابسنا جميعاً ونبقى بالشورت فقط . والتفت إلى كومة من الملابس والأحذية العسكرية الجديدة فأمر الشرطة أن يوزعوها علينا ثم مضى ومعه المساعد والشرطة وأغلقوا علينا الباب .
عقدت المفاجأة ألسنتنا جميعاً وأصابتنا بالربكة إلى حين . حتى إذا هدأت النفوس واستقرت اتجهنا إلى بعضنا البعض نتساءل ونتداول ونحاول أن نجد تفسيراً لما يجري فلم نفلح . وأخذت أتملى في رفاق هذا المهجع الجديد فوجدتهم قرابة الخمسة والثلاثين شخصاً عركتهم المحنة وناءت بكلكلها عليهم مثلما فعلت بي ، فلم تترك فيهم إلا سحناً مصفرة وعيوناً ذابلة وأجساداً واهنة ..
وانقضى يوم الأربعاء ونحن في هذا المهجع الذي يسمى مهجع 6 على 2 الجديد نتجاذب أطراف الحديث ونتعرف على بعضنا البعض . وجاء الخميس وانقضى كما جاء ونحن نقطع الوقت بتبادل أخبار المهاجع وروايات العذاب والأسى . وكذلك حدث في اليوم التالي ونحن نقترب من الشك ونكاد ننتكس من التفاؤل إلى التشاؤم من جديد . حتى إذا كان صباح السبت وجدناهم ينادوننا للخروج من المهجع والإنتظام في صف في الخارج أمامه . فخرجنا كذلك مغمضي العيون منكسي الرؤوس يلتصق واحدنا بأخيه خشية أن يتعثر . لكن الإيعاز جاءنا كذلك بأن نفتح عيوننا ونتطلع بشكل طبيعي . فلما فعلت وفتحت عيني هالني أن أنظر إلى هذا المكان الرعيب الذي ضمتني جدرانه وحملتني أرضه وأكلت عصي زبانيته وسياطهم من جسدي ما شاء الله أكثر من عشر سنوات فكأنني أراه الآن لأول مرة
كان كل جدار أقابله كطود جاثم على صدري عشر سنوات من غير أن أراه . وكل باب غليظ مشبك بالحديد كشوكة في حلقي أبصرها الآن لأول مرة . وهذه الوجوه الكالحة وتلك القسمات الطاغية وهذه المهاجع المقفلة كالتوابيت كم مرة لطمتني أو عركتني أو حملتني وأنا رهين المحبسين ترهقني ذلة الأسر ورهبة الظلام وقد أطبقت أجفاني على نوافذ الضياء بالإكراه فلا أرى خارج المهجع إلا الظلام وحسب !
بوابة المغادرين !
وسار ركبنا نحن الذين صدر العفو عنا كخط النمل يتجه نحو الباحة الخامسة وأنا أتوقع أن نمضي الآن إلى الذاتية لنتسلم أماناتنا ونسجل أسماءنا ونخرج من الباب الذي دخلنا منه . لكني وجدت الركب ينعرج بنا باتجاه المطابخ نحو باب خلفي للسجن اعتادت سيارات الجيش أن تدخل الطعام والمشانق منه وتخرج عائدة بالقدور الفارغة وجثث الموتى والمعدومين بنفس الوتيرة ونفس البرود ! وعلى مقربة من الباب وجدنا باص تويوتا أحمر اللون بانتظارنا فصعدنا إليه لا ننبس ببنت شفة . ورافقنا في باصنا الذي توزعنا على مقاعده واجمين ثلاثة عناصر من المخابرات العسكرية لم يكن يبدو عليهم الإكتراث بأمرنا . وكنت عندما أتملى فيهم أحس أنهم ربما لم يدروا أين أمضينا آخر عشر سنوات من أعمارنا أو حتى أنهم كانوا عندما دخلنا زنزانات الفرع الذي أتوا منه قبل اثنتي عشرة سنة خلت مجرد طلاب في المرحلة الإعدادية أو الثانوية على أبعد تقدير !
دمعة شكر
ومضى الباص بنا يزمجر على هذا الخط الضيق يسرع ساعة ويبطؤ أخرى . ونحن فيه كأننا الأطفال في أرحام أمهاتهم نشاهد العالم في الخارج من غير أن ندرك علاقتنا به أو مصيرنا فيه . والمشاهد من حولنا تتسارع وتتغير وتتبدل . والوجوه والبيوت والبهائم والسيارات والغيوم والسماوات كلها كالكلمات الغريبة في قاموس لغة نسيناها منذ أكثر من عقد خلى !
وارتددت إلى نفسي لحظة فجعلت أتذكر المنام الذي شاهدته قبل بضعة أيام وحسب . وجعلت أقارن الباص الذي ركبته في المنام وهذا الباص الذي يقلنا الآن . والجمع الذين هرعوا في الرؤيا لمرافقتي وجمع الإخوة الذين معي . ورئيس المخابرات العسكرية هناك وجنده هنا . ووجدتني من غير إرادة مني أتبسم وقد نسيت كيف تفتر الشفاه عن ابتسامة سعد . وأتجه بجوارحي كلها إلى الله العلي الرحيم أود أن أسجد له كل عمري شاكراً . فلم تجبني من كل هاتيك الجوارح المأخوذة بتسارع الأحداث وقتها إلا دمعة حرى طفرت من عيني على وجل .
وأسرع السائق بالحافلة .. وأسرعت بنا الخواطر والخيالات والتساؤلات والأماني والمخاوف كلها تتراكض فينا معاً . وعبرنا تدمر المدينة من غير أن نلفت فيها نظر أحد . وتخطينا حمص مرقد خالد بن الوليد تغشاها كآبة ووحشة .. وأشرفنا على دمشق عاصمة الأمويين والمجد والفتوحات بالأمس .. ومهد المظالم والقهر ووكر الطائفية اليوم . وأكمل الباص بنا إلى فرع المخابرات العسكرية من جديد . وتسلمنا الزبانية كالعادة تغيرت وجوههم وأسماؤهم ولم يتغير من عدوانيتهم شيء . وبعد أن أخذوا أسماءنا وتسلموا أماناتنا أدخلونا على واحد من المهاجع تحت الأرض لنقضي ليلتنا هناك .
صفحة جديدة !
وفي اليوم التالي الثامن والعشرين من كانون الأول جمعونا كلنا في قاعة محاضرات واسعة ووزعونا على كراسيها الوثيرة . واعتلى مجموعة من الضباط المدنيين المنصة . وتقدم أحدهم منا فألقى فينا كلمة مقتضبة استهلها بالثناء على الرئيس القائد الذي يعرف الناس كل الناس أن الكرم من سماته .. وأنه ينظر إلى الشعب بعين الرأفة والعطف على الدوام .. ولذلك أصدر أمراً بالإفراج عنا بمناسبة إعادة انتخابه ! وقال لنا المتحدث أن بعضنا ربما لم يكن يستحق كل هذا الإعتقال الطويل .. وأن بعضنا الآخر نال الآن جزاءه . ودعانا أن ننسى كلنا الماضي ونبدأ صفحة جديدة من اليوم . فيذهب الطالب إلى مدرسته . والعامل إلى مصنعه . والموظف إلى وظيفته . ويعود الكل إلى حياتهم الطبيعية وينسوا الماضي . وختم المتحدث كلمته منوهاً أن الفرع سيوصل كلاً منا إلى محافظته ومدينته .
وانفض الإجتماع .. وجعل رجال المخابرات يقتادون كل مجموعة من المعتقلين إلى زاوية حسب محافظاتهم . ولما كنت الأردني الوحيد فقد اقتادوني مع أربعة عناصر منهم إلى سيارة اتجهت بنا إلى الحدود السورية الأردنية مباشرة . وعندما وصلنا مدينة درعا بعد منتصف الليل سلموني للشرطة المدنية هناك . وتقدم هؤلاء فسلموني بدورهم إلى المخابرات الأردنية على الطرف الآخر من الحدود ، ولم يزيدوا عن أن قالوا لهم أنني كنت موقوفاً لديهم . فلما استلمني الأردنيون وسألوني عن جوازي أو وثيقة تثبت شخصيتي لم أجد شيئاً أقدمه لهم . فعاد واحدهم وسألني منذ متى تم توقيفي . سألته : ما اليوم ؟ قال : 29 كانون الأول 1991 . قلت أرد على سؤاله : منذ أكثر من إحدى عشرة سنة إذاً . منذ الثامن من تشرين الأول عام 1980 . فكاد الرجل يصعق من المفاجأة . وعندما وصلت والدتي ووالدي وأختي بعد ساعات لاستلامي لم تكن مفاجأتهم أقل منه وهم يرون ولدهم الذي غادرهم ابن تسع عشرة سنة عاد إليهم اليوم ابن إحدى وثلاثين . ناحل الوجه ، حليق الرأس ، منهك القوى ، يرتدي ملابس العسكريين الكاكي وحذاء الجيش . ووجدتني أمام أهلي الذين غادرتهم أصحاء أشداء أنهكتهم بدورهم السنون وهدتهم اللوعة .
وهرعت إلى يدي والدي رحمه الله أقبلهما وإلى أمي أحضنها وأطلب منهما السماح . وجعلت والدتي تنظر في وجهي تتفرس فيه وتقول لي : أنت محمد ؟ أكيد أنت محمد ! وتناولت يدي تقلبها وتُبَحِر فيها ولا تكاد تصدق ! وتناولت أنا يديها ألثمهما وأطلب منها مجدداً الرضا والسماح . وتدفقت عبراتنا جميعاً وخنقنا النشيج . واحدودب بعضنا على بعض وكأننا نتقي جورة الزمان وتربص المتربصين
وأقفلت بنا السيارة تعود بي إلى بيت أهلي الغوالي بعد غيبة عقد ونيف من الزمان .. وكرت الأسئلة وتدفقت الحكايات .. وانفجرت الأحزان والآلام والحسرات حبيسة دهر من الزمان . دهر كل لحظة فيه كانت أثقل من الدهر كله .. وكل زفرة أو شهقة من أيامه لها حكاية تحكى .. ولوعة تفري الكبد .. وذكريات وشجى . لا توفي وصفها قواميس الأرض .. ولا تسبر أغوارها من الكلمات شيء .. ولا يمسح حرها إلا الرحمن الرحيم
وبعد ..
وبعد ..
فها هي ذي صفحات من ذكريات المحنة التي قدر لي أن أعيشها في سجون النظام السوري قد باتت جاهزة للتو تنتظر دورة المطبعة تأخذ مجراها . وإني إذ أحمد الله تعالى الذي يسر لي إخراج هذه الذكريات على شكل كتاب .. وأشكره من قبل ومن بعد أن نجاني وفرّج عني ومنّ بالحرية علي .. أود أن أسجل بعض نقاط أراها جديرة أن أختتم بها كتابي هذا ، سائلاً الله تعالى النفع والقبول .
1 – مرت عدة سنوات على خروجي من سجن تدمر مررت فيها بظروف عديدة متغيرة ، مما جعلني أنسى الكثير مما شاهدت ورأيت وسمعت في تلك المحنة الرهيبة . ولقد حاولت فيما كتبت أن أتحرى الدقة قدر المستطاع ، وأن أوثق المعلومات التي سجلتها ما وسعني الجهد . لكني أعلم أن الكمال لله وحده ، وأن كل بني آدم خطاء . وللزمن حكمه كما يقولون . ولذلك أرجو أن يسامحني القارىء الكريم إن وجد أي نقص أو عجز أو خطأ فيما قرأ ، وليصحح لي كل من ملك معلومة مكملة أو إضافة مفصلة .
2 - وفي هذا السياق ومن هذا المنطلق ، أدعو كل أخ مسه من فيح تلك المحنة جانب أو ناله من لظاها أذى ، وأدعو كل مواطن شهد على ممارسات النظام السوري القمعية مشهداً أو عرف خبراً أن يبادر ويسجل تجربته ويكتب مشاهداته وشهادته . ولو لم يكن لدى المرء فرصة للنشر اليوم أو كانت ظروفه لا تسمح الآن فغداً ستختلف الموازين وتتغير الأحوال إن شاء الله . لكن الأمانة تظل في أعناقنا والشهادة حق لا يقبل أن نكتمه . والذاكرة لن تدوم فيها المعلومات والذكريات كما هي اليوم . والعمر بيد الله لا ندري متى ينقضي . وإذا كان جيلنا قد عاصر جانباً من الأحداث واطلع على بعض أوجه النظام الديكتاتوري الطائفي في سورية ، فإن أجيالاً تالية وشعوباً أخرى تحتاج أن تعرف الحقيقة وتدرس ما حدث . ولا بد لكل من أراد أن يخطو على طريق الدعوة إلى الله أن يرصد تجارب سابقيه وخبرة المتقدمين عليه . أما أن تتكرر التجارب متماثلة متشابهة لا تستزيد واحدتها من أخراها ولا يتعلم لاحقها من سابقها فتلك علة معلة وجمود مهلك . وسبب كاف لتكرار النوازل والمآسي والنكبات .
3 - وحتى لا تتكرر النكبات وحتى تكتمل الفائدة من تسطير هذا الكتاب أراني واجباً علي أن أسجل خلاصة ما وصلنا إليه من قناعات ورؤى بعد سنوات محنتنا تلك . وإنني إذ أتحدث بضمير الجماعة هنا فإنما أقصد الغالبية من إخوة المحنة الذين جمعتني وإياهم على مدار سنوات متتالية القيود المطبقة والأبواب المغلقة .. وجلسات المصارحة والنقد الموضوعي والتقييم البناء . فوصلنا من بعد جدال وأخذ ورد إلى أن الإسلام الذي اعتنقناه واعتقدناه وحملناه في قلوبنا وامتحنا في سبيله وابتلينا .. هذا الإسلام لا زال من بعد كل هذه المحنة والعذاب والمشانق والمجازر هو الحق لم يتغير ، وهو الهدف لم يتبدل ، وهو الطريق لم نحد بإذن الله عنه . ولا زلنا حقيقة على قناعة خالصة بوجوب العمل لدين الله ونشر دعوته ، وحتمية تبليغ رسالته الخالدة لأنها الأمل الوحيد لنجاة البشرية جمعاء .
4 - أما الذي توقفنا عنده وانكببنا على النظر إليه فهو الكيفية والوسيلة التي يمكن أن نحقق بها ما اعتقدناه . فمن خلال محنتنا وكربتنا .. وبعد الثمن الباهظ الذي دفعناه دماً وأرواحاً وزهرات من شباب الدعوة ورصيد من النجاح انهار وانقضى .. تبين لنا وتأكد وتحقق أن أول ما نحتاجه قبل أن نخطو أي خطوة تالية هو الصف المنظم الموحد . فوالله لم يؤت إخواننا المجاهدون في سورية - ولا في غيرها - من قلة مال أو سلاح أو عتاد ، ولم يهزمهم استبداد عدوهم أو قوة تسليحه أو شدة بطشه . ولكن التجربة أثبتت وأكدت أن الشر أتي من التنازع والإختلاف ، والبنيان تهدم من الفرقة قبل كل شيء .
إنني لم أتألم في كل سجني ومحنتي ولم أغص وأتحسر قدر ما غصصت بحديث الخلاف وتحسرت لواقع الفرقة بين أجنحة الحركة الإسلامية الواحدة والتنظيم الإخواني نفسه ، والذي رأينا عناصره يتكتلون بين دمشقي وحلبي وحموي .. وتابع لجناح هذا ومؤيد لجناح ذاك .. في الوقت الذي كان الزبانية يسحبون مجموعة من بيننا إلى حتفهم إثر مجموعة ودفعة وراء دفعة ! ثم ارتد الحال إلى خلافات القرون الوسطى فوجدنا هذه النخبة من أبناء الحركة الإسلامية يتفرقون بين صوفي وسلفي .. ومتبع ومبتدع . إلى درجة أننا بتنا نختلف على صوت الأذان الذي كان يصلنا من وراء القضبان والجدران ونتجادل فيه !
5 - أما القضية التالية التي وجدنا البدء من غيرها معناه التهلكة ، والمسير من غير أن تترسخ فينا نذير الضياع فهي التربية . ولقد كان أمراً عجباً أن تنفق كل الحركات الإسلامية جل جهدها وأكثر وقتها في الحديث عن التربية وتطبيقاتها ، ثم إذا فاجأتنا المحنة وجدنا أنفسنا أبعد ما نكون عن التربية الحقيقية وأكثر من يفتقدها !
وعندما أذكر التربية هنا فأنما أعني كل ما يندرج تحت هذا المسمى من أبواب : التربية الروحية .. والسلوكية .. والبدنية .. والعسكرية .. والتنظيمية .. والأمنية . وحتمية أن تجتمع كل هذه الأبواب في بناء شخصية الداعية . وإلا فما معنى أن يحضر شخص واحد باعترافاته مائة أخ من تنظيم سري ناشىء ؟ وكيف يفسر أن يضطلع فرد في هذا التنظيم بمسؤوليات تمكنه من معرفة كل الصف القيادي في التنظيم وعناصره الفاعلة وأسراره الخطيرة ومخابىء سلاحه ومواقع قواعده ورموز اتصالاته وكل صغيرة وكبيرة فيه !!
6 - ان قناعتنا بعد كل هذه المحنة في وجوب مقاومة الظلم لم تتغير بفضل الله ولن تتغير . والعمل للإسلام لما يزل كيوم دخلنا المحنة واجباً حتمياً وأمانة ملزمة ، لكنا إذا أردنا أن نحمل هذه الأمانة فلنحملها بوعي كامل وكفاءة كافية .. أو نتنحى لمن هو أقدر وأكفأ .
إنني ومن بعد التجربة أؤمن اليوم أننا إذا تخلينا فسيهيؤ الله تعالى من هو أقدر وأكفأ وأجدر على حمل الأمانة . أما إذا صممنا على تقدم الصفوف من غير إعداد كاف وكفاءة وحنكة فقد جنينا على أنفسنا وتجنينا على دين الله ودعوته . وهيهات هيهات أن ينصر قوم هذا حالهم وذاك الطريق الذي اختاروه .
هذه بعض ملاحظات أردت أن أختتم بها ذكريات المحنة وشهادة التجربة . سائلاً الله تعالى الرحمة والمغفرة وحسن الخواتيم . والحمد لله رب العالمين .
محمد سليم حماد
آب/1996
ملاحق مجزرة تدمر الكبرى على لسان منفذيها
في شهر شباط من عام 1981 أعلنت السلطات الأمنية الأردنية عن اعتقال مجموعة من المخابرات السورية في الأردن كانت تخطط لاغتيال السيد مضر بدران رئيس الوزراء الأردني وقتذاك . وكانت المفاجأة أن اعترف عدد من أفراد تلك المجموعة ، والذين ينتمون لسرايا الدفاع السورية ، بمشاركتهم في العام الذي سبق بمجزرة تدمر الكبرى ، وأدلوا على مشهد العالم وسمعه بتفاصيل تلك الجريمة . نثبتها هنا كواحدة من الشهادات النادرة على ما حدث ، وننقل أقوال الجناة بالنص الذي ورد في وسائل الإعلام الأردنية ، وتناقلتها وكالات الأنباء العربية والدولية من بعد
من سجل الشهداء ليس من السهل أبداً أن يصدر إحصاء حقيقي عن عدد شهداء سجن تدمر أو أسماء أولئك الشهداء . فالإرهاب الذي يحيط حياة المعتقلين ابتداء ، والسرية التي تتم بها الإعدامات من بعد ، وانقراض الشهود تلو الشهود ، والتوتر والخوف والتنقلات ، وانتظار الموت الدائم .. كل ذلك يجعل المعتقل ذاهلاً عن كثير مما يدور حوله ، جاهلاً بما يحدث حتى خلف باب المهجع الذي يقبع فيه .
ومما رسخ في الذاكرة ، وبعد تمحيص وتدقيق ومراجعة متكررة ، أستطيع أن أثبت فيما يلي أسماء من شهدت إعدامهم بنفسي ، أو سمعت أسماءهم تتلى من سجل المطلوبين للإعدام ، أو بلغني من مصادر ثقة أن إعدامهم قد تم تنفيذه فعلاً . وغالب أولئك قضوا في سجن تدمر ، وقليل منهم أعدموا في سجن المزة وحمل إلينا الخبر القادمون ممن عاصروا إعدامهم هناك . وإني وأنا أسأل الله تعالى الرحمة والقبول للشهداء ، أؤكد ما هو معلوم من الأمر بالضرورة ، بأن عدد الذين قضوا على أعواد المشانق أو بأيدي الجلاوزة والزبانية . أضعاف أضعاف هذا الرقم . وأعود لذلك فأهيب بكل أخ شهد هذه المحنة أو علم عنها مهما علم ، أن يسجل ذاك الذي شهد ، ويوثق ما علم وما وعى ، عسى أن تكمل أمثال هذه الأعمال بعضها البعض ، وتكمل الجهود المتعددة صورة الفاجعة ، وتحفظ للأجيال مدى الشناعة التي اقترفتها الأيدي الآثمة ، بحق أبناء القطر السوري المنكوب
واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين
واحب ان اشكر جميع من شاركني اما بمتابعة القصه اوبردود
اختكم ام عماره
فها هي ذي صفحات من ذكريات المحنة التي قدر لي أن أعيشها في سجون النظام السوري قد باتت جاهزة للتو تنتظر دورة المطبعة تأخذ مجراها . وإني إذ أحمد الله تعالى الذي يسر لي إخراج هذه الذكريات على شكل كتاب .. وأشكره من قبل ومن بعد أن نجاني وفرّج عني ومنّ بالحرية علي .. أود أن أسجل بعض نقاط أراها جديرة أن أختتم بها كتابي هذا ، سائلاً الله تعالى النفع والقبول .
1 – مرت عدة سنوات على خروجي من سجن تدمر مررت فيها بظروف عديدة متغيرة ، مما جعلني أنسى الكثير مما شاهدت ورأيت وسمعت في تلك المحنة الرهيبة . ولقد حاولت فيما كتبت أن أتحرى الدقة قدر المستطاع ، وأن أوثق المعلومات التي سجلتها ما وسعني الجهد . لكني أعلم أن الكمال لله وحده ، وأن كل بني آدم خطاء . وللزمن حكمه كما يقولون . ولذلك أرجو أن يسامحني القارىء الكريم إن وجد أي نقص أو عجز أو خطأ فيما قرأ ، وليصحح لي كل من ملك معلومة مكملة أو إضافة مفصلة .
2 - وفي هذا السياق ومن هذا المنطلق ، أدعو كل أخ مسه من فيح تلك المحنة جانب أو ناله من لظاها أذى ، وأدعو كل مواطن شهد على ممارسات النظام السوري القمعية مشهداً أو عرف خبراً أن يبادر ويسجل تجربته ويكتب مشاهداته وشهادته . ولو لم يكن لدى المرء فرصة للنشر اليوم أو كانت ظروفه لا تسمح الآن فغداً ستختلف الموازين وتتغير الأحوال إن شاء الله . لكن الأمانة تظل في أعناقنا والشهادة حق لا يقبل أن نكتمه . والذاكرة لن تدوم فيها المعلومات والذكريات كما هي اليوم . والعمر بيد الله لا ندري متى ينقضي . وإذا كان جيلنا قد عاصر جانباً من الأحداث واطلع على بعض أوجه النظام الديكتاتوري الطائفي في سورية ، فإن أجيالاً تالية وشعوباً أخرى تحتاج أن تعرف الحقيقة وتدرس ما حدث . ولا بد لكل من أراد أن يخطو على طريق الدعوة إلى الله أن يرصد تجارب سابقيه وخبرة المتقدمين عليه . أما أن تتكرر التجارب متماثلة متشابهة لا تستزيد واحدتها من أخراها ولا يتعلم لاحقها من سابقها فتلك علة معلة وجمود مهلك . وسبب كاف لتكرار النوازل والمآسي والنكبات .
3 - وحتى لا تتكرر النكبات وحتى تكتمل الفائدة من تسطير هذا الكتاب أراني واجباً علي أن أسجل خلاصة ما وصلنا إليه من قناعات ورؤى بعد سنوات محنتنا تلك . وإنني إذ أتحدث بضمير الجماعة هنا فإنما أقصد الغالبية من إخوة المحنة الذين جمعتني وإياهم على مدار سنوات متتالية القيود المطبقة والأبواب المغلقة .. وجلسات المصارحة والنقد الموضوعي والتقييم البناء . فوصلنا من بعد جدال وأخذ ورد إلى أن الإسلام الذي اعتنقناه واعتقدناه وحملناه في قلوبنا وامتحنا في سبيله وابتلينا .. هذا الإسلام لا زال من بعد كل هذه المحنة والعذاب والمشانق والمجازر هو الحق لم يتغير ، وهو الهدف لم يتبدل ، وهو الطريق لم نحد بإذن الله عنه . ولا زلنا حقيقة على قناعة خالصة بوجوب العمل لدين الله ونشر دعوته ، وحتمية تبليغ رسالته الخالدة لأنها الأمل الوحيد لنجاة البشرية جمعاء .
4 - أما الذي توقفنا عنده وانكببنا على النظر إليه فهو الكيفية والوسيلة التي يمكن أن نحقق بها ما اعتقدناه . فمن خلال محنتنا وكربتنا .. وبعد الثمن الباهظ الذي دفعناه دماً وأرواحاً وزهرات من شباب الدعوة ورصيد من النجاح انهار وانقضى .. تبين لنا وتأكد وتحقق أن أول ما نحتاجه قبل أن نخطو أي خطوة تالية هو الصف المنظم الموحد . فوالله لم يؤت إخواننا المجاهدون في سورية - ولا في غيرها - من قلة مال أو سلاح أو عتاد ، ولم يهزمهم استبداد عدوهم أو قوة تسليحه أو شدة بطشه . ولكن التجربة أثبتت وأكدت أن الشر أتي من التنازع والإختلاف ، والبنيان تهدم من الفرقة قبل كل شيء .
إنني لم أتألم في كل سجني ومحنتي ولم أغص وأتحسر قدر ما غصصت بحديث الخلاف وتحسرت لواقع الفرقة بين أجنحة الحركة الإسلامية الواحدة والتنظيم الإخواني نفسه ، والذي رأينا عناصره يتكتلون بين دمشقي وحلبي وحموي .. وتابع لجناح هذا ومؤيد لجناح ذاك .. في الوقت الذي كان الزبانية يسحبون مجموعة من بيننا إلى حتفهم إثر مجموعة ودفعة وراء دفعة ! ثم ارتد الحال إلى خلافات القرون الوسطى فوجدنا هذه النخبة من أبناء الحركة الإسلامية يتفرقون بين صوفي وسلفي .. ومتبع ومبتدع . إلى درجة أننا بتنا نختلف على صوت الأذان الذي كان يصلنا من وراء القضبان والجدران ونتجادل فيه !
5 - أما القضية التالية التي وجدنا البدء من غيرها معناه التهلكة ، والمسير من غير أن تترسخ فينا نذير الضياع فهي التربية . ولقد كان أمراً عجباً أن تنفق كل الحركات الإسلامية جل جهدها وأكثر وقتها في الحديث عن التربية وتطبيقاتها ، ثم إذا فاجأتنا المحنة وجدنا أنفسنا أبعد ما نكون عن التربية الحقيقية وأكثر من يفتقدها !
وعندما أذكر التربية هنا فأنما أعني كل ما يندرج تحت هذا المسمى من أبواب : التربية الروحية .. والسلوكية .. والبدنية .. والعسكرية .. والتنظيمية .. والأمنية . وحتمية أن تجتمع كل هذه الأبواب في بناء شخصية الداعية . وإلا فما معنى أن يحضر شخص واحد باعترافاته مائة أخ من تنظيم سري ناشىء ؟ وكيف يفسر أن يضطلع فرد في هذا التنظيم بمسؤوليات تمكنه من معرفة كل الصف القيادي في التنظيم وعناصره الفاعلة وأسراره الخطيرة ومخابىء سلاحه ومواقع قواعده ورموز اتصالاته وكل صغيرة وكبيرة فيه !!
6 - ان قناعتنا بعد كل هذه المحنة في وجوب مقاومة الظلم لم تتغير بفضل الله ولن تتغير . والعمل للإسلام لما يزل كيوم دخلنا المحنة واجباً حتمياً وأمانة ملزمة ، لكنا إذا أردنا أن نحمل هذه الأمانة فلنحملها بوعي كامل وكفاءة كافية .. أو نتنحى لمن هو أقدر وأكفأ .
إنني ومن بعد التجربة أؤمن اليوم أننا إذا تخلينا فسيهيؤ الله تعالى من هو أقدر وأكفأ وأجدر على حمل الأمانة . أما إذا صممنا على تقدم الصفوف من غير إعداد كاف وكفاءة وحنكة فقد جنينا على أنفسنا وتجنينا على دين الله ودعوته . وهيهات هيهات أن ينصر قوم هذا حالهم وذاك الطريق الذي اختاروه .
هذه بعض ملاحظات أردت أن أختتم بها ذكريات المحنة وشهادة التجربة . سائلاً الله تعالى الرحمة والمغفرة وحسن الخواتيم . والحمد لله رب العالمين .
محمد سليم حماد
آب/1996
ملاحق مجزرة تدمر الكبرى على لسان منفذيها
في شهر شباط من عام 1981 أعلنت السلطات الأمنية الأردنية عن اعتقال مجموعة من المخابرات السورية في الأردن كانت تخطط لاغتيال السيد مضر بدران رئيس الوزراء الأردني وقتذاك . وكانت المفاجأة أن اعترف عدد من أفراد تلك المجموعة ، والذين ينتمون لسرايا الدفاع السورية ، بمشاركتهم في العام الذي سبق بمجزرة تدمر الكبرى ، وأدلوا على مشهد العالم وسمعه بتفاصيل تلك الجريمة . نثبتها هنا كواحدة من الشهادات النادرة على ما حدث ، وننقل أقوال الجناة بالنص الذي ورد في وسائل الإعلام الأردنية ، وتناقلتها وكالات الأنباء العربية والدولية من بعد
من سجل الشهداء ليس من السهل أبداً أن يصدر إحصاء حقيقي عن عدد شهداء سجن تدمر أو أسماء أولئك الشهداء . فالإرهاب الذي يحيط حياة المعتقلين ابتداء ، والسرية التي تتم بها الإعدامات من بعد ، وانقراض الشهود تلو الشهود ، والتوتر والخوف والتنقلات ، وانتظار الموت الدائم .. كل ذلك يجعل المعتقل ذاهلاً عن كثير مما يدور حوله ، جاهلاً بما يحدث حتى خلف باب المهجع الذي يقبع فيه .
ومما رسخ في الذاكرة ، وبعد تمحيص وتدقيق ومراجعة متكررة ، أستطيع أن أثبت فيما يلي أسماء من شهدت إعدامهم بنفسي ، أو سمعت أسماءهم تتلى من سجل المطلوبين للإعدام ، أو بلغني من مصادر ثقة أن إعدامهم قد تم تنفيذه فعلاً . وغالب أولئك قضوا في سجن تدمر ، وقليل منهم أعدموا في سجن المزة وحمل إلينا الخبر القادمون ممن عاصروا إعدامهم هناك . وإني وأنا أسأل الله تعالى الرحمة والقبول للشهداء ، أؤكد ما هو معلوم من الأمر بالضرورة ، بأن عدد الذين قضوا على أعواد المشانق أو بأيدي الجلاوزة والزبانية . أضعاف أضعاف هذا الرقم . وأعود لذلك فأهيب بكل أخ شهد هذه المحنة أو علم عنها مهما علم ، أن يسجل ذاك الذي شهد ، ويوثق ما علم وما وعى ، عسى أن تكمل أمثال هذه الأعمال بعضها البعض ، وتكمل الجهود المتعددة صورة الفاجعة ، وتحفظ للأجيال مدى الشناعة التي اقترفتها الأيدي الآثمة ، بحق أبناء القطر السوري المنكوب
واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين
واحب ان اشكر جميع من شاركني اما بمتابعة القصه اوبردود
اختكم ام عماره
الصفحة الأخيرة
غير أن الرأي لدى بعض الإخوة كان مختلفاً بعض الشيء كما يبدو . والصبر على هذه الأهوال وقد فاض الكيل انتهى بهم إلى قرار الإنتقام من أجير الإدارة وكلبها الخسيس أبي عوض . الذي بلغ تطاوله مدى لا يسكت عنه .. وتجاوزت وقاحته حدود العفة والأخلاق . فاتفق عدد من شباب المهجع 26 على تأديبه ونفذوا ما اتفقوا عليه . فاجتمعوا وانهالوا عليه ضرباً لم يكن له أن يرده . فلما قلب أبو عوض الأمور وفكر وقدر .. وجد نفسه قد انكشف وتحطمت هيبته الواهية . ورآها كأنما فرصة ترفع منزلته لدى المدير الجديد . فطلب مقابلة الرقيب فجأة وأخبره بأن لديه أخباراً مهمة يريد أن يوصلها للإدارة . ولما سأله عن نوع هذه الأخبار قال له أبو عوض إنه اكتشف وجود تنظيم للإخوان داخل المهجع . فكانت هذه العبارة أكثر من كافية لتستنفر الرقيب والمدير وكل الزبانية على هذه الحفنة من السجناء المساكين .
واقتحم الشرطة المهجع على الفور ينتظرون الإشارة ليفتكوا بالمساجين . فلما رأى الإخوة الأمر بهذه الخطورة قرروا أن يقفوا صفاً واحداً في وجه افتراءات أبي عوض وتسلطه . وجعلوا يخبرون الرقيب بكل مخالفاته وسرقاته والرشاوى التي أخذها والإنحرافات التي أحدثها . وأكدوا له أن اتهامات أبي عوض محض اختلاق . وأنهم أمامه جميعاً مستعدون لتحمل أشد أنواع العقوبات إذا ثبت من تلك الإتهامات شيء .
وسبحان من جعل الشرطة يصدقون السجناء هذه المرة . لا ندري أهي غيرة من أبي عوض الذي بات يتمتع بمزايا ويجمع من الأرباح والأموال ما لم يتح حتى للشرطة العسكرية أنفسهم .. أم أن الأمر أتى انسجاماً مع عهد المدير الجديد الذي أراد أن يساوي المساجين كلهم في العذاب والمعاناة ويفرض هيبته على رموز العهد البائد ! كل الذي دريناه وعلمناه أن الرقيب أمر أبا عوض وقد بُهِت أمام جرأة الإخوة أن يجمع أغراضه ويخرج . ومن رئاسة مهجع 26 اقتيد أبو عوض إلى الحلاق هذه المرة فجز شعره وشاربيه ، ثم ألقي به في مهجع 31 مجرداً من كل صلاحياته السابقة .
ودارت الدائرة على أبي عوض . وجعل الشرطة منه هدفاً معلّماً يخرجونه إلى الباحة كل يوم لينال عذاباً مستقلاً . وصرنا نسمع صياحه وتوسلاته تصم الآذان .. وصراخه يملؤ السجن كله . حتى سلخوا جلده من القتل وحطموه من التعذيب . وظل ستة أو سبعة أشهر على هذه الحال يذوق وبال أمره ويكتوي بسيف أسياده أنفسهم . وفي أواخر عام 87 نقل أبو عوض إلى سجن صيدنايا مع مجموعة من السجناء . فأنجانا الله من شره ومكره . وأرانا آية باهرة فيه لا تنسى .
لمحكمة !
وانتهى العام .. ومضت أيام عام 85 على نفس الوتيرة من العذاب والقهر والمعاناة .. لتمضي قرابة خمس سنوات على اعتقالي .. حكم خلالها من كان من دفعتي بما حكم ، ونفذت الإعدامات بمن كان نصيبه حكم الإعدام ولم تتم محاكمتي أنا بعد . ولقد كان ذلك مصدر قلق دائم لي . فالمصير الواضح يظل في النهاية أخف من انتظار المجهول . والأعمار كلها بقدر الله أولاً وأخيراً .
وفي يوم 30/3/1985 وحوالي الساعة العاشرة فتح الشرطي شراقة الباب في مهجع السل 35 وتلى أسماء عدد من السجناء من لائحة بيده مطلوبين للمحاكمة ، كان من ضمنهم اسمي أنا واسم أخوين آخرين من مهجعنا . وخرجنا أنا والأخ حزين قاسم محاميد من المعرة وهو ابن دفعتي أيضاً ، وثالثنا أخ من قرى حلب خريج المدرسة الشرعية من بيت المصطفى فيما أذكر . وفي باحة الذاتية تم تجميعنا قرابة السبعين أو ثمانين شخصاً مغمضي الأعين مكبلي الأيدي وأمرونا أن نجلس القرفصاء وجوهنا للجدار وظهورنا كالعادة باتجاه الشرطة الذين لم يكفوا عن ضربنا وركلنا ولطمنا بالعصي والخيزرانات والكرابيج .
وبعد قرابة الساعتين من الضرب والشتم والتعذيب وصل دوري ونادى المنادي اسمي فرفعت يدي بالإجابة . وعلى باب الغرفة التي تتم فيها المحاكمة أمرني الرقيب أن أفتح عيني واقتادني إلى كرسي أمام القاضي وأجلسني عليه . لكنني بقيت من خوفي وتحسبي مغمض العينين مطرق الرأس حسب التعليمات . فناداني هذا الرجل القابع وراء المكتب باسمي وقال لي أن أرفع رأسي وأنظر إليه .
فعلت ما قال صاحب الصوت .. ونظرت فرأيت رجلاً قصير القامة أصفر الوجه لئيم النظرات .. يتدلى حول شفتيه شاربان رفيعان يخضبهما الشيب فكأنهما شاربا فأر عجوز . يتوسط شخصين آخرين عن يمينه وشماله .. قدرت أنه سليمان الخطيب الذي طالما تحدث الإخوة عنه وقصوا من قصص لؤمه وخَبَله الكثير !
من نظمك ولا ؟
هكذا ابتدرني سليمان الخطيب بالسؤال .
قلت : سيدي أنا مش منظم .
قال : شو اسمك إنت ؟
محمد سليم حماد سيدي .
قال وهو يمعن النظر في إضبارتي : انت أردني ولا !
نعم سيدي .
ما بكفينا هالعرصات اللي عنا ولا .. انت جاي كمان هون تقاتل معهن ؟
قلت له : سيدي أنا ما قاتلت ولا عملت شيء .
وعاد يقرأ في الإضبارة للحظات ثم سألني :
شو علاقتك مع سالم الحامد ؟
قلت وقد تبين لي أنه لم يطلع على الملف من قبل : كنت أعرفه من الجامعة .
ومن غير أن يزيد أو ينقص عقد سليمان الخطيب حاجبيه وقطب جبينه ثم التفت نحوي وصاح :
نحنا عم نحكم الناس هون بالإعدام .. وإنت لازم نشنقك من بيضاتك !
واتجه بنظره إلى الرقيب وقال له وقد قضي الأمر : خذه .
وكانت تلك نهاية محاكمتي . ومضيت عائداً إلى الرقيب لا أكاد أحس لشيء من حولي بطعم أو معنى . فلما أعادني بدوره للشرطي أمرني ذاك ومن غير مقدمات أن أفتح يدي . فلما فعلت هوى بالكرباج عليهما ثم أمرني أن أجلس مكاني .
وتتابع دخول الإخوة إلى المحاكمة وخروجهم منها . حتى إذا انتهت الدفعة عادوا بنا كل إلى مهجعه . وأقبلت على الأخوين الذين خرجا من المهجع معي أسألهما عن الحكم فأخبراني أنه الإعدام أيضاً . لكن ذلك لم يكن بعد هذا الذي رأيناه طوال السنوات الخمس الماضيات يعني لنا الكثير . فالموت في هذا المكان متوقع في كل لحظة .. وهو إذا حدث خاتمة الأحزان وباب الفرج . ووالله ما رأيت أحداً ممن خرج إلى الإعدام كل هاتيك السنوات التي قضيتها هناك اختلجت له شعرة .. الكل كان إذا دنت ساعته مقبلاً غير مدبر . وإذا طلبوه بادر بنفسه يستبق إلى الباب رغبة منه بالشهادة ولقاء الله
بقرة أبي سليمان !
ومن المضحكات المبكيات التي لا تزال عالقة بذاكرتي عن أيام المحاكمات وحكاياتها أن أخاً ممن عرضوا على المحكمة كان طبيباً بيطرياً من منطقة الساحل السوري وكان يعمل في قرية دريكيش مسقط رأس سليمان الخطيب رئيس هذه المحكمة الهزلية . ولقد حدث أن أهل سليمان الخطيب كانوا يربون الأبقار كما يبدو . فلما مرضت إحداها أخذوها قدراً إلى ذلك الأخ ليعالجها . لكنها ماتت بقدر الله بعد ذلك . ودارت الأيام وإذ بالطبيب البيطري يقف أمام القاضي سليمان الخطيب نفسه . فلما عرفه اصفر واستفز وصاح فيه :
آبتذكر يوم جبنالك البقرة وقتلتها ولا ؟ روح بدي أعدمك .
ولقد تم إعدام الأخ المسكين بالفعل . وسمعنا القصة من عدد من الإخوة كانوا معه في نفس المهجع التقيناهم بعدها . سمعوا الرواية من الطبيب وشهدوا بأنفسهم إعدامه رحمه الله !
ومما كان يتداوله السجناء عن عبثية تلك المحكمة وسخافة رئيسها ومزاجيته أن أحد العسكريين الذين كانوا يخدمون في مدرسة المدفعية بحلب أيام استشهاد النقيب ابراهيم اليوسف الذي نفذ حادثة المدرسة قبل ذلك بشهور . هذا العسكري أُمِرَ مع بقية الضباط والجنود في المدرسة بالمرور على جثة النقيب المسجاة والبصق عليها . ويبدو أن الأخ امتنع عن التنفيذ أو أحجم أمام هيبة الموت .. فاعتقلوه من ساعتها وساقوه من سجن إلى آخر لينتهي به المطاف بين يدي النقيب سليمان الخطيب هذا في محكمة تدمر . فلما سأله لماذا امتنع عن تنفيذ الأمر العسكري أجاب الأخ بأنه لم يمتنع ولكن ريقه كان ناشفاً . فاتجه سليمان الخطيب إلى كاتب المحضر وأملاه ليكتب :
.. وبصق وكانت بصقته ناشفة . إعدام !
وأعدم الأخ كذلك .. وظلت القصة تدور على ألسنة السجناء واحدة من مهازل هذا النظام واستهتاره وظلمه . وشاهداً على سفاهة ذلك القاضي الدعي ومزاجيته وحقده .
منع الصيام
واستمرت المحنة تدور رحاها من غير رحمة . ولم يعد للأيام ولا السنوات في حياتنا معنى .. فالبرنامج اليومي لا يكاد يتغير . والعذاب والمعاناة لا تترك لواحدنا فرصة التقاط الأنفاس . والقتل والإعدامات قتلت فينا شهوة الحياة وأطفأت معنى المستقبل لدينا . وهكذا حل عام 86 متصلاً بمأساة الأعوام التي سبقته وواصلاً إياها لما بعده من أعوام تلت . وفي بداية ذلك العام كان قد جرى نقلي إلى مهجع المسلولين 29 في الباحة السابعة وصرت رئيساً له منذ ذاك . ولم يكن في الساحة التي عليها المهجع إلا مهجع ثان فقط هو مهجع 30 إضافة إلى المستوصف الذي تم تخصيصه للسجناء الشيوعيين كما ذكرت . فكان نصيبنا من التنفس مضاعفاً . وبدل أن يكون مرة في اليوم كما جرت العادة فقد أصبح مرتين الآن صبحاً ومساء . ساعة في كل مرة بدل أن تكون نصف ساعة كما سبق . وهذا يعني مزيداً من العنت والقتل والتعرض لأذى الشرطة المتربصين .
ولقد اشتد أذى الشرطة في تلك الفترة زيادة عما هو عليه وتمادوا في عدوانيتهم . فكنا إذا خرجنا إلى التنفس في الصباح أو في المساء جهزنا أنفسنا لحفل كامل من التعذيب ينتظرنا . ولكم كان يحلو لهؤلاء الزبانية أن يبطحوا واحداً منا على الأرض ويأخذوا بالقفز على ظهره أو على صدره بلا رحمة . ولكم تكسرت أضلاع إخوة منا في هذا النوع من التعذيب . ولا أنسى كيف قام واحد من هؤلاء الموتورين مرة بإخراج عضوه على مرأى الناس جميعاً وأخذ يبول علينا ونحن جالسين القرفصاء بين يديه في موعد التنفس ! وأما الجلد والضرب والمسبات البذيئة فهذه كلها لم تعد تدخل في الحساب لأنها جزء لازم من حياتنا على مدار السنوات التي خلت .
ومما لا يزال واضحاً في ذاكرتي عن ذلك العام أنهم منعوا فيه الصيام عنا في رمضان لأول مرة . فمن قبل كانوا يأتون لنا بالسحور والفطور بدل وجبات الطعام المعتادة . لكنهم وابتداء من رمضان عام 1986 امتنعوا عن ذلك . وصارت الوجبات الثلاث على فقرها تأتينا في مواعيدها العادية . وصار ممنوعاً ادخار الطعام إلى الفطور أو السحور . فإذا أحسوا أن أحدنا صائم أخرجوه وقتلوه قياماً وقعوداً وأجبروه على الإفطار . وهكذا صرنا ممنوعين من الصلاة ومن الصيام معاً . وزادنا الزبانية بذلك هماً جديداً وقهراً وعذاباً من نوع آخر .
كذلك يحضرني من ذكريات عام 1986 المريرة إعدام العميد أحمد غنوم الذي اعتقل منذ عام 1980 وظل طوال تلك السنين يعاني عذاباً مضاعفاً من الشرطة الحاقدين الذين كانوا يتلذذون بتعذيبه رحمه الله ، ويحسون بالنشوة وهم يرون إنفسهم يتحكمون بهذه الرتبة العسكرية العالية وهم مجرد أفراد مجندين في التسلسل العسكري
في انتظار الموت !
ومضت الأيام .. وبات الموت الآن أدنى إلينا نحن الذين حكمنا بالإعدام . وبعد شهرين .. وكما جرت العادة دوماً نصبت المشانق مع إطلالة الصباح واستعد الجلادون ، وبدأت جموع الشباب المؤمنين تساق إلى حتفها . وفتح باب مهجعنا ونادى الشرطي اسم الأخ الذي كان ثالثنا في المحكمة . لكن الذي حدث أنه رحمه الله كان قد مات قبل أسابيع قليلة بين أيدينا بعد أن غلبه السل وقضى عليه . فعاد الشرطي ومن معه يخرجون سجناء آخرين من المهاجع المجاورة . وأما أنا وما أن نادى الشرطي اسم الأخ حتى خلت منيتي قد حضرت . وإذا كانوا قد نادوا عليه فأنا وإياه قد حكمنا في يوم واحد .. وتنفيذ الحكم لا بد وأن يكون في نفس اليوم أيضاً . وهرعت من فوري فصليت ركعتي الشهادة على عجل . وجعلت أخلع عني ملابسي ليستفيد منها الإخوة الآخرون من بعدي .. ووقفت عند الباب متوجساً أنتظر أن ينادوا علي . وجعل الإخوة يقتربون مني واحداً بعد الآخر يودعونني ويثبتونني .. وراحت الخواطر تأخذني يسرة ويمنة .. وعبرت صورة أهلي أمام ناظري فغصصت . وتوجهت إلى الله تعالى أدعوه بسري أن يلهمهم الصبر والسلوان .. وأن يجمعني معهم في الجنة . وأخذت أسأله سبحانه أن يغفر لي ويتغمدني برحمته .. وأنظر إلى الباب أنتظر أن يفتح اللحظة . فإذا مرت قلت هي اللحظة التالية . لكن الوقت مر .. وانتهى تنفيذ الأحكام .. وهدأت الأمور في الخارج ولم يأت أحد . فلم أجد إلا أن أرتد إلى مكاني كما يرتد الغريق من غيبوبة الإختناق إلى صحوة الحياة .
وأيقنت أن في العمر بقية لم تزل ، وأن الأجل لم يحن بعد . ومضت أسابيع أخر .. واستعدت ساحتنا لتشهد مجموعة جديدة من أحكام الإعدام . وعاد الشرطي إلى مهجعنا فنادى الأخ الآخر حزين قاسم الذي حكم معي .. وساقوه إلى الموت وأنا عند الباب أنتظر دوري كما فعلت المرة السابقة . لكن أحداً لم يحضر لطلبي . وانتهت عملية الإعدامات كذلك من غير أن أكون أحد ضحاياها . وأخذت كلما سيقت إلى الإعدام دفعة من الإخوة أكرر ذات الموقف طوال السنوات الخمس التي تلت ! لا أشك في أي مرة منهن أن دوري قد حان الآن . وأحس أن خطأ ما قد حدث في المرات السابقات ولسوف يصححونه هذه المرة ويقودونني إلى أجلي لا ريب !
تقنين الطعام !
ومرت الأيام والشهور ولم يحن الأجل .. وخلال ذلك تم نقلي من مهجع 35 إلى مهجع السل 37 فالتقيت وجوهاً جديدة ، وتعرفت على إخوة لم يسبق لي أن التقيتهم من قبل . لكن الظروف كانت متماثلة ، والمعاناة ظلت واحدة . وزاد البلاء حينما طبق علينا نظام تقنين الطعام ابتداء من شهر أيلول 1986 فصار نصيب أحدنا من الخبز نصف رغيف فقط بدل الرغيفين الذين كنا نحصل عليهما في السابق ! وصرنا من جوعنا نأكل قشرة الصمونة مع واحدة من الوجبات ونوفر العجين بلبّها الذي لم ينضج للوجبة الثانية بعد أن اعتدنا في الفترة السابقة على رميه لأنه يصيب آكله بوجع البطن ولا يقي من الجوع . لكنا مع شدة الحاجة صرنا نعجنه مع البصل والملح ونوفره للوجبة التالية . ويوم أن كان يأتينا البرتقال كنا نقدمه على البصل فنمزجه بقشره مع العجين ، ونرش على الخليط ما توفر لنا من السكر ونحتفل به وكأنه طبق من الحلوى !
اليرقان
وهكذا انتشرت المجاعة في السجن وازدادت الأمراض وتزايد عدد الوفيات . حتى صرنا نودع في بعض الأحيان أخاً وأخوين كل يوم . وفي تلك الفترة وزيادة على البلاءات التي نحن فيها دهمنا عن غير ما موعد وباء اليرقان الكبدي .. فجعل الضحايا يتزايدون . ولخطورة هذا الوباء دعت إدارة السجن رؤساء المهاجع جميعاً إلى لقاء مشترك لتدارك الأمر . وكانت خشية الإدارة في مثل هذه الأحوال تنصب على المسؤولين وأفراد الشرطة بالدرجة الأولى . خوفاً على أنفسهم وخشية من أن تطولهم العدوى إذا انتشرت فينا . ولقد وفق الله أحد المسؤولين الصحيين وقتها فأبدى قناعته بأن الوباء إنما ينتشر عن طريق الدم بالدرجة الأولى . وأن ذلك يتم خلال الحلاقة الجماعية . ومن لطف الله أن إدارة السجن اقتنعت بكلامه . فتقرر من وقتها وقف الحلاقة الجماعية . وتم تسليم رئيس كل مهجع ماكينة حلاقة يدوية . يكون مسؤولاً عنها وعن أمر الحلاقة الدائمة لمهجعه . فرحمنا الله من عذاب الحلاقة من يومها . وخلصنا سبحانه من بعض هذا الضنك .
اختناق
ومع اشتداد الكرب وتوافد المزيد من السجناء على المهاجع التي اكتظت بنزلائها حدثت في شهر آب من عام 87 حادثة مثيرة . ففي ذلك الشهر الذي يسمونه آب اللهّاب ارتفعت الحرارة بشكل غير معقول في الوقت الذي كانت التهوية في المهاجع منعدمة والشراقات والنوافذ تجلب المزيد من السخونة ولا تقي من وهج الشمس شيئاً ، مما تسبب في حادثة اختناق جماعي كادت تودي بأرواح العشرات
ولقد بدأ الإختناق وقتها في مهجع السل 36 قبيل المغرب وأخذ السجناء الذين شارفوا على الموت يقرعون الباب وينادون الحرس وقد طاشت منهم العقول وشارفوا على الهلاك . فلما أتوا يسألونهم عم حدث صاحوا فيهم أنهم يختنقون . لكن الشرطة لم يأخذوا الأمر مأخذ الجد وتلكأوا في الرد عليهم . ففقد السجناء المساكين عقولهم وقد قاربوا أن يفقدوا أرواحهم جميعاً ، وأخذوا يقرعون الباب ويدقون على الجدران ويرفعون أصواتهم بالصراخ والمسبات .
وسرعان ما صدرت الأوامر للشرطة فانتشروا على أسطحة مهاجع الباحة كلها ، وسلطوا الرشاشات الكبيرة 500 مم على المهجع خشية أن يتطور الأمر إلى تمرد أو عصيان جماعي ، ثم فتحوا الباب للسجناء ليخرجوا إلى الباحة . وما أن فعلوا حتى اندفع الإخوة من غير وعي لا يلوون على شيء . وارتموا على الأرض يتلوون ويتقيأون . وحضر طبيب السجن وقتها وتأكد من جدية الأمر . ولم يلبث أن صدر الأمر بإخراج سجناء المهاجع كلهم إلى الباحات تفادياً لتكرار الأمر . وبقينا يومها في الهواء الطلق حتى قرابة الساعة الثانية بعد منتصف الليل قبل أن يعيدونا إلى مهاجعنا . ومن يومها وعلى مدى أسبوعين تاليين ظللنا نخرج إلى التنفس مرتين في اليوم من غير ضرب أو تعذيب . وسمحوا لنا وقتها أن نرش أرض الباحة الإسمنتية بالماء للتخفيف من حدة الحر . ثم لم تلبث هذه الإستثناءات أن انتهت . وعدنا إلى برنامج المعاناة نفسه . فنجونا من الحر القاتل ومن الإختناق ولكن إلى حين !
تنقلات
مضت أيام قليلة على حادثة الإختناق تلك لأراني أنقل من مهجع السل 29 إلى مهجع جديد للأصحاء
بنوه أمام مهجع 25 في الباحة السادسة أطلقنا عليه اسم "جديد ظهره" . فوجدتني في مساحة غرفة ونصف محشوراً مع مائة وعشرين سجيناً نكاد من شدة الزحام أن نجلس فوق بعضنا البعض !
ولقد تم اختياري رئيساً لهذا المهجع أول ما دخلناه . فلما رأيت الحالة على هذا الشكل اندفعت مع أول وجبة طعام يحضرونها إلينا وقلت للمساعد أن العدد كبير هنا . ومن غير أن يجيبني بشيء مضى المساعد وأرسل الشرطة بعد قليل فأخرجوني وأطعموني قتلة قياماً وقعوداً رجعت منها إلى المهجع محملاً !
لكن الحر لم يكن ليرحمنا .. والمكان يطبق علينا بجدرانه الصماء فكأنه القبر . ولم تمض أيام قلائل حتى طفح الكيل بنا وفقدنا القدرة على التحمل . وجعلنا قرابة منتصف الليل ننادي الشرطة وندق الباب ونقفز نحو النوافذ نكاد نختنق . وعاد الشرطة فأخرجونا إلى الباحة ساعة زمن ثم أعادونا . ثم لم يلبثوا وأن عادوا وطلبوا عشرين شخص منا ليغادروا إلى مهجع آخر فكنت في طليعتهم . ووجدتهم يقودوننا إلى مهجع 28 في نفس الباحة . فكانت فرصة لي للنجاة من الإزدحام من جهة ، والتعرف على إخوة جدد من ناحية أخرى . كان من أبرزهم الشيخ محمد سعيد عطا أحد تلاميذ الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي . فاستفدت من علمه ومن صحبته .
كذلك التقيت في مهجع 28 رجلاً من بيت العطار من حلب وجدت الإخوة يجهدون في مداراته وخدمته والتخفيف عنه . ولم ألبث أن أعلموني أن المسكين شهد سَوْقَ ولديه الإثنين إلى الإعدام أمامه وهما في مقتبل العمر . وما زاده ذلك إلا إيماناً وتسليماً
آخر الوافدين